والمستحب أن يقول عند وضعه في اللحد: اللهم أسلمَتْه الأشِحَّاء من أهله وولده وقرابته وإخوانه، وفارق من كان يحب قربه، وخرج من سعة الدنيا والحياة إلى ظلمة القبر وضيقه، ونزل بك وأنت خير منزول به، إن عاقبته فبذنبه، وإن عفوت عنه فأنت أهل العفو، وأنت غني عن عذابه وهو فقير إلى رحمتك، اللهم اشكر حسنته واغفر سيئاته، وأعذه من عذاب القبر، واجمع له الأمن من عذابك، واكفه كل هول دون الجنة، واخلفه في تركته في الغابرين، وارفعه في عليين، وعد عليه بفضلك ورحمتك يا أرحم الراحمين.
المسألة الخامسة: والمستحب أن يضجع الميت على جنبه الأيمن في لحده لقوله : ((إذا نام أحدكم فليتوسد يمينه)) (1)
والنوم أخو الموت. ولأن الرسول فُعل به هكذا وسائر الصحابة رضي الله عنهم بعده إلى يومنا هذا، ولأنه إذا فُعل به هكذا فإنه يكون مستقبلاً للقبلة بجميع بدنه لقوله : ((خير المجالس ما استقبل القبلة)) (2).
فإذا خالفوا وأضجعوه على جنبه الأيسر واستقبلوا بوجهه القبلة جاز ذلك لأنه في كلتا الحالتين مستقبل القبلة وهو المقصود.
ويستحب: أن يوسد رأسه بلبنة كالحي إذا نام، ويدلى إلى اللحد، ويجعل خلف ظهره تراب يشده لئلا يستلقي على ظهره، ولا تجعل يده تحت خده؛ لما روي عن عمر أنه قال: إذا مت فافضوا بخدي إلى الأرض. فأما قول الرسول : ((فليتوسد يمينه)). فإنما أراد جنبه الأيمن.
__________
(1) رواه البيهقي في (الكبرى) 6/196 بزيادة: ((...ثم ليقل بسم الله...)) الحديث، وأورده في (تخريج البحر) وقال: لم يرد هذا في المدفون وإنما ورد في النائم. اهـ 2/130.
(2) رواه في (المستدرك) 4/300، و(مجمع الزوائد)8/59، وسنن البيهقي الكبرى 7/272، ومصنف ابن أبي شيبة 5/265، والمعجم الكبير للطبراني 10/320.

ويكره أن يجعل الميت في تابوت، ولا يكاد يستعمله أحد في ديار اليمن إلا الباطنية، وهو بدعة لا حاجة إليها، لأن ما هذا حاله لم تدل عليه دلالة من جهة الشرع، ولا فعله الرسول ، ولا فعله أحد من الصحابة ولا أحد من أكابر أهل البيت"، وفي هذا دلالة على كونه بدعة وضلالة، ولو كان سنة لكان من ذكرناه أحق بفعله والمواضبة عليه.
ويكره أن يجعل تحت رأسه مخدة أو وسادة، وتحت جسمه طرَّاحة أو مُضَرَّبة(1).
ويكره أن يفرش له شيء من الحناء.
ويكره أيضاً: أن يدفن معه مصحف، أو يوضع على صدره وفي عنقه.
ويكره أن يكتب في الأكفان شيء من القرآن لأن هذا يؤدي إلى تنجيس المصحف بالصديد والقيح.
وإنما كرهت هذه الأمور كلها لما فيها من مخالفة السنة، فإنها لم تفعل للرسول في جهازه، ولا نبه عليها في كلامه، ولا فعلها أحد من أهل الصلاح.
وروي أن عمر قال: إذا أنزلتموني اللحد فأفضوا بخدي إلى الأرض. وعن أبي موسى الأشعري، أنه قال: لا تجعلوا بيني وبين الأرض شيئاً. ومثل هذا إنما يقال عن توقيف فهموه من جهة الرسول لأنه لا مدخل للاجتهاد فيه فيجب أن يكون عليه التعويل.
قال الإمامان القاسم والهادي: ويستحب أن ينصب على اللحد اللبن والصفا. لما روي عن سعد بن أبي وقاص، أنه قال: اصنعوا بي كما صنعتم برسول الله انصبوا عليَّ اللبن وأهيلوا عليَّ التراب(2).
وتسد الخلل التي تكون بين اللبن مخافة أن يقع التراب على الميت.
ويستحب لمن كان على شفير القبر ولمن حضر الجنازة: أن يحثي على القبر ثلاث حثيات، ثم يهال عليه التراب بالمساحي؛ لما روي عن الرسول : أنه حثا على قبر رجل من بني عبد المطلب ثلاث حثيات.
وروي عن فاطمة كرم الله وجهها، أنها قالت: كيف طابت نفوسكم أن تحثوا التراب على رسول اللّه .
__________
(1) فرش مخيط بضربات الإبرة.
(2) أخرجه مسلم والنسائي.

وروي عن أبي هريرة، أنه قال: قال رسول اللّه : ((من حثا في قبر أخيه ثلاث حثيات من تراب كفر عنه من ذنوبه ذنوب عام)) (1).
ويستحب أن يقول إذا حثا هذه الحثيات: ما روي عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه أنه كان يقول: اللهم إيماناً بك، وتصديقاً برسلك، وإيقاناً ببعثك، هذا ما وعدنا الله ورسوله، وصدق الله ورسوله، وصدق المرسلون(2).
ويكره أن يزاد على تراب القبر من غيره لأنه إذا زيد ارتفع من الأرض كثيراً وكان شاخصاً.
المسألة السادسة: ويكره تشييد القبر ورفعه عن الأرض وإشخاصه وزخرفته بالجص والصاروج(3)
__________
(1) قال في (تخريج البحر): حكاه في (الشفاء) وحكاه في (أصول الأحكام) من رواية أبي هريرة. اهـ 2/130، وجاء في (الاعتصام 2/189 استناداً إلى رواية الهادي له في (الأحكام).
قال الإمام القاسم: وهذا في أمالي أحمد بن عيسى×، ورواه في (شرح التجريد)
(2) أورده في (تخريج البحر) 2/130 نقلاً عن (الشفاء) بلفظه.
(3) الصاروج: النورة وأخلاطها التي تصرج بها النزل وغيرها، فارسي معرب، وكذلك كل كلمة فيها صاد وجيم لأنهما لا يجتمعان في كلمة واحدة من كلام العرب. وهو بالفارسية جاروف عُرِّبَ فقيل: صاروج، وربما قيل: شاروق، وصرجها به: طلاها، وربما قالوا: شرقة. اهـ. (لسان) 2/310.

والآجر وترتيبه بالعمارة. لما روي عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه؛ أنه قال: أمرني رسول اللّه ألاَّ أدع قبراً مشرفاً إلا هدمته، ولا تمثالاً إلا طمسته(1).
ويستحب أن يشخص القبر على وجه الأرض مقدار الشبر. لما روى جعفر الصادق أن قبر الرسول رفع على وجه الأرض مقدار الشبر.
ويستحب أن يطرح عليه الرضراض. لما روى القاسم بن محمد، أنه قال: قلت لعائشة: يا أمه إكشفي لي عن قبر رسول اللّه وصاحبيه. فكشفت لي عن ثلاثة قبور لا مشرفة ولا لاطئة عليها بطحاء العرصة(2).
وهل يجوز تطيينه بالطين أم لا؟ فحكي عن القاسم والهادي: أنه لا بأس بتطيين القبر مخافة من محوه وانطماسه وإزالة أثره.
وحكي عن أبي حنيفة: أنه كره التطيين للقبر. حكاه عنه الكرخي.
والمختار: كراهة التطيين للقبور. لما روي عن الرسول : أنه نهى عن تطيين القبور ولأنه فيه إذا طين ملاسة وتحسيناً له بالطين فيصير كالزخرفة، فلهذا كره.
__________
(1) أخرجه مسلم 2/666، والترمذي 3/366، وأبو داود 3/215، وهو في (الاعتصام)2/190 بلفظ: وروي في (الشفاء) عن علي : أمرني رسول الله أن لا أرى قبراً مشرفاً إلا سويته، ولكن يجعل بينه وبين الأرض قدر شبر، وأخرج أبو داود والترمذي عن أبي الهياج قال: قال لي علي : ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ؟ قال: ((اذهب فلا تدع تمثالاً إلا طمسته ولا قبراً مشرفاً إلا سويته))، وأورد هذه الرواية في (نيل الأوطار) 4/83، وقال: رواه الجماعة إلا البخاري وابن ماجة.
(2) أورده في (الجواهر) عن القاسم بن محمد بن أبي بكر بلفظ في آخره: لا مشرفة ولا طئة مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء، أخرجه أبو داود. اهـ. 2/131.

ويكره التسقيف على القبر، لأنه يمنع من دفن الميت(1)،
فأما السقف فوق قبر رسول اللّه فإنه كان سقف بيته الذي كان فيه.
وهل كان بيتاً لعائشة أو بيتاً للرسول ؟ فالذي رآه الناصر والصادق والباقر: أن البيت كان بيتاً للرسول لقوله تعالى: {لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاَّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ}[الأحزاب:53]. ورأى الفقهاء: أن البيت إنما هو بيت لعائشة. ولهذا فإن عمر لما قتل استأذن عائشة في الدفن مع الرسول وأبي بكر.
وهل يكون القبر مربعاً أو مسطحاً، أو مدوراً؟ فيه أقوال ثلاثة:
القول الأول: أن المستحب أن يكون مربعاً. وهذا هو قول الهادي والناصر والمؤيد بالله، ومحكي عن الشافعي.
والحجة على هذا: ما روى زيد بن علي عن أبيه عن جده: أن الرسول ربع قبر ابنه إبراهيم بيده، وأنه ربع قبر حمزة، فهما إلى الآن مربعان.
القول الثاني: أن المستحب هو التسنيم للقبر. وهذا هو رأي القاسم وأبي حنيفة.
والحجة على هذا: وهو محكي عن أبي على الطبري من أصحاب الشافعي، ما روى القاسم عن إبراهيم النخعي، أنه قال: أخبرني من رأى قبر رسول اللّه ، وأبي بكر وعمر وأنها مسنمة ناشزة من الأرض عليها فلق مدر بيض.
القول الثالث: التدوير. وهذا هو الذي ذكره الهادي في الأحكام، فإنه قال: التربيع أفضل، وإن دوِّر فلا بأس.
والمختار: هو التسنيم. لأن عمل المسلمين قد صار الآن عليه، وما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن.
__________
(1) وكراهة التسقيف لا تعلل بأنه يمنع من دفن الميت بل لنهيه فيما رواه جابر، أن يُجصص القبر وأن يُبْنى عليه وأن يُقْعد عليه، وفي رواية: وأن يُكتب عليه وأن يُوطأ، وفي أخرى: وان يُزاد عليه، اخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي بألفاظ متقاربة. اهـ. (بلوغ المرام) 99، و(تخريج البحر) 2/131.

قال الشيخ أبو حامد الغزالي: والتسطيح وإن كان هو الأفضل لكن التسنيم الآن صار هو الأفضل لما فيه من مخالفة شعار الرافضة لأنهم يربعون قبورهم(1)،
فلهذا استحب التسنيم لما ذكرناه.
وهل بعد الفراغ من القبر يرش عليه الماء أم لا؟ فالمحكي عن أولاد القاسم: إستحباب الرش. وهذا هو رأي الشافعي وأبي حنيفة.
والحجة على هذا: ما في خبر زيد بن علي: أنه صلى على جنازة رجل من ولد عبدالمطلب، ثم أمر من رش عليه قربة من ماء.
وحكي عن بعض أصحاب أبي حنيفة: أنه لا معنى للرش ولا فائدة فيه، لأنه إنما يرش في ديار تهامة والحجاز وحيث يقل المطر، فربما تذهب الرياح بالطين إذا كان يابساً فيزول أثر القبر ويمحي رسمه، وأما في ديارنا هذه فلا يحتاج إليه لكثرة المطر.
__________
(1) هذه حجة واهية. إذ لو أجزنا ذلك لفتحنا باباً لترك أكثر السنن والفضائل بحجة أن صاحب بدعة ما يعمل بهذه السنة وآخر يعمل بتلك وهكذا. وأنى لهذا الشيخ أن يتجاوز بهذه العلة الواهية ما روي في هذا الباب من آراء وأخبار عن أمثال جابر وابن عباس وغيرهما فيما رواه أحمد ومسلم والنسائي وأبو داود والترمذي في مسألة تربيع القبور وتسنيمها، والغريب ليس انفر اد الشيخ برأيه فهذا لا ينكره أهل العلم على أهل العلم، ولكن الغريب اعترافه بأن التسطيح هو الأفضل كما ورد ثم يعرض عن الأفضل بحجة أنه من فعل الروافض كما يقول. وقديماً قيل:
لهوى النفوس سريرة لا تعلم
اهـ. المحقق.

والمختار: استحباب الرش عقيب الفراغ من عمل القبر، لأن الريح إذا لم يرش تذهب به قبل مجيء المطر فلهذا كان مستحباً، ولأن صب الماء البارد فيه تفاؤل لما فيه من البرد والروح والراحة فلعل الله أن يجعل للميت في قبره روحاً وراحة، فأما نصب حجرين على القبر علامة لكونه قبر امرأة، وحجر واحد على أنه قبر رجل فهو من بدع العوام فلا وجه له، ولا بأس بأن يحجر القبر بأحجار حوله مصفوفة مخافة أن يذهب طينه إلى الأرض فيزول ويمحى، فإذا حجز بهذه الأحجار كان أقرب له إلى الصيانة.
المسألة السابعة: ولا بأس ببناء القباب والمشاهد على قبور الأئمة والفضلاء من أهل العلم والفضل لأجل الزيارة ولم ينكره أحد من العلماء في كل ناحية، وفي هذا دلالة على جوازه لأن ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن.
ثم ينظر في بناء القباب والمشاهد، فإن كان في المقابر المسبلة منعوا من ذلك لأنه يضيق علىغيره في القبر ويستغرق جانباً من البقعة لغير القبر، وإن كان في ملك نفسه جاز ذلك لأنه لا ضرر فيه على الغير.
وإن ذكر اسم الميت على القبر نظرت فإن كان ذكر بكتابة غالية وتزويق وزخرفة كره ذلك ومنع منه، وإن كان من غير ذلك جاز، لما روينا من حديث عثمان بن مظعون، وأن الرسول حمل حجراً وقال: ((هذه أعلم بها قبر أخي)). فهذا هو الأصل في الجواز.
قال القاسم والهادي: والصخر أولى من اللوح، لأن اللوح ربما كان فيه زينة وزخرفة فلهذا كان الصخر أحق به.
وحكي عن أبي حنيفة وأبي يوسف: كراهة ذلك. وهذا محمول على أن فيه زخرفة وزينة، فأما مجرد ذكر اسم الميت في الصخر فلا بأس به، لحديث عثمان وقد قدمناه.
وإن غُصب ثوب وكفن فيه ميت نظرت، فإن عُلِمَ بغصبه قبل أن يهال عليه التراب أخذ منه وكفن بغيره من ماله أو من غيره، وإن عُلِمَ بالغصب بعد أن دفن وهيل عليه التراب لم ينبش لما في ذلك من هتك حرمته، وينتقل حق مالكه إلى القيمة لأنه صار مستهلكاً.

وفي قول آخر للشافعي: أنه ينبش مالم يتغير.
والمختار: هو الأول لما ذكرناه.
والقبور محترمة، فيكره الجلوس عليها والإتكاء إليها، ولا ينام فوقها، ولا تقضى عليها حاجة من غائط أو بول، ولا يصلى إليها. لما روي عن الرسول أنه قال: ((لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)). ولما روي عن الرسول ، أنه قال: ((لا تقعدوا على القبور ولا تجصصوها ولا تبنوا عليها)) (1).
وحكي عن مالك: أنه لا يكره الجلوس على القبر ولا الإتكاء إليه. والأول محكي عن أئمة العترة وهو قول الشافعي وأبي حنيفة.
والحجة: ما ذكرناه.
وإن وقع في القبر شيء له قيمة بعد أن هيل التراب عليه نبش وأخرج ما فيه. لما روي أن المغيرة بن شعبة طرح خاتمه في قبر رسول اللّه عند الدفن فقال: خاتمي ففتح موضعاً وأخرجه. وقال: أنا أقربكم عهداً برسول اللّه . وقيل: إنه فعل ذلك حيلة لما ذكرناه(2).
وإن كان في بطن الميت جوهرة أو درة أو خاتم ابتلعه في حال الحياة. نظرت فإن كان لغيره شق بظنه وأخرج ما فيه لقوله : ((لا يحل مال امرء مسلم إلا بطيبة من نفسه)).
وإن كان للميت، فهل يشق بطنه أم لا؟ فيه تردد.
والمختار: أنها تخرج من بطنه لأنها قد انتقلت إلى الورثة فتصير كمال الغير.
__________
(1) رواه النسائي 4/95،و البيهقي في (الكبرى)1/658، وهو في (فتح الباري) 3/224، ورواه الشوكاني في (النيل)4/85 عن جابر قال: نهى النبي أن يجصص القبر وأن يقعد عليه وأن يبنى عليه، رواه أحمد ومسلم والنسائي وأبو داود والترمذي وصححه، ولفظه: نهى أن تجصص القبور وأن يكتب عليها وأن يبنى عليها وأن توطأ، وفي لفظ النسائي: ونهى أن يبنى على القبر أو يزاد عليه أو يجصص أو يكتب عليه، اهـ.
(2) أي ليكون أقرب عهداً برسول الله ، رواه في (المستدرك على الصحيحين) 3/507.

وحكي عن بعضهم: أنها لا تخرج. لأنه استهلكها في حال حياته وهو مالك لها، والحق هو الأول لأن فيها منفعة للحي ولا منفعة فيها للميت، وقد نهى رسول اللّه عن ((قيل وقال وإضاعة المال)) (1).
فلو تركناها لكان فيه إضاعة للمال.
المسألة الثامنة: وإذا أكمل الدفن على الميت فقد فرغ منه، جاز الانصراف عن المقبرة. لكن الإنصراف يقع على أربعة أوجه:
أولها: أنه إذا صلى وانصرف كان له ثواب الصلاة وثواب التشييع، دون ثواب الدفن والحضور.
وثانيها: أنه ينتظره حتى يوارى في قبره، وهذا أفضل من الأول.
وثالثها: أنه ينتظره حتى يدفن وينصرف، وهذا أفضل من الأولين. لما روى أبو هريرة: أن الرسول قال: ((من صلى على جنازة فله قيراط، ومن شيعها حتى يقضى دفنها فله قيراطان أصغرهما مثل أُحُد))(2).
قال أبو هريرة: فذكرت ذلك لابن عمر فأرسل إلى عائشة رضي الله عنها يسألها عن ذلك فقالت: صدق أبو هريرة. فقال ابن عمر: لقد فرطنا في قراريط كثيرة.
ورابعها: أن يقف بعد الدفن ويدعو للميت، وهذا أفضل من الأولين(3).
ويستغفر له. لما روى عثمان بن عفان: أن الرسول كان إذا دفن ميتاً وقف عند قبره وقال: ((اسغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت فإنه الآن يسأل))(4).
وكان من مضى من العلماء والأفاضل يفعلون ذلك، فأما الآن في هذه الأزمنة فصارت نسياً منسياً.
والمختار: فعله. لما رويناه من حديث عثمان، وترك من تركه لا يخرجه عن كونه مستحباً.
__________
(1) رواه البخاري 2/537، ومسلم 3/1341، وابن حبان 8/182، والبيهقي في (الكبرى) 6/63، ومالك في الموطأ 2/990.
(2) أخرجه مسلم 2/653، والترمذي 3/358، وأبو داود 3/202، والنسائي 4/76، وابن ماجة 1/492، وغيرهم.
(3) هكذا في الأصل، والصواب: من الأوجه الثلاثة السابقة.
(4) جاء في سنن أبي داود 3/215، و(المستدرك) 1/526، و(نيل الأوطار)4/138.

ويستحب لقرابة الميت وجيرانه: أن يصنعوا لأهل الميت طعاماً يشبعهم يومهم وليلتهم. لما روي عن الرسول ، أنه لما بلغه نعي جعفر بن أبي طالب، وأنهم أصيبوا في غزوة مؤتة فقال: ((اصنعوا لآل جعفر طعاماً فإنهم مشغولون فإنه قد جاءهم ما يشغلهم)) (1).
فأما إصلاح أهل الميت طعاماً وجمع الناس له فلم ينقل فيه عن الرسول ، ولا ذهب إلى استحبابه أحد من أئمة العترة وفقهاء الأمة؛ وهو بدعة، هذا إذا كان من أموالهم، فأما إذا كان من أموال الأيتام فهو حرام كله، والفاعل يكون آثماً ضامناً، فأما الإثم فلأجل مخالفة السنة وأكل مال الأيتام بغير حق، وأما الضمان فلأنه أتلف مال الأيتام ظلماً وعدواناً، وقد قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً}[النساء:10].
__________
(1) رواه أبو داود 3/195، وابن ماجة 1/514،و أحمد 1/205، وهو في (نيل الأوطار) 4/97 عن عبد الله بن جعفر قال: لما جاء نعي جعفر حين قتل قال النبي : ((اصنعوا لآل جعفر طعاماً فقد أتاهم ما يشغلهم)) رواه الخمسة إلاَّ النسائي.

276 / 279
ع
En
A+
A-