ويجعل بين كل إثنين جاجز من تراب. وإن دعت الضرورة إلى دفن رجل وامرأة في قبر واحد جاز ذلك، وقدِّم الرجل قدامها إلى القبلة وجعل بينهما حاجز من تراب. وإن كان الأموات رجلاً وصبياً وخنثى وامرأة قدِّم الرجل إلى القبلة ثم الصبي ثم الخنثى ثم المرأة اعتباراً بصف الصلاة عليهم. وإن أعار رجل غيره أرضاً ليقبر فيها ميتاً فله الرجوع حتى يدفن لأنها عارية لم تقبض، فلهذا كان له الرجوع، وإن دفن الميت فيها لم يكن له الرجوع، وإن بلي الميت وذهبت أجزاءه كان له الرجوع كما لو جرفه السيل فإنه لا حرمة بعد زوال الميت عن البقعة. وإن دفن رجل ميتاً في أرض بغير إذن صاحبها، فالمستحب لصاحب الأرض ألا ينقله، لما في ذلك من هتك حرمته، فإن نقله جاز له لأنه دفن فيها بغير إذنه لقوله : ((من أخذ عصا أخيه فليردها عليه)) (1).
وإن مات جماعة من أهله ولم يمكنه دفنهم إلا واحداً بعد واحد نظرت فإن كان يخشى تغير أحدهم دون غيره بدأ بمن يخشى تغيره لأنه معذور في تقديمه لأجل خشية تغيره، وإن كان لا يخشى تغيره فإنه يبدأ بأبيه لأنه أعظم حقاً عليه وأكثر حرمة، وتحتمل البداية بالأم لقوله : ((بر أمك ثم أمك ثم أباك)) . فجعل حق بر الأب بعد الأم بمراتب، وفي هذا دلالة على عظم حقها على غيرها فيحتمل تقديم الأب كما ترى ويحتمل تقديم الأم لما ذكرناه، ويحتمل أن يكونا سواء فيبدأ بأيهما شاء، وإن كانا أخوين قدم أكثرهما قرآناً، وإن استويا قدم أكبرهما سناً، وإن استويا فإليه الخيرة في تقديم أيهما شاء كالأبوين، وإن كانا زوجتين فأكبرهما سناً، وإن استوياً فأكثرهما براً، وإن استويا في البر فأكثرهما صدقة وصلاحاً.
__________
(1) رواه عبد الله بن السائب، عن أبيه عن جده أنه سمع رسول الله يقول: ((لا يأخذن أحدكم عصا أخيه لاعباً ولا جاداً، ومن أخذ عصا أخيه فليردها إليه)) أخرجه الترمذي ولأبي داود نحوه. اهـ (تخريج البحر) 2/147.
الفرع الخامس: ولا يقبر مسلم في مقبرة الكفار ولا يقبر كافر في مقبرة المسلمين لقوله : ((المؤمن والكافر لا تتراءى نيرانهما))(1).
ولأن المسلم كما لا يحل له المقام في دار الحرب، فهكذا لا يجوز قبره بين الكفار، ولأن الكافر إذا قبر بين المسلمين فربما يزور المسلمون قبره ويدعون له بالمغفرة والرحمة والكافر ممنوع من الدعاء له بما ذكرناه، فلهذا لم يجز الأمران جميعاً.
وإن ماتت ذمية حاملة بمسلم؟ وهذه المسألة لها صورتان:
الصورة الأولى: على من يمنع نكاح الذميات من أهل الكتابين اليهود والنصارى، كما هو رأي الهادي والقاسم، فبأن يسلم زوجها الذمي وتبقى على ما هي عليه من الكفر، وعلى هذا يكون الولد مسلماً بإسلام أبيه.
الصورة الثانية: على رأي من يجوز نكاح الكتابيات من اليهود والنصارى. كما هو رأي زيد بن علي وغيره.
وعلى هذا فالولد مسلم من يوم العلوق به، فإذا ماتت هذه الذمية وفي بطنها هذا الولد المسلم، فأين يكون قبرها؟ فيه ثلاثة مذاهب:
المذهب الأول: أنها تقبر في مقابر أهل الذمة. وهذا هو رأي الهادي والقاسم والناصر، ومحكي عن أبي حنيفة وعطاء والزهري والأوزاعي.
__________
(1) جاء في المصدر السالف: عن النبي أنه قال: ((أنا بريء من كل مسلم أقام بين المشركين)) فقيل: لم يا رسول الله؟ قال: ((لا تتراءى نيرانهما)) هكذا روي وهو طرف من حديث ذكره في (الجامع) ولفظه: عن جرير بن عبد الله قال: بعث رسول الله بسرية إلى خثعم فاعتصم أُناس منهم في السجود فأسرع فيهم القتل فبلغ ذلك رسول الله فأمرهم بنصف العقل وقال: ((أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين)) قالوا: يا رسول الله لم؟ قال: ((لا تتراءى نارهما)) قال الترمذي وأبو داود: وقد رواه جماعة ولم يذكروا جريراً، قال: وقد روي مرسلاً وهو أصح، وأخرجه النسائي عن إسماعيل بن قيس ولم يذكر جريراً. اهـ بلفظه 2/147.
والحجة على هذا: هو أن الولد ما دام متصلاً في بطن أمه فهو كجزء منها وبعض من أبعاضها لا يجب له شيء من الأحكام، فوجب أن يكون حكمه وهو في بطنها مثل حكمها وهي خالية عنه فلهذا قبرت في مقابر أهل ملتها.
المذهب الثاني: أنها تقبر في مقابر المسلمين. وهذا هو رأي عمر بن الخطاب، ومحكي عن مكحول وإسحاق بن راهويه.
والحجة على هذا: قوله تعالى: {وَلَنْ يَجْعَلَ الله لِلْكَافِرِينَ على الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً}[النساء:141].
ووجه الدلالة من الآية: هو أنا لو قبرناها في مقابر الكفار لكنا قد جعلنا للكفار سلطاناً وسبيلاً على المسلمين بدفن المسلمين في مقابرهم ويكونون من جملتهم، فلهذا قلنا: بدفنها في مقابر المسلمين.
المذهب الثالث: أنها تدفن بين مقابر المسلمين ومقابر أهل الذمة. وهذا هو رأي زيد بن علي، ومحكي عن الشافعي.
والحجة على هذا: هو أنا لو دفناها في مقبرة المسلمين لكنا قد دفنا كافراً في مقبرة المسلمين، ولو دفناها في مقبرة الكفار لكنا قد دفنا مسلماً بين الكفار، وكلا الأمرين غير جائز، فلهذا قلنا: بأنها تدفن بين المقبرتين.
والمختار: هو جعلها في مكان على انفرادها بين المقبرتين كما قاله زيد بن علي.
وحجتهم: ما ذكرناه.
ونزيد هاهنا: وهو أن جعلها على انفرادها سلامة عن كل محذور وعمل على الإحتياط فلهذا كان عليه التعويل.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: إنه بمنزلة الجزء منها فلهذا لم يكن له حكم غير حكمها فلهذا قبرت في مقابر أهل ملتها من اليهود.
قلنا: ولو كان بمنزلة الجزء منها فقد تقرر له حكم الإسلام وهو أغلب لقوله : ((الإسلام يعلوا ولا يُعلا)) (1).
قالوا: يقبر في مقابر المسلمين.
__________
(1) أخرجه البخاري 1/454، وهو في السنن الكبرى للبيهقي 6/205، وفي سنن الدارقطني 3/252.
قلنا: وهذا يؤدي إلى محذور، وهو دفن كافر في مقابر المسلمين. ولا خلاص عن هذين المحذورين إلا بما قلناه من دفنها في قبر منفرد وحدها. هذا كله إذا مات الولد في بطنها، وأما إذا كان حياً بعد موتها فإنه يجب شق بطنها وإخراجه، فإذا مات بعد إخراجه دفن في مقابر المسلمين لأنه من جملتهم، ودفنت في مقابر أهل الذمة لإنفصال الولد عنها ولا خلاف فيه.
الفرع السادس: المقابر على ثلاثة أضرب:
الضرب الأول منها: مقابر أهل الشرك وأهل دار الحرب. فهل تجوز زراعتها وإحياؤها أم لا؟ فيه قولان:
القول الأول: المنع من ذلك. وهذا هو الذي ذكره أحمد بن يحيى والسيد أبو طالب، لأن عمل المسلمين قد جرى بالإمتناع من ذلك.
القول الثاني: جواز ذلك. وهذا هو رأي الإمام المؤيد بالله وهو المختار.
والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أنه لما دخل المدينة وبركت الناقة في مربد لأبي أيوب الأنصاري(1)
فشراه(2)
الرسول من أبي أيوب وجعله مسجداً، وكان في جانب منه مقبرة للجاهلية فأمر رسول اللّه بها فنقلت ورجم بعظامهم، وذلك لأنه لا حرمة لهم في حال الحياة فهكذا لا حرمة لهم بعد الموت.
الضرب الثاني: مقابر أهل الذمة وحكمها حكم مقابر المسلمين؛ لأن دمائهم وأموالهم مصونة بالذمة في حال الحياة، فهكذا مقابرهم فإنه لا يجوز لأحد زراعتها وإحياؤها لما ذكرناه.
الضرب الثالث: مقابر المسلمين فإنه لا يجوز لأحد زراعتها وإحياؤها.
__________
(1) المربد هو لغلامين يتيمين من بني النجار وهما في حجر معاذ بن عفراء، سهل وسهيل ابني عمرو.
والمربد: هو الموضع الذي يجفف فيه التمر. اهـ. (سيرة النبي) لابن هشام.
(2) هكذا في الأصل؛ والمقصود: فاشتراه.
قال المؤيد بالله: ولا يجوز لأحد زراعة مقابر المسلمين، ويأثم إن زرع ويكون الزرع له. هذا كله إذا كانت عامرة وأعلامها باقية ورسومها ظاهرة، فأما إذا جرفها السيل وامحت أعلامها ورسومها وصارت أرضاً بيضاء لا عهد فيها للقبور ولا رسم فيها ظاهر، صارت إلى المصالح يصرفها الإمام حيث يشاء، وتجوز زراعتها والعمارة فيها، وإن رأى أن يسبلها مقبرة ثانية جاز ذلك لأنها صارت من أموال المصالح.
الفرع السابع: في التقبير. ويشتمل على مسائل[ثمان]:
المسألة الأولى: والمستحب إعماق القبر لما روي عن الرسول أنه قال: ((احفروا وأوسعوا وأعمقوا)) (1).
اختلف العلماء في حد إعماقه.
فحكي عن الشافعي: أنه قال: يكون عمقه قامة وبسطة باليد، قدر أربعة أذرع ونصف.
وعن عمر بن عبدالعزيز: إلى السرة.
وعن مالك: أنه قال: لا حد له.
والمختار: الذي يأتي على المذهب، لأني لم أقف على قدر عمقه في كلام أئمة العترة، أن يكون أقله ما يواري جسد الميت، ويستر عورته، ويمنعه عن السباع، والأكمل فيه: أن يكون قدر عمقه إلى الثدي. وفي ذلك كفاية عمن يريد نبشه، وعن خروج الرائحة وحماية له عن السباع.
وعن عمر رضي الله عنه أنه قال: احفروا قبري قدر قامة وبسطة. وفيما ذكرناه كفاية عن هذا القدر.
__________
(1) أخرجه الترمذي 4/213، وأبو داود 3/214، والنسائي 4/81، وابن ماجة 1/497، وهو في السنن الكبرى للبيهقي 3/413، وفي مصنف عبد الرزاق 3/508، ومسند أحمد 4/19.
قال في (نيل الأوطار): عن هشام بن عامر قال: شكونا إلى رسول الله يوم أحد فقلنا: يا رسول الله الحفر علينا لكل إنسان شديد، فقال: ((احفروا واعمقوا واحسنوا وادفنوا الاثنين والثلاثة في قبر واحد))... الحديث، قال: رواه النسائي والترمذي بنحوه، وصححه. اهـ 4/78.
ويستحب: أن يوسع عند رأس الميت ورجليه. لما روي عن الرسول أنه قال للحافر: ((أوسع من قبل رأسه ورجليه)) (1).
والمستحب: أن يلحد لقبور المسلمين.
قال القاسم والهادي: ينبغي أن يلحد لقبور المسلمين إلا أن لا يتمكن منه فيضرح. لما روى زيد بن علي عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه: أنه لما قبض رسول اللّه قالوا له: أنلحد أم نضرح؟ فقال : سمعت رسول اللّه يقول: ((اللحد لنا والشق لغيرنا)) (2).
وقوله : ((الشق لغيرنا)). يحتمل معنيين:
أحدهما: أن يريد أن الشق لأهل الجاهلية والشرك وعبدة الأوثان والأصنام.
وثانيهما: أن يريد بقوله: ((والشق لغيرنا)). أهل الكتابين من اليهود والنصارى.
واللحد: هو حفرة في جانب القبر مما يلي القبلة يوضع فيه الميت، فإن كانت الأرض شديدة فاللحد أفضل لما روي أن الصحابة لما توفي رسول اللّه اختلفوا في قبره فقال بعضهم: نلحد له، وقال آخرون: نضرح، وكان في المدينة حفاران يحفران القبور فأرسلوا إليهما وقالوا: اللهم اختر لنبيك. فجاء الذي يلحد فلحد لرسول اللّه قبره. وإن كانت الأرض رخوة لا يمكن فيها اللحد لرخاوتها وحذراً من إنهيارها على الميت فإنه يضرح.
والضرح: هو الشق فيترك الميت في وسط الشق ثم يسقف عليه بالأحجار الطوال وبالخشب ويجعل في خروقه كسر اللبن.
قال الشافعي: ورأيتهم عندنا يضعون على السقف الاذخر ثم يهيلون عليه التراب.
__________
(1) أخرجه أبو داود 3/244، وفي (النيل) أيضاً عن رجل من الأنصار، قال: خرجنا في جنازة فجلس رسول الله على حفيرة القبر فجعل يوصي الحافر ويقول: ((أوسع من قبل الرأس وأوسع من قبل الرجلين رب عذق له في الجنة)) رواه أحمد وأبو داود، قال: العذق: بفتح العين، النخلة، والجمع: أعذق وأعذاق، وبكسر العين: القنو منها والعنقود من العنب، والجمع أعذاق وعذوق.
(2) رواه الترمذي 3/363، وأبو داود 3/213، والنسائي 4/80، وابن ماجة 1/496، وأحمد 4/357.
المسألة الثانية: والمستحب ألاَّ يُدخِل الميت القبر إلا الرجال من المحارم، سواء كان الميت رجلاً أو امرأة، لأنه يحتاج إلى بطش وقوة واستظهار فلأجل ذلك كان الرجال بذلك أقوم وأحق، ولأن النساء إذا تولين ذلك ربما يبدو شيء من عوراتهن لأجل العلاج.
ويستحب ألا ينقل المرأة من مغتسلها إلى موضع التكفين إلا النساء، ولا ينقلها من موضع التكفين إلى السرير إلا النساء، ولا يسلها من السرير إلى شفير القبر إلا النساء، ولا يحل عقود الكفن إلا النساء لأنهن يقدرن على ذلك، فلهذا كن به أحق(1).
__________
(1) هذا الكلام فيه نظر؛ لأن المنع من حضور النساء إلى المقابر عند تشييع وقبر الميت راجح بالحديث الشريف الذي تقدم: ((ارجعن مأزورات غير مأجورات)) ثم إن هذا القول يعني أن النساء هن اللاتي يتولين وحدهن تجهيز المرأة الميتة من الغسل إلى القبر، وهذا غير وارد، فالرجال أولى وأقوى كما سلف آنفاً، ثم إن المؤلف من ثم أكد في بداية المسألة الثانية من هذا البحث كما ترى أن لا يدخل الميت إلى القبر إلا الرجال، سواء كان الميت رجلاً أو امرأة، لذا لزم التنبيه، والله أعلم.
فإذا ثبت هذا، فالميت إن كان رجلاً فأولى الناس بإدخاله القبر أولاهم بالصلاة عليه فيدخله منهم أفقههم، فإن كان له قريبان أحدهما أبعد من الآخر وكان البعيد فقيهاً فهو أولى من القريب الذي ليس فقيهاً لأن هذا أمر يحتاج فيه إلى الفقه والعلم فلهذا كان الفقيه بذلك أولى، وإن استويا في الفقه فأقربهم رحماً كالأب والجد ثم بعدهما الأبن ثم ابن الإبن على ترتيب العصبات. وإن كان الميت امرأة فالزوج أولى بإدخالها من كل أحدٍ لأن له من النظر إليها ما لا يحل لغيره، فإن لم يكن هناك زوج فالأب أولى ثم الجد أب الأب ثم الإبن ثم ابن الإبن، فإن لم يكن أحدٌ من ذوي محارمها فمملوكها لأنه محرم بظاهر الآية في قوله تعالى: {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ}[النور:31]. فإن لم يكن فبنوا العم، فإن لم يكن هناك أحد من ذوي الأرحام المحارم ومن غير المحارم فالأجانب من الرجال الثقات يلفونها بالثوب الذي على السرير أو على غيره ويدلونها إلى من في القبر من الرجال ويضعونها على شفير اللحد ويزحلقونها إلى قعر اللحد برفق وسهولة.
والمستحب: أن يكون عدد الذين يضعونها في القبر وتراً إما ثلاثة وإما خمسة أو سبعة. لما روي أن الرسول أدلاه إلى حفرة اللحد ثلاثة، أمير المؤمنين والعباس واختلف في الثالث فقيل: هو الفضل بن العباس. وقيل: أسامة بن زيد. وهو الصحيح عند أهل السير والأخبار، فأما عبدالرحمن بن عوف فقد كان هم بذلك وتهيأ للنزول لكنه لم ينزل.
المسألة الثالثة: ويستحب أن يسجى على قبر المرأة بثوب في حال إدخالها القبر، وفي حال علاج ختم القبر وسده. ويكشف بعد ذلك عند أئمة العترة، ومحكي عن أبي حنيفة وأصحابه والشافعي وأصحابه.
والحجة على هذا: قوله : ((النساء عيٌّ وعورات في كل أحوالهن فاستروا عيهن... الخبر)) (1).
__________
(1) رواه في (الاعتصام) عن (شرح التجريد) 2/85، وهو في (فيض القدير) 2/528، و(نيل الأوطار) 2/11.
ولا خلاف في استحبابه في حق المرأة لما ذكرناه.
وهل يسجى على الرجل أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه غير مشروع في حق الرجل. وهذا هو رأي أئمة العترة، ومحكي عن أبي حنيفة وأصحابه.
والحجة على هذا: ما روي عن أبي قتادة أنه مر برجل يدفن وقد سجِّيَ على قبره بثوب فأزال الثوب وهمَّ بتمزيقه، وقال: إنما يسجَّى على قبر المرأة دون الرجل. والصحابي إذا فعل مثل هذا فإنما يقوله عن توقيف من جهة الرسول لأنه لا مدخل للإجتهاد فيه.
المذهب الثاني: أنه يسجى على الرجل كالمرأة. وهذا هو رأي الشافعي.
والحجة على هذا: هو أنه لا خلاف في تسجية الرجل بالثوب عند موته وعند غسله، فهكذا يسجى عند سله إلى القبر، ولأنه لا يؤمن تغيره فلهذا استحب ستره.
والمختار: إستحباب ستره في حال إدلائه إلى القبر.
وحجته: ما ذكرناه.
ونزيد هاهنا وهو ما روى سعد بن مالك(1)
أنه قال: لما دفن رسول اللّه سعد بن معاذ ستر قبره بثوب، وكنت ممسكاً بحاشيته، فأصغى رسول اللّه إلى أسامة بن زيد. فقلت له: ما قال لك؟ قال: [قال]: ((اهتزت قوائم العرش لموت سعد بن معاذ))(2).
ولما روي أن الرسول سُجِّيَ بثوب عند موته فهكذا الحال عند القبر.
الانتصار: يكون بالجواب عما خالفه.
قالوا: روى أبو قتادة أنه هَمَّ بتمزيق الثوب لما سُجِّيَ به الرجل. فدل ذلك على كراهته.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فالظاهر أن هذا إنما هو مذهب لقتادة فلا يلزمنا قبوله.
وأما ثانياً: فلعلهم إنما سجوه قبل إدخاله قبره فنهاهم عن ذلك لأنه لا فائدة فيه.
__________
(1) هو أبو سعيد الخدري، سعد بن مالك بن سنان بن عبيد بن ثعلبة بن عبيد الأنصاري، وقد سبقت ترجمته، راجع (تهذيب التهذيب) 3/416.
(2) قال في (تخريج البحر) 2/149: هكذا في (الشفاء) وزاد غيره: فأصغى رسول الله إلى أسامة بن زيد... الحديث. اهـ. وهو في (المستدرك على الصحيحين) 3/227، ومسند أحمد 3/23،و المعجم الكبير للطبراني 6/14.
المسألة الرابعة: وإذا أُدلي الميت [في] قبره، رجلاً كان أو امرأة. فمن أين يكون إدلاؤه؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أن المستحب أن يكون إدلاؤه من موضع الرجلين من الميت في القبر فيوضع الميت من عند الرجلين ثم يسل من قبل رأسه سلاً رفيقاً إلى قبره. وهذا هو رأي أئمة العترة الهادي والقاسم والناصر والمؤيد بالله، ومحكي عن الشافعي وأحمد بن حنبل.
والحجة على هذا: ما روي عن الرسول : أنه صلى على رجل من ولد عبدالمطلب فأمر بالسرير فوضع من قبل رجلي الميت ثم أمر به فسل سلاً رفيقاً(1).
المذهب الثاني: أن المستحب أن توضع الجنازة عرضاً من ناحية القبلة ثم يدخل الميت القبر معترضاً.
والحجة على هذا: هو أنه إذا وضع من ناحية القبلة معترضاً كان أسهل وأيسر على من يضعه لأنه لا يحتاج في ذلك إلى كلفة وتعب بخلاف وضعه من جهة الرجلين فإنه يحتاج إلى كلفة وعلاج.
والمختار: هو الأول.
وحجتهم: ما ذكرناه..
ونزيد هاهنا: وهو ما روي أن الرسول سُل من قبل رأسه فلهذا كان هو المستحب لما ذكرناه.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا: إنزاله من جهة القبلة فيه سهولة بخلاف غيره فلهذا كان هو المستحب.
قلنا: الأولى اتباع السنة فيما يتعلق بجانب الموتى وجميع العبادات، وإذا وردت السنة بما ذكرناه كان الأولى اتباعها سواء كان خفيفاً أو ثقيلاً لما روي عن الرسول أنه قال: ((كل أمر ليس عليه أمرنا فهو رد)).
والمستحب عند سله في حفرته أن يقول: بسم الله وعلى ملة رسول الله. والملة والسنة واحدة وهي متابعة الرسول في أقواله وأفعاله فمن وافقه في ذلك فهو على سنته وملته.
__________
(1) أورده ابن بهران في (تخريج البحر)2/149 من طريق علي وقال: حكاه في (الشفاء). وروى في (المهذب) عن ابن عباس. اهـ.