الفرع التاسع: وإن اختلط موتى المسلمين بموتى الكفار، ولم يمكن التمييز بينهم ففي كيفية الصلاة عليهم ثلاثة أقوال:
القول الأول: أنه يصلي عليهم وينوي بالصلاة والدعاء المسلمين. وهذا هو الذي ذكره أحمد بن يحيى في (المفرد) في إمام يقاتل أهل الشرك فَقُتِلَ المسلمون في المعركة وفيهم يهود ونصارى فإن الإمام يصلي وينوي بالصلاة من كان مسلماً دون غيره.
والحجة على هذا: هو أن الصلاة قد وجبت فلا يجوز إسقاطها بالشك، كما لو نسي صلاة من صلاة يوم وليلة لأن المانع ليس إلا الإختلاط وهذا لا يكون مانعاً من تأدية الصلاة الواجبة لأنه يمكن تمييزها بالنية.
القول الثاني: أنه يصلي على كل واحد منهم صلاة وينوي بالصلاة عليه إن كان مسلماً.
والحجة على هذا: هو أنه اختلط من يصلى عليه بمن لا يصلى عليه ولم يتميزوا فوجب أن يؤدي الصلاة بالقصد والنية. وهذا القول محكي عن الشافعي ومالك وأحمد بن حنبل.
القول الثالث: أنه إذا كان المسلمون أكثر وجبت الصلاة بالنية، وإن كان المسلمون أقل لم تجب الصلاة. وهو رأي أبي حنيفة.
والحجة على هذا: هو أنهم إذا تساووا غلب جانب الحظر على جانب الإباحة، كما لو كان هاهنا إناآن في أحدهما بول وفي الآخر ماء فإنه لا يجوز التوضؤ ويعدل إلى التيمم.
والمختار: هو وجوب الصلاة وتمييزهم بالنية والقصد.
وحجتهم: ما ذكرناه.
ونزيد هاهنا، وهو قوله÷: ((إذا أمرتم بأمر فأتوا به ما استطعتم)). وهاهنا فإنه يمكن تأدية الصلاة بالنية والقصد، فلهذا لم تكن ساقطة.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: يصلي على كل واحدٍ منهم لأجل الإلتباس كما قاله الشافعي.
قلنا: هذا ربما صعب وشق خاصة إذا كان فيهم كثرة ولم يمكن التمييز، وفيما ذكرناه غنية عن تكرير الصلاة على كل واحد منهم لقوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}[الحج:78]. وفي الصلاة على كل واحدٍ منهم حرج ومشقة.
قالوا: إذا كان المشركون أكثر بطلت الصلاة تغليباً لجانب الحظر على جانب الإباحة كالإنائين اللذين أحدهما بول والآخر ماء كما قاله أبو حنيفة.
قلنا: إنما يغلب جانب الحظر على جانب الإباحة إذا لم يكن هناك مخصص، وهاهنا مخصص يزيل الحظر وهو النية، فلهذا وجب التعويل عليها.
ووجه آخر: وهو قوله÷: ((الأعمال بالنيات ولكل امرء ما نوى)). فظاهر الخبر دال على أن النية لها مدخل في تزكية العمل وإخلاصه، فهكذا يكون لها تأثير في تمييز الجواز على الحظر.
الفرع العاشر: أجمع العلماء واتفق الفضلاء من أكابر أهل البيت كالحسين بن علي والقاسم والهادي والناصر وغيرهم من علماء العترة، على أن كل من يلي الصلاة على الفساق والظلمة وأهل البدع والضلالات الخارجين على الدين والمتمردين بأكل أموال الناس وخضمها وقضمها خاصة ظلمة أهل زماننا هذا والمحاربين لله ولرسوله فهم الساعون في الأرض بالفساد، فمن مات من هؤلاء مصراً على ما هو عليه من اقتحام الكبائر وملابسة المعاصي فإنهم يُلعنون في الصلاة عليهم ويسأل من الله تعالى ما يستحقونه من العذاب والجزاء والنكال، ولا يسأل من الله تعالى ما لا يستحقونه من الثواب والمغفرة فإنه لا يجوز فعلها لهم مع الإصرار [بل] كما فعل الحسين بن علي في صلاته على سعيد بن العاص من اللعن حتى قال له قائل: هذه صلاتكم على موتاكم؟ فقال: هذه صلاتنا على أعدائنا.
فإن زعم زاعم وقال: إن الرسول÷ صلى على عبدالله بن أُبَيَّ(1)
واستغفر له مع ظهور نفاقه وكفره وبغضته للرسول÷ ولم يلعنه في صلاته بل استغفر له، فإذا جاز ذلك في حال من ظهر كفره ونفاقه، فكيف لا يجوز لمن كان فاسقاً وليس كافراً من طريق الأولى والأحق؟
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فقد نهاه الله تعالى عن ذلك بقوله: {وَلاَ تُصَلِّ على أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً وَلاَ تَقُمْ على قَبْرِهِ}[التوبة:84]. ثم علل ذلك بقوله: {إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ}[التوبة:84]. وما نهاه إلا لأجل ما ذكرناه من المفسدة، فهكذا حال من ذكرناه لا تنبغي الصلاة عليهم، فإن خاف من ترك الصلاة ضرراً يلحق به أو إسقاط مرتبة أو غير ذلك من أنواع المضار فإنه يلعنهم في صلاته.
وأما ثانياً: فلأن ضرر عبدالله بن أبي إنما كان على نفسه(2)
__________
(1) عبد الله بن أبي بن مالك بن الحارث بن عبيد الخزرجي، أبو الحباب المشهور بابن سلول، وسلول جدته لأبيه من خزاعة، رأس المنافقين في الإسلام من أهل المدينة، كان سيد الخزرج في آخر جاهليتهم، وأظهر الإسلام بعد وقعة بدر تقية، ولما تهيأ النبي÷ لوقعة أحد انخذل عبد الله بن أُبي وكان معه ثلاثمائة رجل فعاد بهم إلى المدينة، وفعل ذلك يوم التهيؤ لغزوة تبوك، وكان كلما حلت بالمسلمين نازلة شمت بهم، وكلما سمع بسيئة نشرها، وله في ذلك أخبار، ولما مات تقدم النبي÷ فصلى عليه فنزلت: {ولا تصل على أحد منهم...} الآية. اهـ (الأعلام) 4/65.
(2) لعل في هذا نظراً كون عبد الله بن أبي كان ضرره أيضاً على المسلمين بالتحريض والتخذيل عن اتباع رسول الله÷، وعن الجهاد، وبالإغراء بين المسلمين كما فعل بين الأوس والخزرج حتى كادوا يعيدون (يوم بعاث) في الجاهلية، لولا أن تداركهم رسول الله.
بكفره ونفاقه، وهؤلاء الفسقة والظلمة من أهل زماننا هذا، ضررهم على غيرهم من المسلمين بالظلم والجور فإنهم صاروا كالسباع الضارية في أكل أموال الناس بالباطل لصوصاً سَلاَّبِين يغصبون أموال الخلق ويتعلقون في قلاعهم اللعينة حتى يفرغوا(1)
فإذا فرغوا نزلوا، وهكذا دأبهم مع الخلق لا يقلعون عن ذلك إلا بالسيف، يلبسون الرقيق ويأكلون الرقيق، ويتبجحون بالظلم والإستيلاء على الخلق، ما كأنهم سمعوا قول الله تعالى: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ}[الأنبياء:47]. وقوله: {مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ}[النساء:143]. وقوله: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه}[الزلزلة:7]. وقوله: {وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَه}[الزلزلة:8]. فإذا كانت مثاقيل الذر محصاة فكيف ما وراءها. ولقد قل المعين على إزالة الظلم وإزاحة الجور فالله لهم بالمرصاد {وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ}[الشعراء:227].
الفرع الحادي عشر: قال الناصر: الصلاة على الميت مشتملة على خمس تكبيرات من غير ركوع ولا سجود ولا قراءة ولا قعود ولا تشهد. وجملة الأمر أن صلاة الجنازة مشروعة على أمور واجبة وأمور مستحبة.
فأما الأمور الواجبة: فهي: النية، والتكبيرات، والقراءة، والصلاة على الرسول وعلى الآل، والدعاء للميت وللمؤمنين والمؤمنات، والتسليم.
وأما الأمور المستحبة: فرفع اليدين عند التكبيرة الأولى، والتعوذ، والاستفتاح.
فإن نَقَّصَ من هذه التكبيرات بطلت صلاته وأعيدت، وإن زاد عليها لم تبطل، سهواً كانت الزيادة أو عمداً.
__________
(1) يبدو أن المؤلف أراد: حتى يفرغوا من استهلاك ما نهبوه، والله أعلم.
وإن سها في صلاة الجنازة فلا سجود للسهو لأن سجود السهو إنما شرع في صلاة ذات ركوع وسجود، وصلاة الجنازة لا ركوع فيها وإنما هي عبارة عن خمس تكبيرات، من غير ركوع ولا سجود ولا قعود ولا تشهد، متواليات يتوسط بينها ذكر مشروع في قومة واحدة بتسليمتين. وقد فصلنا ذلك.
وبتمامه يتم الكلام في الصلاة على الموتى.
---
القول في دفن الميت
وهو فرض من فروض الكفاية لقوله تعالى: {ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ}[عبس:21].قال ابن عباس في تفسير الآية: أي أكرمه بالقبر. لأنه إذا تُرك على وجه الأرض تأذى الناس بجيفته ورائحته. ولا خلاف في وجوبه على الكفاية، وأنه إذا قام به بعض المسلمين سقط عن الباقين.
وأقله: حفرة تواري جسده وتمنعه عن أكل السباع وتكتم رائحته. والأكمل: أن يكون قعيراً كما سنوضح القول في مقداره.
واللحد أولى من الضرح إلا أن يكون رخواً ينهار جاز الضرح للعذر.
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول: والأولى الدفن بالنهار لأنه أمكن لما يحتاج إليه. وهل يكره الدفن بالليل أم لا؟
فالذي عليه أئمة العترة والفقهاء أنه لا يكره.
والحجة على هذا: ما روي عن عائشة، أنها قالت: ما عرفنا دفن رسول اللّه حتى سمعنا صوت المساحي أول ليلة الأربعاء.
وروي عن عائشة أنها دُفنت ليلاً، وفاطمة بنت رسول اللّه دفنها أمير المؤمنين ليلاً.
قال الناصر: وقد قيل: إن قبر فاطمة في مسجد دارها، وجماعة من أولادها مدفونون في قبرها تبركاً بأمهم فاطمة+. وقيل: إنها في خوخة دار مبنية عند الخوخة. والخوخة: اسم بقعة بالمدينة. وقال قوم: إن قبرها على الجادة على باب دار محمد بن زيد بن علي(1)
__________
(1) له عدة تراجم، وكان إماماً عالماً عابداً، يعمل على محاربة الظلم ومساندة المظلومين، وهو ابن الإمام المجاهد الشهيد زيد بن علي.
قال عنه في (تأريخ بغداد) 5/288: محمد بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أبو عبد الله الهاشمي، وهو أخو يحيى وعيسى بن زيد، ورد بغداد في أيام المهدي.
أخبرنا الحسن بن أبي بكر أخبرنا الحسن بن محمد بن يحيى العلوي، حدثنا جدي حدثني عبيد الله بن محمد بن عمر، قال: أوصى محمد بن عبد الله يعني بن الحسن بن الحسن فقال: إن حدث بي حدث فالأمر إلى أخي إبراهيم بن عبد الله، فإن أصيب إبراهيم بن عبد الله فالأمر إلى عيسى بن زيد بن علي ومحمد بن زيد بن علي، قال جدي: وكان محمد بن زيد من رجالات بني هاشم لساناً وبياناً.
.
وقيل: إنها بالبقيع في المسجد الذي يصلي فيه الناس على جنائزهم، وبقيع الغرقد: مقبرة المدينة، ولم يؤذن أمير المؤمنين أحداً بموتها لأنها أوصته بذلك، فلهذا دفنها ليلاً.
وَدُفِنَ أمير المؤمنين بالسر ليلاً لأن بني أمية كانوا مستولين على العراق مالكين للأمر والدولة بأيديهم بالقهر والتغلب، وكانوا ينبشون قبور أعدائهم فدفن ليلاً سراً مخافة منهم، وكانوا في غاية الاجتهاد على عداوته وبغضه، وكان في غاية الشدة عليهم بالسيف والسنان والقلم واللسان تقرباً إلى الله تعالى وغضباً لدينه، ولله در أمير المؤمنين كرم الله وجهه ما أصلبه في ذات الله وأشد شكيمته على أعداء الدين وأعداء الله. واختلف في قبره فقال قوم: هو في رحبة مسجده بالكوفة. وقال قوم: هو في مسجد الجامع بالكوفة، والذي عليه الناصر والقاسم وجعفر الصادق: أنه مدفون بالغري وهو مسجده الذي يزار فيه اليوم وهو مشهد معظم مشهور يقصد للزيارة مزخرف بالعمارة. وروي أن عثمان دفن ليلاً.
وحكي عن الحسن البصري: أنه يكره الدفن ليلاً.
وحجته على هذا: هو أنه يروى أن ملائكة النهار أرفق.
والمختار: أنه لا يكره ليلاً ولا نهاراً لأنه لو كان مكروهاً لم يفعله الصحابة في دفن رسول اللّه ، ولا دفن أمير المؤمنين وفاطمة وعائشة، وفي هذا دلالة على الجواز في الليل والنهار جميعاً.
الانتصار: يكون بالجواب عما قاله.
قوله: إن ملائكة النهار أرفق من ملائكة الليل.
قلنا: لو كان الأمر كما قلتم لدل عليه الشرع ونبه عليه، ولأنه هو الدال على الأحكام الشرعية بقوله وفعله وسكوته فلما لم ينبه عليه بطل.
الفرع الثاني: والمستحب لمن مات في مكة أن يدفن في مقبرتها، وكذلك من مات في المدينة أن يدفن بالبقيع. لما روي عن الرسول أنه قال: ((يؤتى يوم القيامة بمقبرة مكة والمدينة فتنثران في الجنة)). وإن مات في بيت المقدس فالأفضل أن يدفن في مقبرتها لحرمتها وشرف منزلتها وبركتها كما قال تعالى: {إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ}[الإسراء:1]. وإن مات في بلدة غير هذه البلدان فإن كانت مقبرة تذكر بخير من كونها فيها قبور الصالحين فالأفضل الدفن فيها، لأنه لا يعدم بركة لمجاورة أهل الصلاة والخير، ولأنها مزورة من أهل الصلاح فلا يعدم خيراً من الدعاء والزيارة وإن لم يذكر شيء من ذلك، فالدفن في المقابر أفضل من الدفن في البيت لما يلحقه من دعاء المسلمين الذين يزورون القبور.
فإن قيل: فالرسول دفن في بيت عائشة فيجب الإقتداء به في دفن البيت.
قلنا: عن هذا أجوبة ثلاثة:
أما أولاً: فلما روى أبو بكر رضي اله عنه أنه قال: سمعت شيئاً من رسول اللّه ما نسيته. سمعته يقول: ((ما قبض نبي إلا في الموضع الذي يحب أن يدفن فيه )) (1)
ادفنوه في موضع فراشه.
وأما ثانياً: فلأنهم إنما أرادوا تخصيص الرسول بدفنه في بيت عائشة لأنه يكثر الزوار إليه فلهذا خصوه بمكان منفرد عن المقبرة.
وأما ثالثاً: فلأنه قبر أصحابه في المقبرة فلهذا كان الإقتداء بفعله أولى.
الفرع الثالث: وإن تشاجر الورثة فقال بعضهم: ندفنه في ملكه. وقال بعضهم: ندفنه في المقبرة المُسَبَّلة.
__________
(1) روته عائشة وابن عباس قالا: لما قبض رسول الله وغسل اختلفوا في دفنه، فقال أبو بكر: ما نسيت ما سمعت رسول الله سمعته يقول: ((ما قبض الله نبياً إلا في الموضع الذي يحب أن يدفن فيه)) ادفنوه في موضع فراشه، أخرجه الترمذي. اهـ بلفظه من (تخريج البحر) 2/146، وهو في سنن ابن ماجة 1/520، وفي مسند البزار 1/186، والتمهيد لابن عبد البر 24/399، وكلها بلفظ: ((إلا دفن حيث يقبض)).
فإنه يدفن في المقبرة المسبلة، لأن بالموت قد صار الملك لهم فلا حاجة إلى المِنَّة عليهم بدفنه في أملاكهم.
ولو قال بعض الورثة: أنا أكفنه من مالي، وقال بعضهم: بل يكفن من مال الميت. فإنه يكفن من ماله، والتفرقة بينهما ظاهرة وهو أنه لا منة عليهم في دفنه في المقبرة المسبلة، وعليهم منة في تكفينه من مال الوارث، فإن بادر بعضهم ودفنه في ملك الميت جاز للباقين نقله لأن الملك قد صار لهم لقوله : ((لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه)). خلا أنه يكره لهم نقله لما في ذلك من هتك حرمته بإخراجه من قبره. وإن بادر بعض الورثة فدفنه في ملكه، وكفنه من ماله، فإنه لا ينقل ولا يسلب أكفانه بعد دفنه، لما في ذلك من هتك حرمته، وليس في تبقيته نقص عليهم ولا غضاضة، فلهذا وجب تبقيته.
ويستحب أن يجمع الأهل والقرابة في الدفن في بقعة واحدة. لما روي عن الرسول : أنه لما دفن عثمان بن مظعون أمر رجلاً أن يأتيه بحجر فلم يستطع الرجل حملها فقام إليها رسول اللّه فحسر عن ذراعيه ثم حملها فوضعها عند رأسه وقال: ((أَعْلِمُ بها على قبر أخي لأدفن إليه من مات من أهلي)) (1).
__________
(1) قال في (تخريج البحر) عن المطلب بن أبي وداعة قال: لما مات عثمان بن مضعون... الحديث، ثم قال: هكذا في رواية أبي داود. اهـ 2/146.
وإن أراد أحد أن يدفن ميتاً في موضع قد دفن فيه ميت آخر نُظِرَ في حاله، فإن كان يعلم أن الميت الأول قد اندرس وبلي وتفرقت أجزاؤه وصار تراباً جاز الدفن فيه لأنه بعد ذلك لا حرمة له. وإن علم أنه باقٍ فيه لم يبل لم يجز الدفن فيه لأنه قد صار أحق به، وذلك يختلف بإختلاف البلدان والأوطان، ففي البلاد الحارة التي يشتد حرها يفنى الميت وتذهب أجزاؤه، وفي البلاد الباردة تبقى الأجزاء ولا تذهب إلا بعد أزمنة طويلة، وهكذا حال الأوطان، فإن كانت الأرض سبخة رطبة فإن الميت يكون أسرع في البلى والتلاشي بخلاف البلاد الصلبة فإنه يبقى زماناً طويلاً. فإن خالف فحفر قبراً فوجد ميتاً وعظاماً باقية أعيد القبر ودفن كما كان ولا يغير عن حاله.
الفرع الرابع: قال الإمامان القاسم والهادي: ويكره أن يدفن في قبر واحد أكثر من شخص واحد. وهو قول أبي حنيفة والشافعي، لأن الرسول كان يفعل هكذا، وقد جرت السنة بذلك من غير مخالفة، فإن دعت إلى ذلك ضرورة بأن يكثر الموتى أو يكثر القتلى أو يكون بالناس جهد لقلة الغذاء في القحط أو يكونوا مشغولين بالحرب جاز أن يدفن الإثنان والثلاثة والأربعة في قبر واحدٍ ويقدم أكثرهم قرآناً إلى القبلة، لما روي عن الرسول : أنه أمر في قتلى أحدٍ أن يجعل الإثنان والثلاثة في قبر واحدٍ. قالوا: فمن نقدم؟ قال: ((أكثرهم قرآناً)) (1).
__________
(1) رواه الترمذي 3/335، وأبو داود 3/195، والنسائي4/80، وأحمد 4/19، وابن أبي شيبة 7/372، وأورده البسام في (شرح بلوغ المرام) 2/499 عن جابر رضي الله عنه، وقال: رواه البخاري.