وحكي عن الشافعي: أنه إذا وجد بعض الميت فإنه يصلى عليه سواء وجد أقل البدن أو أكثره حتى لو وجد منه أصبع واحدة. وهو محكي عن أحمد بن حنبل، فإن وجد الشعر أو الظفر فله فيه قولان.
والحجة على ما قلناه: هو أنا لو جوزنا الصلاة على ما وجد من الإنسان لأدَّى إلى صلاتين وهذا لا قائل به، ولأن الإجماع منعقد على أنه لا تجوز صلاتان على شخص واحدٍ، فأما غسله فقد قررنا الكلام عليه فلا وجه لتكريره.
قال القاسم: ولا يصلى على الميت بعد ما صلي عليه. وهذا هو رأي أئمة العترة، ومحكي عن أبي حنيفة وأصحابه.
والحجة على هذا: هو أن صلاة الجنازة فرض من فروض الكفاية فإذا قام بها البعض سقط عن الباقين فلا وجه لتكريرها بعد أدائها،وهو محكي عن مالك.
وقال الشافعي: تجوز الصلاة على الميت مرة بعد مرة أخرى، وإذا فاتت الصلاة على الميت فإنه يصلي على القبر.
وحجته: ما روي عن الرسول÷ أنه قدم المدينة بعد موت البراء بن معرور فصلى عليه بعد شهر، وقد كان صُلّي عليه.
والمختار: أن صلاة الجنازة لا تكرر لأنها صلاة مفروضة فوجب ألا يتطوع بها كسائر الصلوات لأنها لو أديت ثانياً لم تكن إلا على جهة التطوع ولا تطوع فيها، ولأنها فرض يتعلق بالميت فإذا أُدِّيَ مرة واحدة لم يؤدَّ ثانياً كالغسل والتكفين.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: إنه÷ صلى على البراء بن معرور بعد الصلاة عليه بعد شهر، وفي هذا دلالة على جواز تكريرها.
قلنا: هذا محمول على أنه لم يُصَلَّ عليه فلهذا صلى عليه.
قالوا: قد كررت الصلاة على الرسول÷ فدل ذلك على جواز تكريرها.
قلنا: إن الصلاة على الرسول÷ كانت فرضاً على كل واحدٍ فلهذا صلوها فرادى من غير إمام لأن ذلك كان خاصاً للرسول÷، ولهذا قال: ((إذا أنا مت فكفنوني في ثيابي هذه إن شئتم أو في بياض مصر وضعوني على شفير قبري ثم ادخلوا فوجاً فوجاً فصلوا عليَّ وسلموا تسليماً))(1).
فهذا ما أردنا ذكره في هذه الصور التي ذكرناها ونرجع الآن إلى التفريع.
الفرع السابع: في اجتماع الجنائز.
وإذا اجتمع الجنائز فالأفضل أن تفرد كل جنازة بصلاة على انفرادها إذا كان لا مشقة فيه ويسهل، لأن المقصود هو الدعاء لكل ميت، وهو إذا كان منفرداً بالصلاة كان أفضل وأتم.
وإن كان هناك مشقة وأراد الإمام أن يصلي عليهم صلاة واحدة جاز ذلك، لأن المقصود من ذلك الدعاء وذلك يحصل بصلاة واحدة.
فإذا كانت الجنائز جنساً واحداً إما رجالاً وإما نساءاً فالذي يقتضيه ظاهر المذهب أنه يوضع كل واحد منهم بجنب الآخر كالصف الواحد ويُقَدَّم إلى الإمام أفضلهم. وهو الأصح من قولي الشافعي.
وله قول آخر: أنه يجعل رأس كل واحد منهم عند رجلي الآخر.
والمختار: هو الأول لأن الجنائز إذا كان وضعها على هذه الصفة كان الإمام مستقبلاً لهم في الصلاة، وإذا كان على تلك الصفة لم يكن مستقبلاً لهم بالدعاء، فلهذا كان العمل عليه أحق.
وإن كانت الجنائز أجناساً مختلفة نحو أن يكونوا رجالاً ونساءاً وعبيداً وصبياناً وخناثى، ففي كيفية ترتيبهم أقوال ثلاثة:
القول الأول: أن يكون الرجال الأحرار إلى جانب الإمام، ثم الصبيان الأحرار مما يلي الرجال، ثم جنائز العبيد مما يلي الصبيان، ثم الخناثا مما يلي العبيد، ثم النساء. وهذا هو رأي القاسم والناصر والمؤيد بالله وأبي طالب، ومحكي عن أبي حنيفة وأصحابه والشافعي وأصحابه.
__________
(1) أورده الحاكم في (المستدرك على الصحيحين) 3/62، وهو في (مجمع الزوائد)9/25، وفي مسند البزار 5/395، ورواه الطبراني في (الأوسط) 4/209.
والحجة على هذا: ما روى عمار بن أبي عمار(1)
__________
(1) له تراجم في التأريخ الكبير 7/26، والكشاف 2/51 وغيرها، وقال عنه في (تهذيب التهذيب) 7/353: عمار بن أبي عمار، مولى بني هاشم، ويقال مولى بني الحارث بن نوفل أبو عمرو، ويقال: أبو عمر، ويقال أبو عبد الله، روى عن ابن عباس وأبي هريرة وأبي سعيد وابي قتادة وعبد الله بن نوفل بن الحارث وجابر بن عبد الله وغيرهم، وعنه عطاء بن أبي رباح ونافع، وهما من أقرانه، وعلي بن زيد بن جدعان وشعبة ومعمر، ويونس بن عبيد وخالد الحذاء، وعوف الأعرابي ويحيى بن صبيح وحمادة بن سلمة وآخرون.
…قال أحمد وأبو داود: ثقة،و قال أبو زرعة وأبو حاتم: ثقة لا بأس به، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: مات في ولاية خالد بن عبد الله القسري على العراق. قلت: وقال: كان يخطئ، وقال البخاري في الأوسط بعد أن ساق حديثه عن ابن عباس في سن النبي: لا يتابع عليه، وقال: وكان شعبة يتكلم فيه، وقال أبو داود: قلت لأحمد: روى شعبة عنه حديث الحيض، قال: لم يسمع غيره، قلت: تركه عمداً؟ قال: لا لم يسمع، وقال النسائي: ليس به بأس.
أنه قال: ماتت أم كلثوم(1)
بنت أمير المؤمنين كرم الله وجهه وولدها زيد(2)
__________
(1) لها تراجم عدة، منها في (المقتنى في سرد الكنى) 2/171، وفي (تعجيل المنفعة) 1/563، وفي (رواة الاثار) 1/211، وقال عنها في (الاستيعاب)4/1954-1956: أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب، ولدت قبل وفاة رسول الله÷، أمها فاطمة الزهراء بنت رسول الله÷، خطبها عمر بن الخطاب إلى علي بن أبي طالب فقال له: إنها صغيرة، فقال له عمر: زوجنيها يا أبا الحسن فإني أرصد من كرامتها ما لا يرصده أحد، فجاء عمر إلى مجلس المهاجرين في الروضة وكان يجلس فيها المهاجرون الأولون فقال لهم: رفئوني، فقالوا: بماذا يا أمير المؤمنين؟ قال: تزوجت أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب، وقد سمعت رسول الله÷ يقول: ((كل نسب وسبب وصهر منقطع يوم القيامة إلا نسبي وسببي وصهري)) فكان لي به% النسب والسبب فأردت أن أجمع إليه الصهر، فرفأؤه.
…وذكر ابن وهب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن ابيه عن جده أن عمر بن الخطاب تزوج أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب على مهر أربعين ألفاً. قال أبو عمر: ولدت أم كلثوم بنت علي لعمر بن الخطاب زيداً ورقية بنت عمر، وتوفيت أم كلثوم وابنها زيد في وقت واحد، وقد كان زيد أصيب في حرب كانت بين بني عدي ليلاً كان قد خرج ليصلح بينهم فضربه رجل منهم في الظلمة فشجه وصرعه، فعاش أياماً ثم مات هو وأمه في وقت واحد، وصلى عليهما ابن عمر، قدمه الحسن بن علي، وكانت فيهما سُنَّتَان فيما ذكروا لم يورث واحد منهما من صاحبه؛ لأنه لم يعرف أولهما موتاً.
…وفي (الإصابة) 8/293: أن سعيد بن العاص هو الذي صلى عليهما، ولم يرد أن سعيد بن زيد صلى عليهما كما جاء في الأصل، والله أعلم.
(2) قال عنه في (الجرح والتعديل) 3/568: زيد بن عمر بن الخطاب، من أم كلثوم بنت علي.
…وفي (تهذيب الأسماء)1/200: زيد بن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه من زوجته أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب من فاطمة بنت رسول الله رضي الله عنهم.
…قال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: توفي زيد وأمه أم كلثوم في ساعة واحدة وهو صغير لا يدرى أيهما مات أولاً.
بن عمر بن الخطاب فصلى عليهما سعيد بن زيد(1)
فجعل زيداً مما يلي الإمام وأمه من قدامه مما يلي القبلة، وفي القوم الحسن والحسين وابن عباس وأبو هريرة حتى عد ثمانين من الصحابة رضي الله عنهم. فقلت: ما هذا؟ فقالوا: هكذا السنة. وهذا هو رأي الهادي في الأحكام.
__________
(1) قال عنه في (التأريخ الكبير) 3/452: سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل أبو الأعور القرشي ثم العدوي، قدم من الشام بعدما انصرف النبي÷ من بدر فضرب له رسول الله÷ بسهمه.
…قال أبو نعيم: حدثنا عبد السلام عن يزيد بن أبي زياد عن يزيد بن يحنس عن سعيد بن زيد أن النبي÷ خرج وهو محتضن الحسن أو الحسين قال: ((اللهم إني أحبه فأحبه)) مات سعيد سنة ثمان وخمسين. وفي ترجمته في (الجرح والتعديل) 4/21 جاء ما ملخصه: سعيد بن زيد بن عمرو بن الأعور القرشي العدوي، مات بالعقيق، ودفن بالمدينة في ولاية معاوية، روى عنه ابن عمر وعمرو بن حريث وأبو الطفيل عامر بن واثلة، قال: سمعت أبي يقول ذلك. وفي (الإصابة) 3/103 قال عنه: سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل بن عبد العزى، العدوي، أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأمه فاطمة بنت بعجة بن مليح الخزاعية، كانت من السابقين إلى الإسلام، أسلم قبل دخول رسول الله دار الأرقم، وهاجر وشهد أحداً والمشاهد بعدها، ولم يكن بالمدينة زمان بدر، فلذلك لم يشهدها. اهـ.
القول الثاني: أنه إذا اجتمع جنائز الرجال والنساء فإنه تُجعل النساء مما يلي الإمام والرجال يكونون مما يلي القبلة بعدهن. وهذا هو المحكي عن القاسم بن محمد(1)
وسالم بن عبدالله(2)
__________
(1) من أشهر رجال الحديث رواية، وتراجمه في معظم كتب الرجال، منها (التأريخ الكبير) 7/157، وفي (الجرح والتعديل) 7/118، و(لسان الميزان) 4/465، و(تهذيب الأسماء)2/366، وجاء في ترجمته في (سير أعلام النبلاء) 5/53-60: القاسم بن محمد بن خليفة رسول الله÷ أبي بكر الصديق عبدالله بن أبي قحافة، الإمام القدوة الحافظ الحجة، عالم وقته بالمدينة مع سالم وعكرمة، أبو محمد وأبو عبدالرحمن القرشي التيمي البكري المدني، ولد في خلافة الإمام علي فروايته عن أبيه عن جده انقطاع على انقطاع، فكل منهما لم يلحق أباه، وربى القاسم في حجر عمته أم المؤمنين عائشة، وتفقه منها وأكثر عنها، وروى عن ابن مسعود مرسلاً، وعن زينب بنت جحش مرسلاً، وعن فاطمة بنت قيس وابن عباس، وابن عمر وأسماء بنت عميس جدته، وأبي هريرة ورافع بن خديج، وعبد الله بن خباب وعبد الله بن عمرو، ومعاوية وطائفة. حدث عنه ابنه عبد الرحمن والشعبي، ونافع العمري وسالم بن عبد الله، وأبو بكر بن حزم والزهري، وابن أبي مليكة وسعد بن إبراهيم وحميد الطويل وأيوب وربيعة الرأي وعبيد الله بن عمر، وابن عون وربيعة بن عطاء وثابت بن عبيد وجعفر بن محمد وغيرهم. قال ابن المديني: له مئتا حديث، وقال ابن سعد: أمه أم ولد يقال لها سودة، وكان ثقة عالماً رفيعاً، فقيهاً إماماً ورعاً كثير الحديث.
(2) له تراجم في مختلف كتب الرجال، منها ما جاء في (سير أعلام النبلاء) 4/457-467 ملخصاً في الآتي: سالم بن عبد الله بن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، الإمام الحافظ مفتي المدينة، أبو عمر وأبو عبد الله القرشي العدوي المدني، وأمه أم ولد، مولده في خلافة عثمان.
…حدث عن أبيه فجود وأكثر، وعن عائشة، وذلك في سنن النسائي وأبي هريرة، وذلك في البخاري ومسلم عن زيد بن الخطاب العدوي، وأبي لبابة ابن عبد المنذر، وذلك مرسل وعن رافع بن خديج وسفينة وأبي رافع مولى النبي÷ وسعيد بن المسيب وامرأة أبيه صفية، وعنه ابنه أبو بكر وسالم بن أبي الجعد، وعمرو بن دينار القهرمان، ومحمد بن واسع، ويحيى بن إسحاق الحضرمي، وأبو بكر بن حزم والزهري، ومحمد بن أبي حرملة وكثير بن زيد، وفضيل بن غزوان، وحنظلة بن أبي سفيان، وصالح بن كيسان وصالح بن محمد بن زائدة، أبو واقد، وعاصم بن عبد الله وعبد العزيز بن أبي رواد، وعبيد الله بن عمر وعكرمة بن عمار، وابن أخيه عمر بن حمزة وابن ابن أخيه عمر بن محمد بن زيد وابن ابن أخيه خالد بن أبي بكر بن عبيد الله وابن أخيه القاسم بن عبيد الله وخلق سواهم.
قال ابن أبي الزناد: كان أهل المدينة يكرهون اتخاذ أمهات الأولاد حتى نشأ فيهم الغر السادة علي بن الحسين والقاسم بن محمد وسالم بن عبد الله، ففاقوا أهل المدينة علماً وتقى وعبادة وورعاً، فرغب الناس حينئذٍ في السراري.
…قال ابن المبارك: كان فقهاء المدينة الذي كانوا يصدرون عن رأيهم سبعة: ابن المسيب وسليمان بن يسار، وسالم والقاسم وعروة وعبيد الله بن عبد الله، وخارجة بن زيد، وكانوا إذا جاءتهم مسألة دخلوا فيها جميعاً، فنظروا فيها ولا يقضى حتى يرفع إليهم، فينظرون فيها فيصدرون.
والحسن البصري وسعيد بن المسيب.
والحجة على هذا: هو أن القبلة من أشرف الأمكنة فلهذا خص الرجل به كما إذا دفنا في لحد واحد معاً فإنه يقدم الرجل إلى القبلة فهكذا هاهنا.
القول الثالث: أنه يُقدم جنائز الرجال الأحرار ثم جنائز النساء الحرائر على جنائز العبيد. وهذا هو الذي ذكره الهادي في المنتخب.
والحجة على هذا: هو أن الحرية صفة عالية. والرق صفة نازلة. فالحر يملك نفسه ويملك تصرفه، والعبد لا يملك نفسه ولا يملك تصرفه، فلما كان الأمر كما قلناه لا جرم قدمت النساء الحرائر على العبيد لما ذكرناه.
والمختار: ما ذكره السيدان الأخوان رضي الله عنهما من صحة الترتيب الذي ذكرناه على رواية الأحكام.
وحجتهم: ما ذكرناه.
ونزيد هاهنا: وهو ما روي عن ابن عمر: أنه صلى على تسع جنائز رجال ونساء فجعل الرجال مما يلي الإمام والنساء بعدهم مما يلي القبلة وصلى. وهذا لا يصدر من جهة الصحابي إلا عن توقيف من جهة الرسول÷ لأن هذه عبادة وفيها تقديم وتأخير لا يصدر إلا من جهة الرسول÷ إذ لا مدخل للإجتهاد فيه.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: ما يلي القبلة أفضل كما إذ لو وضعوا في اللحد.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن الرجال يكونون إلى جانب الإمام كما في سائر الصلوات.
وأما ثانياً: فلأن اللحد ليس فيه إمام، فلهذا اعتبرنا القبلة بخلاف ما نحن فيه فالإمام معتبر فافترقا.
وإن اختلف الأولياء في من يكون إلى جانب الإمام عند الوضع للصلاة نظرت، فإن كان الأموات رجالاً على الإنفراد أو نساء على الإنفراد قدم السابق، لأن له مزية السبق وهم جنس واحد فلا مزية إلا بالسبق، وإن كانوا رجالاً ونساءاً قدم الرجال سواء كان النساء سابقات أو مسبوقات، لأن السنة في الموقف أن تكون المرأة خلف الرجل، وإن اجتمع رجل وصبي فإن كان الرجل السابق قدم إلى جانب الإمام، وإن كان الصبي هو السابق قدم لأن له حقاً بالسبق وقد يقف مع الرجل في الموقف بخلاف المرأة.
الفرع الثامن: في التكبير. وفيه مسائل خمس:
المسألة الأولى: قال القاسم%: من كبر قبل تكبير الإمام التكبيرة الأولى أعاد التكبير إذا كبر الإمام لأمرين:
أما أولاً: فلقوله÷: ((لا تختلفوا على إمامكم)). ولا شك أن كل من كبر مع الإمام تكبيرة الإفتتاح فقد خالفه.
وأما ثانياً: فلأنه إذا كبر قبله لم يكن مؤتماً به لأن من حق المأموم أن يكون متابعاً للإمام.
المسألة الثانية: قال الهادي في المنتخب: وإذا كبر الإمام على الجنازة تكبيرة واحدة ثم جيء بجنازة أخرى ففي ما يفعل الإمام قولان:
فالقول الأول: أن الإمام ينوي الصلاة عليها عند التكبيرة الثانية ويبلغ بالتكبيرات ستاً، وهكذا يفعل في كل جنازة توضع فمتى كملت عليها خمس تكبيرات رفعت للدفن وعلى هذا يكون تقرير المذهب.
والحجة على هذا: ما روي عن الرسول÷: أنه لما صلى على حمزة يوم أحد كانت الجنائز توضع واحدة بعد واحدة والرسول÷ يصلي عليها وجنازته موضوعة فحصل له سبعون تكبيرة ولم يستأنف الصلاة على كل واحدة منها، فإن كان ذلك في صلاة واحدة فهو الذي نقوله، وإن كان في صلوات مستأنفة أدَّى ذلك إلى أن يكون قد كرر الصلاة عليه في حالة واحدة، وتكرير الصلاة في حالة واحدة على ميت واحدٍ من مصلٍ واحدٍ ليس مذهباً لأحد ولا قائل به.
القول الثاني: محكي عن أبي حنيفة وأصحابه: أنه يفرغ من الصلاة على الجنازة الأولى ثم يستأنف الصلاة على الجنازة الثانية.
والحجة على هذا: هو أن الإمام إذا فعل ذلك كان أوفر للدعاء وأقرب إلى القياس كما لو كان في أوقات مختلفة.
والمختار: أن كل واحدٍ من الأمرين جائز لأن أي واحد منهما فعل فقد حصل به الغرض المقصود من توفير التكبيرات على كل ميت لكن المقصود هو تعيين الأفضل ولا شك أن الإقتداء بالرسول÷ هو الأفضل وما فعله فهو الأحسن الأكمل وقد قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}[الأحزاب:21]. وقوله: {وَاتَّبِعُوهُ}.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: القياس: هو أن يكون على كل واحدٍ من الجنائز صلاة مستأنفة فلا حاجة إلى العدول عنه.
قلنا: قد أوضحنا أن القياس ما ذكرتموه لكن إنما عدلنا عن القياس تأسياً بالرسول÷ في أفعاله، خاصة والباب باب عبادة فلا مدخل للأقيسة فيها.
المسألة الثالثة: قال الناصر: وإن كبر التكبيرات الخمس بالفارسية أجزأه ذلك سواء أحسن العربية أو لم يحسن، وهكذا سائر الأدعية المشروعة في صلاة الجنازة يجوز تأديتها بالفارسية. وإن أراد قراءة القرآن فيها فلا يجوز ذلك إلا بالعربية كما قررناه في كتاب الصلاة، لأن قراءة القرآن بالفارسية يبطل إعجازه ويخرجه عن كونه قرآناً، فلهذا لم تجز قراءته بالفارسية لما ذكرناه.
ومن فاته بعض التكبيرات فإنه يكبر إذا سلم الإمام. عند أئمة العترة الهادي والقاسم والناصر، ومحكي عن أبي حنيفة وأصحابه، والشافعي وأصحابه.
والحجة على هذا: هو أنه مسبوق في صلاته فيلزمه قضاء ما فاته بعد تسليم الإمام كمن سبق في سائر الصلوات، ويكبر قبل رفع الجنازة لأنها ما دامت بين يديه كان مصلياً عليها، فإذا رفعت خرج عن أن يكون مصلياً عليها.
المسألة الرابعة: وإن فاته الإمام ببعض التكبيرات، فهل يكبر للإفتتاح أو ينتظر تكبير الإمام؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه لا يكبر بل ينتظر تكبير الإمام فيكبر معه. وهذا هو الذي حصله السيد أبو طالب للمذهب، وهو محكي عن أبي حنيفة، ومحمد.
والحجة على هذا: هو أن كل تكبيرة من صلاة الجنازة قائمة مقام ركعة فالمسبوق إذا لحق الإمام فإنه لا يبدأ بقضاء ما فاته، وإنما يقضيه بعد فراغ الإمام من صلاته، فلو كبر قبله لكان قد بدأ بما فاته.
المذهب الثاني: أنه يكبر ولا ينتظر الإمام. وهذا هو رأي الشافعي ومحكي عن أبي يوسف.
والحجة على هذا: هو أنه مدرك للإمام فلهذا دخل معه من غير انتظار كسائر الصلوات.
والمختار: هو التكبير من غير انتظار تكبير الإمام.
والحجة على هذا: هو أن صلاة الجنازة ليست بأبلغ من الصلوات المكتوبة، وقد تقرر فيها أن المأموم يكبر من غير انتظار فهكذا هاهنا.
ويؤيد ما ذكرناه: قوله÷: ((من أدركني فليكن على الحالة التي أنا عليها)). ولم يأمر بالانتظار، وفي هذا دلالة على ما قلناه من التكبير من غير انتظار لتكبير الإمام، ولا فائدة في قوله: ((فليكن على الحالة التي أنا عليها)). إلاَّ بالدخول من غير انتظار الإمام.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: إنه إذا كبر قبل تكبير الإمام كان قاضياً لما فاته لأن التكبيرات بمنزلة الركعات.
قلنا: إنه يكبر لإفتتاح الصلاة لا للقضاء كما في الصلاة المكتوبة، وإن فاته شيء من التكبيرات فإنما يقضيه بعد تسليم الإمام.
ويؤيد ما ذكرناه: قوله÷: ((ما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فاقضوا)). ومن هذه حاله فهو مدرك للتكبير، فلهذا لا وجه للانتظار لَمَّا كان مدركاً للتكبير.
المسألة الخامسة: وإذا كبر على الجنازة خمساً من غير قراءة ولا دعاء للميت ولا لغيره لم تكن مجزية ووجب إعادتها لأنه أخل بالمقصود، لأن معظم المقصود منها هو الدعاء للميت، ولأنها تكبيرات مشروعة على الجنازة فيجب أن يتخلل بينها ذكر مشروع كصلاة العيدين.