الحكم السابع: وإذا قلنا: بأن المختار هو الجمع بين القراءة والدعاء في صلاة الجنائز كما مر بيانه، ونقلناه من كلام الأئمة والعلماء. فالذي نختاره: أن يكبر التكبيرة الأولى ويقرأ الفاتحة لأن تقديمها أحق كما مر في الفريضة، فإذا فرغ من قراءتها فالمستحب أن يقول: سبحان من تفرد بالبقاء وقهر العباد بما حكم عليهم من الموت والفناء أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له أهل الكبرياء والعظمة، وأهل الجود والجبروت، وأهل العفو والرحمة، وأهل التقوى وأهل المغفرة، ونشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الإسلام والدعاء إلى دار السلام، ونشهد أن الوعد حق، وأن الوعيد حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور.
ثم يكبر الثانية ويقول: اللهم صل على ملائكتك المقربين وصل على أنبيائك المرسلين، وصل على عبادك الصالحين، وخص محمداً وأهل بيت محمد بأفضل الصلاة والتسليم.
ثم يكبر الثالثة، ويقول: اللهم اغفر لشاهدنا وغائبنا وحينا وميتنا وصغيرنا وكبيرنا وذكرنا وأنثانا، اللهم من أحييته منا فأحيه حياة طيبة على الدين والإيمان، ومن توفيته فهوَّن عليه كرب الموت وأمته على الدين والإيمان، اللهم بارك لنا في الموت والحياة واجعل مأوانا الجنة.
ثم يكبر الرابعة ويقول: اللهم هذا عبدك وابن عبدك وأمتك خرج من سعة الدنيا وفسحتها؛ إلى ضيق القبر ووحشته، ومن عمران الدور إلى خراب القبور، ومن الإنس بالإخوان والأصحاب إلى الظلمة والوحشة والتمرغ في التراب، وقد نزل بساحة كرمك وأنت خير منزول به شاهداً لك بالوحدانية، ولرسولك بالرسالة، وهاتان الشهادتان من أعظم الوسائل إلى كل خير لك، اللهم اجعلهما من أثقل ما يوضع في ميزان خيراته وتجاوز بفضلهما عن خطيئاته وسيئاته، وقد أتيناك متشفعين له سائلين له المغفرة والرحمة فلا تردَّنا خائبين ولا أشقياء بدعائك ولا محرومين.

ثم يكبر الخامسة، ويسلم عن يمينه ويساره. وليس بعد التسليم شيء. وهذا الكلام في من كان من الأولياء وأهل الصلاح والخير والستر.
فإن كان صغيراً طفلاً فليقل: اللهم اجعله لنا ولوالديه فرطاً وسلفاً وذخراً وثواباً وأجراً وأجعل مصابه غفراناً للذنوب، وتكفيراً للخطايا.
وإن كان الميت ممن لا يعلم حاله فليقل: اللهم إن هذا عبدك وابن عبديك، اللهم إن كان من أوليائك فأكرمه بما وعدته، على لسان رسولك، وإن كان من أعدائك فإن تعذب فبحق وإن تغفر فعن ذنب، اللهم ارزقنا حسن الإستعداد لما نزل به، ولا تضلنا بعده، ولا تجعلنا من الأخسرين أعمالا الذي ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا.
وإن كان من الفسقة الذين ماتوا على ملابسة الكبائر مصرين على اقتحام العظائم فليقل: اللهم هذا عبدك وابن عبديك، فقد خسر عمله، وضل سعيه، واجترأ على مخالفتك، وقد نزل بك فإن تعذبه فبجرم واستحقاق، وإن تغفر فأنت أهل العفو وأنت على كل شيء قدير.
الحكم الثامن: في بيان من يصلَّى عليه ومن لا يصلَّى عليه. ويشتمل على صور ست:
الصورة الأولى: ويصلى عل كل من مات ممن اجتمع في حقه هذان الوصفان ـ أعني: الإسلام والموت ـ وجبت عليه الصلاة.
قال محمد بن عبدالله: والصبي والصبية إذا سبيا من دار الشرك إلى دار الإسلام وليس معهما أحد من أبويهما فإنه يصلى عليهما إذا ماتا في دار الإسلام.

واعلم.. أنهما إذا حصلا في دار الإسلام على جهة السبي نظرت فإن كان معهما الأبوان وأسلما أو واحد منهما فإنه يصلى عليهما لأنهما لاحقان بالأبوين في الإسلام لقوله تعالى: {أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ}[الطور:21]. وإن لم يكن معهما أحدٌ من الأبوين وماتا في دار الإسلام فإنه يصلى عليهما لأنهما إذا لم يلحقا بالأبوين ألحقا بحكم الدار لأن من وجد في دار الإسلام فهو مسلم، وإن كان معهما الأبوان ولم يسلما ولا واحد منهما لم يصل عليهما لأن حكم الأبوين أخص من حكم الدار لأنه لا يحكم عليهما بحكم الدار إلا عند فقد الأبوين، فأما إذا وجدا فالحكم للأبوين دون الدار، وإن وقع الأبوان في سهم رجل والصبيان في سهم آخر ولم يسلم الأبوان لم يصل عليهما إذا ماتا لأنهما كافران بكفر أبويهما.
قال القاسم: وإن سبيت جارية إلى دار الإسلام جاز لمن وقعت في سهمه وطؤها.
واعلم أن الجارية إذا سبيت فإنه يجوز لمالكها وطؤها لأنها بدخولها دار الإسلام محكوم بإسلامها وإن لم تضف الإسلام. فإذا ماتت صلي عليها، وإن ظهر منها الكفر وماتت لم يصل عليها لأن حكم نفسها أخص من حكم الدار ولهذا فإن الصبي والصبية إذا سبيا إلى دار الإسلام فبلغا وظهر منهما التصريح بالكفر وماتا لم يصل عليهما لأن حكم أنفسهما أخص من حكم الدار.
قال الهادي: وولد الزنى يصلى عليه إذا كان سالكاً لطريق الحق، الإسلام والصلاح، كما يصلى على غيره من المسلمين ولا يضره فسق أبويه إذا كان مؤمناً لقوله تعالى: {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى}[الأنعام:164]. وأما الأغلف الذي ترك الختان فينظر في حاله فإن كان تركه خوفاً على نفسه فإنه يصلى عليه إذا مات لأنه معذور، وإن كان ترك الختان من غير عذر لم يصل عليه لأنه ترك من السنة أعظمها فلهذا لم يصل عليه، والأصل في ذلك خبر زيد بن علي في الأغلف وقد قدمناه.
الصورة الثانية: وإذا مات الكافر نظر فيه.

فإن كان طريق كفره التصريح ومات فإنه لا يصلى عليه. والكفر الصريح ما وقع الإجماع عليه من الأئمة على كفره فإنه يمنع من الصلاة عليه كاليهود والنصارى والملاحدة والدهرية والمجوس ممن كان كفره ظاهراً لا تأويل فيه. وهذا هو رأي أئمة العترة والفقهاء.
والحجة على هذا: قوله تعالى: {وَلاَ تُصَلِّ على أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً وَلاَ تَقُمْ على قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ}[التوبة:84]. ولأن الصلاة للرحمة. والكافر لا يرحم.
وإن كان كفره من جهة التأويل وهذا نحو المجبرة والمشبهة وغيرهم من كفار التأويل فإن هؤلاء مصدقون بالله وبرسوله، ومصلون إلى القبلة وناكحون على الشريعة ومؤمنون بجميع الشريعة والقرآن خلا أنهم اعتقدوا اعتقاداً أوجب إكفارهم، وعلى هذا تجوز الصلاة عليهم إذا ماتوا لما قلناه، ويدفنون في مقابر المسلمين.
الصورة الثالثة: والفاسق إذا مات فإنه ينظر في حاله.
فإن كان فسقه من جهة التصريح، وهذا نحو مرتكبي الكبائر والتاركين للصلاة والمكبين على شرب المسكر والسُّرَّاق والزناة وغيرهم ممن كان فسقه بارتكاب الكبائر الفسقية، فمن هذه حاله فإنه لا تجوز الصلاة عليه عند أئمة العترة، وهو قول أبي حنيفة.
وحكي عن الشافعي: أنه يصلى عليه.
والحجة على ما قلناه: هو أن الفاسق صار بفسقه من أهل عداوة الله تعالى، ومستحقاً للعقوبة بالنار فلهذا لم تجز الصلاة عليه كالكافر.
وإن كان فسقه من جهة التأويل، وهذا نحو الخوارج فإنهم فسقوا بشبهة وخرجوا على إمام الحق بطروّ الشبهة عليهم، واعتقادهم الصواب فيما فعلوه، وعرفت أحكامهم من جهته، وأجرى عليهم أكثر أحكام الإسلام ولم يعاملهم معاملة أهل الفسق.

وروي عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه: أنه لم يصل على قتلى أهل النهروان لأنهم يشبهون المحاربين وقطاع الطريق لأن هؤلاء الخوارج منعوا الإمام عن إمضاء أوامر الله تعالى ونواهيه، وإصلاح أمور الدين، كما كان من قطاع الطريق وسائر المحاربين من منع المسلمين عن التصرفات في الطرقات، وكله فساد في الأرض من المحاربين وأهل البغي على الإمام، فلهذا لم يصل عليهم.
قال القاسم: لا يصلى على صاحب الكبيرة. والمرجوم إن رجم بإقراره صلي عليه، وإن رجم بالبينة لم يصل عليه إلا أن تسمع منه التوبة. وعلى هذا يدخل كل باغٍ وقاطع طريق فيما ذكره القاسم.
وقال أيضاً: من أتى كبيرة مما وجب له بها النار لم يصل عليه لأنه ملعون. كما حكي عن الحسين بن علي ودعائه على سعيد بن العاص حين مات، في صلاته عليه.
وقول أبي حنيفة، وأبي يوسف مثل ما حكي عن القاسم.
قال المؤيد بالله: ولا يصلى على الفاسق. قد دل عليه كلام الهادي في غير موضع من الأحكام.
دقيقة.. إعلم أن الظاهر من كلام هؤلاء الأئمة القاسم والهادي والمؤيد بالله وأبي طالب وأبي العباس: أن الفساق من أهل الكبائر الفسقية من أعمال الخوارج لا تجوز الصلاة عليهم وأنهم ملعونون مستحقون للعقاب من جهة الله تعالى كالزناة والشربة والسُّرَّاق، وأنه ينبغي لعنهم والتبرؤ عنهم.
والذي يلي الصلاة عليهم لأجل خوف مضرة فإنه يلعنهم في صلاته ولأنهم من أهل عداوة الله تعالى. وهذا هو رأي أبي حنيفة ومحمد وأبي يوسف في البغاة وقطاع الطريق.
فأما من لم يكن من البغاة وقطاع الطريق، فإنه يصلى عليه عند الحنفية.
وأما الشافعي فله في الفاسق قولان.
وحكي عن زيد بن علي وأحمد بن عيسى: جواز الصلاة على الفاسق.
وهذا التردد والخلاف إنما هو في فساق الخوارج الذين ماتوا على الإصرار على الفسق من غير توبة.

فأما فسَّاق التأويل فكلامهم فيهم محتمل. ولم أقف على منع الصلاة عليهم عند هؤلاء الأئمة، ولم يؤثر منع الصلاة على من فُسِّق بالتأويل إلا عن أمير المؤمنين فإنه امتنع من الصلاة على قتلى أهل النهروان لما كانوا بغاة من جهة التأويل. فيحتمل أن يقال: لا يغسلون لأنهم فُسَّاق مثل فُسَّاق الخوارج، ويحتمل أن يكونوا معذورين في فسقهم لأجل جهلهم وعلى هذا يغسلون.
الصورة الرابعة: الشهيد. وهل يصلى عليه أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه يصلى عليه. وهذا هو رأي أئمة العترة القاسم والهادي والناصر والمؤيد بالله وغيرهم من أكابر العترة، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، والثوري، ومروي عن المزني من أصحاب الشافعي، والحسن البصري وسعيد بن المسيب.
والحجة على هذا: ما روى زيد بن علي عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه، أنه لما كان يوم بدر أصيب جماعة فذهبت رؤوسهم فصلى عليهم رسول اللّه÷(1).
الحجة الثانية: ما روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: أمر رسول اللّه÷ يوم أحد بالقتلى فجعل يصلي عليهم ويضع تسعة وحمزة فيكبر تسع تكبيرات ثم يرفعون ويترك حمزة ثم جيء بتسعة فكبر عليهم تسعاً حتى فرغ منهم.
فأما ما يتعلق بالغسل فقد قدمنا ما فيه من الخلاف فأغنى عن تكريره.
المذهب الثاني: أن الشهيد لا يصلى عليه. وهذا هو رأي الشافعي، ومحكي عن مالك، وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه.
__________
(1) جاء في (تخريج البحر)2/142: وهو سهو [أي: ما جاء في (الانتصار) من فعله÷ يوم بدر] والصواب: يوم أحد، ولفظه في (المجموع) و(الشفاء): عن علي% قال: لما كان يوم أحد أُصيبوا فذهبت رؤوس عامتهم فصلى عليهم رسول الله÷ ولم يغسلهم، وقال: ((انزعوا عنهم الفراء)) اهـ.

والحجة على هذا ما روى جابر وأنس بن مالك أنه قتل من الصحابة يوم أحد إثنان وسبعون قتيلاً فأمر رسول اللّه÷ أن تنزع عنهم الجلود والفراء وأن يدفنوا بدمائهم ولم يصل عليهم(1) فدل ذلك على أن الشهيد لا وجه للصلاة عليه عندهم.
والمختار: وجوب الصلاة على الشهيد. وهذا هو رأي أئمة العترة.
وحجتهم: ما ذكرناه.
ونزيد هاهنا: ما روي عن الرسول÷ في قتل حمزة فإنه سُجِيَّ ببردة وصلي عليه، وهذا ظاهر عند أهل النقل والمعرفة بالسير لا يختلفون فيه وأنه كبر عليه سبعين تكبيرة(2) فكيف يمكن إنكار مثل هذا مع ما فيه من الاشتهار عند أهل السير والأخبار.
والحجة الثانية: ما روي أن أعرابياً بايع الرسول÷ في خيبر وتقدم للقتال فقتل فكفنه رسول اللّه÷ في جبته وصلى عليه.
__________
(1) أخرجه البخاري 4/1497 وأبو داود 3/195، والدارقطني 4/117، والبيهقي في (الكبرى) 4/10 وهو في (المستدرك) 1/520، ومصنف ابن أبي شيبة 7/318. ويبدو أن كون رسول الله÷ لم يصل عليهم فيه نظر ضمن ما سيأتي من كلام المؤلف، ولتظاهر الروايات على أن الرسول÷ صلى عليهم كما في حديث أبي مالك الغفاري وحديث ابن عباس الذي رواه البخاري، وما قاله ابن حجر من أن حديث ابن عباس روي من طريق أخرى، منها ما أخرجه الحاكم وابن ماجة والطبراني والبيهقي. وما أورده في (الاعتصام) 2/164 من رواية المؤيد بالله من حديث عقبة بن عامر، كما أورد فيه أيضاً حديث ابن عباس عن (شرح التجريد)، وآخر عن عبد الله بن الزبير، فضلاً عن حديث أمير المؤمنين%، وفي (تخريج البحر) عن (التلخيص) رواية صلاة النبي÷ على قتلى أحد عشرة عشرة، في كل عشرة حمزة حتى صلى عليه سبعين صلاة، قال: ورجاله ثقات.
(2) رواه البيهقي في (الكبرى) 4/14، وهو في (فتح الباري) 3/210، و(سبل السلام)2/97، و(نيل الأوطار) 4/81.

الحجة الثالثة: أن الشهيد مات على الدين والإسلام ثابت الولاية فوجب أن يصلى عليه كسائر المسلمين، فإن الشهادة ما زادته إلا قوة وعلواً ورفعة عند الله تعالى.
ومن جهة أن الصلاة على الموتى تشريف من جهة الله للمسلمين وعلو رفعة ولا شك أن الشهيد أحق بهذه الأمور من غيره من سائر المسلمين لما عظَّم الله من حالهم ورفع من منازلهم بالقتل بالشهادة فوجب أن يكونوا أحق بالصلاة.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: روى جابر وأنس بن مالك، أنه قتل يوم أحد سبعون قتيلاً فأمر الرسول÷ بدفنهم بثيابهم ولم يغسلهم.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن الرسول÷ ربما لم يصل على بعضهم لأنه كان في ذلك اليوم مشغولاً بما أصابه من الجرح من كسر رباعيته وجرح وجنته، فكان مشغولاً بغسل الدم عن وجهه، ومداواة الجرح فظن الراوي أنه لم يصل عليهم وأمر من صلى عليهم لما ذكرناه.
وأما ثانياً: فلأن ما ذكروه معارض بما روى ابن عباس وزيد بن علي من أنه صلى على قتلى أحد، وإذا تعارضا فلا بد من الترجيح لأحدهما على الآخر، وما ذكرناه أرجح لإشتماله على الزيادة وهي مقبولة من جهة الراوي.
قالوا: إن الشهيد لا يغسل، فهكذا لا يصلى عليه كسائر الحيوانات.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن ترك الغسل في الشهيد خارج عن القياس، والقياس: غسله كسائر المسلمين غير الشهداء، وإذا كان خارجاً فلا وجه للقياس عليه.
وأما ثانياً: فلأن قياسنا أرجح من اختصاصه بالتجانس فإن رَدَّ الصلاة إلى الصلاة أقرب من ردها إلى الغسل وكلما عظم الاختصاص في الأقيسة بقرب التجانس كانت راحجة على غيرها مما لا تجانس فيه. فلهذا قلنا: إن الشهيد يصلى عليه كما يصلى على سائر المسلمين. وهم قالوا: لا يصلى عليه كما لا يغسل، فلأجل هذا كان قياسنا أدخل في الملائمة وأجرى على قوانين الأقيسة من اعتبار التجانس الذي يقوى على الظن ويقرر قواعد الحكم.

والعجب من الشافعي رضي الله عنه مع اختصاصه بالفضل وتبحره في علوم الشريعة وغوصه في أسرارها ودقائقها حيث منع من الصلاة على الشهداء وأوجبها على اللصوص والأكراد والسلابين وقطاع الطريق والظلمة وسائر الفساق المقطوع على فسقهم كالزناة وشربة المسكرات مع اختصاص الفسق بالجوارح بالدناءة والسخف والركة في الدين ونزول العذر عند الله بملابسة الكبائر والجرأة عليه في اختصاصهم وإكبابهم على فعلها. واختصاص الشهداء بمزية الشرف وعلو المنزلة عند الله حيث بذلوا أرواحهم التي هي أعز ما عندهم لله تعالى وإعزازاً لدينه وإظهاراً لأمره.
وأعجب من هذا: أنه قال: لا يغسل ويدفن بثيابه التي أصابها الدم لشرف الشهادة وعلو قدرها، وما ورد من الثناء عليهم بترك الغسل، حيث قال÷: ((زملوهم بكلومهم فإنهم يبعثون يوم القيامة وأوداجهم تشخب دماً اللون لون الدم والريح ريح المسك)). ومنع من الصلاة التي فيها نهاية الشرف وعُلُوِّ الدرجة وارتفاع المنزلة، وأن يكونوا مشبهين للفساق والكفار في منع الصلاة ويحرمون بركتها وفضلها، فما هذا حاله فمما لا سبيل إلى قبوله.
نعم.. نحن لا ننكر أن المسألة اجتهادية، وأن الرأي المقطوع به هو تصويب الآراء في المسائل الاجتهادية والمضطربات النظرية لكن ربما كان النظر منحرفاً عن قواعد الشريعة ومخالفاً لأصولها فلا جرم ضعف، وكان غيره أكثر موافقة وأعظم جرياً على القياس.
الصورة الخامسة: في السِّقط.
وإذا استهل صبي صُلي عليه. واستهلاله صراخه عند الولادة. وهو رأي أئمة العترة، ومحكي عن أبي حنيفة وأصحابه والشافعي وأصحابه.
وحكي عن سعيد بن جبير: لا يصلى عليه حتى يبلغ.
وعن بعض الفقهاء: لا يصلى عليه حتى يصلي. ولم أقف عليه ولكن حكاه صاحب البيان.
[والمختار: ما قاله أئمة العترة ومن تابعهم].

والحجة على ما قاله علماء العترة: ما روى جابر وابن عباس عن الرسول÷ أنه قال: ((إذا استهل السقط صلي عليه)). وروى أبو أمامة عن الرسول÷ أنه قال: ((إذا استهل السقط صلي عليه، وإن لم يستهل لم يصل عليه)) (1).
هذا نص صريح فيما ذهبنا إليه.
[الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه].
قالوا: لم يبلغ الحلم ولا صلى فلا يصلى عليه، كما لو لم يستهل.
قلنا: إنه بالإستهلال قد صار من جملة الأحياء لكنه لم يمهل للبلوغ والصلاة فأشبه سائر الأطفال.
وإن خرج ميتاً لم يستهل لم يصل عليه ولف في خرقة ثم دفن.
وإن خرج رأسه واستهل ثم خرج باقيه وقد مات صلي عليه لأنه قد صار حياً باستهلاله ثم طرأ عليه الموت فلهذا صلي عليه.
وإن مكث في بطن أمه أربعة أشهر ثم خرج ميتاً فهل يصلى عليه أم لا؟.
فحكي عن الشافعي: أنه يصلى عليه.
والمختار: أنه لا يصلى عليه. وهو رأي أئمة العترة، ومحكي عن أبي حنيفة ومالك.
والحجة على ذلك: ما روي عن الرسول÷ أنه قال: ((إذا استهل المولود صلي عليه)). فصريح الخبر وظاهره دالان على أنه تجب الصلاة عليه إذا استهل، ودليل خطابه: أنه لا يصلى عليه إذا لم يستهل. فأما الكلام في غسله فقد قدمناه وذكرنا ما هو المختار والانتصار فأغنى عن التكرير.
الصورة السادسة: وإن وجد بعض الإنسان فهل يصلى عليه أم لا؟.
فالذي عليه أئمة العترة: أنه لا يصلى عليه إلا إذا وجد الأكثر منه أو وجد الرأس مع النصف، فإن وجد النصف أو دونه لم يصل عليه. وهذا هو رأي أبي حنيفة ومالك.
__________
(1) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه 3/11، والبيهقي في (الكبرى) 4/8، وأورده الشوكاني في (النيل) 4/45، عن المغيرة بن شعبة ضمن حديث جاء فيه قوله÷: ((والسقط يصلى عليه ويدعا لوالديه بالمغفرة والرحمة)) رواه أحمد وأبو داود، وقد تقدم.

272 / 279
ع
En
A+
A-