إذا أنا مت فاستر عورتي واغسلني ونقني وكفني في وتر وكبر عليَّ خمساً وسلني سلاً(1).
فهذه أقاويل الصحابة والتابعين والفقهاء دالة على كونها خمساً قولاً وفعلاً ورواية عن الرسول÷ فيجب العمل على ذلك.
ويؤيد ما ذكرناه ويوضحه: أنها عبادة ذات عدد يختص الميت فيجب أن يكون وتراً كالكفن والغسل.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: روي: أن رسول اللّه÷ صلى على النجاشي أربع تكبيرات.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأنه لم يذكر تكبيرة الإفتتاح لما كانت مشروعة في كل صلاة.
وأما ثانياً: فلأن هذا معارض بما روى زيد بن أرقم، فإنه كبر خمساً. وقال: هذه سنة نبيكم.
قالوا: روي عن الملائكة أنها كبرت على آدم أربع تكبيرات. وقالوا: هذه سنتكم يا بني آدم.
قلنا: فعل الملائكة لا يلزمنا ولا نحن متعبدون بأفعالهم وأيضاً فلعلها كانت شريعة لآدم وهي منسوخة بهذه الشريعة.
فأما ما روي عن علي كرم الله وجهه من أنه كبر أربعاً وستاً وخمساً. وما روي عن ابن مسعود أنه كبر تسعاً وسبعاً وخمساً وأربعاً. وما روي عن أنس بن مالك أنه كبر ثلاثاً. فهو معارض بما أوردنا من الأخبار والآثار الدالة على أن السنة في تكبير الجنازة خمساً، وإذا تعارضا فلا بد من الترجيح وأخبارنا فهي أرجح من أوجه:
أما أولاً: فلأن هذه الرواية عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه غير مشهورة فلا يعول عليها.
وأما ثانياً: فلعله إنما فعل ذلك لعارض لأنها فعل فلا يدرى كيف وقع.
وأما ثالثاً: فلأن إجماع العترة على ما قلناه، ولو صحت الرواية لما أجمعوا على خلاف قوله.
__________
(1) وفي (الاعتصام) أيضاً، وفي (أمالي أحمد بن عيسى) عن محمد بن منصور بسنده عن حصين بن عامر قال: قال لي أبو ذر: ... الحديث، بزيادة: ... وربع قبري تربيعاً في آخره، قال: وهذا بإسناده في (شرح التجريد) وفي (أصول الأحكام) وفي (الشفاء).

وأما ما روي عن ابن مسعود، وأنس بن مالك، فإنما كان ذلك رأي منهما من جهة الاجتهاد فلا يلزمنا قبوله لأن الحجة ما كان عن الله تعالى وعن صاحب الشريعة، فأما الآراء الاجتهادية فلا تكون حجة على مجتهد آخر.
وقد ظهر ترجيح مذهبنا على مذاهب الفقهاء من كونه أربعاً من أوجه ثلاثة:
أما أولاً: فلأن ما رووه من الأحاديث يحتمل أن تكون غير تكبيرة الافتتاح لأنها مشروعة في كل صلاة فلهذا لم تُعَدُّ من جملة التكبيرات.
وأما ثانياً: فلأن أخبارنا مشتملة على الزيادة وهي مقبولة من جهة العدل خاصة والباب باب عبادة.
وأما ثالثاً: فلأنه اتفاق من جهة أهل البيت، وأقل أحواله أن يكون مرجحاً إذا لم يكن حجة قائمة.
الحكم الخامس: ثم يكبر التكبيرة الأولى. وهل يرفع يديه في التكبيرة الأولى أم لا؟ فيه قولان:
القول الأول: أنه يستحب الرفع في التكبيرة الأولى إلى المنكبين أو إلى شحمة الأذنين. وهذا هو رأي الناصر والقاسم والمؤيد بالله، ومحكي عن الفقهاء أبي حنيفة وأصحابه، والشافعي وأصحابه، ومالك.
قال القاسم: ويرفع يديه في أول التكبير.
والحجة على هذا: ما روى زيد بن علي عن أمير المؤمنين أنه كان إذا صلى على الجنازة رفع يديه عند تكبيرة الإفتتاح.
القول الثاني: أنه لا يستحب رفع اليدين. وهذا هو رأي الهادي.
والحجة على هذا: قوله÷: ((أسكنوا في الصلاة)). وقد قدمنا ذكر ذلك في فروض الصلاة وذكرنا المختار والانتصار له فأغنى عن التكرير.
وإذا كبر الأربع البواقي فهل يرفع يديه فيها أم لا؟ فيه قولان:
القول الأول: أنه لا يستحب الرفع فيها. وهذا هو رأي أئمة العترة، ومحكي عن أبي حنيفة ومالك.
والحجة على ذلك: ما روي عن أمير المؤمنين أنه كان إذا كبر رفع يديه في أول تكبيرة ثم لا يعود إلى رفعها.
القول الثاني: أنه يستحب رفع اليدين في كل تكبيرة. وهذا هو رأي الشافعي.

والحجة على هذا: ما روي عن أنس بن مالك وابن عمر أنهما كانا يرفعان في التكبيرات كلها. ولأنها تكبيرات زائدة في صلاة الجنازة فيسن فيها رفع اليدين كالتكبيرة الأولى.
والمختار: أن المستحب ترك الرفع فيما زاد على تكبيرة الإفتتاح. كما قاله أئمة العترة.
وحجتهم: ما ذكرناه.
ونزيد هاهنا: وهو قوله÷: ((مالي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب خيل شمس اسكنوا في الصلاة)). وفي هذا دلالة على كراهة الرفع إلا ما دلت عليه دلالة.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: روي الرفع عن أنس بن مالك وابن عمر، وإنما يقولان ذلك عن توقيف.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن الظاهر أنه مذهب لهما فلا يلزمنا قبوله.
وأما ثانياً: فلأنه معارض بما رويناه عن أمير المؤمنين، ورواية أمير المؤمنين راجحة على غيرها لما خصه الله تعالى [به] من شرائف الخصال والفضل الذي فاق على غيره من الصحابة رضي الله عنهم.
فإن كبر أربعاً أعاد الصلاة سواء كان سهواً أو عمداً لأنه نقصان من المشروع، فلهذا قلنا بوجوب الإعادة كما لو نقص من الركعات المفروضة.
وهل يسن التوجه والتعوذ في صلاة الجنازة أم لا؟ فيه مذهبان:
أحدهما: أنه لا يسن شيء منها لأنها مبنية على الإختصار والحذف والخفة.
ويؤيد هذا ما ورد عن الرسول÷: ((أن كل من مات في أول الليل فلا يصبح إلا في قبره، ومن مات في النهار فلا يمسي إلا في قبره)).
وثانيهما: أنه يسن فيهما التعوذ والتوجه كما في سائر الصلوات غيرها. وهذا هو المختار، لأن صلاة الجنازة موضوعها الدعاء، والتوجه والتعوذ دعاء، فلهذا كان مستحباً.
وهل يستحب الجهر فيها أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه غير مسنون. وهذا هو الظاهر من المذهب، وهو محكي عن الأكثر من أصحاب الشافعي وأصحاب أبي حنيفة، سواء صلاها ليلاً أو نهاراً. لما روي عن ابن عباس أنه جهر بالقراءة في صلاة الجنازة، فقال: إني ما جهرت لأن الجهر سنة ولكن جهرت لأعرفكم أن فيها قراءة واجبة.

وثانيهما: أنه يجهر إن صلاها ليلاً، ويخافت إذا صلاها نهاراً كسائر الصلوات. وهو محكي عن الداركي(1)
ن أصحاب الشافعي.
والمختار: هو الأول لقوله÷: ((صلاة النهار عجماء)). وما يقع في صلاة الليل فهو نادر قليل فلهذا كان التعويل على الأكثر.
الحكم السادس: في بيان الذكر المشروع بين التكبيرات.
والإجماع منعقد على أن الذكر مسنون مشروع في صلاة الجنازة، ولكن الخلاف هل يكون موضوعها الدعاء والقراءة، أو يكون موضوعها الدعاء من غير قراءة؟ ولا خلاف أنه لا تشرع فيها القراءة وحدها، فهذان تقريران:
التقرير الأول: أن موضوعها الدعاء والقراءة. وفيه مذهبان:
المذهب الأول: أن السنة أن يجمع فيها بين القراءة والدعاء. وهذا هو رأي القاسم والهادي والمؤيد بالله، وروي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه صلى على جنازة فقرأ بفاتحة الكتاب وسورة معها وجهر حتى سمعنا جهره، فلما انصرف سألته عن القراءة؟ فقال: هي سنة. ومثل هذا لا يفعله إلا عن توقيف من جهة الرسول÷، لأنه لا مدخل للإجتهاد فيه، فلهذا كان حجة. فأما ما فعله عن اجتهاد فلا يكون حجة لأنه إنما يقوله من تلقاء نفسه بنظر واجتهاد.
__________
(1) قال عنه في (تهذيب الأسماء) 2/540: عبد العزيز بن عبد الله، قيل: هو منسوب إلى دارك، قرية من قرى أصبهان.
قال الشيخ أبو إسحاق في (الطبقات): كان فقيهاً محصلاً، تفقه على أبي إسحاق المروزي، وانتهى التدريس إليه ببغداد، وعليه تفقه الشيخ أبو حامد الأسفرائيني بعد موت الشيخ أبي الحسن المرزبان، وأخذ عنه عامة شيوخ بغداد، وغيرهم من أهل الآفاق، مات سنة خمس وسبعين وثلاثمائة رحمه الله ورضي عنه. اهـ بتصرف.

فإذا عرفت هذا فالصفة المشروعة بين التكبيرات بالدعاء والقراءة؛ أن يكبر التكبيرة الأولى. ويستحب أن يقول بعدها: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حيٌّ لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير. ثم يقرأ: سورة الحمد. ثم يكبر التكبيرة الثانية ويقول: اللهم صل على محمد عبدك ورسولك وخيرتك من خلقك وعلى آل بيته الطيبين الأطهار الصادقين الأبرار الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد. ثم يقرأ: قل هو الله أحد. ثم يكبر الثالثة ويقول: اللهم صل على ملائكتك المقربين، اللهم شرف بنيانهم وعظم أمرهم، اللهم صل على أنبيائك المرسلين، اللهم أحسن جزائهم وارفع عندك درجاتهم، اللهم شفع محمداً في أمته واجعلنا ممن تشفعه فيه، اللهم اجعلنا في زمرته وأدخلنا في شفاعته، واجعل مأوانا الجنة. ثم يقرأ: قل أعوذ برب الفلق. ثم يكبر الرابعة، ويقول: سبحان من سبحت له السموات والأرضون، سبحان ربنا الأعلى، سبحانه وتعالى، اللهم هذا عبدك وابن عبدك وقد صار إليك، وقد أتيناك متشفعين له سائلين له المغفرة فاغفر له ذنوبه وتجاوز عن سيئاته وألحقه بنبيه محمد÷، اللهم وسع عليه قبره وأفسح له أمره وأذقه عفوك ورحمتك يا أكرم الأكرمين، اللهم ارزقنا حسن الاستعداد لمثل يومه ولا تفتنا بعده، واجعل خير أعمالنا خواتهما وخير أيامنا يوم نلقاك. ثم يكبر الخامسة، ثم يسلم تسليمتين.
قال الهادي: وهذا الدعاء إنما يدعى به للصالحين المتقين. فأما الفسقة الظالمون فإذا اضظر إلى الصلاة عليهم خوفاً من ظالم، لعنهم في صلاته.
وإن كان الميت ملتبساً حاله قال: اللهم إن كان محسناً فزده إحساناً، وإن كان مسيئاً فأنت أولى بالعفو عنه.
وإن كان الميت طفلاً قال: اللهم اجعله لنا ولوالديه ذخراً وسلفاً وفرطاً وأجراً.

وحكي عن المؤيد بالله أنه قال: يكبر الأولى فيقرأ فيها: بفاتحة الكتاب، وإن شاء دعا مكانها، ثم يكبر الثانية ويقرأ إن شاء أو يدعو حتى يكبر أربعاً، ثم يصلي على الرسول÷ ويدعو لنفسه وللميت وللمؤمنين والمؤمنات، ثم يكبر الخامسة ويسلم عن يمينه ويساره.
وكلام المؤيد بالله هو استحباب الجمع بين القراءة والدعاء في صلاة الجنازة كما حكيناه عن الهادي والقاسم.
المذهب الثاني: محكي عن الشافعي: فإذا كبر التكبيرة الأولى قرأ بفاتحة الكتاب وهي واجبة عنده. وهو محكي عن ابن عباس وابن الزبير وبه قال أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وداود من أهل الظاهر.
وحجتهم على هذا: ما روى جابر: أنه صلى على جنازة فقرأ في التكبيرة الأولى بفاتحة الكتاب.
ثم يكبر الثانية ويصلي على الرسول÷ وهو واجب لقوله÷: ((لا صلاة لمن لم يصل على نبيه)) (1).
ثم يدعو للمؤمنين والمؤمنات بعد الصلاة على الرسول÷.
وحكي عن المزني: أنه نقل عن الشافعي، أنه إذا كبر الثانية حمد الله تعالى وصلى على الرسول÷. واستضعفه أصحاب الشافعي وقالوا: هذا لا يعرف للشافعي، لأن هذا ليس موضعاً للتحميد.
ثم يكبر الثالثة ويدعو للميت وهو واجب لما روي عن الرسول÷ أنه قال: ((إذا صليتم على موتاكم فأخلصوا لهم الدعاء)) (2).
__________
(1) رواه الدارقطني 1/355 وهو في (تلخيص الحبير) 1/262، وفي (نيل الأوطار) 2/322.
(2) رواه ابن ماجة 1/480، واليهقي في (الكبرى) 4/40، وابن حبان في صحيحه 7/346، وأورده ابن حجر في (بلوغ المرام) بالرقم 457 ص97 عن أبي هريرة بلفظ: أن النبي÷ قال: ((إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء)) وقال: رواه أبو داود وصححه ابن حبان.

وقد رويت عن الرسول÷ أدعية مختلفة إلا أن أكثر ما نقل عنه÷ أنه كان يقول: ((اللهم اغفر لشاهدنا وغائبنا وحينا وميتنا وصغيرنا وكبيرنا وذكرنا وأنثانا، اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام، ومن توفيته فتوفه على الإسلام))(1).
وزاد ابن الصباغ صاحب الشامل: ((اللهم اغفر لأولنا وآخرنا)). وفي آخره: ((ومن توفيته فتوفه على الإسلام، اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده)).
قال الشافعي في الأم: وأي دعاء دعا به أجزأه. واختار الشافعي في (الأم) دعاء ذكره: وهو أن يقول: اللهم إن هذا عبدك وابن عبديك خرج من روح الدنيا وسعتها ومحبوبه وأحبابه فيها إلى ظلمة القبر وما هو لاقيه كان يشهد أن لا إله إلا أنت وأن محمداً عبدك ورسولك وأنت أعلم به، اللهم إن كان محسناً فزده إحساناً وارفع درجته وقه عذاب القبر وكل هول دون يوم القيامة وابعثه من الآمنين، وإن كان مسيئاً فتجاوز عن سيئآته وبلغه بمغفرتك وطولك درجات المحسنين، اللهم إنه قد فارق ما كان يحب من سعة الدنيا وأهلها وعزه إلى ظلمة القبر وضيقه وجئنا له شفعاء نرجو له مغفرتك، اللهم إنه فقير إلى رحمتك وأنت غني عن عذابه.
__________
(1) وهو حديث مشهور في كتب الصحاح، أخرجه الترمذي 3/343، وأبو داود 3/211، وابن ماجة 1/480، وهو في صحيح ابن حبان 7/339 ومسند أحمد 2/368، وفي (المستدرك) 1/511، وأورده في (بلوغ المرام) ص 97 عن أبي هريرة، وقال: رواه مسلم والأربعة، وكذا في (النيل) 4/63، وقال: رواه أحمد والترمذي، ورواه أبو داود وابن ماجة وزاد: ((اللهم لا تحرمنا أجره ولا تضلنا بعده)).

ونقل المزني عنه دعاء أطول من هذا وهو قوله: اللهم هذا عبدك وابن عبديك خرج من الدنيا وسعتها ومحبوبها وأحبابه فيها إلى ظلمة القبر وما هو لاقيه، كان يشهد أن لا إله إلا أنت وأن محمداً عبدك ورسولك وأنت أعلم به، اللهم إنه نزل بك وأنت خير منزول به، وأصبح فقيراً إلى رحمتك وأنت غني عن عذابه، وقد جئناك راغبين إليك شفعاء له، اللهم إن كان محسناً فزده إحساناً، وإن كان مسيئاً فتجاوز عنه، ولَقِّه برحمتك رضاك، وقه فتنة القبر وعذابه، وأفسح له في قبره، وجاف الأرض عن جنبه ولقه برحمتك الأمن من عذابك حتى تبعثه إلى جنتك يا أرحم الراحمين.
وإن كان الميت صغيراً قال: اللهم اجعله فرطاً وذخراً. ويدعو لأبويه فيقول: اللهم اجعله لهما سلفاً وذخراً وفرطاً وعظة واعتباراً.
وإذا كبر الرابعة فإنه يسلم ويقول بعد التسليم: اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده. وربما أغفله في موضع آخر ليدل على أنه ليس واجباً.
والتسليم واجب لقوله÷: ((تحريمها التكبير وتحليلها التسليم)). وهل يسلم تسليمة واحدة أو تسليمتين؟ له فيه قولان كما مر تقريره في تسليم الصلوات المفروضة فأغنى عن إعادته.
فهذا هو الكلام على رأي من قال: أن المشروع في صلاة الجنازة الجمع بين القراءة والدعاء.
التقرير الثاني: على رأي من قال: المشروع فيها هو الدعاء لا غير.
وهذا هو رأي زيد بن علي والناصر، ومحكي عن أبي حنيفة وأصحابه، ومالك حتى قال مالك: أكره القراءة فيها.
والحجة على هذا: ما روى ابن مسعود عن الرسول÷ أنه قال: لم يوقت رسول اللّه÷ قراءة في صلاة الجنازة بل قال: ((كبر إذا كبر الإمام واختر من أطيب الكلام ما شئت)) (1).
فأما صفة الدعاء المذكور بين التكبيرات من غير قراءة. ففيه مذهبان:
__________
(1) رواه الطبراني في (الكبير) 1/320 وفي (عون المعبود) 8/352.

المذهب الأول: محكي عن الناصر: فإذا كبر التكبيرة الأولى فالمستحب أن يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله، وأشهد أن الجنة حق والنار حق والموت حق والبعث حق والصراط حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور. ثم يكبر الثانية فيقول: اللهم أنت الحي الدائم، وأنت الحي القيوم تحيي وتميت، وأنت حي لا تموت بيدك الخير وأنت على كل شيء قدير، كل شيء هالك إلا وجهك وإليك المصير. ثم يكبر الثالثة ويقول إن كان من الموحدين التائبين: اللهم إنه عبدك وابن عبديك، نزل بساحتك وأنت خير منزول بساحته، وهو إلى رحمتك فقير وأنت عن عذابه غني، اللهم فصلْ وحدته وآنس وحشته، ووسع عليه في لحده، وأعطه رحمة من عندك تغنيه بها عمن سواك، اللهم إني عرفته موالياً لأوليائك معادياً لأعدائك، وساعياً في مرضاتك، اللهم فألحقه بمن كان يتولاه من مرافقة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا، اللهم ارزقنا حسن الإستعداد لما نزل به، ولا تضلنا بعده ولا تجعلنا من الغافلين.
فإن كان من الفاسقين في ظاهر أحواله فإنه يقول: اللهم إنه عبدك وابن عبديك، وأنت عدل لا تظلم الناس شيئاً، ولكن الناس أنفسهم يظلمون، اللهم إني عرفته موالياً لأعدائك، معادياً لأوليائك، ساعياً في غير مرضاتك مؤثراً هواه على طاعتك، مجترئاً عليك، اللهم فاحشره على(1)
ن كان يتولاه، واملا جوفه وقلبه ناراً واجعلنا منه على حذر، ولهذا اليوم مراقبين.
وإن كان لا يعرف مذهبه وحاله فإنه يقول: اللهم إنه عبدك وابن عبديك، وأنت أعرف به بخيره وشره، فإن تعذبه فبحق، وإن تغفر له فأنت أولى بالمغفرة والرحمة، اللهم ارزقنا حسن الاستعداد لما نزل به ولا تضلنا بعده، ولا تجعلنا من الغافلين.
وإن كان الميت صغيراً فإنه يقول في هذا الموضع: اللهم اجعله لنا سلفاً وفرطاً.
__________
(1) في الأصل: على. ولعل الصواب: مع.

ثم يكبر الرابعة ويقول: اللهم ارحم صغارنا وكبارنا وأحيائنا وأمواتنا، وشاهدنا وغائبنا، اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام، ومن أمته فأمته على الإيمان، اللهم ارزقنا حسن الاستعداد للموت والتوفيق لما يرضيك، ويزلف لديك والفوز برحمتك إنك لا تخلف الميعاد.
فهذه جملة ما حكي عن الناصر في الدعاء بين التكبيرات.
ثم يكبر الخامسة ويسلم تسليمتين.
المذهب الثاني: محكي عن الحنفية. وهو أن يكبر في الأولى ويحمد الله تعالى ويثني عليه بما هو أهله، ثم يكبر الثانية ويصلي على الرسول÷، ثم يكبر الثالثة ويدعو للميت، ثم يكبر الرابعة ويسلم عن يمينه ويساره، كما في المكتوبة. ولم أقف لأبي حنيفة وأصحابه على دعاء مخصوص للميت فنذكره، وإنما أطلقوا الدعاء إطلاقاً.
فهذه جملة أقاويل العلماء في بيان الذكر المشروع بين التكبيرات في صلاة الجنازة كما ترى.
والمختار: هو الجمع بين القراءة والدعاء في هذه الصلاة. كما هو رأي الهادي والقاسم والمؤيد بالله.
وحجتهم: ما ذكرناه.
ونزيد هاهنا: وهو أن هذه صلاة واجبة فاستحب فيها الجمع بين القراءة والدعاء كالصلوات المكتوبة.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: روي عن ابن مسعود أن الرسول÷ لم يوقت قراءة في صلاة الجنازة بل قال: ((اختر من أطيب الكلام ما شئت)).
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن مراده بما ذكر لم يعين فيها سورة بعينها وإنما أطلق القراءة بما شاء القارئ أن يقرأ قرأ من غير تعيين.
وأما ثانياً: فلأن هذا معارض بما روى جابر وابن عباس من كون القراءة مشروعة في صلاة الجنازة، وإذا تعارضا وجب الترجيح، وحديث ابن عباس وجابر أرجح لأنهما رويا زيادة والزيادة مقبولة من جهة الراوي لأنهما أفادا بما روياه فائدة جديدة فلهذا كان خبرهما أرجح فوجب العمل عليه.

271 / 279
ع
En
A+
A-