أولها: أنه تجوز الصلاة على القبر إلى شهر. وهو محكي عن أحمد بن حنبل.
وثانيها: أنها جائزة مالم يبل جسده وتذهب عظامه لأنه إذا كان باقياً فهو بمنزلة حالة الموت.
وثالثها: أنه يصلي عليه من كان من أهل فرض الصلاة عليه لأنه من أهل الخطاب بالصلاة عليه عند موته.
ورابعها: أنه يصلى عليه أبداً؛ لأن القصد منها هو الدعاء، وهذا يوجد مع طول المدة.
قال أصحاب الشافعي: وإنما لم تجز الصلاة على قبر الرسول÷ فلأجل الأوجه الثلاثة؛ لأنه قد مضى أكثر من شهر، ولأنا لا نعلم بقائه في قبره لأنه قد قيل إن الأنبياء يرفعون من قبورهم، ولأنا لم نكن من أهل الخطاب بالصلاة عند موته.
وأما الوجه الرابع، فاختلفوا:
فمنهم من قال: تجوز الصلاة على قبره أبداً وعلى قبر آدم. وهو رأي الشيخ أبي حامد الإسفرائيني.
ومنهم من قال: لا تجوز الصلاة على قبره الآن. وهو محكي عن صاحب الشامل، وهذا هو المختار لقوله÷: ((لا تتخذوا قبري مسجداً)). وروي: ((لا تتخذوا قبري وثناً)) (1).
وفي حديث آخر: ((فإنما هلك بنو إسرائيل لأنهم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)). (2)
ولأن الإجماع منعقد على أن أحداً لم يصل على قبر الرسول من يوم دفن إلى الآن، وفي هذا دلالة على المنع من ذلك.
فحصل من مجموع ما ذكرناه: المنع من الصلاة على القبر صلي على الميت أو لم يصل. كما هو رأي الهادي والقاسم.
__________
(1) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه 3/30، وعبد الرزاق 3/577 بلفظ: ((لا تتخذوا قبري عيداً ولا بيوتكم مقابر)) وأحمد في مسنده 2/367 بلفظ: ((ولا تجعلوا بيوتكم قبواراً)) وهو في (فتح الباري) 8/135،و (التمهيد) لابن عبد البر 5/43 بلفظ: ((لا تتخذوا قبري وثناً)) وفي (الفردوس بمأثور الخطاب)5/15 بلفظ: ((... صنماً يعبد)).
(2) في (نيل الأوطار): عن أبي هريرة أن رسول الله÷ قال: ((قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) متفق عليه. اهـ 4/90.
وعلى رأي الناصر و[هو] المختار؛ جواز الصلاة إذا لم يصل عليها على القبر، وعلى المنع إذا صُلِّي، وهو رأي أبي حنيفة، وعلى جواز الصلاة على القبر صلي على الميت أو لم يصل. وهذا هو رأي الشافعي.
المسألة العاشرة: هل تجوز الصلاة على الميت الغائب عن البلد؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه لا تجوز الصلاة على الغائب. وهذا هو رأي أئمة العترة الهادي والقاسم والناصر، وهو محكي عن أبي حنيفة وأصحابه ومالك.
والحجة على هذا: ما روي عن الرسول÷ أنه قال: ((لا يصلي أحد على موتاكم ما دمت فيكم)). وهذا إنما يقال فيمن كان حاضراً من الأموات دون من كان غائباً. وأيضاً فإن الصلاة أمر يتعلق بالميت فلا يجوز فعلها إلا مِنْ مَنْ كان حاضراً كالغسل والكفن والقبر.
المذهب الثاني: جواز ذلك. وهذا هو رأي الشافعي، ومحكي عن أحمد بن حنبل، فيتوجه المصلي إلى القبلة ويصلي على الميت سواء كان في جهة القبلة أو في غير جهتها.
والحجة على هذا: ماروي عن الرسول÷، أنه نعى النجاشي إلى أصحابه يوم مات، أعلمه الله بموته من غير إعلام أحدٍ من الخلق. فكان هذا من جملة معجزاته، فخرج بهم إلى المصلى [وكبر] وكبرو خلفه لما كبَّر.
هذا كله [إذا كان الميت] في بلد أخرى أو قرية أخرى وبينهما مسافة سواء كانت تلك المسافة قريبة أو بعيدة، فإن كان الميت في طرف البلد لم يجز أن يصلي عليه حتى يحضر عنده، لأن ذلك ممكن فلا يجوز تركه.
فإن كانت الجنازة حاضرة فتقدم عليها وصلى وهي من خلفه وراء ظهره؟ ففيه وجهان:
أحدهما: أن ذلك جائز كما لو كانت الجنازة غائبة.
وثانيهما: أن ذلك غير جائز لأن الأصول قد فرقت بين الضرورة وحال الرفاهية، وهاهنا يمكن أن تكون الجنازة أمامه فلا يجوز تركه. هذا تقرير كلام الشافعي في هذه المسألة.
والمختار: المنع من ذلك. كما هو رأي العترة وغيرهم.
وحجتهم: ما ذكرناه.
ونزيد هاهنا: وهو أن هذا لو كان جائزاً لصلى الرسول÷ على كل من كان في غير مكة(1)،
المعلوم أنه ما فعل ذلك، فدل ذلك على أنه غير جائز وأنه غير مسنون.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: صلى الرسول÷ على النجاشي وهو في الحبشة والرسول÷ في مكة(2)
فدل على جوازه.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن هذا كان خاصاً للرسول÷ فلا يفعله غيره بعده، فلقد كان مخصوصاً في نفسه بأمور كثيرة نحو نكاح التسع ونحو إيجاب الوتر والأضحية والتهجد إلى غير ذلك من الخصائص، وإذا كان خاصاً فلا وجه لقياس غيره عليه لأنه يبطل التخصيص.
وأما ثانياً: فيمكن أن يكون خاصاً في حق النجاشي فلا يفعل لغيره، كما أباح الحرير لعبد الرحمن بن عوف وقيل لعثمان، وكما أجاز التضحية بالعناق لأبي بردة بن نيار(3)
__________
(1) هكذا في الأصل، ولعل الصحيح: ... على كل من كان في غير المدينة، والله أعلم.
(2) المعروف، وهو الأقوى والأصح، أن الصلاة على النجاشي كانت بالمدينة.
…وروى ابن بهران في (تخريج البحر) 2/117: عن جابر، أن رسول الله÷ قال: ((قد توفي اليوم رجل صالح من الحبش، فهلم فصلوا عليه)) قال: فصفنا فصلى النبي÷ ونحن. وفي رواية: أن النبي÷ صلى على النجاشي، فكنت في الصف الثاني أو الثالث، أخرجه البخاري ومسلم، وفي رواية للنسائي: ((إن أخاكم النجاشي قد مات فصلوا عليه)) فقام فصف بنا كما نصف على الجنازة وصلى عليه، وفي ذلك أحاديث أخر. اهـ.
(3) قال في (تهذيب التهذيب) 14/22: أبو بردة بن نيار البلوي، حليف الأنصار، واسمه هانئ بن نيار بن عمرو، وقيل: مالك بن هبيرة، والأول أصح، وهو حليف الأنصار وخال البراء بن عازب، وقيل: عمه، شهد بدراً وما بعدها، وروى عن النبي÷، وعنه البراء بن عازب وجابر وابن أخيه سعيد بن عمير بن عقبة بن نيار، وعبد الرحمن بن جابر بن عبد الله، وبشير بن يسار وغيرهم، قيل: مات سنة إحدى، وقيل: اثنتين وأربعين، وقيل: خمس وأربعين.
قلت: وقال الواقدي: توفي في أول ولاية معاوية بعد شهوده مع على حروبه كلها. انظر تهذيب الكمال 33/71، مشاهير علماء الأمصار 1/26، والجرح والتعديل 9/99.
وإذا كان هذان الأمران محتملين بطل القياس.
الفرع السادس: في صفة الصلاة على الموتى. ويشتمل على أحكام ثمانية:
الحكم الأول: القيام مشروع في صلاة الجنازة، لما روي عن الرسول÷: أنه لم يكن يصلي على جنازة إلا قائماً، وهكذا المعهود من حال أمير المؤمنين كرم الله وجهه وأبي بكر وعمر وعثمان وغيرهم من التابعين وسائر العلماء.
وهل يكون القيام واجباً أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه واجب. وهذا هو رأي أئمة العترة، ومحكي عن الشافعي، وعلى هذا لو صلى قاعداً مع القدرة على القيام لم تكن مجزية.
والحجة على هذا: هو أنها صلاة مفروضة فوجب فيها القيام مع القدرة عليه كسائر الصلوات المفروضة.
المذهب الثاني: أن القيام غير واجب فإن صلى قاعداً أجزأ. وهذا هو رأي أبي حنيفة.
والحجة على هذا: هو أن المقصود من هذه الصلاة إنما هو الدعاء، والدعاء للميت حاصل سواء كان المصلي قاعداً أو قائماً خلا أن الأفضل القيام، فإن صلى قاعداً أجزأ ولم تجب إعادتها.
والمختار: هو وجوب القيام. كما هو رأي أئمة العترة.
وحجتهم: ما ذكرناه.
ونزيد هاهنا: وهو قوله÷: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)). وهذا أمر والأمر للوجوب إلا لدلالة، ولم يفصل بين صلاة وصلاة فلهذا وجب القيام.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: المقصود من هذه الصلاة الدعاء وهو حاصل مع القيام والقعود فلهذا لم يجب القيام.
قلنا: ليس المقصود هو الدعاء كما زعمتموه.
ويؤيد ما ذكرناه: أنها مشتملة على النية والتكبير والقراءة والتحليل بالتسليم كما وجب في الصلاة المفروضة، فلا جرم كانت مخالفة للدعاء بما ذكرناه، فلهذا وجب القيام فيها.
الحكم الثاني: والنية مشروعة فيها، لقوله÷: ((الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى)). وهي واجبة لأنها صلاة مفروضة فوجبت فيها النية كسائر الصلوات المكتوبة، ولا يلزمه أن ينوي أن الميت رجل أو امرأة بل ينوي الصلاة عليه لا غير، فإن نوى أن يصلي على هذا الرجل فإذا هو امرأة أو على هذه الإمرأة فإذا هي رجل. فهل تجزي أم لا؟
حكي عن المسعودي من أصحاب الشافعي، أنها لا تجزئ. ولا وجه له لأنه مشار إليه، وجهل الصفة لا يضر مع الإشارة فلهذا كان مجزياً.
ولا يجوز أن ينويها سنة لأمرين:
أما أولاً: فلأنها من فروض الكفايات فلا يجوز أن ينويها سنة؛ لأن هذا مخالف لموضوعها.
وأما ثانياً: فلأن مثلها لا يتنفل به على صفتها.
وهل يلزمه أن ينوي كونها فريضة؟ فيه التردد الذي ذكرناه في سائر الصلوات المفروضة.
والمختار: أنه لا يحتاج إلى نية كونها فرضاً كما لا يحتاج إلى نية كون الظهر فرضاً كما مر بيانه.
الحكم الثالث: وأين يكون مقام الإمام من الميت إذا صلى عليه؟ فيه أقوال خمسة:
القول الأول: مروي عن الهادي، وهو رأي الناصر والمؤيد بالله، قال السيد أبو طالب: وهو رأي أهل البيت لا يختلفون فيه، وهو أن يقف من الرجل حذاء وسطه، ومن المرأة عند صدرها.
والحجة على هذا: ما روى زيد بن علي عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه: أنه كان إذا صلى على جنازة فإن كان رجلاً قام عند سرته، وإن كانت امرأة قام حذاء ثدييها(1)،
وهذا إنما فعله عن توقيف من جهة الرسول÷ لأنه لا مدخل للإجتهاد فيه.
القول الثاني: محكي عن القاسم: وهو أن يقف من جنائز الرجال ما بين الصدر والسرة، ومن جنائز النساء بحذاء صدرها ووجهها.
والحجة على هذا: ما روي عن الرسول÷: أنه صلى على جنازة امرأة فقام عند وسطها، وإذا قام من المرأة في وسطها فإنه يقوم من الرجل بحذاء الصدر والسرة لأنه لا بد من المخالفة في المقام بينهما.
__________
(1) هو في مجموع الإمام زيد ص 169.
القول الثالث: محكي عن أبي حنيفة، وعنه ثلاث روايات:
الرواية الأولى: حكاها الكرخي، أنه يقف بحذاء الصدر من الرجل والمرأة.
الرواية الثانية: حكاها الطحاوي، أنه يقوم بحذاء الصدر من الرجل والمرأة(1).
الرواية الثالثة: حكاها الحسن بن زياد، أنه يقوم بحذاء الوسط من الرجل والمرأة.
وحكى الطحاوي عن أبي يوسف في (الإملاء) أنه يقوم من الرجل عند رأسه ومن المرأة عند وسطها.
قال أبو جعفر الطحاوي: وبه نأخذ.
القول الرابع: محكي عن الشافعي: أنه يقف من الرجل بحذاء الرأس ومن المرأة عند العجز.
القول الخامس: محكي عن مالك، أنه يقف عند الرأس من الرجل والمرأة.
فهذه أقاويل العلماء في موقف الإمام من الجنازة.
والمختار: ما عول عليه علماء العترة وأئمة أهل البيت، وهو أن يقف من الرجل حذاء وسطه، ومن المرأة حذاء صدرها، ورجحانه يظهر من وجهين:
أما أولاً: فلأنه صار إجماعاً من جهة العترة وهو حجة نعتمد عليها في الأمور القطعية، ويكون مستنداً في الأحكام الشرعية.
وأما ثانياً: فلما رويناه من حديث أمير المؤمنين كرم الله وجهه وهو لا يقوله إلا عن مستند من جهة الرسول÷، وباقي الأقوال التي رويناها إستحسانات من جهة الآراء النظرية والاجتهادات الشرعية فلا تكون معارضة لما قلناه.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه من هذه الأقاويل، ولم يذكروا فيها شيئاً من جهة الرسول÷ ولكن اعتمدوا فيها التفرقة بين الرجل والمرأة وإيثار مجانبة العورة من الرجل والمرأة في المقابلة عند القيام للصلاة فاختلفوا هذا الاختلاف والأمر فيه قريب لأن المقصود هو الدعاء للميت والتوجه إليه بالصلاة والدعاء والشفاعة إلى الله في قبوله وغفران خطاياه وهذا حاصل بالمواجهة على أي وجه كان خلا أنا آثرنا ما نقل عن الرسول÷ على ما كان من الآراء.
__________
(1) هذا فيه تكرار للرواية الأولى عن الكرخي، ولعل المقصود في الأولى أو الثانية انه يقف بحذاء الوسط من الرجل والصدر من المرأة.
الحكم الرابع: ثم يكبر. والتكبير على الجنازة مشروع لقوله÷: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)). والمعلوم من حاله أنه كان يكبر على الجنازة. وهو واجب أعني: تكبيرة الإفتتاح. لأنها صلاة مفروضة فكانت تكبيرة الإفتتاح فيها واجبة كالصلوات المفروضة.
وكم يكون عدد التكبير؟ فيه مذاهب خمسة:
المذهب الأول: أنه يكبر خمساً. وهذا هو رأي أئمة العترة.
قال الهادي في الأحكام: أجمع علماء آل الرسول÷ على أن التكبير على الجنائز خمس. وهو مروي عن أبي ذر الغفاري وعن زيد بن أرقم وحذيفة بن اليمان ومحمد بن الحنفية(1)
__________
(1) من مشاهير وعلماء التابعين من أهل البيت، له تراجم واسعة في كثير من كتب التراجم، منها: مشاهير علماء الأمصار 1/62، وقال عنه ابن حجر في (تهذيب التهذيب)9/315: محمد بن علي بن أبي طالب الهاشمي،أبو القاسم المدني، المعروف بابن الحنفية، وهي خولة بنت جعفر بن قيس من بني حنيفة، ويقال من مواليهم، سبيت في الردة من اليمامة، روى عن أبيه وعثمان وعمار ومعاوية وأبي هريرة وابن عباس، ودخل على عمر.
روى عنه أولاده إبراهيم والحسن وعبد الله وعمر وعون، وابن أخيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، وحفيد أخيه محمد بن علي بن الحسين، وابن أخته عبد الله بن محمد بن عقيل، وعطاء بن أبي رباح والمنهال بن عمرو، ومحمد بن قيس بن مخرمة، والمنذر بن يعلى الثوري، ومحمد بن بشر الهمداني، وسالم بن أبي الجعد، وعمرو بن دينار وغيرهم.
قال العجلي: تابعي ثقة، كان رجلاً صالحاً، يكنى أبا القاسم.
…قال إبراهيم بن الجنيد: لا نعلم أحداً أسند عن علي ولا أصح مما أسند محمد، وقال الزبير بن بكار: وتسميه الشيعة المهدي، قال: وكانت شيعة محمد بن علي تزعم أنه لم يمت، وأورد لكثير عزة وتلميذ الحميري في ذلك أشعاراً، قيل: إنه ولد في خلافة أبي بكر، وقيل: في خلافة عمر، ومات سنة ثلاث وسبعين، وقيل: سنة ثمانين، وقيل: سنة إحدى وقيل اثنتين وثمانين، وقيل: ثلاث وتسعين.
…قال البخاري في تأريخه: ثنا موسى بن إسماعيل، ثنا عوانة عن أبي حمزة قال: قضينا نسكنا حين قتل ابن الزبير، ثم رجعنا إلى المدينة مع محمد، فمكث ثلاثة أيام ثم توفي، وقد دخل على عمر وهو غلام، وقال ابن سعد: حدثنا موسى بن إسماعيل، ثنا أبو عوانة عن أبي حمزة قال: كانوا يسلمون على محمد بن علي: السلام عليك يا مهدي، فيقول: أجل أنا مهدي أهدي إلى الخير، ولكن إذا سلم أحدكم فليقل: السلام عليك يا محمد، وقال ابن حبان: كان من أفاضل أهل بيته.
…وجاء في رجال مسلم 2/174: مات برضوى سنة ثلاث وسبعين، ويقال: سنة ثمانين، وقيل: سنة إحدى وثمانين، ودفن بالقيع.
…وفي (تهذيب الكمال) 26/147-152: روى ليث بن ابي سليم عن محمد بن نشر، عن محمد بن الحنفية عن علي قال: قلت: يا رسول الله، إن ولد لي مولود بعدك اسميه باسمك وأكنيه بكنيتك؟ قال: ((نعم))، وقال أحمد بن عبد الله العجلي: تابعي ثقة، كان رجلاً صالحاً، وثلاثة يكنون بأبي القاسم رخص لهم: محمد بن الحنفية ومحمد بن أبي بكر، ومحمد بن طلحة بن عبيد الله.
…وروي عن سفيان بن عيينة قال: سمعت الزهري يقول: قال رجل لمحمد بن علي بن الحنفية: ما بال أبيك كان يرمي بك في مرام لا يرمي فيها الحسن والحسين؟ قال: لأنهما كان خديه وكنت يده، فكان يتوقى بيده عن خديه.
من الصحابة رضي الله عنهم، ومحكي عن ابن عباس، ومروي عن ابن أبي ليلى من الفقهاء.
والحجة على هذا: ما روي عن زيد بن أرقم: أنه صلى على جنازة فكبر خمساً فسئل عن ذلك؟ فقال: هذه سنة نبيكم(1).
الحجة الثانية: ما روي عن حذيفة بن اليمان أنه كبر على جنازة خمساً ثم التفت إلينا وقال: ما وهمت ولا نسيت ولكن كبرت كما كبر رسول اللّه÷(2).
المذهب الثاني: أنه يكبر أربعاً. وهذا محكي عن زيد بن علي، وهو رأي عمر وابن عمر وعقبة بن عامر من الصحابة رضي الله عنهم. ومن التابعين، ابن سيرين وجابر بن زيد(3)
__________
(1) رواه الترمذي3/343، وأبو داود 3/210، والنسائي 4/72، وابن ماجة 1/482، وفي (بلوغ المرام) أورده ابن حجر بالرقم 451 ص 96 عن عبد الرحمن بن أبي ليلى بلفظ: كان زيد بن أرقم يكبر على جنائزنا أربعاً، وأنه كبر على جنازة خمساً، فسألته فقال: كان رسول الله÷ يكبرها، رواه مسلم والأربعة.
(2) رواه أحمد في المسند 4/416، وهو في (مجمع الزوائد) 3/34، وفي (تخريج البحر) 2/118 عن يحيى بن عبد الله التيمي أنه صلى مع عيسى مولى حذيفة ... الخبر.
(3) له تراجم عدة، منها ما جاء في (تهذيب الكمال) 4/434-437 وفيه: جابر بن زيد الأزدي اليحمدي، أبو الشعثاء الجوفي البصري، والجوفي نسبة إلى ناحية بعمان، وقيل: موضع بالبصرة، يقال له درب الجوف، روى عن الحكم بن عمرو الغفاري وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وعكرمة مولى ابن عباس، روى عنه: أمية بن زيد الأزدي، وأيوب السختياني، وحيان الأعرج، وداود بن أبي القصاف، وسليمان بن السائب وصالح الدهان، وأبو حفص عبيد الله بن رستم إمام مسجد شعبة.
قال عمرو بن دينار: عن عطاء عن ابن عباس: لو أن أهل البصرة نزلوا عند قول جابر بن زيد لأوسعهم علماً من كتاب الله، وربما قال: عما في كتاب الله.
وقال عتاب بن بشير: عن خصيف عن عكرمة كان ابن عباس يقول: هو أحد العلماء، يعني: جابر بن زيد.
وقال عروة بن البرند: عن تميم بن حدير عن الرباب سألت ابن عباس عن شيء؟ فقال: تسألونني وفيكم جابر بن زيد.
وقال أبو بكر بن أبي خيثمة عن يحيى بن معين وأبو زرعة: بصري ثقة.
قال أحمد بن حنبل وعمرو بن علي والبخاري: مات سنة ثلاث وتسعين، روى له الجماعة.
.
ومن الفقهاء أبو حنيفة والشافعي ومالك والأوزاعي والثوري وأحمد بن حنبل وإسحاق وداود من أهل الظاهر(1).
والحجة على هذا: ما روي: أن الرسول÷ كبر على النجاشي أربعاً لما مات ونعاه إلى أصحابه، وخرج إلى المصلى وصف بهم(2).
وروى ابن عباس رضي الله عنه أن آخر ما كبر رسول اللّه÷ على الجنازة أربعاً(3).
وروى أُبَيُّ بن كعب أن الرسول÷ قال: ((إن الملائكة صلت على آدم وكبرت أربعاً)). وقال÷: ((هذه سنتكم يا بني آدم)) (4).
المذهب الثالث: محكي عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه: أنه كبر على من كان من أهل بدر ست تكبيرات، وعلى من كان من الصحابة من غير أهل بدر خمس تكبيرات، وعلى سائر الناس أربع تكبيرات. وهذا لا يقوله إلى عن توقيف من جهة الرسول÷(5).
__________
(1) في نسخة الذارحي وأحمد بن حنبل وإسحاق ... إلخ. وليس إسحاق موجوداً في النسخة الأخرى.
(2) جاء الخبر في صلاة الغيبة على النجاشي عن جابر: أن رسول الله÷ قال: ((قد توفي اليوم رجل صالح من الحبش فهلموا فصلوا عليه)) قال: فصفنا فصلى النبي ونحن، وفي حديث عن أبي هريرة أن النبي÷ نعى النجاشي اليوم الذي مات فيه وخرج بهم إلى المصلى فصف وكبر عليه أربع تكبيرات، أخرجه الستة، وعن جابر أن رسول الله÷ صلى على أصحمة النجاشي فكبر عليه أربعاً، أخرجه البخاري ومسلم. اهـ. (تخريج البحر) 2/118.
(3) أخرجه البخاري من حديث ابن عباس كما جاء في (نيل الأوطار) 4/58.
(4) رواه في (مجمع الزوائد) 3/35، وسنن البيهقي الكبرى 4/36.
(5) جاء في مسند الإمام زيد بسنده عن علي% أنه كبر [يقصد في صلاة الجنازة] أربعاً وخمساً وستاً وسبعاً، اهـ ص 168، وفي (بلوغ المرام) لابن حجر ص 96، عن علي رضي الله عنه أنه كبر على سهل بن حنيف ستاً وقال: إنه بدري، رواه سعيد بن منصور، وأصله في البخاري.
المذهب الرابع: محكي عن ابن مسعود، أنه قال: يكبر على الجنازة تسعاً وسبعاً وخمساً وأربعاً. فكبروا ما كبر الإمام، ورواه عن الرسول÷(1).
المذهب الخامس: مروي عن أنس بن مالك، ورواية عن ابن عباس أنه يكبر ثلاثاً على الجنازة.
فهذه أقاويل العلماء في عدد التكبير في صلاة الجنازة.
والمختار في التكبير: خمساً. كما هو رأي أئمة العترة ومن وافقهم.
وحجتهم: ما ذكرناه.
ونزيد هاهنا وهو ما روي أن أمير المؤمنين صلى على فاطمة وكبَّر خمساً ودفنها ليلاً(2).
وروي عن الحسن بن علي أنه صلى على أبيه فكبر خمساً(3).
وروي عن محمد بن الحنيفة أنه صلى على ابن عباس فكبر خمساً.
وعن أبي ذر أنه قال لحصين بن عامر(4):
__________
(1) أوره في (مجمع الزوائد) 3/35، والمعجم الأوسط للطبراني 4/217.
(2) أورده في الاعتصام 2/173، عن محمد بن منصور بسنده من أمالي (أحمد بن عيسى) عن عمر بن علي عن علي% وقال: وهذا في (شرح التجريد) و(أصول الأحكام) وفي (الشفاء).
(3) وفيه أيضاً: وروى محمد [بن منصور] بإسناده أن الحسن بن علي صلوات الله عليهما وسلامه صلى على أبيه فكبر خمساً، وهو في (أصول الأحكام) وفي (الشفاء).
(4) لم تتوفر له ترجمة واضحة للاختلاف في اسمه وكنيته، وإنما جاء ما ملخصه في (الإصابة)2/86: حصين بن ربيعة بن عامر بن الأزور الأحمسي، أبو أرطأة، مشهور بكنيته، وخرج مسلم من حديث جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله÷: ((ألا تريحني من ذي الخلصة)) فسرت في خمسين ومائة راكب من أحمس، وكانوا أصحاب خيل فأحرقناها ... الخبر، وأخرجه البخاري لكن لم يسمه، وإنما قال: يقال له أبو أرطأة، وفي بعض نسخ مسلم: حسين بالسين المهملة، وهو تحريف، وذكر في الموطأ أنه قيل فيه ربيعة بن حصين كأنه انقلب وتقدم أنه قيل فيه أرطأة.