وأما ثانيها: فلأن للأم مدخلاً في الصلاة، ولهذا فإنها تصلي على الميت منفردة ومأمومة عند الحاجة إليها، فلما كان الأمر كما قلناه قُدِّم من كان يدلي بها لأن لها مدخلاً في الشفقة والرحمة، فلهذا كان أحق بالتقديم في الصلاة لما ذكرناه، وإذا كان الأخ من الأب والأم مقدماً في الصلاة فهكذا حال أولاده، يستحب تقديمهم لأجل الاختصاص.
المسألة الثانية: وإذا اجتمع عَمَّانِ أحدهما عم لأب وأم، والآخر عم لأب فعلى ظاهر المذهب، وهو رأي أبي حنيفة والأصح من قولي الشافعي أن العم لأب وأم أحق بالتقديم من العم لأب كما ذكرناه في الأخ لأب وأم، وهكذا الحال في أولادهما يكون من اختص باجتماع السببين أحق لا محالة.
وإن اجتمع ابنا عم وأحدهما أخ لأم يكون من اختص بقرابة الأمومة أحق بالتقدم في الصلاة.
وإن اجتمع أخوان في درجة واحدة إما أخوان لأب وأم، وإما أخوان لأب وأحدهما مملوك والآخر حر، فالحر أولى لأن له فضيلة الحرية فدعاؤه أسرع إلى الإجابة لفضله(1).
وإن اجتمع عم حر وأخ مملوك فأيهما يكون أحق بالتقدم في الصلاة؟ ففيه وجهان:
أحدهما: أن العم أحق لأنه أكمل بالحرية.
وثانيهما: أن المملوك أحق لاختصاصه بالقرابة القربى.
والمختار: أن العم أحق لاختصاصه بصفة الكمال وهي الحرية.
ويؤيد هذا: ما روي عن الرسول÷ أنه قال: ((الإمام وافد فقدموا أفضلكم)). فلهذا كان أحق بالتقديم في الصلاة.
__________
(1) لا يبدو أن مقياس الفضيلة بالحرية والعبودية، فإن التقوى والإخلاص متى توفرا كانا مقياس الفضيلة ووسيلة لنيل الإجابة، وهذا يتطابق مع قول الله تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ الله أَتْقَاكُمْ} وقول الرسول÷ في خطبة حجة الوداع: ((كلكم لآدم وآدم من تراب، لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى)).
وحكي عن المزني أنه قال: والولي الحر أولى من الولي المملوك. وأُخِذ عليه في هذا الإطلاق؛ لأن المملوك لا ولاية له على نفسه فضلاً عن أن يكون له ولاية على غيره، والأحق في الكلام أن يقال: والولي الحر أولى من المملوك.
والقريب المملوك أولى من الأجنبي، لأن القرابة لها مزيد قوة في الشفقة والرحمة ولها اختصاص بالرقة والرأفة فلهذا قدم في الصلاة.
المسألة الثالثة: وإن اجتمع وليان في درجة واحدة؟ ففيه وجهان:
أحدهما: تقديم الأفقه كما ذكرنا في صلاة الجماعة في الصلاة المفروضة.
وثانيهما: أن الأسن أحق بالتقديم. وهذا هو الظاهر من المذهب، وأحد قولي الشافعي والأصح منهما، لقوله÷: ((إن الله يستحي أن يرد للشيخ دعوة)). وفي حديث آخر: ((إن الله زين السماء بالشهب وزين الأرض بالشيوخ)). وفي حديث آخر: ((إن من إجلال الله إكرام ذي الشببية)). وفي حديث آخر: ((إذا بلغ الرجل ثمانين سنة غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر)).
ووجه الدلالة من هذه الأخبار: هو أن هذا المقام مقام رحمة وتقبل دعاء فلهذا كان الأسن أحق بالتقدم في الصلاة، والتفرقة بينها وبين صلاة الجماعة هو أن الحق في صلاة الجماعة لله تعالى فلهذا قدم الأفقه لأنه أعرف بحق الله تعالى في أحوال الصلاة بخلاف صلاة الجنازة فإن الحق فيها للميت لأنه أرجا لقبول الدعاء فلهذا قدم الأسن لما ذكرناه. وإن لم يكن الأسن محمود الطريقة قدم الأفقه لأن السن إنما يكون له تأثير في التقديم لأجل مزية التقوى والطهارة. فإذا استويا في السن قدم الأفقه لأنه قد تميز بالفقه وزيادة البصيرة. فإن استويا فيما ذكرناه فأيهما قدم جاز إذ لا فضل لأحدهما على الآخر.
المسألة الرابعة: وان إجتمع الولي والإمام الأعظم أو من يلي من جهته، فالظاهر من المذهب أن الإمام الأعظم أحق بالتقدم للصلاة لما ذكرناه من قبل، وهو الأصح من قولي الشافعي.
وله قول آخر: أن الولي أحق بالتقدم وهو القديم من قوليه.
وما قلناه هو قول أبي حنيفة وأصحابه ومالك وإسحاق بن راهويه لقوله÷: ((لا يؤم الرجل في سلطانه)). وروي أن الحسن بن علي لما مات حدث الحسين بن علي سعيد بن العاص وهو الوالي في المدينة من جهة معاوية وقال له: تقدم فلولا السنة لما قدمتك(1).
والحجة لقوله القديم: قوله تعالى: {وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ}[الأنفال:75] وهذا عام في الصلاة وفي غيرها.
والمختار: هو الأول، وأما الآية فلا يصح الإحتجاج بها لأنها مجملة ولا ظاهر لها لأن الأولويةغير معلومة فلا بد من بيانها، وما كان مجملاً من الآي والأخبار فإنه مفتقر إلى دلالة فلا يحتج به.
المسألة الخامسة: وإن أوصى رجل أن يصلي عليه فلان أجنبي فهل يقدم على الأقرباء أم لا؟ فيه مذاهب ثلاثة:
المذهب الأول: أنه لا يقدم على الأقرباء وأنهم أحق بالصلاة. وهذا هو الظاهر من المذهب، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه والشافعي.
والحجة على هذا: هو أنها ولاية يترتب فيها العصبات فلا يقدم فيها الوصي على العصبات كولاية النكاح.
المذهب الثاني: أن الوصي أحق بالتقدم وهذا هو قول أنس بن مالك وزيد بن أرقم من الصحابة رضي الله عنهم. ومحكي عن أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه.
والحجة على هذا: هو أن الوصي قد صار له ولاية من جهة الميت فيما هو ولي فيه من جهة الميت فكان أحق كسائر التصرفات التي جعلها له الميت.
المذهب الثالث: أن الوصي إن كان ممن يرجى دعاؤه قدم على الولي، وإن كان ممن لا يرجى دعاؤه فالقريب أحق. وهذا هو المحكي عن مالك.
والحجة على هذا: هو أن الوصي قد صارت له ولاية [و] إذا كان الوصي يرجى دعاؤه وقبول تضرعه كان أحق بالصلاة لإفتقار الميت وحاجته إلى ذلك بخلاف من لا يرجى قبول دعائه فإن القريب أحق.
__________
(1) رواه عبد الرزاق في مصنفه 3/471، وهو في (مجمع الزوائد) 3/31، وفي (المغني)2/178.
والمختار: ما هو الظاهر من المذهب. وهو قول الفقهاء لأن هذا الحق قد تقرر بالشرع للعصبات فلا يجوز إبطاله بقول الموصي للوصي.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: الوصي أحق بالتصرفات من جهة الميت، والصلاة من جملة التصرفات فلهذا كان أحق بها.
قلنا: هذه عبادة جعلها الشرع للعصبات فلا تبطل بقول الغير سواء كان ممن يقبل دعاؤه كما قاله مالك، أو ممن لا يقبل دعاؤه.
وإن غاب الولي الأقرب واستناب من يصلي، فهل يكون القريب الحاضر أولى أو المستناب؟ فيه وجهان:
أحدهما: أن القريب الحاضر أحق. وهذا هو رأي أبي حنيفة.
وثانيهما: أن الذي استنابه الغائب أحق بالصلاة. وهذا هو رأي الشافعي.
والمختار الذي يأتي على المذهب: أن القريب الحاضر أحق بالصلاة كما قاله أبو حنيفة لأن القريب الغائب قد انقطعت ولا يته بالغيبة كما لو مات.
المسألة السادسة: وأقل ما يسقط الفرض في الصلاة على الميت، [فيه] وجهان:
أحدهما: أن أقل العدد ثلاثة لقوله÷: ((صلوا على من قال لا إله إلا اللّه)). وأقل الجمع ثلاثة، والخطاب للجمع.
وثانيهما: أن الفرض يسقط بواحد؛ لأنها صلاة لا تفتقر إلى الجماعة فلم تفتقر إلى العدد كسائر الصلوات.
وقولنا: لا تفتقر إلى الجماعة. نحترز به عن صلاة الجمعة فإنها لا تصح فرادى لإفتقارها إلى العدد.
والمختار: أن المستحب هو الجماعة في صلاة الجنازة لنقل الخلف عن السلف صلاتها في الجماعة فإن دعت الضرورة إلى صلاة الواحد كان مجزياً ولم تعد الصلاة بعد صلاته.
وهل يعتد بصلاة النساء في صلاة الجنازة أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه لا يسقط الفرض بفعلهن لقوله÷: ((صلوا على من قال لا إله إلا اللّه)). وهذا خطاب للذكور، وعلى هذا إذا صلى الخنثى لم يسقط الفرض بفعله لجواز أن يكون امرأة.
وثانيهما: سقوط الفرض بفعلهن لأن الصلاة فعل يختص الميت فجاز فعله من جهة النساء كالغسل.
وحكي عن السيد أبي طالب: أن المرأة إن صلت وحدها لا تجزئ وتعاد الصلاة.
والمختار: أن الرجال إذا كانوا موجودين فالفرض غير متوجه على النساء، وإن كانوا غير موجودين توجه الفرض عليهن.
وإذا قلنا بجواز صلاتهن عند عدم الرجال، فهل تكون صلاتهن فرادى أو مجتمعات؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنها تكون فرادى لأن الجماعة لم تسن في حق النساء في حق صلاة الجنازة.
وثانيهما: أنه لا بأس بصلاتهن جماعة في حق الجنازة.
وإذا قلنا بجواز صلاتهن جماعة، ففيها وجهان:
أحدهما: أن تكون إمامتهن في وسطهن.
وثانيهما: أن يَكُنَّ صفاً بعد صف كما تكون صفوف الرجال، وقد مضى تقرير ذلك في صلاة الجماعة.
المسألة السابعة: وإذا قلنا باستحباب الجماعة في صلاة الجنازة كما مر، فالسنة أن يكونوا ثلاثة صفوف، لما روي عن الرسول÷ أنه قال: ((من صلى عليه ثلاثة صفوف فقد أوجب)) (1).
وأراد: وجبت له الجنة.
وتستحب كثرة الصفوف وكلما كان أكثر كان أعظم في الأجر لما روت عائشة رضي الله عنها أن الرسول÷ قال: ((لا يموت ميت من المسلمين فتصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة فيشفعون له إلا شفعهم الله فيه))(2).
وهل تكره الصلاة على الجنازة في المساجد أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنها تكره، وإن صليت لم تعد. وهذا هو رأي أئمة العترة، ومحكي عن مالك وأبي حنيفة.
__________
(1) ذكره في (فتح الباري) 3/186، وقال ابن بهران: أخرجه الترمذي عن مالك بن هريرة وفي رواية أبي داود قال: سمعت رسول الله÷ يقول: ((ما من مسلم يموت فيصلي عليه ثلاثة صفوف من المسلمين إلا أوجب)).
وعن ابن عباس: سمعت رسول الله÷ يقول: ((ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلاً لا يشركون بالله شيئاً إلا شفعهم الله فيه)) أخرجه مسلم وأبو داود. وعن عائشة أن النبي÷ قال: ((ما من ميت يصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة كلهم يشفعون له إلا شفعوا فيه)) أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي. اهـ (تخريج البحر) 2/115.
(2) تقدم آنفاً.
والحجة على هذا: ما روى أبو هريرة عن الرسول÷ أنه قال: ((من صلى على جنازة في مسجد فلا شيء له))(1).
أراد: من الأجر والثواب، ولأنه لا يؤمن أن تنفصل عن الجنازة نجاسة فتؤدي إلى تنجيس المساجد وهو محظور.
المذهب الثاني: جواز ذلك من غير كراهة. وهذا هو رأي المنصور بالله ومحكي عن الشافعي.
والحجة على هذا: ما روي عن عائشة أنها أمرت بجنازة سعد بن أبي وقاص أن تدخل المسجد ليصلى عليها فأُنكر عليها ذلك فقالت: ما أسرع ما نسي الناس. ما صلى رسول اللّه÷ على سُهيل بن بيضاء وأخيه إلا في المسجد(2).
والمختار: ما ذهب إليه المنصور بالله والشافعي من جواز تأديتها في المساجد.
وحجتهم: ما ذكرناه.
ونزيد هاهنا وهو قوله÷: ((صلاة الرجل في مسجده تعدل صلاته في بيته بضعاً وعشرين درجة)). ولم يفصل بين صلاة وصلاة ولأنها صلاة ذات تحليل وتحريم فكانت تأديتها في المساجد أفضل كالصلوات المفروضة.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: روي عن الرسول÷ أنه قال: ((من صلى على جنازة في المسجد فلا شيء له)).
قلنا: هذا له تأويلان:
التأويل الأول: أن يكون مراده: من صلى على جنازة في مسجد بعدما صُلِّيَ عليها فلا شيء له من الأجر لأن الصلاة بعد الصلاة بدعة فلا يستحق عليها أجر.
التأويل الثاني: أن يكون الميت كافراً أو فاسقاً ومن هذه حاله فلا تجوز صلاته(3)
في المسجد.
وإنما تأوَّلنا على هذين التأويلين حذراً عن معارضة الأدلة التي ذكرناها في جواز تأدية الصلاة على الجنائز في المساجد.
__________
(1) أورده في (شرح معاني الآثار) 1/492، وفي (الترغيب والترهيب) 1/137، و(الكامل في ضعفاء الرجال) 4/56، وقال ابن بهران: أخرجه أبو داود من رواية أبي هريرة، وفي بعض النسخ: ((فلا شيء عليه)) والله أعلم.
(2) أخرجه مسلم 2/668،و الترمذي 3/351، وأبو داود 3/207، والنسائي 4/68، وابن ماجة 1/486.
(3) يقصد: الصلاة عليه.
قالوا: لا يأمن أن تنفصل نجاسة من الميت فتؤدي إلى تنجيس المساجد.
قلنا: تنجيس المساجد محظور من جهة الأموات والأحياء، فإذا كانت النجاسة غير مأمونة فالمحظور إنما هو النجاسة لا لأجل الصلاة في المساجد، وعلى هذا إذا قررنا أن لا نجاسة منفصلة عن الميت جازت الصلاة.
قالوا: روي عن عائشة أنها أرادت الصلاة على سعد بن أبي وقاص في المسجد فأنكر عليها فتركت ذلك، فدل الإنكار عليها على عدم الجواز.
قلنا: لم يمنعوها ولا أنكروا عليها إلا الصلاة على سعد بن أبي وقاص، وأكابر الصحابة حضور، والصلاة على الجنائز موكولة إلى الرجال فلهذا أنكروا عليها، ولم ينكروا الصلاة في المساجد على الجنائز فلهذا كانت جائزة في المساجد(1).
المسألة الثامنة: ويستحب إذا صلي على الميت وقع البدار إلى دفنه، لما روي عن الرسول÷ أنه قال: ((ثلاث لا ينبغي التأني فيهن)). وذكر من جملتها الجنازة إذا حان وقتها، ولأنه إذا وقف يخشى عليه التغيير والانفجار.
وهل يوقف به لمن أراد أن يصلي عليه ثانياً أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنها لا توقف الجنازة لمن يريد أن يصلي ثانياً، عند أئمة العترة، ومحكي عن أبي حنيفة وأصحابه ومالك.
والحجة على هذا: ما روى زيد بن علي عن أبيه عن جده عن علي قال: صلى رسول اللّه÷ على جنازة فلما فرغنا من دفنه جاء رجل فقال: يا رسول الله إني لم أدرك الصلاة عليه أفأصلي على القبر؟ قال: ((لا ولكن قم على قبره وادع لأخيك وترحم عليه واستغفر له)) (2).
المذهب الثاني: أن الجنازة إذا لم يخش عليها التغيير وكان قد صلي عليها وكان الولي لم يصل عليها، جاز وضعها ليصلي عليها الولي.
__________
(1) لكن جواب أم المؤمنين بقولها: ما أسرع ما نسي الناس. ما صلى رسول الله÷ على سهيل بن بيضاء وأخيه إلا في المسجد، يدحض القول بأنهم ما أنكروا عليها إلا إرادتها الصلاة على سعد. والله أعلم.
(2) رواه الإمام زيد في مسنده ص 173.
قال الشافعي: فإن صلى بعض الأولياء والناس ثم جاء وليٌّ آخر لم توضع له الجنازة إذا طلب وضعها فإن وضعت له لم أر في ذلك بأساً.
والحجة على هذا: ما روي أن امرأة مسكينة مرضت فقال الرسول÷: ((إذا ماتت فآذنوني)). فماتت ليلاً فدفنوها ولم يوقظوا رسول اللّه÷ فلما أصبح أُخبر بذلك فقال: ((ألا أذنتموني)). فقالوا كرهنا أن نوقظك فخرج رسول اللّه÷ إلى قبرها ووقف بالناس وصلى عليها.
ووجه الدلالة من الخبر: هو أن الرسول÷ صلى على الجنازة بعد ما صُلّي عليها فدل ذلك على الجواز.
والمختار: أنه لا وجه لتكرير الصلاة بعد ما صُلِّي[عليها] لما ذكرناه من حديث زيد بن علي، ولأنه لو جاز تكريرها مرة جاز تكريرها مراراً ولا قائل به.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: روي أن الرسول÷: صلى على قبر تلك المسكينة بعد ما صلي عليها، فدل ذلك على الجواز.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن الفرض في الصلاة لا يسقط في زمن الرسول÷ إلا بصلاته لقوله: ((لا يصلين أحد على موتاكم ما دمت فيكم)). فلهذا صلى عليها.
وأما ثانياً: فلأن هذا فعل ولا ندري على أي حالٍ وقع لأن الفعل مجمل، والقول لا إجمال فيه فلهذا كان القول أحق بالعمل به دون الفعل، وما قلناه عمل على القول فلهذا كان أولى.
المسألة التاسعة: فإن دفن الميت من غير أن يُصلَّى عليه فهل يُصلَّى على القبر أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: المنع من الصلاة على القبر، وإن لم يكن قد صلي عليه. وهذا هو الذي حصله السيد أبو طالب لمذهب الهادي والقاسم.
والحجة على هذا: خبر زيد بن علي، فإن ظاهره دال على المنع من الصلاة على القبر صُلّي أو لم يصل. وأما إذا لم يُصَل فإنه يُصلَّي على القبر.
والحجة على هذا: هو أن الصلاة على الجنازة من فروض الكفاية، فإذا صلى عليها قوم سقط الفرض عن الباقين فلو كررت لم تكرر إلاَّ على جهة التطوع، ولا يجوز التطوع بالصلاة على الموتى لأن ذلك لو جاز لجاز أن يصلى على من قد مات حالاً بعد حالٍ، وهذا خلاف الإجماع ولا قائل به، ولأنها صلاة لا تصح إلا بالإمام، فإذا فاتت لم تُصَل كصلاة الجمعة.
قال القاسم: لا يُصلى على الميت بعد ما صُلي عليه.
المذهب الثاني: جواز ذلك. وهذا هو رأي الناصر ومحكي عن الشافعي وأبي حنيفة ومالك، ومروي عن ابن سيرين وأحمد بن حنبل.
قال الشافعي: ومن فاتته الصلاة صلى على القبر.
وعن أبي حنيفة، أنه قال: لا تجوز الصلاة على القبر إلا أن يكون الميت قد دفن بغير صلاة جاز أن يصلي على القبر.
والحجة على هذا: هو أن الصلاة على الموتى فرض على الكفاية فلا يجوز سقوطها بالدفن لأن الصلاة على القبر ممكنة فلا يجوز إسقاطها.
والمختار: جواز الصلاة إذا لم يكن قد صلي. كما حكي عن الناصر واختاره أبو العباس للمذهب.
وحجتهم: ما ذكرناه.
ونزيد هاهنا: وهو ما روي عن النبي÷: أنه صلى على البراء بن معرور(1)
__________
(1) صحابي جليل، وهو كما في الإصابة1/282: البراء بن معرور بن صخر بن خنساء بن سنان، ينتهي نسبه إلى جشم بن الخزرج الأنصاري الخزرجي السلمي أبو بشر، قال موسى بن عقبة عن الزهري: كان من النفر الذين بايعوا البيعة الأولى بالعقبة، وهو أول من بايع في قول ابن إسحاق وأول من استقبل القبلة، وأول من أوصى بثلث ماله، وهو أحد النقباء، وقال ابن إسحاق: حدثني معبد بن كعب أن أخاه عبد الله وكان من أعلم الأنصار حدثه أن أباه وكان ممن شهد العقبة قال: خرجنا في حجاج قومنا وقد صلينا وفقهنا، ومعنا البراء بن معرور كبيرنا وسيدنا، فذكر القصة مطولة في ليلة العقبة، قال: وكان أول من ضرب على يد رسول الله البراء بن معرور.
وروى يعقوب بن سفيان في تأريخه من طريق ابن شهاب عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب، قال قال كعب: كان البراء بن معرور أول من استقبل الكعبة حياً، وعند حضرة وفاته قبل أن يتوجهها رسول الله فبلغ ذلك رسول الله فأمره أن يستقبل بيت المقدس فأطاع، فلما كان يوم موته أمر أهله أن يوجهوه قبل الكعبة.
وروى ابن شاهين بإسناد لين من طريق عبد الله بن أبي قتادة، حدثتني أمي عن أبي: أن البراء بن معرور مات قبل الهجرة فوجه قبره إلى الكعبة، وكان قد أوصى لرسول الله ثم ردها على ولده، وصلى عليه يعني على قبره وكبر أربعاً، وفي الطبراني من وجه آخر عن أبي قتادة أن البراء بن معرور أوصى إلى النبي بثلث ماله يصرف حيث شاء فرده النبي.
قال ابن إسحاق وغيره: مات البراء بن معرور قبل قدوم النبي بشهر، يعني قبل قدومه مهاجراً إلى المدينة.
…له تراجم في الجرح والتعديل 2/399، وفي التأريخ الأوسط 1/20، وفي الثقات 3/26 وغيرها.
بعد قدومه المدينة، وكان قد مات قبل ذلك، وأوصى إلى الرسول÷ فقبل وصيته وصلى عليه بعد شهر. (1)
وما روي عن الرسول÷: أنه صلى على أم سعد بن عبادة(2)
على قبرها بعد شهر(3).
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: خبر زيد بن علي دال على المنع.
قلنا: إنا نحمله على أنه قد صلي على الجنازة فلهذا منعه عن تكرير الصلاة، وكلامنا إنما هو في الصلاة على القبر إذا لم يكن قد صلي عليها، فتجب الصلاة على القبر.
وإذا قلنا: بجواز الصلاة على القبر إذا لم يكن قد صلي عليه، فإلى أي وقت تجوز الصلاة على القبر؟
فحكي عن أبي حنيفة: أنه إذا لم يصل عليه صلي عليه إلى ثلاث، ولا تجوز الصلاة على القبر في اليوم الرابع، وإن كان قد صلي عليه لم تجز الصلاة على القبر إلا للولي والوالي وإمام الحي.
وحكي عن الشافعي: أربعة أقوال:
__________
(1) قال الشوكاني في (النيل) 4/51: وعن ابن عباس أن النبي÷ صلى على قبر بعد شهر، وعنه أن النبي÷ صلى على ميت بعد ثلاث، رواهما الدارقطني.
(2) من أشهر الصحابيات المبايعات السابقات، قال عنها ابن عبد البر في الاستيعاب 4/1887: عمرة بنت مسعود بن قيس بن عمرو بن زيد بن مناة بن عدي بن عمرو بن مالك بن النجار، أم سعد بن عبادة، وكانت من المبايعات، توفيت في سنة خمس من الهجرة.
وفي الإصابة 8/33: عمرة بنت مسعود بن قيس بن عمرو بن زيد مناة بن عدي بن عمرو بن مالك بن النجار، والدة سعد بن عبادة، ماتت في حياة النبي سنة خمس.
…قال ابن سعد: ماتت والنبي في غزوة دومة الجندل في شهر ربيع الأول، فلما جاء النبي÷ المدينة أتى قبرها فصلى عليها. قلت: وثبت أنها لما ماتت سأل ولدها النبي÷ عن الصدقة عنها.
(3) رواه سعيد بن المسيب بسنده أن أم سعد ماتت والنبي÷ غائب، فلما قدم صلى عليها وقد مضى لذلك شهر، أخرجه الترمذي، اهـ (نيل) 4/51، وهو في مصنف ابن أبي شيبة 3/41، و(المعجم الكبير) للطبراني 6/20.