وصورته: أن ينادى في هذه المواضع بأن فلاناً قد مات. لما روي عن الرسول أنه نهى عن ذلك وقال: ((إنه من عمل الجاهلية))(1).
وصورته: أنهم كانوا إذا مات رئيس من رؤسائهم؛ أمروا رجلاً يركب جملاً ويصيح في الطرقات والأسواق، بأن فلاناً قد مات. فكره رسول اللّه ذلك لما كان من فعلهم.
قال القاسم: ويكره النعي في الأسواق والطرقات.
ويستحب الإيذان.
وصورته: أنه إذا مات أحد من المسلمين فإنه يستحب أن يتأذن المسلمون على الإجتماع والحضور على دفنه والصلاة عليه، وهو يخالف النعي لأن ذلك من أمر الجاهلية كما قررناه. وهو رأي أئمة العترة والهادي والمؤيد بالله، ومحكي عن أبي حنيفة.
والحجة على هذا: ما روى ابن عباس رضي الله عنه عن الرسول ، أنه رأى قبراً حديثاً فقال: ((آلا آذنتموني))(2).
__________
(1) واضح أن المؤلف قصد الكراهة للحضر كون النعي محرماً بما جاء في أحاديث عدة منها ما رواه ابن مسعود أن رسول الله كان ينهى عن النعي وقال: ((إياكم والنعي فإنه من عمل الجاهلية)). وفي (الاعتصام) عن (شرح التجريد) من رواية أبي العباس الحسني بسنده قال: قال رسول الله : ((الإيذان من النعي والنعي من أمر الجاهلية)) وهذا في (أصول الأحكام) اهـ 2/192.
قلت: والإيذان هنا كما يفهم من أحاديث أخر، هو تعداد مناقب الميت والتصويت بها حزناً عليه كما كان عليه الأمر من الجاهلية، وليس المقصود به إيذان الناس بوفاته إعلاماً لغرض الاجتماع للصلاة عليه، ويؤيد هذا ما جاء في المصدر السالف تعقيباً على هذا الحديث بالقول: ولكن إن آذن به إخوانه وأقاربه فلا بأس به إن شاء الله تعالى. اهـ المحقق.
(2) أورده في (الاعتصام) 2/192، عن (شرح التجريد) وهو في سنن الدارقطني 2/77.

أراد حتى يحضر فيصلي عليه ويدفنه. وروي أن مسكينة مرضت فأخبر الرسول بأنها مريضة وكان يعود المساكين ويسأل عن حالهم فقال: ((إذا ماتت فآذنوني))(1).
ويستحب إذا وضع الميت على السرير والنعش وأريد حمله أن يسجى بثوب. لما روي أن الرسول لما مات سجي بثوب. فإن كان الميت رجلاً فإنه يجنب الحرير والديباج ولتكن التسجية بالقطن والكتان وغير ذلك من أنواع الثياب. وإن كان امرأة فهل يجوز تغطيتها بالحرير والديباج أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: الجواز لأنه إذا جاز لباسها الحرير جاز تغطيتها بالحرير.
وثانيهما: المنع من ذلك لأن المباح إنما هو اللباس وهذا ليس من اللباس.
والمختار: جواز ذلك كما يجوز تكفينها به إذا لم يكن هناك سرف بالتكفين به.
وتستحب المناوبة في حمل الجنازة خاصة مع بعد المقبرة فالاستحباب آكد، ويحمل الأربعة شوطاً بعد شوط، فإذا حمل مرة فقد حاز الثواب، وإن حمل ثلاث مرات فقد أدى ما عليه من السنة. لما روى أمير المؤمنين كرم الله وجهه في حمل الجنازة؛ ثم لا عليك ألا تفعل إلا مرة واحدة فإذا حملت ثلاثاً فقد أديت ما عليك وما زدت فهو أفضل. فلو حمل الجنازة أربعة لا غير لثقل عليهم ولأتعبوا أنفسهم وقد قال تعالى: {وَتَعَاوَنُوا على الْبِرِّ وَالتَّقْوَى}[المائدة:2]. وهذا من أنواع البر فلهذا استحبت المعاونة فيه.
وقد نجز غرضنا من مسائل حمل الجنازة.
__________
(1) رواه النسائي في سننه 4/40، ومالك في الموطأ 1/227، والبيهقي في (الكبرى)1/623.

---
القول في الصلاة على الجنازة
وهي فرض على الكفاية لقوله÷: ((صلوا على من قال لا إله إلا اللّه.)) (1).
وفرض الكفاية مثل فرض العين لا يختلفان في ابتداء الوجوب لأن مستند وجوبهما هو الشرع بالأمر. لأن فرض الأعيان يجب على كل واحدٍ بعينه وفرض الكفاية على كل واحد ممن علم بالميت خلا أنهما يختلفان في الفعل، ففرض الكفاية إذا قام به البعض سقط الفرض عمن علم وعمن لم يعلم، وفرض العين لا يسقط عن أحدٍ بفعل غيره.
ومن وجه آخر وهو أن فرض العين إذا تُرك استحق الذم والعقاب على تركه كل من وجب عليه بخلاف فرض الكفاية فإنه إنما يستحق الذم بتركه كل من علم دون من لم يعلم، فإذا تركه من علم به وكان ممكناً له فعله ولم يفعله لحق الإثم الجميع لإخلالهم بما وجب عليهم من غير تخصيص.
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول: الطهارة مشروعة في صلاة الجنازة كغيرها من الصلوات. لقوله÷: ((مفتاح الصلاة الطهور.)). وهل تكون الطهارة شرطاً في صلاة الجنازة حتى لا تصح إلا بها أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أن الطهارة شرط في صحتها. وهذا هو رأي أئمة العترة، ومحكي عن فقهاء الأمصار لا يختلفون فيه.
والحجة على هذا: قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إلى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ}[المائدة:6] ... الآية.
ووجه الدلالة من الآية: هو أن الله تعالى أوجب غسل هذه الأعضاء عند القيام للصلاة والصلاة إسم جنس يدخل تحته كل ما سمي صلاة فيجب اندراج صلاة الجنازة تحت ما قلناه، فلهذا أوجبنا فيها الطهارة.
الحجة الثانية: ما روي عن الرسول÷ أنه قال: ((لا صلاة إلا بوضوء)). وفي حديث آخر: ((لا صلاة إلا بطهور)). فنفى نفياً عاماً أنه لا صلاة مجزية إلا باشتراط الوضوء، وفي هذا دلالة على ما قلناه من اشتراط الطهارة فيها.
__________
(1) رواه الدارقطني في سننه 2/56، وهو في (مجمع الزوائد) 2/67، و(المعجم الكبير) للطبراني 14/447.

المذهب الثاني: أن الطهارة غير مشترطة فيها. وهذا هو رأي بعض التابعين كالحسن البصري وعطاء ومحكي عن بعض الإمامية والروافض، وروي عن محمد بن جرير الطبري من أصحاب الشافعي.
والحجة على ما قالوه: هو أن صلاة الجنازة ليست صلاة على الحقيقة، ولهذا فإنه ليس فيها ركوع ولا سجود ولا قعود، وإنما موضوعها الدعاء للميت، والدعاء لا تشترط فيه الطهارة.
والمختار: هو اشتراط الطهارة فيها فلا تكون مجزية من غير ماء ولا تراب. كما هو رأي أئمة العترة وفقهاء الأمة.
وحجتهم: ما ذكرناه.
ونزيد هاهنا: وهو ما روي عن الرسول÷ أنه قال: ((لا يقبل الله صلاة امرء لا يضع الطهور مواضعه))(1).
هذا عام لكل صلاة، فهذه الأخبار كلها دالة على اشتراط الطهارة في صلاة الجنازة.
ومن وجه آخر وهو أنها صلاة ذات تحليل وتحريم فتحليلها التسليم وتحريمها التكبير فيشترط لها الطهارة بالماء أو التراب كطهارة الأحداث.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: صلاة الجنازة ليست صلاة على الحقيقة فلا ركوع فيها ولا سجود فلا تشترط فيها الطهارة بالماء ولا بالتراب مع القدرة عليهما، وإنما موضوعها الدعاء للميت.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأنها صلاة يشرع فيها الذكر والقيام والجماعة والتحليل والتحريم فلا تصح إلا بالطهارة من الحدث والنجس وستر العورة واستقبال القبلة كسائر الصلوات.
وأما ثانياً: فلأن ما قالوه معارض بما أوردناه من الأخبار العامة في اشتراط الطهارة وقياسهم لا يعارض ما ذكرناه من الأخبار فإن الأخبار لا تعارضها الأقيسة بل تكون باطالة في مقابلة الأخبار لأن من شرط الأقيسة ألا تكون معارضة للأخبار، ولأن الأقيسة مستندها نظر القائس، والأخبار مستندها صاحب الشريعة وهو مؤيد بالعصمة والقائس لا يؤمن من الخطاً والزلل في قياسه.
قالوا: دعاء شرع في حال القيام للميت فلا تشترط فيه الطهارة كسائر الأدعية.
__________
(1) كل أحاديث الطهارة والصلاة هنا تقدمت في الصلاة.

قلنا: نقلب عليهم هذا القياس فنقول: دعاء مشروع في حال القيام فاشترط فيه الطهارة كالتعوذ والإستفتاح.
واعلم.. أن هذه الأقيسة لا موقع لها في أبواب العبادات وحيث أوردناها فإنما نوردها معارضة لمن اعتمدها حتى تكون معارضة للفاسد بالفاسد.
الفرع الثاني: في وقت صلاة الجنازة.
وأفضل الأوقات أوقات الصلوات المكتوبات ولا خلاف فيه.
ووجهه أن هذه الأوقات مخصوصة لفضلها ولشرفها بتأدية الصلوات المفروضة فلهذا استحب أن تكون الصلاة على الموتى ودفنهم فيها.
وهل يجوز تأديتها في الأوقات المكروهة الثلاثة أم لا؟ فيه مذاهب ثلاثة:
المذهب الأول: المنع من ذلك. وهذا هو رأي أئمة العترة الهادي والقاسم والمؤيد بالله، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه ومحكي عن مالك.
والحجة على هذا: ما في خبر عقبة بن عامر عن الرسول÷ أنه قال: ((ثلاثة أوقات نهانا رسول اللّه÷ أن نصلي فيهن وأن ندفن فيهن موتانا)). وهذا نص في المنع عن ذلك.
المذهب الثاني: جواز ذلك. وهذا هو رأي الشافعي.
والحجة على هذا: قوله÷: ((من نام عن صلاته أو نسيها فوقتها حين يذكرها)). فلا وقت لها غيره، وإذا جاز تأدية الصلاة المقضية في هذه الأوقات جاز تأدية صلاة الجنازة بجامع كونهما واجبتين.
المذهب الثالث: جواز تأديتها في هذه الأوقات مع الكراهة.
والحجة على هذا: وهو المحكي عن الأوزاعي هو أن قوله: نهانا رسول اللّه÷ دال على الكراهة. وقوله÷: ((من نام عن صلاة أو نسيها)). دال على الجواز من غير كراهة فجمعنا بين الخبرين. وقلنا: بالكراهة لأن المكروه ممنوع لكنه جائز فعله.
والمختار: هو المنع من الصلاة في هذه الأوقات الثلاثة. كما قاله علماء العترة ومن وافقهم.
وحجتهم: ما ذكرناه.
ونزيد هاهنا وهو أن النهي دال على فساد المنهي عنه خاصة في العبادات فإن من شرطها القربة، والنهي مضاد للقربة فلهذا كانت صلاة الجنازة غير مجزية في هذه الأوقات.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.

قالوا: روي عن الرسول÷: ((من نام عن صلاة أو نسيها فوقتها حين يذكرها)). ولم يفصل بين صلاة وصلاة، ولا بين وقت [ووقت] وفي هذا دلالة على الجواز، كما ذكره الشافعي.
قلنا: خبرنا خاص في الوقت، عام في الصلاة، وخبركم عام في الوقت خاص في الصلاة فلأجل هذا كان خبرنا أحق بالعمل لما كان خاصّاً.
قالوا: صلاة الجنازة مكروهة في هذه الأوقات لا غير. كما حكي عن الأوزاعي جمعاً بين الخبرين.
قلنا: ظاهر الخبر دال على النهي وهو مقتضٍ للفساد فلا حاجة إلى حمله على الكراهة من غير دلالة.
فأما صلاة الجنازة بعد فعل صلاة العصر [والفجر] فمما لا خلاف في جوازها بين أئمة العترة وعلماء الأمصار، لأن كل ما له أسباب عارضة جاز تأديته في هذين الوقتين وإنما تكره النوافل المبتدأة، والكراهة إنما تتعلق بالفعل لهذين الفرضين العصر والفجر، فأما قبل فعلهما فمما لا يكره شيء من النوافل المبتدأة ولا مما له سبب عارض وقد قدمنا ما فيه من قبل فأغنى عن التكرير.
وإن خيف فوات صلاة الجنازة إن إشتغل بالطهارة جاز له التيمم مع وجود الماء. عند أئمة العترة، وهو محكي عن أبي حنيفة. لأن كل صلاة ليس لها بدل ولا يجوز إعادتها جاز فيها التيمم إن خيف فواتها إذا اشتغل بالطهارة.
فقولنا: ليس لها بدل. نحترز به عن صلاة الجمعة.
وقولنا: لا يجوز تكريرها. نحترز به عن الصلاة المفروضة فإنها إذا فاتت مع الجماعة جاز تأديتها على الانفراد، بخلاف صلاة الجنازة فافترقا.
الفرع الثالث: في بيان من يكون أولى بالصلاة على الميت. وفيه مذهبان:

المذهب الأول: أن أولى الناس بالصلاة هو الإمام الأعظم أو من يلي من قبله كالقاضي بولايته. عند أئمة العترة لا يختلفون في ذلك. وحكى علي بن العباس إجماعهم على ذلك إذا حضر أو حضروا إليه. وهو محكي عن أبي حنيفة وأصحابه. وحكى الكرخي عن أبي حنيفة، أنه قال: يصلي الإمام إن حضر أو القاضي أو الوالي، فإن لم يحضر أحد من هؤلاء ينبغي أن يقدموا إمام الحي قبل العصبات.
والحجة على هذا: ما روى أبو مسعود الأنصاري عن الرسول÷ أنه قال: ((لا يؤم الرجل في سلطانه ولا يقعد على تكرمته إلا بإذنه)).
الحجة الثانية: ما روي عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه أنه قال: إذا حضر الإمام الجنازة فهو أولى من أوليائها بالصلاة عليها.
المذهب الثاني: أن الأولى بالصلاة هم الأولياء من غير فصل. وهذا هو رأي الشافعي.
والحجة على هذا: هو أن المقصود بالصلاة هو الدعاء للميت ولا شك أن من يليه من العصبات أشفق وأحنى عليه وأقرب إلى إستجابة الدعاء فلهذا كانوا أولى من غيرهم.
والمختار: هو تقديم الإمام الأعظم ومن يليه من قضاته وولاته.
وحجتهم: ما ذكرناه.
ونزيد هاهنا: وهو ما روي عن الرسول÷ أنه قال: ((إن هذه القبور مظلمة حتى أصلي)) (1).
__________
(1) هذا الحديث طرف من حديث رواه أبو هريرة أن امرأة سوداء كانت تقم المسجد أو شاباً، ففقدها رسول الله÷ فسأل عنها أو عنه، فقالوا: مات، قال: ((أفلا آذنتموني)) قال: فكأنهم صغروا أمرها أو أمره، فقال: ((دلوني على قبره)) فدلوه، فصلى عليها، ثم قال: ((إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها وإن الله ينورها لهم بصلاتي عليهم)) متفق عليه، وليس للبخاري ((إن هذه القبور مملوءة ظلمة)) إلى آخر الخبر، انتهى بلفظه من (نيل الأوطار) 4/51.

وفي حديث آخر: ((لا يصلين أحدٌ على موتاكم ما دمت فيكم)) (1).
وما كان إلى الرسول÷ من الولايات في أمر الدين فهو إلى الإمام بعده إلا لدلالة منفصلة تدل على المخالفة، وإذا كان الأمر كما قلناه وجب اختصاص الرسول÷ بالصلاة على الأموات في أيامه ثم بعد ذلك إلى الإمام بعده، وفي هذا صحة ما قلناه من أن الإمام الأعظم أحق من العصبات، ومن يلي من قِبَله كحاكمه وواليه.
فإذا لم يكن هناك إمام ولا من يلي من قبله فالعصبات من الرجال الأقرب منهم فالأقرب فالأب ثم الجد أب الأب ثم الإبن ثم ابن الإبن وإن سفل ثم الأخ لأب وأم، ثم الأخ لأب، ثم ابن الأخ لأب وأم، ثم ابن الأخ لأب، ثم العم لأب وأم، ثم العم لأب، ثم ابن العم لأب وأم، ثم ابن العم لأب، على ترتيب الميراث من غير مخالفة. وهذا هو رأي أئمة العترة، ومحكي عن الشافعي وأبي حنيفة وأصحابه.
والحجة على هذا: هو أن المقصود من الصلاة على الميت هو الدعاء له ولا شك أن دعاء من كان قريباً إلى الميت وأخص به من العصبات فدعاؤه أرق وألطف وأقرب إلى الإجابة لأجل الحنو على الميت والشفقة عليه. لما روي عن الرسول÷ أنه قال: ((أسرع الدعاء إجابة دعاء غائب لغائب)). فإذا كان دعاء الغائب أسرع إلى الإجابة فدعاء القريب أولى وأحق.
الفرع الرابع: وهل يكون الأب أولى بالتقدم للصلاة أو الإبن؟
فالذي عليه أئمة العترة أن الأب أحق بالتقدم من الإبن، وهو محكي عن أبي حنيفة وأصحابه والشافعي وأصحابه.
وحكي عن مالك: أن الإبن أحق بالتقدم من الأب.
__________
(1) أورده في (تخريج البحر) 2/116 عن زيد بن ثابت بلفظ: أنهم خرجوا مع رسول الله÷ ذات يوم فرأى قبراً جديداً فقال: ((ما هذا))؟ قالوا: هذه فلانة مولاة فلان ماتت ظهراً وأنت صائم قائل فكرهنا أن نوقظك بها فقام رسول الله÷ وصف الناس خلفه وكبر عليها أربعاً ثم قال: ((لا يموت فيكم ميت ما دمت بين أظهركم إلا آذنتموني به فإن صلاتي له رحمة)) أخرجه النسائي.

والحجة على ذلك: هو أن الأب والإبن وليَّان جميعاً من غير واسطة خلا أن المقصود هاهنا هو الصلاة ولا شك أن حنو الأب وشفقته أكثر من حنو الإبن وشفقته، فلهذا كان دعاؤه أقرب إلى القبول لشفقته ورقته ورحمته.
وحجة مالك: هو أن تعصيب الإبن أقوى من تعصيب الأب لأن الإبن لا يخرج عن كونه عصبة بحال بخلاف الأب فإنه ربما خرج من التعصيب على حال.
والمختار: هو الأول لما ذكرناه من الرقة والرحمة، ولأن الله تعالى قد جعل للآباء حرمة، وشرف مكانهم وأعظم أمرهم بخلاف الأبناء، وقوة التعصيب غير نافعة في هذه الحالة لأن المقصود خلافها.
وهل تكون للزوج ولاية في التقدم للصلاة على زوجته أم لا؟ فيه مذاهب ثلاثة:
المذهب الأول: أنه لا ولاية له. وهذا هو رأي أئمة العترة، ومحكي عن الشافعي.
والحجة على هذا: هو أن الزوج أجنبي عن المرأة فلا ولاية له عليها فلم يقدم على العصبات، كتزويج جاريتها.
المذهب الثاني: أن الزوج أحق بالتقدم للصلاة عليها من سائر الأقارب من العصبات. وهذا هو المحكي عن ابن عباس وعمر بن عبدالعزيز والشعبي وعطاء وإسحاق بن راهويه.
والحجة على هذا: هو أن الزوج له من الخلطة بزوجته ما ليس لغيره، ولهذا فإنه يجوز له غسلها كما مر بيانه فلهذا كان أحق بالتقديم للصلاة عليها.
المذهب الثالث: أنه لا ولاية له خلا أنه يكره تقدم ابنه عليه فلهذا استحب تقدم الزوج.
والحجة على هذا: ما روي عن الرسول÷ أنه قال: ((لا يؤم الرجل أباه وإن كان أفقه منه)) . فلما كان الأمر كما قلناه استحب تقديم الأب على الإبن في الصلاة.
والمختار: ما قاله ابن عباس وعمر بن عبدالعزيز ومن وافقهما من كون الزوج أحق بالتقديم من سائر العصبات في الصلاة سواء كان أجنبياً أو عصبة للزوجة.
وحجتهم: ما ذكرناه عنهم.
ونزيد هاهنا: وهو قوله تعالى: {وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً}[الروم:21]. يعني: الأزواج والزوجات.

ووجه الدلالة من الآية: هو أن المقام هاهنا مقام رحمة واستجابة دعاء، وقد صرح الله تعالى بالمودة والرحمة بين الأزواج والزوجات، وفي هذا دلالة على أن الزوج دعاؤه أسرع إلى القبول لأجل المودة والرحمة.
ومن وجه آخر: وهو ما أباح الله تعالى [له] من الإطلاع على العورة والمباشرة والخلطة التي ليس وراءها خلطة، فلما كان الأمر كذلك لا جرم عظمت الشفقة فلهذا كان الدعاء منه أقرب إلى القبول لأجل الخلطة ومقارفة الألفة والرحمة والرقة لأجل مقارفة الالف.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: إن الزوج أجنبي عن الزوجة فلا ولاية له عليها في الصلاة كسائر الأجانب.
قلنا: ليس المقام هاهنا مقام توريث وإنما هو مقام رحمة وشفقة وهو أحق بالشفقة والرحمة لما خصه الله تعالى به من ذلك.
ومن وجه آخر وهو أن الأب أحق بالتقدم على الإبن لما ذكرناه من الخبر، وإذا قدم الزوج على ابنه في الصلاة على زوجته جاز تقديمه على سائر الأقارب بجامع الشفقة والرحمة والمودة.
وأما أبو حنيفة فقد قدمه لأجل الأبوة ولم يقدمه من أجل الولاية.
والمختار: أنه جامع للأمرين جميعاً فقد صار أباً وله شفقة ورحمة كما قررنا، فمن أجل هذا صار أحق بالتقديم.
الفرع الخامس: في ذكر مسائل عشر تنشأ عمن هو أولى بالتقديم في الصلاة من الأقارب.
المسألة الأولى: إذا اجتمع الأخ لأب وأم مع الأخ لأب فأيهما أحق بالتقديم؟
فالذي عليه أئمة العترة: استحباب تقديم الأخ من الأب والأم في الصلاة، وهو أحد قولي الشافعي ومحكي عن أبي حنيفة. وله قول آخر أنهما سواء.
والحجة على ذلك: وهو الأصح من قولي الشافعي هو أن اختصاصه بمزيد السببين وامتزاجه بهما يوجب تقديمه كما في ولاية النكاح وفي الميراث.
ويؤيد ما ذكرناه ويوضحه: هو أن للأم مزيد اختصاص بالصلاة لأمرين:
أما أولاً: فلأنهم ركضوا هم والميت في بطن واحد.

268 / 279
ع
En
A+
A-