أما أولاً: فلأن هذه حكاية فعل لا يدرى كيف وقعت، وما هذا حاله فهو مجمل يحتاج إلى بيان فلا دلالة فيه وليس له ظاهر فنحمله عليه.
وأما ثانياً: فلعله إنما فعل ذلك لعذر فهو خارج عن الاستحباب.
ومن وجه آخر: وهو أنه محمول على أنه قام بين العمودين تشريفاً لسعد وليس حاملاً، وكلامنا إنما هو في الحمل لا غير دون الوقوف.
المسألة الثانية: ويستحب حمل الميت على سرير أو نعش أو لوح أو خشب يضم بعضها إلى بعض ليمكن الحمل عليها فإن خيف عليه الإنفجار قبل أن يهيأ له ما يحمل عليه فلا بأس بحمله على أيدي الرجال أو في ثوب يلف فيه، فإن ثقل الميت فلا بأس بأن يحمله في جنبتي السرير من يخففه على الحاملين، وإن أدخلوا عموداً في عرض السرير ليكونوا ستة أو ثمانية ليسهل عليهم الحمل فلا بأس في ذلك.
ويستحب إذا كان الميت امرأة أن يتخذ لها فوق السرير خيمة تسترها لما روي عن فاطمة رضي الله عنها بنت رسول الله قالت: إني لضئيلة، أرادت: سقيمة، فإذا مت فلا يراني الناس. فلما توفيت رضي الله عنها قالت أم سلمة أو أسماء بنت عميس: إني رأيت في أرض الحبشة يعمل للنساء نعش يحملن فيه عليه خيمة. فاتخذت لها خيمة فوق النعش فكان أول من حمل على نعش فوقه خيمة فاطمة بنت رسول اللّه (1).
ويستحب المشي القصد بين السيرين في الجنازة. لما روي عن الرسول أنه قال: ((عليكم بالقصد في المشي بالجنائز))(2).
__________
(1) أخرجه ابن عبد البر في (الاستيعاب)4/1898، وجاء في (تهذيب الكمال) 35/252، وفي (سير أعلام النبلاء)2/149.
(2) أورده البيهقي في (الكبرى) 4/22، وابن أبي شيبة في مصنفه 2/479، والطبراني في (الأوسط) 6/137.
وروى زيد بن علي عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه: أنه كان إذا مشى خلف الجنازة سار بين السيرين ليس بالعجل ولا بالبطيء(1).
ويكره التبطؤ والتثاقل خلفها. لما روي عن الرسول أنه قال: ((أسرعوا في جنائزكم فإن يك خيراً عجلتموه إليه، وإن يك شراً وضعتموه عن أعناقكم وظهوركم)) (2).
ويكره الاستعجال والإسراع الفاحش. لما روي عن الرسول أنه مر بجنازة تمخض مخض الزق(3)،
فقال الرسول : ((عليكم بالقصد في المشي خلف الجنائز2))(4).
فإذا كره الإستعجال وكره التبطؤ والتثاقل لم يبق إلا السير بين السيرين لما روي عن الرسول أنه قال: ((خير الأمور أوساطها)).
والضابط لما ذكرناه أن يكون السير دون الخبب وفوق مشية العادة في قضاء الحوائج بحيث لا يشق على ضعفاء المسلمين السائرين خلفها. وهذا هو رأي الشافعي. وحكي عن أبي حنيفة: أنه يبلغ الخبب.
وحجتنا عليه: ما ذكرناه.
فإن خيف الإنفجار إذا كان المشي قصداً أسرع فيه، وإن خيف الإنفجار لو كان السير بسرعة مشوا على سجية المشي في قضاء الحاجة لأن القصد المصلحة في خشية الانفجار وعدمه.
__________
(1) رواه الإمام زيد في المسند عن أبيه عن جده عن علي" بلفظ: أنه كان إذا سار بالجنازة سار سيراً بين السيرين ليس بالعجل ولا بالبطيء. اهـ. ص 174.
(2) رواه الترمذي 3/335، وابن حبان 7/315، ورواه الشوكاني في (النيل) 4/70 عن أبي هريرة بلفظ: ((اسرعوا بالجنازة فإن كانت صالحة قربتموها إلى الخير وإن كانت غير ذلك فشر تضعوه عن رقابكم)) رواه الجماعة.
(3) الزق: السقاء، وجمع القلة: أزقاق، والكثير: زقاق وزقان، مثل ذئب وذؤبان. والزق من الأهب: كل وعاء اتخذ لشراب ونحوه. اهـ. (لسان) 10/143.
(4) رواه أحمد عن أبي موسى كما ورد في (النيل) 4/70 بلفظ: مرت برسول الله جنازة تمخض مخض الزق فقال رسول الله: ((عليكم القصد)).
ويستحب اتباع الجنائز لما روى البراء بن عازب عن الرسول أنه قال: أمرنا رسول اللّه باتباع الجنائز، وعيادة المريض، وتشميت العاطس، وإجابة الداعي، ونصرة المظلوم(1).
ويكره الركوب في الذهاب مع الجنازة من غير عذر. لما روي عن الرسول : أنه ما ركب في عيد ولا جنازة. وروي عن ثوبان أنه قال: خرجنا مع رسول اللّه في جنازة فرأى ناساً ركباناً فقال: ((ألا تستحيون أن ملائكة الله يمشون على أقدامهم وأنتم على ظهور الدواب))(2).
__________
(1) قال في (الاعتصام)2/184: وأخرج البخاري عن البراء، قال: أمرنا رسول الله بسبع ونهانا عن سبع، امرنا باتباع الجنائز وعيادة المريض، وإجابة الداعي ونصرة المظلوم وإبرار القسم ورد السلام وتشميت العاطس، ونهانا عن آنية الفضة وخاتم الذهب، والحرير والديباج والقسي والإستبرق. وأخرج البخاري أيضاً عن أبي هريرة بلفظ: ((حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام وعيادة المريض واتباع الجنائز وإجابة الدعوة وتشميت العاطس)) وفيه: وأخرج أحمد بن حنبل والترمذي وابن ماجة عن علي عن النبي أنه قال: ((للمسلم على المسلم ست بالمعروف: يسلم عليه إذا لقيه، ويجبه إذا دعاه، ويشمته إذا عطس، ويعوده إذا مرض، ويتبع جنازته إذا مات، ويحب له ما يحب لنفسه)) قال: ذكره في (الجامع الصغير)).
(2) أخرجه الترمذي 3/333، وابن ماجة 1/475، وهو في (المستدرك) 1/508.
فإذا كان عاجزاً عن المشي لم يكره له الركوب لأن ذلك عذر وقد قال تعالى: {لَيْسَ على الأَعْمَى حَرَجٌ وَلاَ على الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ على الْمَرِيضِ حَرَجٌ}[النور:61]. وإن ركب في الانصراف لم يكره. لما روى جابر بن سمرة: أن الرسول اتبع جنازة أبي الدَّحداح(1)
ماشياً ورجع راكباً على فرس(2)،
ولأنه غير قاصد في الرجوع إلى قربة فلم يكره له الركوب.
المسألة الثالثة: واتباع الجنازة مشروع مستحب لما رويناه. وهل يكون خلفها أو أمامها؟ فيه مذاهب ثلاثة:
المذهب الأول: أن المستحب أن يكون المشي خلفها. وهذا هو رأي أئمة العترة القاسم والهادي والمؤيد بالله والناصر، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه.
__________
(1) من فضلاء الصحابة رضي الله عنهم، قال عنه في الإصابة 7/119-140: أبو الدحداح الأنصاري حليف لهم، قال أبو عمر: لم أعثر على اسمه ولا نسبه أكثر من أنه من الأنصار حليف لهم. وقال البغوي: أبو الدحداح الأنصاري ولم يزد، وروى أحمد والبغوي والحاكم من طريق حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس أن رجلاً قال: يا رسول الله إن لفلان نخلة وأنا أقيم حائطي بها، فأمره أن يعطيني حتى أقيم حائطي بها، فقال له النبي: ((أعطه إياها بنخلة في الجنة)) فأبى قال: فأتاه أبو الدحداح فقال له: بعني نخلتك بحائطي، قال: ففعل فأتى النبي فقال: يا رسول الله ابتعت النخلة بحائطي، فاجعلها له فقد أعطيتكها، فقال: ((كم من عذق رداح لأبي الدحداح في الجنة)) قالها مراراً، قال: فأتى امرأته، فقال: يا أم الدحداح اخرجي من الحائط فإني قد بعته بنخلة في الجنة، فقالت: ربح البيع أو كلمة تشبهها. عاش إلى زمن معاوية.
(2) أورده في (نيل الأوطار) 4/72، وقال: رواه الترمذي، وفي رواية: أُتي بفرس مُعرَور فركبه حتى انصرفنا من جنازة ابن الدحداح ونحن نمشي حوله، رواه أحمد ومسلم والنسائي، قال: مُعرَور: بضم الميم وفتح الراء، قال أهل اللغة: اعروريت الفرس: إذا ركبته عريانا فهو معرور.
قال القاسم: وأَحَبُّ المشي إلى آل الرسول أن يكون خلفها، إلا من يتقدمها بحملها.
والحجة على هذا: ما روى أبو أمامة قال قال أبو سعيد الخدري لعلي كرم الله وجهه: أخبرني يا أبا الحسن عن المشي في الجنازة أي ذلك أفضل أمامها أو خلفها؟ فقال له: يا أبا سعيد مالك تسأل عن هذا أما والله إن فضل المشي خلفها على المشي أمامها كفضل الصلاة المكتوبة على التطوع. سمعته من رسول اللّه (1).
الحجة الثانية: عن محمد بن طاووس(2)
عن أبيه أنه قال: ما مشى رسول اللّه حتى مات إلا خلف الجنازة. وفي هذا دلالة على مداومته لذلك إلى أن توفاه الله تعالى. ومثل هذا لا يصدر إلا عن توقيف وعلم بلغه من جهة الرسول لأنه لا مجال للإجتهاد فيه(3).
__________
(1) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه 3/447، وفي (تخريج البحر) قال: حُكي في (الشفاء) وغيره عن أبي أمامة.
(2) قال في ترجمته في تهذيب الكمال 25/487: محمد بن عبد الله بن طاؤوس بن كيسان اليماني، روى عن أبيه وروى عنه عبد الرحمن بن طاووس وعثمان بن سعيد وعمر بن يونس اليمامي، ونعيم بن حماد الخزاعي، ذكره ابن حبان في كتاب الثقات، روى له أبو داود حديثاً واحداً عن أبيه عن جده طاووس بن كيسان عن ابن عباس قال: كان رسول الله يقول بعد التشهد: ((اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر ومن فتنة الدجال، ومن فتنة المحيا والممات)) وفي حديث وهب بن بقية: ((وأعوذ بك)) في الجميع.
قال الحافظ أبو عبد الله بن مندة: هذا حديث غريب بهذا الإسناد تفرد به عمر بن يونس، رواه أبو داود عن وهب بن بقية.
وله تراجم في تهذيب التهذيب 9/230، وفي التأريخ الكبير 1/135، وفي الجرح والتعديل 7/298.
(3) في العبارة غموض وتداخل بين الضمائر، ولابد من احتمال أن يكون الضمير في كلمة (مداومته) عائداً إلى طاووس حتى يستقيم المعنى، والله أعلم.
المذهب الثاني: أن الأفضل إنما هو المشي أمامها. وهذا هو المحكي عن أبي بكر وعمر وعثمان وابن عمر وأبي هريرة، وهو قول مالك وأحمد بن حنبل والزهري، وهو قول الشافعي.
والحجة على هذا: ما روى ابن عمر: أن الرسول وأبا بكر وعمر وعثمان كانوا يمشون أمام الجنازة ويقولون هو أفضل.
الحجة الثانية: هو أنهم شفعاء للميت إلى الله تعالى فلهذا استحب أن يكونوا أمامها لتقبل شفاعتهم فيها.
والمختار: أن الأفضل هو المشي خلفها. كما ذهب إليه علماء العترة ومن وافقهم.
وحجتهم: ما ذكرناه.
ونزيد هاهنا: وهو ما روي عن عبدالله بن مسعود، أنه قال: سألنا نبيئنا عن المسير بالجنازة فقال: ((ما دون الخبب، الجنازة متبوعة وليست بتابعة))(1).
الحجة الثانية: هو أن المشي خلفها أقرب إلى الإتعاظ والإنزجار والاعتبار بحالها لأنه إذا كان ناظراً لها ومعاينها كان أقرب إلى ما ذكرناه، ولأنه مأمور باتباعها، فلهذا وجب أن يكون خلفها كالمأموم يكون خلف الإمام.
الحجة الثالثة: عن أمير المؤمنين أنه سئل عن ذلك فقيل له: هو شيء تقوله برأيك أم سمعته من رسول اللّه ؟ فقال: بل سمعته من رسول اللّه . فهذه الأدلة كلها دالة على أن الأفضل المشي خلف الجنازة.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا: روي عن الرسول وأبي بكر وعمر وعثمان أنهم كانوا يمشون أمام الجنازة ويقولون هو أفضل.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن كلامنا إنما هو في معرفة الأفضل دون الجواز فلا خلاف في جواز المشي خلفها وأمامها.
وأما ثانياً: فلأن ما روينا هو قول من جهة صاحب الشريعة، وما رأيتموه فإنما هو فعل، والقول والفعل إذا تعارضا فالعمل على القول أحق لما في الفعل من الاحتمالات والإجمال.
ومن وجه آخر: وهو أنهم إنما عدلوا إلى المشي أمامها توسعة على الخلق وتخفيفاً عليهم.
__________
(1) أخرجه الترمذي 3/332، وأبو داود 3/206، والبيهقي في (الكبرى) 4/22، والطبراني في (الأوسط)7/294، وأحمد في مسنده 1/394.
ويؤيد ما ذكرناه: ما روى المؤيد بالله: أن علياً مشى خلف جنازة فقيل: إن أبا بكر وعمر كانا يمشيان أمامها، فقال: إنهما كانا يسهلان على الناس ويحبان التخفيف عليهم، وقد علما أن المشي خلفها أفضل(1).
وروى الكرخي مثل ذلك عن أمير المؤمنين، وفي هذا دلالة على أن المشي أمامها إنما كان لعارض.
المذهب الثالث: محكي عن سفيان الثوري: وهو أنه إذا كان راكباً مشى خلفها، وإن كان راجلاً مشى أمامها. ففي كلامه هذا دلالة على أن الأفضل المشي قدامها، وهذا أختص به من كان راجلاً لفضله، وما أوردناه على الشافعي فهو وارد عليه..
ونزيد هاهنا: وهو أن الأدلة التي [تدل] على [أن] المشي ورائها هو الأفضل لم تفصل بين الراكب والراجل فلا وجه لفصله بين الركوب والمشي.
المسألة الرابعة: ويستحب لمن مشى خلف الجنازة أن يكون قريباً [منها] لأنه إذا كان بعيداً عنها لم يكن سائراً بعدها ولا تابعاً لها.
فإن سبق إلى المقبرة فهو مخير بين القعود والقيام.
وحكي عن أبي مسعود البدري وجماعة معه أنهم قالوا: يجب القيام للجنازة.
وعن أبي حنيفة وأحمد بن حنبل: أنه يكره القعود حتى توارى الجنازة في اللحد.
والحجة على ما قلناه: وهو رأي الشافعي، ما روي عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه أنه قال: أمرنا رسول اللّه أن نقوم للجنازة ثم أمرنا بالجلوس(2).
__________
(1) أورده في (الاعتصام) 2/183 عن (التجريد) للمؤيد بالله قال: وهو في (أصول الأحكام) و(الشفاء).
(2) وفي هذا ما أورده في (نيل الأوطار) 4/74 عن علي أنه ذكر القيام في الجنائز حتى توضع، فقال: قام رسول الله ثم قعد، رواه النسائي والترمذي وصححه، ولمسلم معناه، وفيه عن أبي سعيد قال: قال رسول الله : ((إذا رأيتم الجنازة فقوموا لها فمن اتبعها فلا يجلس حتى توضع)) رواه الجماعة إلا ابن ماجة، وفيه عن ابن عمر عن عامر بن ربيعة عن النبي قال: ((إذا رأيتم الجنازة فقوموا لها حتى تخلفكم أو توضع)) رواه الجماعة.
وظاهر الخبر دال على التخيير بين القعود والقيام كما ذكرناه. وروى الحسن البصري: أن جنازة ليهودي مرت بالرسول لها رائحة فقام لرائحتها حتى جازت ثم قعد فرُؤيَ أنه قام من أجل ذلك(1).
وقيل: إنه قام لئلا تعلوه جنازة المشرك.
وروى عبادة بن الصامت قال: كان رسول اللّه إذا كان في جنازة لم يجلس حتى توضع في اللحد، فاعترض بعض اليهود فقالوا: إنا نفعل ذلك. فجلس الرسول وقال: ((خالفوهم)) (2).
__________
(1) وجاء أيضاً في المصدر السابق عن جابر قال: مرت بنا جنازة فقام لها البني وقمنا معه، فقلنا: يا رسول الله إنها جنازة يهودي، فقال: ((إذا رأيتم الجنازة فقوموا لها)) وفيه: عن سهل بن حنيف وقيس بن سعد، أن رسول الله مرت به جنازة فقام فقيل له: إنها جنازة يهودي فقال: ((أليست نفساً)) متفق عليه.
قال الشوكاني: ولأحمد وابن حبان والحاكم من حديث عبد الله بن عمر مرفوعاً: ((إنما تقومون إعظاماً للذي يقبض النفوس)) ثم قال في (النيل) 4/76: فأما ما أخرجه أحمد من حديث الحسن بن علي، قال: إنماقام رسول الله تأذياً بريح اليهود وكراهية أن يعلو على رأسه بخورها، فإن ذلك لا يعارض الأخبار الأولى الصحيحة، أما أولاً: فلأن أسانيد هذه لا تقاوم تلك في الصحة، وأما ثانياً: فلأن التعليل بذلك [أي:بالرائحة] راجع إلى ما فهمه الراوي، والتعليل الماضي صريح من لفظ النبي إلى آخره. انتهى ملخصاً.
(2) أخرجه أبو داود 3/204، ورواه في (تخريج البحر) عن علي وقال: أخرجه الموطأ وأبو داود، وفي رواية مسلم: رأيت النبي قام فقمنا وقعد فقعدنا، يعني في الجنازة، وللترمذي والنسائي نحوه، وفي رواية أخرى للنسائي إنما قام رسول الله لجنازة يهودية ولم يعد بعد ذلك. اهـ. 2/114.
ويجوز للمسلم اتباع جنازة قريبه الكافر. لما روي أن أمير المؤمنين كرم الله وجهه لما مات أبوه جاء إلى الرسول فقال: يا رسول الله إن عمك الضال توفي. فقال : ((اذهب فواره))(1).
ولا تتبع الجنازة بمجمرة ولا صوت. لما روى ابن عباس رضي الله عنه عن الرسول أنه قال: ((لا تتبع الجنازة بنار ولا صوت))(2).
وأراد: النائحة. وروي عن ابن عباس أنه رأى مجمرة على قبر فقال: لا تتشبهوا باليهود. ولأن ما هذا حاله من الفأل السؤ الذي يكره فلهذا وجب اطراحه.
المسألة الخامسة: ويكره للنساء اتباع الجنائز لقوله : ((النساء عيٌّ وعورات فاستروا عيهن بالسكوت وعوراتهن بالبيوت)). ولأن ذلك أستر لهن عن مخالطة الرجال.
ويكره لهن زيارة القبور. لما روي عن الرسول أنه قال: ((لعن الله زوارات القبور2))(3).
__________
(1) تقدم قريباُ بلفظ: ((اذهب فاغسله وواره)).
(2) رواه البيهقي في(الكبرى)3/394 وابن أبي شيبة في مصنفه 2/472، وأحمد في مسنده 2/531، وأورده في (الاعتصام) 2/183 عن الموطأ من طريق أبي هريرة، وأورده في (تخريج البحر) 2/113 بلفظه وقال: زاد في رواية: (ولا تمشوا بين يديها)) أخرجه أبو داود.
(3) أخرجه الترمذي 3/371، وابن ماجة 1/502، وأحمد 2/337، وأورده ابن حجر في (بلوغ المرام) ص 100وقال: أخرجه الترمذي وصححه ابن حبان.
ويكره لهن انتظار الجنازة. لما روى أمير المؤمنين كرم الله وجهه عن الرسول أنه مر بنسوة فقال: ((ما يحبسكن هاهنا؟)). فقلن: ننتظر جنازة. فقال: ((هل تحملن فيمن يحمل))؟ فقلن: لا فقال: ((هل تغسلن فيمن يغسل؟)). فقلن: لا. فقال: ((هل تدفن فيمن يدفن؟)). فقلن: لا. فقال: ((ارجعن مأزورات غير مأجورات)) (1).
قال الهادي في الأحكام: فإن حضرن مع الكراهة تنحين عن الرجال لأنه أستر لهن. وأراد أنهن إذا دخلن في المكروه بالخروج اتباعاً للجنازة فينبغي منهن التنحي عن الرجال حتى لا يجمعن بين كراهتين: اتباع الجنازة وهو مكروه لهن، ومخالطة الرجال وهو مكروه أيضاً، فلهذا قال: إذا خرجن تنحين عن الرجال.
ومن البدع والضلالة والشناعة والجهالة في وقتنا هذا، أنه إذا مات الميت وكان مشهور الشرف وعظم حاله أنه إذا كان في اليوم السابع من موته تخرج النسوان من أهل بيته ومن غيرهن إلى المقبرة، ويجمعون شيئاً من أنواع الطيب والرياحين ويسرجون الشموع نهاراً، ثم يصب ذلك الماء المخلوط بأنواع الطيب على قبره ويقفن ساعة ثم ينصرفن، فما هذا حاله من أعظم البدع التي لم يدل عليها كتاب ولا سنة فينبغي المبالغة في تغيير ذلك وإنكاره لمن قدر عليه.
ويكره النعي في الأسواق والطرقات وفي الشوارع والسكك.
__________
(1) أورده في (الاعتصام) 2/185 عن (شرح التجريد) قال: وروي عن محمد بن الحنفية عن أمير المؤمنين علي أن النبي رأى نسوة فقال: ((ما يحبسكن؟)) فقلن: ننتظر جنازة... الحديث، قال: وهو في (أصول الأحكام) اهـ. وأورده ابن بهران في (تخريج البحر) 2/113 وقال: رواه ابن ماجة وحكاه في (الشفاء) وغيره.