والمختار: ما عليه أكثر العلماء من وضعه لجنبه. وهذا الخلاف قد انقرض فلا وجه للكلام عليه والحمد لله وحده.
الفرع الثالث: في كيفية التكفين. وفيه مسائل ثلاث:
المسألة الأولى: والمستحب أن يُعمد إلى أوسع الأكفان وأحسنها فَيُبْسَط ويُذر عليه الحنوط ثم يبسط الذي بعده ويذر عليه الحنوط، ثم الثالث الذي يلي بدن الميت اعتباراً بالحي، فإنه يجعل أحسن ثيابه ما كان ظاهراً للتجمل فهكذا حال الميت ثم تذر الذريرة ويجعل الحنوط فيما بين هذه الأكفان.
قال الهادي: ثم تذر الذريرة على الأكفان، وظاهر كلامه أنها تذر على جميع الأكفان كلها وعلى الذي يلي بدن الميت لأنه يكون أقوى لبدنه وأشد. ثم ينزع عنه الثوب الذي نُشف فيه بعد غسله ثم ينقل إلى أكفانه التي قد بسطت يلقى على فقاه ثم يؤخذ قطن منزوع الحب (البرعم) عنه ويذر عليه الحنوط والكافور ويدخل بين إليتيه يجعل على صورة الموزة، فإن كانت علة المريض من إسهال في بطنه فإنه يستدخل القطنة إستدخالاً عظيماً إلى الدبر ليكون مانعاً للخارج من الخروج، وإن كان مرضه من غير ذلك استدخل دون ذلك الإستدخال ليكون قاطعاً للروائح، ثم يؤخذ قطن منزوع الحب ويذر عليه الحنوط والكافور ويوضع على الفم والمنخرين والعينين والأذنين وعلى جرح نافذ إن كان حاصلاً فيه ليخفي ما يظهر منه من الرائحة في هذا الموضع، ثم يذر الحنوط والكافور على قطن منزوع الحب ويوضع على مواضع السجود من بدنه، لما روي عن ابن مسعود أنه كان يتبع بالطيب مساجده ولأنها قد شرفت بالسجود فلهذا استحب تطييبها.
ويستحب وضع الطيب في لحيته ورأسه لأن الحي يطيبهما إذا تطيب، وإن كان في الحنوط سعة طُيِّبَ جميع بدنه بالحنوط والكافور لأنها تقوي الجسم وتشده عن التغيير.
قال الهادي في المنتخب: ويوضع شيء من الكافور على مساجده تعظيماً لها من جبهته وأنفه ويديه وركبتيه وقدميه. وهو محكي عن الناصر أيضاً، ومروي عن أكثر العلماء، لما ذكرناه من شرفها بالسجود فلهذا شرفت بالطيب، فإذا فرغ من ذلك وادرج في الثياب ضم بعضها إلى بعض فيبدأ بالأيسر على الأيمن ثم بالأيمن على الأيسر لأن هذه عادة الأحياء في الثوب والرداء فهكذا حال الموت أيضاً، ويجعل ما يلي الرأس من الأكفان الزائدة أكثر مما يلي الرجلين كما يفعله الأحياء فإن ما على رأسه أكثر مما على الرجلين ويرد ما بقي عند رأسه على وجهه ويلقى ما عند رجليه على ظهر قدميه. فإن خافوا على الأكفان الإنتشار فلا بأس في عقدها عليه، فإذا أدخلوه قبره حلوها لأنه لا حاجة إلى عقدها بعد وضعه في لحده لأن الإنتشار قد أُمِنَ، فإن كان الكفن قصيراً لا يعم جميع بدنه ستر به عورته وما بقي من ستر عورته غطي به رأسه ووجهه وصدره لما ذكرناه من حديث مصعب بن عمير.
المسألة الثانية: والحنوط عبارة عن رؤوس الأطياب كالعود الرطب وهو الألوة(1)،
والعنبر وماء الورد والكافور. والذريرة من الصندل والسنبل والثمرة.
فأما العود والعنبر: فَتُبَخَّر بهما الأكفان حتى تعبق لأنهما لا يستعملان إلا على هذه الصفة.
وأما ماء الورد: فيرش على الأكفان بعد الفراغ منها وضمها على الميت.
__________
(1) قال ابن منظور: الألآء بوزن العلاء: شجر ورقه وحمله دباغ، يمد ويقصر، وهو حسن المنظر مر الطعم، ولا يزال أخضر شتاءً وصيفاً، واحدته: الآءة بوزن ألاعة، وتأليفه من لام بين همزتين. أبو زيد: هي شجرة تشبه الآس لا تغير في القيظ، ولها ثمرة تشبه سنبل الذرة، ومنبتها الرمل والأودية، قال: والسلامان نحو الألآء غير أنها أصغر منها، يتخذ منها المساويك، وثمرتها مثل ثمرتها، ومنبتها الأودية والصحاري. اهـ. (لسان) 1/24.
وأما الذريرة: فتذر على الأكفان كما وصفناه واحداً بعد واحدٍ، وتجعل في لحية الميت ورأسه وجميع بدنه.
وأما الكافور: فيوضع في الماء وفي مساجده كما ذكرناه من قبل.
وهل يستحب المسك في الحنوط أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه يستحب. وهذا هو رأي الهادي والمؤيد بالله، ومحكي عن أكثر العلماء من الصحابة والتابعين.
قال الهادي في الأحكام: ويستحب الحنوط بالمسك وقد كرهه قوم ولسنا نكرهه.
والحجة على هذا: ما روي أنه كان في حنوط رسول اللّه÷ الذي أنزل من الجنة، وفي حنوط أمير المؤمنين كرم الله وجهه الذي استبقاه من حنوط رسول اللّه÷ فحنط به.
المذهب الثاني: أنه يكره. وهذا هو المحكي عن الناصر، وروي عن عطاء وطاووس من الفقهاء، كراهته. وحكي عن القاسم أنه قال: رأيت آل محمد منهم من يكرهه ومنهم من لا يرى به بأساً.
وحجتهم على هذا: هو أن الميت للنفاد والبلى، والمسك إنما هو للأحياء.
والمختار: أن المسك يستحب في الحنوط. لما روي عن الرسول÷ أنه قال: ((أطيب الطيب المسك))(1).
ولأنه قد وضع في حنوط رسول اللّه÷، وفي حنوط أمير المؤمنين كرم الله وجهه، ولأنه مما يشبه الكافور في شد الجسم فلهذا استحب.
ويكره استعمال العصفر والزعفران والورس في حنوط الرجال لما روي عن الرسول÷، أنه نهى عن لبس المعصفر والمزعفر والمورس للرجال(2).
__________
(1) أخرجه الترمذي 3/317، والنسائي4/39، وأحمد 3/36. وجاء في (تخريج البحر)2/108: عن أبي سعيد أن رسول الله÷ سئل عن المسك فقال: ((هو أطيب طيبكم)) هذه رواية الترمذي، وفي رواية أبي داود والنسائي: ((أطيب الطيب المسك)) اهـ.
(2) أخرجه مسلم 3/1648، والترمذي 4/226، وأبو داود4/47، والنسائي2/217، وابن ماجة 2/1191 وغيرهم.
ولما روي عن الرسول÷ أنه قال: ((خير طيب الرجال ما خفي لونه وظهر ريحه، وخير طيب النساء ما ظهر لونه وخفي ريحه)) (1).
لا خلاف في كراهته للرجال.
وهل يجب الحنوط للميت أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه واجب. لما روي عن الرسول÷ أنه قال: ((اصنعوا بميتكم مثل ما تفعلون بعروسكم)) وأعظم ما يفعل بالعروس استعمال الطيب.
وثانيهما: أنه غير واجب. ولهذا فإنه لا يجب في حق المفلس وفي حق من استغرق ماله بالديون، ولو كان واجباً لم يكن لهم منعه.
والمختار: هو الأول لما روي عن الرسول÷ أنه قال للنساء اللواتي غسلن ابنته: ((اجعلن في الماء شيئاً من الكافور))(2).
وظاهر الأمر للوجوب إلا لدلالة، وأيضاً فإن هذا ما جرى عليه الخلف والسلف ولم ينكره أحد، وواضبوا على فعله، وفي هذا دلالة على كونه واجباً ولأنه أمر يتعلق بجهاز الميت فكان واجباً، كالكفن والغسل.
__________
(1) أخرجه الترمذي 5/107، وأبو داود2/254، والنسائي8/151 عن عمران بن حصين رضي الله عنه.
(2) أخرجه البخاري 1/422، ومسلم 2/648، والترمذي 315، وأبو داود3/197، والنسائي4/28، وابن ماجة 1/468 وغيرهم، وهو من الأحاديث المشهورة وقد تقدم بمعناه أحاديث فيما روته أم عطية عن غسل ابنة رسول الله÷.
المسألة الثالثة: وأما المرأة فلا بأس بالحنوط لها مما به يحنط الرجال من الطيب كله وتختص بجواز الحنوط بالورس والزعفران والعصفر لأنه مما يباح لها في حال الحياة فهكذا حال الموت. وحكي عن الشافعي أنه قال: وتشد على الميت خرقة مشقوقة الطرف بإحدى إليتيه وعانته ثم تشد عليه كما يشد التُبَّان الواسع. وأراد بكلامه هذا أن الخرقة تشق نصفين أعلاها، يكون أحدهما في خاصرته اليمنى والآخر في خاصرته اليسرى ثم يلتقي طرفاها فيعقدان في وسط حقوه كما ذكرناه في الإستثفار للمستحاضة. والتُّبَّان: بتاء مقدمة بنقطتين من أعلاها وبموحدة بنقطة من أسفلها وهو السراويل من غير تكة. وهذا الذي ذكره الشافعي لا وجه له في حق الميت لأمرين:
أما أولاً: فلأن المستحاضة إنما كانت محتاجة إليه لأجل مشيها وتصرفها وهذا مفقود في حق الميت.
وأما ثانياً: فلأنه إنما يحتاج إليه إذا كان الميت مات من إسهال في بطنه فيخشى أن يخرج من بطنه شيء فتكون الخرقة مانعة من خروج ما يخرج، فأما إذا كان لا يخشى ذلك فلا وجه لهذه الخرقة المشقوقة لما ذكرناه.
ومن مات في البحر ولم يكن البر قريباً منهم، فإن كان قريباً وجب إخراجه من السفينة وغسله وتكفينه ودفنه في البر، فأما إذا لم يكن ممكناً فإنه يغسل ويكفن ويحنط ويصلى عليه ثم يعصب برجله ما يكون مثقلاً له ليرسب في البحر لأنه إذا لم يثقل بحجر طفا على وجه البحر.
وإنما قلنا: إنه يعصب به شيء ليرسب في البحر، لأنه إذا لم يفعل به ذلك أنتن وتغير وتأذى به المسلمون في السفينة ولا يمكنهم في هذه الحالة إلا ما ذكرناه.
ولا فرق في الكفن بين القطن والكتان على أنواعهما وبين الخلق والجديد إذا كان طاهراً، وهكذا حال الصوف على أنواعه إذا كان طاهراً ولكن يستحب الخلق لأن الجديد أنفع للحي والكفن يصير للبلاء والمهل والصديد في القبر.
ويستحب حسن التكفين وإكماله وإتمامه وحسنه، لما روى أبو عيسى الترمذي عن أبي قتادة قال: قال رسول اللّه÷: ((إذا ولي أحدكم أخاه فليحسن كفنه))(1).
__________
(1) أورده بلفظه في (نيل الأوطار) وقال: رواه ابن ماجة والترمذي. اهـ. 4/34.
---
القول في حمل الجنازة
الحمل بفتح الحاء هو المصدر يقال: حمله حملاً، وهو عبارة عما كان غير منفصل نحو حمل البطن وحمل الشجرة. وبكسر الحاء هو الإسم، وهو عبارة عما كان منفصلاً، وهذا نحو حمل الظهر. قال الله تعالى: {وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا}[الحج:2]. وقال تعالى: {حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً}[الأعراف:189]. لما كان غير مزايل. وقال تعالى: {وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ}[يوسف:72]. لما كان مزايلاً. وفيه مسائل [خمس]:
المسألة الأولى: حمل الجنازة واجب على الكفاية فإن تركوها أثموا وحرجوا من كان منهم يمكنه ذلك. ومن لا يمكنه القيام به يسقط عنه وجوبه. وإن قام به واحد منهم سقط فرضه عن الباقين.
وكيفية الحمل: تارة تكون بالتربيع، وتارة تكون بالحمل بين العمودين، وأيهما يكون أفضل مع أن الجواز شامل لهما جميعاً؟ وفي الأفضل مذاهب:
المذهب الأول: أن الأفضل هو التربيع، وهو أن يحمل كل واحد بجانب من جوانب الجنازة الأربعة. وهذا هو رأي القاسم والهادي، ومحكي عن الثوري وأبي حنيفة وأصحابه، ثم اختلف القائلون بالتربيع على أقوال أربعة:
القول الأول: أنه يبدأ بمقدم ميامنها ثم بمؤخره، ثم بمقدم مياسرها ثم بمؤخره. وهذا هو رأي أئمة العترة الهادي والقاسم، ومحكي عن زيد بن علي.
والحجة على هذا: ما روى زيد بن علي عن أبيه عن جده عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه، أنه قال: تحمل اليد اليمنى من الميت ثم الرجل اليمنى، ثم اليد اليسرى ثم الرجل اليسرى، ثم لا عليك ألا تفعل إلا مرة واحدة فإذا حملت ثلاثاً فقد قضيت ما عليك وكلما زدت فهو أفضل ما لم تؤذ أحداً(1).
ومثل هذا لا يقوله إلا عن توقيف من جهة الرسول لأن ما هذا حاله لا مدخل للإجتهاد فيه.
القول الثاني: محكي عن أبي حنيفة وأصحابه: وهو أن يبدأ الذي يريد أن يحمل الجنازة بالمقدم من الميت الأيمن فيجعله على عاتقه الأيمن ثم بالمؤخر الأيمن فيجعله على عاتقه الأيمن ثم المقدم الأيسر على عاتقه الأيسر ثم المؤخر الأيسر على عاتقة الأيسر.
وحكي عن أبي حنيفة: أنه كره أن يضع مقدم السرير أو مؤخره على أصل العنق.
القول الثالث: أن يبدأ الحامل بياسرة المقدمة فيضع العمود على عاتقه الأيمن ثم بياسرة المؤخرة فيضعها على عاتقه الأيمن ثم يرجع إلى يامنه المقدمة فيضعها على عاتقه الأيسر ثم بيامنة المؤخرة فيضعها على عاتقه الأيسر. وهذا شيء ذكره صاحب البيان ولم أعرف قائله ولا عزاه إلى أحدٍ من الفقهاء.
القول الرابع: محكي عن سعيد بن جبير، وهو أن يبدأ فيأخذ بياسرة المقدمة ثم بياسرة المؤخرة كما حكيناه عن صاحب البيان، ثم يأخذ بيامنة المؤخرة ثم بيامنة المقدمة. فهذه أقاويل أهل التربيع كما ترى.
__________
(1) أورده الإمام زيد في مسنده وبلفظه صفحة 167 في باب كيف يحمل السرير والنعش، وفي هذا الباب أخبار مرفوعة إلى النبي منها ما أورده الشوكاني في (النيل) 4/69 قال: وأخرج الترمذي عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله يقول: ((من تبع الجنازة وحملها ثلاث مرار فقد قضى ما عليه من حقها)) قال الترمذي: هذا حديث غريب. اهـ. وفيه عن ابن مسعود: من اتبع جنازة فليحمل بجوانب السرير كلها فإنه من السنة، ثم إن شاء فليتطوع وإن شاء فليدع، رواه ابن ماجة.
المذهب الثاني: أن الأفضل هو الحمل بين العمودين. وهذا هو رأي الشافعي، ومحكي عن عثمان وسعد بن أبي وقاص وأبي هريرة.
والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أنه حمل جنازة سعد بن معاذ(1)
__________
(1) الصحابي الأنصاري الجليل سيد الأوس، له تراجم عدة، منها ما جاء في التأريخ الكبير 4/65، وفي الجرح والتعديل 4/93، وفي الثقات 3/164-165، وفي الكاشف 1/430، وتتلخص في ما جاء في تهذيب الكمال 10/300-305 بأنه: سعد بن معاذ بن النعمان بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل الأنصاري الأشهلي، أبو عمرو المدني سيد الأوس وأمه كبشة بنت رافع، وشهد بدراً وأحداً والخندق، ورمي يوم الخندق بسهم فعاش بعد ذلك شهراً، ثم انتقض جرحه فمات منه والذي رماه بالسهم حبان بن العرقة وقال: خذها وأنا ابن العرقة، فقال رسول الله: ((عرق الله وجهه في النار)) وكان رسول الله قد أمر بضرب فسطاط في المسجد لسعد بن معاذ، وكان يعوده في كل يوم حتى توفي سنة خمس من الهجرة، وكان موته بعد الخندق بشهر وبعد قريظة بليال، كذلك روى سعد بن إبراهيم عن عمر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه، وروى الليث بن سعد عن أبي الزبير عن جابر قال: رمي سعد بن معاذ يوم الأحزاب فقطعوا أكحله فحسمه رسول الله فانتفخت يده ونزفه الدم، فلما رأى ذلك قال: اللهم لا تخرج نفسي حتى تقر عيني من بني قريظة، فاستمسك عرقة فما قطر قطرة حتى نزل بنو قريظة علىحكمه وكان حكمه فيهم أن يقتل رجالهم وتسبى نساؤهم وذريتهم يستعين بهم المسلمون فقال رسول الله: ((أصبت حكم الله فيهم)) وكانوا أربعمائة، فلما فرغ من فتلهم انفتق عرقه فمات، وروي من حديث أنس بن مالك قال: لما حملنا جنازة سعد بن معاذ قال المنافقون: ما أخف جنازته، وكان رجلاً ضخماً، فقال رسول الله : ((إن الملائكة حملته)). وقال يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن ابيه عن عائشة: كان في بني عبد الأشهل ثلاثة لم يكن بعد النبي أفضل منهم، سعد بن معاذ وأسيد بن حضير وعباد بن بشر، وقال رسول الله: ((اهتز العرش لموت سعد بن معاذ)) وروي: ((عرش الرحمن)) وهو حديث روي من وجوه كثيرة متواترة رواه جماعة من الصحابة.
…وقال الزهري: عن سعيد بن المسيب عن ابن عباس: قال: قال سعد بن معاذ: ثلاث أنا فيهن رجل، يعني كما ينبغي، وما سوى ذلك فأنا رجل من الناس، ما سمعت من رسول الله حديثاً قط إلا علمت أنه حق من الله، ولا كنت في صلاة قط فشغلت نفسي بغيرها حتى اقضيها، ولا كنت في جنازة قط فحدثت نفسي بغير ما تقول ويقال لها حتى أنصرف عنها.
…قال سعيد بن المسيب: فهذه الخصال ما كنت أحسبها إلا في نبي، روى له البخاري حديثاً واحداً.
بين العمودين.
وكيفية الحمل بين العمودين على رأيه هو أن يحمل النعش ثلاثة فواحد من مقدم النعش فيضع كل عمود على كتف ويجعل رأسه بينهما، ومن المؤخر اثنان لا يتأتى غير ذلك.
المذهب الثالث: محكي عن الشيخ أبي حامد من أصحاب الشافعي، والمحاملي منهم، أن الأفضل هو الجمع بين التربيع والحمل بين العمودين في حمل الجنازة، وإن أراد الإقتصار فالحمل بين العمودين هو الأفضل.
المذهب الرابع: محكي عن الشيخ أبي إسحاق وابن الصباغ صاحب الشامل وكلاهما من أصحاب الشافعي: أن الأفضل هو الحمل بين العمودين.
المذهب الخامس: محكي عن مالك: أنهما سواء في الفضل لا مزية لأحدهما على الآخر.
فهذه المذاهب في كيفية حمل الجنازة.
والمختار: هو العمل على التربيع والبداية بالمقدم في اليد والرجل من الميمنة من الميت. كما هو رأي أئمة العترة ومن وافقهم.
والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أنه قال: ((ابدأوا بميامنكم))(1).
وكان الرسول يحب التيامن في كل أحواله. وقوله في غسل ابنته: ((ابدأن بميامنها)). وليس التيامن يكون إلا على ما ذكره أمير المؤمنين كرم الله وجهه حيث قال: يبدأ بحمل اليد اليمنى من الميت، ثم يحمل الرجل اليمنى، ثم باليد اليسرى ثم بالرجل اليسرى. فإذا فعل ذلك فقد استكمل التيامن في التربيع. والظاهر من مذهب الأئمة: كراهة الحمل بين العمودين. وهو مروي عن أبي حنيفة وأحمد بن حنبل وإبراهيم النخعي كلهم على الكراهة.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: روي عن الرسول : أنه حمل جنازة سعد بن معاذ بين العمودين. وفي هذا دلالة على استحبابه.
قلنا: عن هذا جوابان:
__________
(1) أخرجه ابن ماجة 1/141، وابن حبان 3/370 وغيرهما، وأخرجه ابن حجر في (بلوغ المرام) ص 18 عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ: قال قال رسول الله : ((إذا توضأتم فابدأوا بميامنكم)) أخرجه الأربعة، وصححه ابن خزيمة.