وإن لم يوجد له شيء من الثياب التي تواري عورته غطيت عورته بالشجر لما روي أن مصعب بن عمير لما قتل في أحد ولم يكن له إلا نمرة إذا غطي بها رأسه بدت رجلاه، وإن غطيت بها رجلاه بدا رأسه، فقال الرسول÷: ((غطوا بها رأسه واجعلوا على رجليه شيئاً من الاذخر)). وإذا جاز تغطية رجليه عند العدم فهكذا يغطى كله إذا عدمت الثياب، ولأن ذلك جائز للعاري في حال الحياة أن تُستر عورته بالشجر، فهكذا في الأموات أحق وأولى. والنمرة: بفتح النون وكسر الميم هي ثوب من صوف فيه خطوط من بياض وسواد.
الفرع الثاني: في أعداد الأكفان وصفتها. وفيه مسائل ثلاث:
المسألة الأولى: قال الهادي: يكفن الميت فيما يمكن ويوجد ويختاره أهله من الثياب من سبعة أو خمسة أو ثلاثة أو واحد، فإن كان سبعة فحسن، وإن كان خمسة فحسن، وإن كان ثلاثة فحسن. نص على ذلك كله في الأحكام.
واعلم.. أن أقل ما يكفن به الإنسان ما يستر عورته.
وظاهر كلام الإمامين القاسم والهادي أن أقل ما يكفن به الميت الثوب الواحد.
قال القاسم: يكفن في ثوب واحدٍ إذا لم يوجد غيره. فظاهر كلامهما: على أن أقل ما يكفن به الميت الثوب الواحد.
والمختار: هو الأول لما رويناه من حديث حمزة ومصعب بن عمير فإنهما كفنا فيما دون الثوب وجعل على ما بقي من جسدهما أذخر، وإن حصل من الثياب ما يستر بعض الجسم ستر به العورتان لأنهما أحق بالستر، وإن حصل ما يستر به إحدى العورتين ستر به القبل لأن الدبر مستور بالإليتين، فكشف القبل أفحش من كشف الدبر، فلهذا كان أحق بالستر ويجعل على ما بقي من الجسد شجر من الأذخر وغيره.
فأما الثوبان فقد روى أبو عبيد الهروي: أن الرسول÷ كفن في ثوبين صحاريين. وصحار بالصاد المهملة والحاء المهملة قرية تعمل فيها الثياب، وهي رواية غريبة لم يذكرها البخاري ولا الترمذي في صحيحيهما ولا عثرت عليها في كتب الحديث وهي مستغربة من وجهين:
أما أولاً: فلم يذكرها غيره من المحدثين.
وأما ثانياً: فلأن السنة في الكفن الوتر والإثنان ليسا وتراً.
وأما الثلاثة من الأثواب فهي المستحبة لاتفاق الروايات على أن الرسول÷ كفن في ثلاثة أثواب.
قال المؤيد بالله: والأحب إلينا أن يكفن الرجل في ثلاثة أثواب. لما روى زيد بن علي عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه: أنه كفن رسول اللّه÷ في ثلاثة أثواب.
وروى الترمذي في صحيحه: أن الرسول÷ كفن في ثلاثة أثواب بيض يمانية.
وروي: أن عمر كفن في ثلاثة أثواب ثوبين سحوليين وثوب كان يلبسه.
والعمامة غير مستحبة في الثلاثة باتفاق بين نقلة الأحاديث.
وهل يكون القميص مستحباً في الثلاثة أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أن القميص غير مستحب في الثلاثة. وهذا هو رأي المؤيد بالله، ومحكي عن أبي حنيفة.
والحجة على هذا: ما روت عائشة أن الرسول÷ كفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية ليس فيها قميص ولا عمامة. والسحول بالسين والحاء المهملتين قرية في اليمن تعمل فيها هذه الأثواب، بفتح السين وبضمها: الثياب الشديدة البياض، وعلى هذا يجعل أحدها لفافة من السرة إلى الركبة ويدرج في اثنين فتكون اللفافة إزاراً في حقويه.
المذهب الثاني: أنه يستحب فيها القميص. وهذا هو رأي الهادي، ومحكي عن الشافعي.
والحجة على هذا: ما روى زيد بن علي أن الرسول÷ كفن في ثلاثة أثواب: قميص غير مخيط، وإزار يبلغ من سرته إلى ركبته، ولفافة يلف بها من قرنه إلى قدمه.
والمختار: أنه لا يستحب القميص في الثلاثة كما قاله المؤيد بالله.
وحجته: ما ذكرناه..
ونزيد هاهنا: وهو أن الروايات في ترك القميص في الثلاثة أكثر وأشهر، فلهذا كان التعويل عليه أحق.
الانتصار: يكون بالجواب عما خالفه.
قالوا: روى زيد بن علي أنه÷ كفن في ثلاثة، أحدها قميص من غير عمامة.
قلنا: الأكثر الذي عليه أهل العلم وأهل الحديث ما روته عائشة من أن الأفضل هو الثلاثة من غير قميص ولا عمامة، ولأن اللفافة إذا كانت في الكفن يلف في ثوبين كان أقوى وأستر للميت.
وأما الخمسة من الأثواب في الأكفان فهي جائزة. لما روي أن ابن عمر كان يكفن أهله في خمسة أثواب فيها قميص وعمامة.
وهل تكون مستحبة أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنها مستحبة. وهذا هو الظاهر من مذهب الهادي.
والحجة على هذا: ما روي أن الرسول÷ كفن ابنته في خمسة أثواب قميص وعمامة وأدرجت في ثلاثة(1).
ظاهر الحديث دال على استحباب الخمسة كما ذكرنا، وفي استعمال خمسة الأثواب في الكفن عنه روايتان:
الرواية الأولى: رواية الأحكام أنه يلبس قميصاً ويعمم بعمامة ويدرج في ثلاثة. لما روينا من حديث بنت رسول اللّه÷ أنها كفنت على هذه الصفة.
الرواية الثانية: رواية المنتخب أنه يلبس قميصاً ويؤزر بمئزر ويدرج في ثلاثة. فجعل هاهنا المئزر عوضاً عن العمامة.
المذهب الثاني: أن الخمسة جائزة غير مستحبة. وهذا هو رأي المؤيد بالله ومحكي عن الشافعي.
والحجة على هذا: هو أن الأحاديث كلها دالة على استعمال الثلاثة في الكفن.
قال المؤيد بالله: والأحب ألاَّ يزاد على الثلاثة. والدلالة على عدم الاستحباب فيما زاد على الثلاثة هو أن الأحاديث والأخبار الواردة في الخمسة قليلة فلهذا كان التعويل في الاستحباب على الثلاثة كما ذكرناه.
والمختار: هو جوازها من غير استحباب كما قاله المؤيد بالله.
وحجته على ذلك: ما ذكرناه..
ونزيد هاهنا: وهو أن الأصل عدم الاستحباب فلا يقدم عليه إلا بدلالة شرعية ولا دلالة هاهنا تدل على استحبابها فلهذا اقتصرنا فيها على الجواز.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
__________
(1) رواه في (مجمع الزوائد) 3/22، وسنن البيهقي 4/4، و(المعجم الكبير) 25/145، وفي (تخريج البحر) 2/107، رواه عن ليلى بنت قانف الثقفيةبلفظ: قالت: كنت فيمن غسل أم كلثوم بنت رسول الله عند وفاتها، فكان أول ما أعطانا رسول الله÷ الحقو ثم الدرع ثم الخمار ثم الملحفة، ثم أدرجت بعد في الثوب الآخر، قالت: ورسول الله÷ عند الباب يناولناها ثوباً ثوباً، أخرجه أبو داود.
قالوا: كفن رسول اللّه÷ ابنته في خمسة فدل ذلك على استحبابها.
قلنا: إنما أراد بذلك بيان الجواز. والاستحباب إنما يكون على خلاف ذلك بالأمر وتكرر الفعل، فأما الفعل مرة فإنما يدل على الجواز وعلى أنه غير مكروه.
وأما السبعة من الأثواب في التكفين فلا خلاف في أنها غير مستحبة وإنما التردد في جوازها وعدم جوازها ولم أعلم أن أحداً من العلماء قال بجوازها قبل الهادي.
وحجته على جوازها: ما روي عن الرسول÷ أنه قال حين ماتت ابنته: ((اغسلنها ثلاثاً أو خمساً إن رأيتن أو أزيد من ذلك)).
ووجه الدلالة من الخبر: هو أنه إذا جاز أن يكون عدد الغسلات أَزْيَد من خمس جاز أن يكون عدد الكفن أزيد منها والجامع بينهما هو أن كل واحد منهما تجهيز للميت يدخله العدد، لكن الزائد على سبع لم يقل به قائل فيجب أن يكون مطرحاً في الغسلات والكفن، ويجب الاقتصار على السبع فيهما جميعاً، وهذا هو المقصود، وعلى هذا يكون استعمالها أن يلبس الميت قميصاً ويؤزر بمئزر ويعمم بعمامة ويدرج في أربعة لأنه قد استوفى لباس الرأس بالعمامة ولباس البدن بالقميص ولباس الوسط بالمئزر، فلا وجه للتكرير فيها فلم يبق إلا أن تكون اللفائف التي يدرج فيها أربعة لأنه لم يرد التكرير إلا في اللفائف التي يدرج فيها الأموات دون غيرها من سائر لباس الرأس والبدن وقد ورد التكرير في اللفائف في الثلاثة والخمسة كما قررناه من قبل.
والمختار: أن السبعة مكروهة لأمرين:
أما أولاً: فلما فيه من السرف المستغنى عنه، وقد قال÷: ((خير الأمور أوساطها وشرها محدثاتها)).
وأما ثانياً: فلأنه لم يقل بها أحد من المحدثين ولا نقلها ناقل منهم ولا ذهب إليها ذاهب من الصحابة والتابعين.
والانتصار: يكون بالجواب عما ذكره الهادي.
قوله: إن الرسول÷ أمر النساء أن يغسلن ابنته ثلاثاً أو خمساً إن رأيتن. فعلق الزيادة برأيهن ولا قائل بالزيادة على السبع في الغسل، فهكذا يكون الكفن ولأنه جهاز للميت يتعلق بالعدد.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن الغسل من باب الطهارات فلا مدخل للأقيسة فيها لأن موردها الشرع وهي أمور غيبية استأثر الله بعلمها ورسوله.
وأما ثانياً: فلأن المعنى في الأصل كونها طهارة والطهارة مشروع فيها التكرير لإزالة النجاسة بخلاف الأكفان فافترقا.
فإن قال قائل: فإذا كان الهادي لم يسبقه أحد بهذه المقالة فهل يكون مخالفاً للإجماع أم لا؟
قلنا: حاشا لفكرته الصافية ونظره الموفق أن يخالف إجماعاً وقدره أعلى وأشرف لأمرين:
أما أولاً: فلأن الأمة لم تصرح بالمنع عن التكفين بالسبعة من الأثواب فلا يكون خارقاً للإجماع إلا إذا صرحوا بما ذكرناه.
وأما ثانياً: فلأنه يجوز أن يستنبط المجتهد حكماً لم يستنبطوه، وأن يعلل بعلة لم يذكروها وأن يستدل بدليل لم يظفروا به، وما هذا حاله لم يكن مخالفة للإجماع، فهكذا إذا قال بجواز التكفين بالسبعة لعلة استنبطها لم يكن عليه حرج في ذلك فلأجل ذلك قلنا: إنه غير مخالف للإجماع.
المسألة الثانية: في المرأة.
وهي كالرجل، وأقل ما يجزئ في كفنها ما يستر عورتها على قدر الإمكان والوجود، فإن وجد ثوب غامر كفنت فيه، وإن وجد ما يستر عورتها جعل على الباقي من جسدها من حشائش الأرض وأشجارها ما يواري جسدها، وإن وجد ما يستر إحدى العورتين ستر به القبل لأنه أحق من الدبر كما ذكرناه في حق الرجل، ويجوز تكفينها في الثلاثة إذا وُجدت، مئزر وتدرج في إثنين على رأي الهادي من غير قميص، وعلى رأي المؤيد بالله: قميص وإزار وتدرج في ثوب واحدٍ، وإن وجدت السبعة جاز تكفينها فيها على رأي الهادي قميص وإزار وخمار وتدرج في أربعة على ما قدمناه.
وأما الخمسة: فهي المستحبة في كفن المرأة. لما روي: أن الرسول÷ كفن ابنته في خمسة أثواب.
وهل يستحب أن يكون أحدها قميصاً أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه غير مستحب. وهذا يأتي على رأي الهادي، وهو أحد قولي الشافعي.
والحجة على هذا: هو أنها ميتة فلم يستحب في كفنها المخيط كالرجل، ولأن الدرع إنما يحتاج إليه ليكون ساتراً للمرأة في تصرفاتها، والميت لا يتصرف بحال، وعلى هذا تؤزر بإزار وتخمر بخمار وتدرج في ثلاثة أثواب.
وثانيهما: أنه يستحب أن يكون أحدها قميصاً. وهذا هو الذي يأتي على رأي المؤيد بالله، وهو أحد قولي الشافعي.
والحجة على هذا: ما روي عن أم عطية قالت: لما غسلنا بنت رسول الله كان جالساً على الباب يناولنا الأكفان واحداً واحداً، فناولنا إزاراً وقميصاً وخماراً وثوبين. وهذا هو الأفضل في حق المرأة لأن أفضل حال الإنسان إذا كان محرماً فلما كان للمرأة المحرمة لبس المخيط فهكذا بعد الموت يستحب لها، فعلى هذا تؤزر بإزار وتخمر بخمار وتلبس القميص وتدرج في ثوبين، وحكي عن الشافعي أنه قال: يشد على صدرها بثوب لتجتمع. واختلف فيه أصحابه على قولين، فحكي عن أبي إسحاق أنه قال: ليس يكون من جملة الأكفان لأنه يكون سادساً ولم ترد به السنة. ولا حاجة إلى شد الأكفان بثوب على انفراده بل يشد بالخيوط وفيه غنية عن ثوب سادس.
ويستحب تكفين الخنثى فيما تكفن به المرأة من هذه الأثواب الخمسة لأنه إن كان رجلاً فالخمسة جائزة غير مستحبة في حقه، وإن كان امرأة فالخمسة مستحبة في حقها فلهذا كفن فيها.
المسألة الثالثة: وهل يكره تكفين الميت في الثيات المصبوغة بالمعصفر والمزعفر والمورس أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: جواز ذلك من غير كراهة. وهذا هو رأي أئمة العترة ومحكي عن أبي حنيفة وأصحابه.
والحجة على هذا: هو أن ما هذا حاله يجوز لبسها له في حال الحياة فجاز لبسها له عند الموت.
المذهب الثاني: كراهة ذلك. وهذا هو رأي الشافعي.
والحجة على هذا: قوله÷: ((خير لباسكم البياض فالبسوها وكفنوا فيها موتاكم)) . وهذا يعم الرجال والنساء. وهكذا الحال في الثياب الحريريه من الديباح والأبريسم فإنه يجوز للمرأة التكفين فيه لأنه جائز لها لبسه في حال الحياة، ويأتي على رأي الشافعي كراهته لما رويناه من الحديث.
والمختار: جواز ذلك من غير كراهة كما حكي عن الأئمة لأن حال الموت معتبر بحال الحياة فإذا جاز في حال الحياة جاز في حال الموت من غير تفرقة.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قوله: قد ورد عن الرسول÷: ((البسوا هذه الثياب البيض وكفنوا فيها موتاكم)). وهذا عام.
قلنا: إنا لا ننكر أن الثياب البيض أفضل لما روى ابن عباس أن الرسول÷ قال: ((البسوا هذه الثياب البيض فإنها خير ثيابكم وكفنوا فيها موتاكم)). وقوله÷: ((البسوا الثياب البيض فإنها أطيب وأطهر وكفنوا فيها موتاكم)). وقوله÷: ((خلق الله الجنة بيضاء وإن أحب إلى الله الثياب البيض فليلبسها أحياؤكم وكفنوا فيها موتاكم)) (1).
فهذه الأحاديث كلها دالة على فضل البياض من الثياب ولكنا نقول: ما كانت تلبسه المرأة في حال حياتها جاز تكفينها به من غير كراهة.
وكيف يكون حال الأطفال في الكفن؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أن حالهم كحال البالغين في الكفن فيستحب أن يكون كفنهم ثلاثة أثواب. وهذا هو الذي يأتي على المذهب. وهو محكي عن الشافعي.
__________
(1) أخرجه في (المستدرك على الصحيحين) 1/506، وفي (المعجم الأوسط)4/7، و(الصغير)1/238، و(الكبير)14/65، ورواه في (نيل الأوطار)4/38، عن ابن عباس بلفظ: أن النبي÷ قال: ((البسوا من ثيابكم البياض فإنها من خير ثيابكم، وكفنوا فيها موتاكم)) رواه الخمسة إلاَّ النسائي. وصححه الترمذي، قال: وعن أبي الدرداء عند ابن ماجة يرفعه: ((وأحسن ما زرتم الله به في قبوركم ومساجدكم البياض)). اهـ.
والحجة على هذا: هو أن الطفل لما ساوى الكبير في صفة الكفن وما يجوز فيه وما لا يجوز ساواه في مقداره.
المذهب الثاني: أن الصبي إنما يكفن في خرقتين. وهذا هو رأي أبي حنيفة.
والحجة على هذا: ما روي عن الرسول÷ [في] (1)
الأعرابي الذي خر من ناقته فمات فقال: ((كفنوه في ثوبيه اللذين مات فيهما)).
ووجه الدلالة من الخبر: هو أن حال الأطفال متميز عن حال البالغين فيجب أن يكونوا أنقص حالاً من البالغين لما كانوا غير مكلفين فلهذا كان الثوبان كافيين في أمرهم وهو أدنى ما شرع في حق الأموات كما ذكرناه من حال الأعرابي.
والمختار: أن حكمهم حكم البالغين في جميع الأحكام الشرعية إلا ما قامت عليه دلالة خاصة فيما يتعلق بالنقصان من العقل وكماله، وحال الموت فيما يتوجه فيه الإستواء بحال البالغين من غير تفرقة.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: الأطفال حالهم متميز عن حال البالغين في حال الحياة بأمور كثيرة فيجب تميُّزهم في الأكفان بما ذكرناه.
قلنا: التمييز حاصل بينهم وبين البالغين بأمور كثيرة ولو لم يكن إلا بالعقل والتكاليف، فإذا اجتمعوا في الكفن لم يبطل تميزهم بما ذكرناه.
وأما صفة الأكفان فيستحب أن تكون ثياباً بيضاً لما قدمناه من فضل البياض.
ويستحب أن تكون رباطاً والربطة الثوب الذي ليس ملفقاً من ثوبين، وهكذا حال الثوب الحبره فإنه الذي ليس ملفوقاً من شقين.
ويستحب أن يبخر الكفن على مشجب أو عود مما يرفعه عن النار، لما روي عن النبي÷: ((إذا جمرتم الميت فجمروه ثلاثاً))(2).
__________
(1) في الأصل: أنه كفن، وهي جملة غير متسقة مع السياق، فتم إحلال كلمة (في) محلها.
(2) جاء الحديث في (تخريج البحر): ((إذا جمرتم الميت فجمروه ثلاثاً)) قال: حكاه في (المهذب) اهـ 2/108، وقد أخرجه ابن حبان 7/301، و(المستدرك)1/506، وأحمد 3/331 وغيرهم، جاء في بعضها بلفظ: ((إذا أجمرتم الميت فاوتروا)).
والغرض: أكفان الميت لأن الميت لا يمكن تجميره ولأنه ربما ظهر من الميت شيء فيغلبه ريح البخور ولهذا فإنه يستحب أن يبخر الميت من حين يموت وتوضع بإزائه مجمرة لأنه في الغالب لا ينفك عن رائحة كريهة عند الموت.
ويستحب في ثياب الأكفان أن تكون واسعة عريضة لتكون شاملة لبدن الميت ويمكن ضم بعضها إلى بعض.
وإن اختلف الورثة في قدر الكفن فقال بعضهم: يكفن في ثلاثة أثواب، وقال بعضهم: يكفن بثوب واحدٍ، وقال بعضهم: يكفن بما يستر عورته، ففيه إحتمالات ثلاثة:
الاحتمال الأول: أن يقدم قول من دعا إلى الأثواب الثلاثة لأنها هي التي وردت بها السنة كما أوضحناه من قبل.
الاحتمال الثاني: قول من دعا إلى ثوب واحدٍ لأنه هو الواجب من جهة أنه يعم جميع البدن ويشمله.
الاحتمال الثالث: أنه يقدم قول من دعا إلى ستر العورة لأن الثياب إذا ضاقت كانت العورة أحق بالستر كما مر بيانه.
والمختار من هذه الاحتمالات، وهو الذي يأتي على المذهب، أنه ينظر في حال الميت فإن كان مؤسراً كفن في أثواب مرتفعة وإن كان متوسطاً بين الغني والفقير كفن في أثواب متوسطة وإن كان فقيراً ففي ثياب أدنى من المتوسط اعتباراً بحاله في حال الحياة فإن حال الموت إن لم تكن ناقصة عن حال الحياة لم تكن زائدة، فلهذا كان الأمر كما قلنا.
قاعدة: اعلم أنه لا خلاف بين أئمة العترة وفقهاء الأمة في أنه يجب تكفين الميت من الوسط من رأس ماله، وأنه يجب جهازه قبل قضاء ديونه وتنفيذ الوصايا وقسمة المواريث من الغسل والحفر والكفن وحمل الجنازة إلى غير ذلك من الأمور التي لا بد له منها في جهازه وإدخاله قبره، ولكن اختلفوا في قدر الوسط على ثلاثة أقوال:
فالقول الأول: ذكره الهادي في كتاب الوصايا: أنه مقدر بربع عشر ماله. وهذا محمول على أن الميت الذي سئل الهادي عن حاله يبلغ عشر ماله كفناً وسطاً فلأجل هذا قدره بربع العشر الذي ذكره في الأحكام وحصل من مذهبه أن الكفن من رأس المال الوسط وما زاد على الوسط فهو من ثلث ماله.
القول الثاني: محكي عن الشافعي، وهو أن الغرماء إذا خاصموا ومنع الورثة وكان الميت وسطاً في الرفعة والدناءة فإن كفنه يكون ثلاثة أثواب من رأس ماله ومن الحنوط ومما يحتاج إليه مقدراً معروفاً لا إسرافاً ولا تقتيراً، والباقي للغرماء ثم للورثة، وإن كان مقلاً فالواجب ما يستر البدن وهي لفافة وما زاد فهو استحباب ولهم المنع من ذلك.
القول الثالث: محكي عن أبي حنيفة، أن الواجب الذي لا اعتراض فيه من جهة الوارث ولا من جهة الغرماء ثوبان من رأس ماله. كما قاله أصحابنا.
ولا خلاف أن كل من لا مال له من الأموات ولا أحد ممن تلزمه نفقته في حال حياته، أن كفنه في بيت مال المسلمين، فإن لم يكن هناك بيت مال أو كان خلا أنه خلا عن المال في ذلك الوقت فإن كفنه على المسلمين.
فإن لم يوجد للميت كفن يكفن به ويوارى، فإنه يلقى عليه شجر يغطي عورته، فإن لم يوجد شجر يوارى به من الأشجار فكيف يصنع به؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه يلقى في لحده مثل حالته مع الكفن على جنبه الأيمن مستقبلاً للقبلة. وهذا هو الذي ذكره الهادي في الأحكام، وهو محكي عن أكثر العلماء لأن عدم الكفن لا يغير حاله في وضعه في لحده على ما ذكرناه، والأدلة ما فصلت في ذلك في وضعه على ما ذكرناه سواء كان مكفناً أو عارياً عنه.
المذهب الثاني: يوضع في لحده إذا كان عارياً عن الكفن مكبوباً على وجهه في لحده. وهذا هو المحكي عن ابن عباس والمذكور في المنتخب.
ووجهه: هو أنه أستر لعورته لأن الدبر مستور بالإليتين فلهذا وضع على جنبه.