وإن كان الميت من أهل البدع والضلالات الدَّاعين إليها والمحبين لشرائعها والمكبين على فعلها كالمجبرة والمشبهة والروافض والظلمة وأهل الفسوق ممن مات مصراً على كبيرة غير تائب منها ولا مقلع، فالمستحب أن يتحدث به الغاسل في الناس ليكون ذلك زجراً للناس عن التلبس بالبدع، وهكذا حال من كان معانداً للإمام مانعاً له عن إمضاء أوامر الله ونواهيه فإنه يظهر ذلك ليكون تحذيراً للناس عن الوقوع في مثله فينفرون عنه.
المسألة الحادية عشرة: قد أوضحنا فيما سبق أن الغسل من غسل الميت غير واجب وإنما هو مستحب.
قال القاسم: فإن انتضح على الغاسل شيء من الماء الذي أصاب بدن الميت فعليه أن يغتسل. وقال أيضاً: وإن كان الميت يغسل فعاسله أولى لما ينتضح عليه من مائه.
قال أبو العباس: وهذا من قوله دليل على إيجاب الغسل إذا انتضح، وعلى استحبابه إذا لم ينتضح.
قال السيد أبو طالب: وهذا يجب أن يكون المراد به إذا لم يتبين له الموضع الذي انتضح الماء من غيره كمن تصيب بدنه نجاسة ويشتبه عليه موضعها فإنه يلزمه أن يغسل جميع بدنه، فأما إذا تميَّز الموضع فإنه لا يجب عليه إلا غسله.
فحصل من مجموع ما ذكرناه هاهنا: أن ما انتضح من بدن الميت على الغاسل فهو نجس، فإن عُلِمَ وجب غسله على إنفراده، وإن لم يُعْلَم وجب غسل جميع البدن على ما نصه القاسم، وخرَّجه السيدان أبو العباس وأبو طالب من كلامه، وهذا فيه نظر على رأي القاسم وعلى ما اخترناه من أن الماء القليل لا ينجس بإتصال النجاسة به إلا إذا كان متغيراً بها، فأما إذا لم يكن متغيراً بها فهو طاهر كما مر تقريره في باب المياه، وإذا كان الأمر كما قلناه فلا وجه للحكم بنجاسة ما انتضح من بدن الميت على الغاسل سواء كان الانتضاح من الغسالة الأولى أو من الثانية أو من الثالثة فكلها طاهرة إذا لم تكن متغيرة بالنجاسة.
والعجب من الإمام القاسم حيث أطلق هذا الإطلاق في وجوب الغسل من الإنتضاح من غسل الميت ولم يذكر ما أسلفه في باب المياه من أن القليل من الماء لا ينجس إلا بالتغير بالنجاسة، كما هو رأي جماعة من الصحابة والتابعين وغيرهم من الفقهاء، وهكذا حال السيدين أبي طالب وأبي العباس فإنهما أطلقا هذا التخريج على رأيه ولم يذكرا ما تقدم من مذهبه، ولعله إنما قال ذلك تفريعاً على قول من قال بنجاسته وإن لم يتغير كما هو المأثور عن ولده الهادي وغيره من الصحابة والتابعين والفقهاء، وقد أسلفنا في المسألة كلاماً شافياً فأغنى عن تكريره وإعادته.
وإذا كان الأمر كما قلناه، فإذا كان الميت ينجس فالماء المنفصل عن غسله لا ينجس، وإن كان نجساً على رأي القاسم كما ذكرناه، فأما على ما اخترناه من أن المؤمن لا ينجس وأن الماء القليل لا ينجس إلا أن يتغير بالنجاسة، فالمنتضح يكون طاهراً على الوجهين جميعاً فلا يلزمه غسله سواء كان متعيناً أو غير متعين.
ويستحب إذا كان تحت أظفار الميت عفونة، إزالتها عند غسله بأن يتخذ الغاسل شظاظاً(1)
رقيقاً يستخرج به ما تحت أظفاره برفق وسهولة من غير حاجة إلى تقليم أظفاره.
وقد نجز غرضنا مما نريده في غسل الميت، ونشرع الآن في التكفين بمعونة الله ولطفه.
__________
(1) الشظاظ:العود الذي يُدخل في عروة الجوالق، وقيل: الشظاظ: خُشَيْبَة عقفاء محددة الطرف توضع في الجوالق أو بين الأونين يُشد بها الوعاء. اهـ (لسان) 7/445. (والمقصود هنا: عود محدد الطرفين تُستخرج به العفونة من تحت أظفار الميت).
---
القول في التكفين للميت
واعلم أن التكفين للموتى من المسلمين مشروع لقوله÷ في الأعرابي الذي وقصت به ناقته: ((كفنوه في ثوبيه اللذين مات فيهما.)).
هو واجب على الكفاية لا يختص أحداً دون أحدٍ فإذا قام به البعض سقط عن الباقين، وهذه هي فائدة كونه واجباً على الكفاية فلو تمالى أهل قرية أو مصر من الأمصار على ترك تكفين الموتى من المسلمين حاربهم الإمام على ترك هذا الواجب، فإذا عرفت هذا فلنذكر حكم الكفن، وصفة الأكفان، وكيفية الإدراج فيها، فهذه فروع ثلاثة تتفرع على هذه القاعدة:
الفرع الأول: في حكم التكفين. وفيه مسائل ثلاث:
المسألة الأولى: في حكم الوجوب، هل يكون من رأس المال أو يكون من الثلث؟ فيه مذاهب ثلاثة:
المذهب الأول: أنه يكون من رأس المال. وهذا هو رأي أئمة العترة الهادي والقاسم والناصر والمؤيد بالله، ومحكي عن أبي حنيفة وأصحابه والشافعي وأصحابه.
قال الهادي في المنتخب: الكفن من أصل التركة، وهو قبل الديون والوصايا. وفي هذا دلالة على أنه من رأس المال، وسواء كان مؤسراً أو معسراً.
والحجة على هذا: ما روي عن الرسول÷ في الرجل الذي خر من ناقته فمات فقال: ((كفنوه في ثوبيه)). ولم يسأل هل يخرجان من ثلثه وهل كان مؤسراً أو معسراً، وترك الإستفصال في القضية دال على عموم الحكم في كل أحوالها إلا ما خرج بدلالة.
المذهب الثاني: أنه إن كان مؤسراً فمن رأس ماله، وإن كان معسراً فمن ثلثه. وهذا هو المحكي عن الزهري وطاووس.
والحجة على هذا: قوله÷: ((من ترك مالاً فلأهله ومن ترك عيلة فإليَّ)).
ووجه الدلالة من الخبر: هو أنه دال على انتقال المال إلى الوارث بالموت، لكن الشرع قد استثنى ما يخص الميت في نفسه في جهازه فإن كان الميت مؤسراً فهو من رأس ماله لأنه لا يضره ما استثني للميت، وإن كان معسراً فهو من ثلثه لأن المال ينتقل إلى الوارث وهو أحق، والثلث للميت يفعل فيه ما شاء.
المذهب الثالث: أنه يكون من الثلث على كل حال سواء كان مؤسراً أو معسراً. وهذا شيء يحكى عن خلاس بن عمرو (1).
والحجة على هذا: هو أن المال قد دل الخبر على أنه ينتقل إلى الوارث بنفس الموت وما خرج جهازاً للميت فهو يكون بمنزلة الوصية والوصية من الثلث.
والمختار: أنه من رأس المال. كما قاله الأئمة وأكثر الأمة.
__________
(1) خلاس بن عمرو الهجري البصري، روى عن علي وعمار وعائشة وأبي هريرة وابن عباس وغيرهم.
وعنه: قتادة وعوف الأعرابي وجابر بن صبح وداود بن أبي هند وجماعة، قال إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني عن أحمد بن حنبل: روايته عن علي من كتاب. وقال عبد الله بن أحمد [بن حنبل] عن أبيه: ثقة ثقة، وقال الآجري عن أبي داود: ثقة ثقة، قيل: سمع من علي؟ قال: لا، قال أبو داود: وسمعت أحمد يقول: لم يسمع خلاس من أبي هريرة شيئاً(...)، وقال الأزدي: خلاس تكلموا فيه، يقال: كان صحفياً، قلت: وقد ثبت أنه قال: سألت عمار بن ياسر، ذكره محمد بن نصير في كتاب الوتر. قرأت بخط الذهبي: مات خلاس قبيل المائة. اهـ ملخصاً من (تهذيب التهذيب) 3/152.
والحجة على هذا: ما روي أن رجلاً من الأنصار مات فقدموا جنازته إلى الرسول÷ ليصلي عليه فقال: ((هل على صاحبكم دين))؟ قالوا: نعم ديناران. فقال: ((صلوا على صاحبكم)) (1).
فتحملها أبو قتادة فصلى عليه الرسول÷، فلو كان الكفن من الثلث لوجب صرف كفنه في الدينارين لأن الدين قبل الوصية.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: إذا كان مؤسراً فمن رأس ماله، وإن كان معسراً فمن ثلثه لأن المال ينتقل إلى الوارث بالموت، ومع اليسار فالميت أحق، ومع الإعسار فالوارث أحق.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأنا لا ننكر أن المال ينتقل إلى الوارث بالموت لكن نقول: جهاز الميت مستثنى من ذلك.
وأما ثانياً: فلأن ما ذكروه معارض بما أوردناه من الأدلة ومتى تعارض الدليلان وجب الترجيح، وأخبارنا فهي أكثر وأوضح وهي دالة بظاهرها على ما قلناه.
قالوا: يكون من الثلث على كل حالٍ. كما حكي عن خلاس لأنه ينزل منزلة الوصية.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن الثلث إنما يكون فيما يكون متعلقاً بالبدن وسائر الأمور التي لا تجب إلا بالإيصاء بها، وما هذا حاله فلا يفتقر إلى الإيصاء فإنه واجب أوصى أو لم يوص.
__________
(1) رواه ابن حبان في صحيحه 7/329، والبيهقي في (الكبرى) 6/73، وأبو داود 3/247، وابن أبي شيبة 3/49، وعبد الرزاق 8/291، وأحمد 3/296، وهو مروي عن جابر، وروي أن الذي احتمل عنه الدين هو علي قال: هما عليَّ يا رسول الله برئ منهما، فتقدم رسول الله÷ فصلى عليه ثم قال لعلي%: ((جزاك الله خيراً، فك الله رهانك كما فككت رهان أخيك، إنه ليس من ميت يموت إلا وهو مرتهن بدينه، فمن فك رهان ميت فك الله تعالى رهانه يوم القيامة)) فقال بعضهم: هذا لعلي خاصة أم للمسلمين عامة؟ فقال÷: ((بل للمسلمين عامة)) هكذا رواه في (تخريج البحر) عن علي%، وقال: رواه الدارقطني وضعفه المنذري. اهـ 2/105.
وأما ثانياً: فلأن ما ذكروه معارض بالدين، والإجماع منعقد على كونه من رأس المال، وما هذا حاله فهو آكد من الدين لحاجته إليه في نفسه.
المسألة الثانية: في بيان من يجب عليه الكفن.
وإذا مات الميت نظرت، فإن كان رجلاً فكفنه في ماله لقوله÷ في الأعرابي: ((كفنوه في ثوبيه اللذين مات فيهما)). ولا خلاف بين أئمة العترة وفقهاء الأمة [في] أن كفنه في ماله إذا كان له مال.
وإن لم يكن له مال كان كفنه على من تلزمه نفقته من أقاربه لأن الكفن بعد الموت ينزل منزلة الكسوة في حال الحياة، فلهذا قلنا: بأنه يجب على أقاربه. ولا خلاف فيه بين الأئمة والفقهاء.
وإن لم يكن [له] قريب أو كان قريبه معسراً فكفنه من بيت المال. ولا خلاف فيه بين الأئمة والفقهاء.
قال المؤيد بالله: وذلك لأنه في حال الحياة إذا لم يكن له مال ولم يوجد من ينفق عليه وجب أن ينفق عليه من بيت المال، فهكذا حاله بعد الموت، فإذا بطلت نفقته بالموت لم تسقط كسوته بعد الموت وهو الكفن فلهذا أوجبنا كفنه على بيت المال، فإن لم يكن بيت المال فعلى المسلمين لأن كل من مات ولا وارث له فورثته المسلمون فيجري بيت المال مجرى الأقارب، وجري المسلمين مجراهم إذا لم يكن بيت مال، لقوله÷: ((الفقراء عالة الأغنياء))(1).
والمعنى أن الأغنياء يعولون الفقراء إذا لم يكن لهم أقارب أغنياء. ولقوله÷: ((أنا وارث من لا وارث له أعقل عنه))(2).
وإذا كان وارثاً له نزل منزلة القريب فلهذا وجب عليه الكفن لما كان له وارث كالقريب على أنه لا خلاف فيه بين الأئمة والفقهاء.
فأما إذا كان الميت امرأة، فإن لم يكن لها زوج فكفنها على الأقارب، وإن لم يكن لها أقارب فعلى بيت المال، وإن لم يكن هناك بيت مال فعلى المسلمين كما قررناه في الميت إذا كان رجلاً فلا يفترقان فيما ذكرناه.
__________
(1) سيأتي في الزكاة.
(2) رواه أبو داود في سننه 3/143، وابن ماجة 2/879، وابن حبان 13/397.
وإن كان لها زوج فهل يكون كفنها في مالها أو على زوجها؟ فيه مذاهب ثلاثة:
المذهب الأول: أن كفنها واجب على زوجها غنية كانت أو فقيرة. وهذا هو رأي الهادي على ما حصله أبو العباس لمذهبه، ومحكي عن الشافعي في أحد قوليه، ومروي عن أبي إسحاق من أصحابه.
والحجة على هذا: هو أنه يرثها فيلزمه من كسوتها ما كان يلزمه في حال حياتها ولأن كل من وجبت كسوته على شخص في حال الحياة وجب عليه تكفينه كالمملوك من العبد والأمة، فإذن كفنها تابع للزوم النفقة. وقد تقرر أنها على الزوج في حال الحياة فيجب كفنها عند الموت عليه.
المذهب الثاني: أن كفنها واجب في مالها إذا كانت غنية، فإن كانت فقيرة فعلى الأقارب إن كانوا أغنياء، وإن لم يكن أقارب أو وجدوا وكانوا فقراء ففي بيت المال، فإن لم يكن بيت مالٍ فعلى المسلمين لما ذكرناه في الرجل إذا كان فقيراً. وهذا هو رأي المؤيد بالله ومحكي عن محمد بن الحسن.
والحجة على هذا: هو أن الموت قد قطع عصمة النكاح بين الزوجين فلم يجب على الزوج كفنها كالأجنبية.
المذهب الثالث: أنها إن كانت غنية ففي مالها، وإن كانت فقيرة فعلى زوجها. وهذا هو رأي أبي حنيفة وأبي يوسف.
والحجة على هذا: هو أنها إذا كانت غنية فهي كسائر الأموات لإنقطاع عصمة النكاح بينها وبين زوجها، وإذا كانت فقيرة وجب ذلك على زوجها لأن الكفن تابع للكسوة في حال الحياة فلهذا أوجبناه على الزوج مع فقرها.
والمختار: وجوب الكفن في مالها إذا كانت غنية كما قاله المؤيد بالله ومن تابعه.
وحجتهم: ما ذكرناه.
ونزيد هاهنا: وهو أنها امرأة غنية بالمال فوجب أن يكون كفنها في مالها كالتي لا زوج لها.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: إنه كل من وجبت نفقته وكسوته على شخص في حال الحياة وجب عليه تكفينه كالعبد والأمة.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن المعنى في الأصل هو الملك في العبد والأمة بخلاف الزوجة فهي غير مملوكة فافترقا.
وأما ثانياً: فلأن النفقة إنما وجبت للزوجة في حال الحياة لعصمة النكاح وفي مقابلة الاستمتاع، ولأن قد بطلت العصمة والاستمتاع بالموت فلهذا لم يجب كفنها عليه ووجب في مالها.
المسألة الثالثة: وإذا تشاجر الورثة فقال بعضهم: أنا أكفنه من مالي. وقال بعضهم: بل يكفن من التركة. فإنه يكفن من التركة لأن في كفنه من بعص الورثة مِنَّة على الباقين ولا يلزمهم قبول مِنَّته.
وإن مات محرماً فهل ينقطع إحرامه بموته أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أن إحرامه باقٍ بعد موته وأنه غير منقطع عنه بموته. وهذا هو رأي أمير المؤمنين كرم الله وجهه وعثمان وابن عباس من الصحابة رضي الله عنهم، وعطاء من التابعين، ومن الفقهاء الثوري وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، وهو قول الشافعي، وعلى هذا لا يلبس المخيط ولا يخمر رأسه، ولا يحنط بحنوط فيه طيب؛ لأن ما هذا حاله محرَّم على المحرم في حال الحياة ولم ينقطع بالموت.
وحكي عن طائفة من العلماء: أنه ينقطع إحرامه بموته. فمن الصحابة ابن عمر وعائشة، ومن الفقهاء أبو حنيفة والأوزاعي ومالك، ومحكي عن زيد بن علي والناصر، وقد ذكرنا الإحتجاج لكل واحد من المذهبين، وذكرنا المختار والانتصار له في باب الغسل فأغنى عن الإعادة.
وإن ماتت امرأة معتدة عن الوفاة، فهل يسقط عنها تحريم الطيب. فالذي يأتي على المذهب أنه يسقط عنها تحريمه وتحنط بالطيب لأن المعتدة إنما حرم عليها الطيب لئلا يدعو ذلك إلى النكاح، وهذا لا يوجد بعد الموت فلهذا سقط التحريم، وهو أحد قولي الشافعي. وله قول آخر أنه لا يسقط عنها التحريم كالمُحْرِمة.
وتكره المغالاة في الأكفان. لما روي عن الرسول÷ أنه قال: ((لا تغالوا في الأكفان فإن الكفن سلب سريع فإن يكن من أهل الجنة يكفن من الجنة، وإن يكن من أهل النار يكفن من النار)) (1).
ومعنى المغالاة: أن يكون الثمن غالياً لنفاسته وعلو قدره.
ويستحب أن يكون سحقاً خلقاً. لما روي أن أبا بكر لما قربت وفاته أمر بثوبين سحقين فغسلا وقال: إنهما عن قريب وصارا إلى المهلة(2)،
فإن غالى الميت في وصيته أجزأ ذلك ما زاد على الوسط مما يكفن به الميت ويكون الزائد من ثلثه لأنه يكون وصية فنفوذه من الثلث. وفي حديث آخر عن الرسول÷ أنه قال: ((لا تغالوا في الكفن فإنه يسلب سلباً سريعاً فإما بُدِّل خيراً منه وإما بُدِّل شراً منه)) (3).
__________
(1) أخرجه أبو داود 3/199، والبيهقي في (الكبرى) 3/403، وابن الأمير في (فتح الباري) 3/253، وهو في (التمهيد) لابن عبد البر 22/144 وفي غيرها، وأورده في (تخريج البحر) عن علي% بلفظ: لا تغالوا في كفن فإني سمعت رسول الله÷ يقول: ((لا تغالوا في الكفن فإنه يسلب سلباً سريعاً)) وقال: أخرجه أبو داود.
(2) جاء في (نيل الأوطار) 4/35 عن عائشة أن أبا بكر نظر إلى ثوب عليه كان يمرض فيه به ردع من زعفران، فقال: اغسلوا ثوبي هذا وزيدوا عليه ثوبين فكفنوني فيها، قلت: إن هذا خلق، قال: إن الحي أحق بالجديد من الميت إنما هو للمهلة، مختصر من البخاري، ثم قال: قوله إنما هو للمهلة، قال القاضي عياض: روي بضم الميم وفتحها وكسرها وبذلك جزم الخليل.
وقال ابن حبيب: هو بالكسر الصديد، وبالفتح التهمل، والضم عكر الزيت، والمراد هنا: الصديد. اهـ.
(3) تقدم قريباً.
وإن سرق كفن الميت نظرت، فإن كان بعد استيفاء الغرماء ديونهم وحيازتها لم ينقص شيء مما أعطوه وكانوا أحق بها لأنهم قد ملكوها بحق لهم فلم يجز أخذ شيء منها كما لو لم يسرق، وإن كان قبل استيفاء الغرماء حقوقهم كفن من رأس ماله لأن المال باقٍ على ملكه فلهذا وجب تكفينه منه فإن مانع الغرماء لم يلتفت إلى منعهم لأن ما هذا حاله مستثنى قبل الديون والوصايا، وهكذا لو نبش من قبره وسلب أكفانه يكون الحال كما ذكرناه، وإن لم يوجد من الأكفان إلا ثوب قصير كفن به، لما روى أن حمزة بن عبدالمطلب لما قتل في أُحدٍ كفنه رسول اللّه÷ برداء إذا غُطي رأسه بدت رجلاه، وإن غُطيت رجلاه بدا رأسه، فقال الرسول÷: ((غطوا رأسه واجعلوا على رجليه شيئاً من الحشيش))(1).
ولأن الرأس أفضل ما في بدن الإنسان فكان أحق بالتغطية، وروي عن الرسول÷ أنه قال: ((غطوا رؤوس موتاكم وخمروها ولا تكشفوها كاليهود))(2).
__________
(1) رواه في (نيل الأوطار) عن خباب أن حمزة لم يوجد له كفن إلإ بردة ملحاء إذا جعلت على قدميه قلصت عن رأسه حتى مدت على رأسه وجعل على قدميه الاذخر، رواه أحمد، والحديث في (المستدرك) 2/131 و(الكبرى) للبيهقي 3/401 ومصنف ابن أبي شيبة 2/463، ومسند أحمد 6/395 وغيرها، وأورده ابن بهران في (تخريج البحر) 2/106.
(2) عن أبي أسيد الساعدي بلفظ: كنا مع رسول الله÷ على قبر حمزة بن عبد المطلب فجعلوا يجرون النمرة على وجهه فتنكشف قدماه ويجرونها على قدميه فينكشف وجهه، فقال رسول الله÷: ((اجعلوها على وجهه واجعلوا على قدميه من هذا الشجر)) قال: هذا طرف من حديث رواه الطبراني.