والحجة على هذا: ما في حديث أم عطية الأنصارية أن الرسول دخل علينا حين توفيت ابنته فقال: ((اغسلنها ثلاثاً بالحرض والسدر والكافور))(1).
فجمع بين الأمور الثلاثة ولن تكون إلا بما ذكرناه في الأولى والثانية والثالثة.
الوجه الثاني: أنه يُغسل في المرة الأولى بالحرض والسدر، والثانية بماء الكافور، والثالثة بالماء القراح. وهذا هو رأي الناصر، ومحكي عن الصادق جعفر.
والحجة على هذا: ما روي أن رسول اللّه أمرهن أن يغسلن رقية بنت رسول اللّه ثلاثاً لما ماتت، أولهن بالحرض والسدر، والثانية بالكافور، والثالثة بالماء القراح. فقد اتفق الإمامان الهادي والناصر على استحباب الحرض في المرة الأولى في حق الأموات كما ترى، والحرض: هو التراب لما يحصل فيه من الإزالة والقوة في رفع الكدر والدرن.
الوجه الثالث: أن تكون الغسلة الأولى بالماء القراح والسدر،والغسلة الثانية بالماء القراح والسدر، والغسلة الثالثة بالماء القراح والكافور، ويستحب أن يكون الكافور في كل الغسلات الثلاث إن كان ممكناً، وإن لم يمكن كان في الغسلة الثالثة. وهذا هو رأي الشافعي، ولم يذكر الحرض في شيء من الغسلات.
والحجة على هذا: ما روي أنه قال في تعليمهن لغسل ابنته: ((اغسلنها ثلاثاً أو خمساً بماء وسدرأو أكثر إن رأيتن)) ويجعلن في الغسلة الأخيرة كافوراً أو شيئاً من الكافور، وظاهره دال على أن كل غسلة منها تكون بالسدر.
__________
(1) هذا الخبر والخبران السابقان له، حديث واحد روته أم عطية الأنصارية بلفظ: دخل علينا رسول الله حين توفيت ابنته فقال: ((اغسلنها ثلاثاً أو خمساً أو أكثر من ذلك)) وفي رواية: ((أو سبعاً إن رأيتن ذلك، بماء وسدر واجعلن في الآخرة كافوراً أو شيئاً من كافور، فإذا فرغتن فآذنني)) فلما فرغنا آذناه فأعطانا حقوه، أي إزاره، فقال: ((أشعرنها إياه)) أي: اجعلنه مما يلي جسدها. اهـ. (تخريج البحر) 2/102.

الوجه الرابع: أنه يُغسل أولاً بالماء القراح ثم يُغسل ثانياً بالماء القراح والسدر، ثم يغسله ثالثاً بالماء القراح والحرض وليكن الماء الأول مسخناً بالنار، والماء الثاني يغلى بالسدر، والماء الثالث يغلى بالحرض، وهذا كله رأي أبي حنيفة. حكاه الكرخي من أصحابه.
والحجة على هذا: هو أن الماء إذا كان مسخناً ومغلياً بالسدر والحرض، كان أدخل في الإزالة وأعظم قلعاً لما علق في الجسم من الأدران، فلهذا استحب التسخين في الماء مع هذه الأخلاط التي قد دل عليها الشرع، هذه رواية الكرخي.
وحكى أصحاب الشافعي عنه أنه قال: يستحب في الأول الغسل بالماء القراح، وفي الثانية بالماء والسدر، وفي الثالثة بالماء القراح.
المسألة السادسة: مشتملة على أحكام تتعلق بالغسل وجملتها خمسة:
الحكم الأول: هل تقلم أظفار الميت وتحلق عانته ويقصر شاربه وينتف إبطه أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه لا يزال عنه شيء من ذلك. وهذا هو رأي أئمة العترة، ومحكي عن أبي يوسف وأبي حنيفة ومحمد.
والحجة على هذا: هو أن ما هذا حاله إزالة جزء من أجزائه فلم يجز ذلك وكما لو سرق ثم مات لم تقطع يده.
المذهب الثاني: أنه يجوز. وهذا هو رأي مالك، وأحد قولي الشافعي.
والحجة على هذا: قوله : ((افعلوا بميتكم ما تفعلونه بعروسكم))(1).
والعروس يفعل به هكذا.
__________
(1) أخرجه في (تلخيص الحبير) 2/106، وفي (خلاصة البدر المنير) 1/255، وقال: قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، وأورد ابن بهران عن (الشفاء) أن أئمتهم" ردوا هذا الخبر.
…وقال في (التلخيص): هذا الحديث ذكره الغزالي في (الوسيط) بلفظ: ((افعلوا بموتاكم كما تفعلون بأحيائكم)) وتعقبه ابن الصلاح بقوله: بحثت عنه فلم أجده ثابتاً، قال أبو شامة في كتاب السواك: فهذا الحديث غير معروف، اهـ بلفظه من (تخريج البحر) 2/202.

والمختار: أنه لا يزال شيء من أجزاء الميت ويجب صيانته بكل حال، ولأن ما هذا حاله إنما يفعل بالأحياء لما فيه من الزينة دون الأموات.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: روي عن الرسول أنه قال: ((افعلوا بميتكم ما تفعلون بعروسكم)). وهذا ما يفعل بالعروس.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن هذا معارض بما رويناه عن عائشة من إنكارها لذلك على من فعله.
وأما ثانياً: فلأنه محمول على فعل الطيب وإزالة الدرن دون ما فيه قطع مما يتصل به.
قالوا: إنما هذا حاله تنظيف له فجاز كإزالة الدرن وسائر الأقذار.
قلنا: إن إزالة الأدران والأقذار ليس فيها قطع لشيء منه وليس هكذا إزالة الشعور فإن فيها قطعاً مما يتصل به فافترقا.
الحكم الثاني: هل يطلى بالنورة أم لا؟ فينظر فيه فإن كان طلاؤه بالنورة لأجل تطهيره وتنظيفه عن الأدران والأقذار جاز ذلك كما يفعل بالسدر والصابون والأشنان لإزالة ذلك، وإن كان فعله من أجل إزالة الشعر كما يفعل بالموسى لم يجز ذلك لما فيه من إزالة جزء من أجزائه وهو ممنوع كما أشرنا إليه.
واعلم أن ظاهر النقل من مذهب الشافعي جواز إزالة هذه الشعور وتقليم الأظفار واستحباب ذلك، والصحيح من مذهبه ما حققه الشيخ أبو حامد من أصحابه، أنه لا خلاف على المذهب أن ذلك غير مستحب، ولكن هل يكره أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: كراهة ذلك لما فيه من قطع جزء من أجزائه.
وثانيهما: أنه لا يكره لقوله : ((افعلوا بميتكم مثل ما تفعلونه بعروسكم)). والعروس يفعل به هكذا فكذلك الميت، وروي أن سعد بن أبي وقاص غسل ميتاً ودعى بموسى وحلق عانته.
الحكم الثالث: شعر الرأس هل يحلق أم لا؟ فالظاهر من المذهب أنه لا يحلق رأسه. وهو المحكي عن الشافعي لأن حلق الرأس إنما يحلق لزينة أو لأداء نسك، والميت ليس عليه نسك ولا يصلح لزينة، وحكي عن بعض أصحاب الشافعي أنه إن كان ممن يحلق رأسه في العادة جاز حلقه، وإن كان ممن لا يحلق رأسه لم يحلق.

والمختار للمذهب: ما قررناه أولاً أن ذلك إزالة جزء من أجزائه فلا يجوز كالختان.
الحكم الرابع: وإذا تساقط شيء من شعره بعد الغسل فالظاهر من المذهب أنه يرد في كفنه. وهو محكي عن أبي حنيفة، وحكي عن المزني من أصحاب الشافعي أنه ينبذ ويطرح كما تنبذ قلامة الظفر في حال الحياة، وعن بعض أصحاب الشافعي أنه يدفن على حدة لأنه قد بطل اتصاله بالميت فلهذا دفن وحده.
والحجة على ما قلناه: ما روي عن أمير المؤمنين كرم اله وجهه أنه قال: واردد هذا ـ يعني الشعر ـ فإن كل شيء يقع من بني آدم فهو ميت وإنه يأتي يوم القيامة بكل شعرة نور. ولأن الميت من حقه أن تدفن جميع أجزائه [معه] وهذا من أجزائه فيجب دفنه معه.
الحكم الخامس: وإذا مات الرجل وهو أغلف يعني من غير ختان، فهل يختن أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه يمتنع ختانه بعد موته. وهذا هو رأي أئمة العترة وهو الأصح من قولي الشافعي، لأنه قطع عضو ولا يجوز قطع عضو من الميت.
وثانيهما: أنه يختن. وذلك على قولين:
أحدهما: أنه يختن صغيراً كان أو كبيراً.
وثانيهما: أنه إن كان صغيراً لم يختن، وإن كان كبيراً ختن.
والمختار: هو المنع من ذلك كما قاله أصحابنا لما روي عن الرسول أنه قال: ((الختان مكرمة للنساء، مطهرة للرجال)). وهذا إنما يختص حال الحياة دون الموت.
وهل يجوز أخذ الأجرة على غسل الميت أم لا؟ فيه تردد.
والمختار: أنه لا يجوز أخذ الأجرة عليه لأنه واجب على الكفاية فلا يجوز أخذ الأجرة عليه كالجهاد.
قال المؤيد بالله: والأقرب عندي أنه ليس لغاسل الميت أخذ الأجرة على غسله لأنه عبادة، ولهذا كان مفتقراً إلى النية.

وقال أيضاً: والختان وإن كان واجباً فإن وجوبه على المختون لا على غيره، فإن أمر به غيره واستأجره جاز فلهذا يجوز أخذ الأجرة عليه. ورأي الهادي والمؤيد بالله هو وجوب الختان على الرجال والنساء. وهو محكي عن الشافعي أيضاً لما روي عن الرسول أنه قال لرجلٍ أغلف: ((اختتن)). فقال: إني أخاف على نفسي. فقال: ((أما إذا خفت على نفسك فدع)). وظاهر الأمر للوجوب إلا لدلالة.
ولا يجعل في الماء الذي يغسل به الميت شيء من الطيب إلا الكافور لما في حديث أم عطية: ((واجعلن فيه شيئاً من الكافور)). فخص الكافور دون غيره، فأما السدر فليس من الطيب في شيء وإنما يستعمل من أجل النظافة كالدلوك(1) والأشنان والصابون، ولأن الحاجة في الطيب إنما تكون في الكفن كما سنقرره، وفي الميت، فأما الماء فلم يرد الشرع إلا بما ذكرناه فلا حاجة إلى مخالفة السنة.
المسألة السابعة: وإن خرج من أحد فرجي الميت خارج بعد غسله ثلاثاً نظرت، فإن كان الخارج بعد وضعه في كفنه وإدراجه فيه لم يعد عليه الغسل ولا الوضوء ولا يفعل فيه شيء لأنه قد انتقل من حالة إلى حالة فصار كما لو حدث به حادث بعد وضعه في قبره، وإن حدث الحادث قبل إدراجه في أكفانه، ففي ما يفعل به مذاهب أربعة:
المذهب الأول: أنه يتمم الغسل خمساً، فإن خرج خارج بعد الخمس تمم سبعاً، فإن خرج خارج بعد السبع لم يزد على ذلك شيء واحتيل في سد المخرج بالقطنة. وهذا هو رأي أئمة العترة الهادي والقاسم والناصر والمؤيد بالله، وأحد أقوال الشافعي.
__________
(1) الدلوك: ما تُدلك به من طيب أو غيره. وقد دلكت الشمس عن كبد السماء، واسم ذلك الوقت: الدلك، قال الفراء: جابر عن ابن عباس، في دلوك الشمس، أنه زوالها الظهر، قال: ورأيت العرب يذهبون بالدلوك إلى غياب الشمس، وتدلك الرجل: أي دلك جسده عند الاغتسال. اهـ (لسان) 10/426).

والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أنه قال لأم عطية في غسل ابنته: ((اغسلنها ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً إن رأيتن ذلك)). فعلق العدد في الخمس والسبع إلى رأيهن ونظرهن، وليس المقصود وقف ذلك على شهوتهن فإن ذلك أمر شرعي لا يمكن وقفه على الشهوة والإرادة من جهتهن، وإنما الغرض ما يقتضيه الشرع ويقتضيه حكمه وأمره وليس ذلك إلا إذا حدث حادث يقتضي تكرير الغسل، فلهذا قضينا بتكريره إلى هذه الغاية التي قد دل عليها الشرع، فأما إذا خرج خارج بعد تجاوز هذه العدة فلا يتعلق به حكم شرعي ويدرج في أكفانه من غير عمل.
المذهب الثاني: أنه يغسل الموضع وتزال عنه النجاسة لا غير. وهذا هو قول أبي حنيفة ومالك والثوري ومحكي عن المزني من أصحاب الشافعي.
والحجة على هذا: هو أن غسله قد صح فلا يبطل بالحدث كالجنب إذا اغتسل وحدث منه حادث فإنه لا يعاد غسله.
المذهب الثالث: محكي عن أبي إسحاق من أصحاب الشافعي: وهو أنه يجب علينا غسل الموضع من النجاسة وإعادة غسل أعضاء الوضوء.
والحجة على هذا: هو أن الجنب إذا وجب عليه الغسل فاغتسل وحدث منه حادث فإنه يعيد الوضوء لا غير، فإذا كان الحي حكمه هكذا فكذلك الميت.
المذهب الرابع: أنه يجب عليه غسل جميع بدنه. وهذا شيء يحكى عن أحمد بن حنبل، وأبي علي بن أبي هريرة من أصحاب الشافعي.
والحجة على هذا: هو أن الحدث في حق الميت إنما هو الموت، وهو الموجب للغسل فيجب إذا خرج شيء من سبيليه أن يكون موجباً لغسله بجامع كونه حدثاً، دليله: الموت.
والمختار: ما عول عليه علماء العترة ومن وافقهم.
وحجتهم: ما ذكرناه..
ونزيد هاهنا، وهو أن المستحاضة ومن به سلس البول وسيلان الجرح إذا استدام ذلك وكان لا يمكن رده ولا يتأتا غسله فإنه يسد الموضع بالقطنة ويصلي مع ذلك ولا يجب تكرير الطهارة، فإذا ثبت ذلك في الحي وجب مثله في الميت من غير تفرقة بينهما.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.

قالوا: يغسل الموضع من النجاسة ولا يعاد الغسل كالجنب إذا خرج منه خارج بعد الإغتسال. كما حكي عن أبي حنيفة وغيره.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن الشرع قد أشار إلى غاية في إيجاب الغسل فيجب الإقتصار عليه ولا يجوز إهماله.
وأما ثانياً: فلأن ما ذكروه إنما يكون بعد وجوب الغسلات السبع فإذا تجاوزناها وخرج بعدها خارج لم يتعلق به حكم بحال.
قالوا: يعيد الوضوء لا غير. كما حكي عن بعض أصحاب الشافعي، كما في الجنب إذا حدث منه حادث بعد الإغتسال.
قلنا: الوضوء لم تدل عليه دلالة وفي إيجاب الغسلات كفاية عن إيجاب الوضوء فلا وجه لإيجاب الوضوء.
قالوا: يجب عليه غسل بدنه. كما حكي عن أحمد بن حنبل وغيره لأن حدث الموت يوجب الغسل فيجب في كل ما خرج من الميت أن يكون موجباً للغسل.
قلنا: قد دل الشرع على وجوب الغسل خمس مرات وسبع مرات فلا وجه لإيجاب الغسل مرة واحدة.
المسألة الثامنة: والمرأة في وجوب الغسل من الموت كالرجل، وينبغي أن يكون سترها أعظم من ستر الرجل لأنها كلها عورة.
قال الهادي في المنتخب: وتغسل في موضع مستور من فوقه. وأراد أن الموضع إن كان مظلماً فهو ساتر، وإن كان مضيئاً سُجِّي من فوقه بثوب يستر الغاسل لأن ذلك يكون أقرب إلى السترة لها.
ويستحب ألا ينظر إليها أحد إلا من يتولى غسلها من النساء لأنه ربما حدث منها ما يكره فلا ينبغي الإطلاع على ذلك. لما روى زيد بن علي عن علي أنه قال: قال رسول اللّه : ((من غسل أخاً له مسلماً فنظفه ولم يقذره ولم ينظر إلى عورته ولم يذكر منه سُوءاً ثم شيعه وصلى عليه ثم جلس حتى يدلى في قبره خرج من ذنوبه عطلاً)) (1)
__________
(1) أورده الإمام زيد بن علي في مسنده ص 161 (منشورات دار مكتبة الحياة- بيروت. لبنان 1966م).
…وفي الهامش: يقال: عُطل بالضم، وعاطل ومعطال، أي: خال، فيه لغتان: عطل وعطل، انتهى من شرح مقامات الحريري.
قال في (المصباح): عطلت المرأة عطلاً من باب قتل إذا لم يكن عليها حلي فهي عاطل وعطل بضمتين، وقوس عطل أيضاً لا وتر عليها. اهـ.

.
فإن كان لها شعر فكيف يصنع به؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه يضفر ثلاث ضفائر ويلقين خلفها. وهذا هو رأي أئمة العترة، ومحكي عن الشافعي.
والحجة على هذا: حديث أم عطية حيث قال الرسول : ((تجعل ثلاث غدائر ويلقين خلفها))(1).
من غير تسريح كما مر بيانه.
وثانيهما: أن يلقين بين ثدييها. وهذا هو رأي أبي حنيفة.
وحجته: أنه لا بد من مخالفة حال الحياة لحال الموت وليس ذلك إلا بإلقائهن بين ثدييها.
والمختار: هو الأول لأن الحديث أولى من القياس، فلهذا كان ما روته أم عطية أولى بالقبول.
فإذا فرغ الغاسل من غسل الميت رجلاً كان أو امرأة فالمستحب أن ينشفه بثوب قبل إدراجه في أكفانه ثم ينقله إلى الكفن، وإنما كان الأمر كما قلناه لأن العادة في الأحياء أنه إذا اغتسل فإنه يخرج من اغتساله إلى ثوب يتنشف به ثم يلبس ثيابه فهكذا حال الميت، ولأنه إذا لم يفعل ذلك لا يأمن أن تبتل أكفانه فيسرع إليه الفساد.
وإن تعذر غسل الميت لعدم الماء أو لغيره من أنواع المعاذير في الغسل وجب أن ييمم بالتراب لأنه غسل لا يتعلق بإزالة عين فناب التيمم عنه عند العجز كغسل الجنابة.
المسألة التاسعة: وإذا فرغ الغاسل من غسل الميت استحب له الغسل عند الأكثر من أئمة العترة، وهو محكي عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه، وغيره من الصحابة والتابعين، لما روى زيد بن علي قال: حدثني أبي عن أبيه أنه سئل عن غاسل الميت هل يغتسل أم لا؟ فقال: نعم يغتسل غاسل الميت. يشير به إلى الاستحباب.
وهل يجب أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه غير واجب. وهذا هو المحكي عن علي وابن عباس وابن عمر وعائشة، وهو قول كثير من التابعين، ومن الفقهاء أبو حنيفة وأصحابه، والشافعي وأصحابه.
__________
(1) أخرجه الترمذي 3/315، وابن أبي شيبة 2/457، وأحمد 6/408، والطبراني في (الكبير) 25/64.

والحجة على هذا: هو أن الميت طاهر، ومن غسله طاهر فهو كما لو غسل جنباً، ولأن الوجوب لا بد فيه من دلالة ولا دلالة على وجوبه.
المذهب الثاني: أنه واجب. وهذا شيء يحكى عن الناصر وغيره من أصحاب الحديث، ومحكي عن أبي هريرة.
والحجة على هذا: ما روى أبو هريرة عن الرسول أنه قال: ((من غسل ميتاً فليغتسل، ومن مسه فليتوضأ)) (1).
ورواية ثانية عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه.
والمختار: هو الأول.
وحجتهم: ما ذكرناه..
ونزيد هاهنا: وهو ما روى ابن عباس رضي الله عنه عن الرسول أنه قال: ((لا غسل عليكم من غسل موتاكم حسبكم أن تغسلوا أيديكم)) (2).
وهذا نص فيما نريده من استحبابه وعدم وجوبه.
الحجة الثانية: ما روي عن عائشة، أنها قالت: أأنجاس - تريد الإنكار على من أوجب الغسل من غسل الميت - وهذا لا تقوله إلا عن توقيف من جهة الرسول لأن هذا لا مدخل له في الاجتهاد.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: روى أبو هريرة: ((من غسل ميتاً فليغتسل)). والأمر للوجوب.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن الأمر محمول على الاستحباب ودلالته على الوجوب لا بد فيه من دلالة ولا دلالة هاهنا.
وأما ثانياً: فلأن هذا معارض بما رويناه من الأحاديث وإذا تعارضا فلا بد من الترجيح، ولا شك أن أخبارنا أكثر وأدل على المقصود فلهذا كانت أحق بالعمل والقبول.
فأما قوله: ((ومن مسه فليتوضأ)). فالمراد به وضوء اليد وغسلها.
ويؤيد حمل الوضوء على ما ذكرناه: قوله : ((الوضوء قبل الطعام ينفي الفقر والوضوء بعد الطعام ينفي اللمم)) (3).
يعني: الجنون.
__________
(1) أورده البيهقي في (الكبرى) 1/300، وابن أبي شيبة في مصنفه 3/47، وعبد الرزاق في المصنف 3/408، وأحمد في المسند 2/454.
(2) ذكره الدارقطني في سننه2/76، وفي (ميزان الاعتدال) 5/337.
(3) أورده في (مسند الشهاب) 1/205، و(فيض القدير) 6/376، و(ميزان الاعتدال)6/538.

المسألة العاشرة: وإذا تقرر أن الغسل من غسل الميت غير واجب. فهل هو آكد أو غسل الجمعة؟ فيه وجهان:
أحدهما: أن غسل الجمعة آكد لأن الأخبار فيه أكثر وأوفر.
وثانيهما: أن الغسل من غسل الميت آكد لأنه مختلف في وجوبه، ومن أصحاب الشافعي من ذهب إلى أن الغسل من غسل الميت آكد في الوجوب من غسل يوم الجمعة. وهو العمراني صاحب البيان. وهذا فاسد، فإن كان ترجيح تأكيده من جهة أن الخلاف في وجوبه [حاصل] فكل واحد منهما(1) قد قال قائل بوجوبه، وإن كان ترجيحه من جهة أخرى فلا بد من ذكرها حتى ينظر في قوتها وضعفها.
والمختار: أن غسل يوم الجمعة آكد لأن الأحاديث الواردة في فضله كثيرة، وممن قال بوجوبه: الحسن البصري وداود وطبقته من أهل الظاهر.
ومن جهة أن غسل يوم الجمعة مؤقت بوقت بخلاف الغسل من غسل الميت فإنه أمر مطلق معلق بسبب، فلا شك أنه(2)
مشبه للصلوات المكتوبة في كونه مؤقتاً كما هي مؤقتة بوقت، وما كان مشبهاً للفرائض فهو آكد مما لا يكون مشبهاً لها.
ويستحب لمن غسل ميتاً ورأى ما يعجبه منه مما يدل على سلامته من النار وفوزه بالجنة نحو تهلل وجهه ووضوحه عند غسله أن يظهر ذلك ويتحدث به ليكون ذلك سبباً في الدعاء إلى الخير والإشتغال بالأعمال الصالحة.
وإن رأى ما يكرهه مثل اسوداد وجهه أن يكتم ذلك ولا يظهره لما رويناه من حديث زيد بن علي وقد قدمناه، ولما روى أبو رافع عن الرسول أنه قال: ((من غسل ميتاً فكتم عنه غفر الله له أربعين مرة))(3).
وقوله: ((أربعين مرة)). يحتمل أنه يريد أربعين خطيئة، وهو الظاهر من المعنى. ويحتمل أن الله تعالى يكرر العفو بإسقاط العقوبة عن المعصية كما يكرر الأجر على الطاعة بزيادة الأجر، والأول أوضح وأظهر.
__________
(1) أي: غسل الجمعة والغسل من غسل الميت.
(2) يقصد: غسل يوم الجمعة.
(3) تقدم.

263 / 279
ع
En
A+
A-