وثانيهما: المنع لأنهما كما لا يُغْسلان فلا يَغْسِلان أحداً ممن مات من المسلمين.
وهذا هو المختار: لأنه غسل واجب فأشبه الغسل من الجنابة، ولأنه لا يتعلق بإزالة عين فأشبه غسل الجنابة.
وهل يفتقر إلى النية أم لا؟ فيه تردد نذكره في كيفية غسل الميت بمعونة الله تعالى.
وإن كان الميت امرأة فازدحم جمع يصلحون للغسل فإنه يبدأ بنساء المحارم، البنات والأخوات والجدات والعمات والخالات، ثم بعدهن بالأجنبيات المسلمات، ثم بعد ذلك بالزوج، ثم برجال المحارم، الأب والجد والإبن وابن الإبن وسائر العصبات كترتيبهم في الصلاة.
وإن كان الميت رجلاً فإنه يبدأ برجال المحارم، الأب والجد والإبن وابن الإبن، ثم بعدهم بالأجانب المسلمين، ثم بعد ذلك بالزوجة، ثم بنساء المحارم، الأمهات والجدات والبنات والأخوات، وتجب رعاية الترتيب فيما بين الرجال وحدهم، أو فيما بين النساء وحدهن فطريقه الأولى والاستحباب.
وقد تم الكلام فيما نريده من بيان الغاسل وما يتعلق به.
الفرع الثالث: في بيان كيفية الغسل للميت
الغَسْل بفتح الغين مصدر غسل يغسل غسلاً؛ كضرب يضرب ضرباً.
والغُسْل بضمها هو الإسم من المصدر.
والتفرقة بينهما: هو أن المصدر يتعلق بالفعل ويصدر عنه بخلاف الإسم فإنه لا يتعلق بالفعل بحالٍ.
والغِسل بالكسر هو ما يغسل به من سدر أو خطمي(1) أو صابون أو أشنان.
وأقل الغسل إمرار اليد على جميع الأعضاء، وأكمله تكرير الغسل ثلاث مرات.
ويتم المقصود من هذا الفرع بأن نرسم فيه مسائل إحدى عشرة:
__________
(1) في حاشية الأصل: الخطمي الذي يغسل به الرأس. اهـ.
المسألة الأولى: ينبغي لمن أراد أن يغسل الميت أن يستر موضعه الذي يغسله فيه فلا يراه إلا غاسله أو من لا بد له منه في الإعانة، ويغضون أبصارهم إلا فيما لا يمكن إلا بصره ليعرف الغاسل ما يغسل، لأنه قد يكون هناك عيب يكتمه فلهذا استحب غض الأبصار، وينبغي أن يكون الغاسل ثقة أميناً لما روي عن عمر أنه قال: لا يغسل موتاكم إلا المأمونون. ولأنه إذا لم يكن ثقة لم يؤمن ألا يستوفي الغسل، أو يظهر ما يرى من قبيح ويكتم ما يرى من جميل.
ويستحب: ألا يكون مع الغاسل إلا من لا بد له منه في الإعانة إذ لا حاجة إلى ما زاد على ذلك ولأن الميت إذا كان مجرداً من ثيابه فإنه لا يؤمن أن يرى فيه ما هو عورة لأنه منكشف للغسل وقد قال : ((يا علي لا تنظر إلى فخذ حيٍّ ولا ميت)).
وهل يجرد من ثيابه أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه يجرد من ثيابه. وهذا هو الذي أشار إليه الإمامان الهادي والمؤيد بالله، ومحكي عن أبي حنيفة وأصحابه.
والحجة على هذا: هو أن الغرض تطهيره من جميع النجاسات المتصلة به، وهو مع التجريد أكثر تنقية وأعظم إزالة للنجاسة لأن النجاسات ربما تنحبس مع القميص إذا غسل فيه.
المذهب الثاني: أنه لا يجرد ويغسل في قميص رقيق لكي إذا صب الماء نزل ولم يقف، فإن كانت أكمام القميص واسعة أدخل الغاسل يده فيه وصب المعين للغاسل الماء من فوق القميص، وإن كانت أكمامه ضيقة نزع القميص وطرح على عورته خرقة تسترها.
وحكي عن أبي علي بن أبي هريرة: أنه يفتق التخاريص ويدخل يده. وهذا هو المحكي عن الشافعي ومالك وأحمد بن حنبل.
والحجة على هذا: ما روت عائشة أنه لما توفي رسول اللّه سمعنا صوتاً ولا ندري من يتكلم به فقال: اغسلوا نبي الله في ثيابه. فغسل أمير المؤمنين كرم الله وجهه رسول اللّه في قميصه، والماء يصب من فوق القميص، ولأن ذلك يكون أستر فلهذا كان هو الأولى.
والمختار: هو التجريد، كما قاله الهادي والمؤيد بالله، ومن تابعهما.
وحجتهم: ما ذكرناه.
ونزيد هاهنا وهو أنه غسل يعم جميع الجسد فاستحب فيه التجريد كغسل الجنابة، ولأنه غسل مأمور به فاستحب فيه التجريد كسائر الغسلات الواجبة.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: روت عائشة أن الرسول غسل في قميصه فلهذا استحب.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن ما هذا حاله كان خاصاً برسول اللّه فلا يقاس عليه غيره.
ويؤيد ما ذكرناه: هو أنهم قد كانوا عزموا على تجريده لولا ما سمعوه من الهاتف الذي يسمع كلامه ولا يرى شبحه، وفي هذا دلالة على أن السنة التجريد.
وأما ثانياً: فلأنه كان طيباً حياً وميتاً ليس تعلق في جسمه نجاسة فلهذا استحب غسله في قميصة.
ومن وجه آخر: وهو أنه إنما خص بالغسل في قميصه مخافة أن ينكشف شيء من عورته وقد خصه الله تعالى بهذه الخاصة فلم يطلع عليها أحد من أهل الدنيا.
المسألة الثانية: قال الهادي في الأحكام: ومن أراد أن يغسل الميت فإنه يضعه على مغتسله مستلقياً على قفاه مستقبلاً بوجهه القبلة ويوضع على فرجه خرقة.
ويستحب أن يكون وضعه على لوح مهيئاً للغسل ليكون أسهل في علاج الغسل وليكن اللوح منحدراً من قبل رجليه مخافة أن يستنقع الماء فتسترخي مفاصله، ولأن ذلك أطهر وأنقى.
ويستحب وضع الخرقة على عورته مخافة أن يطلع عليها عند غسله، ولم يذكر الهادي والقاسم والمؤيد بالله تليين مفاصله عند وضعه على اللوح وإنما ذكروا ذلك عند خروج روحه.
وحكي عن المزني أنه قال: إذا وضع على اللوح فإنها تلين مفاصله. وهذا لا وجه له فإنه قد برد فلا ينفعه ذلك فلا معنى لما ذكره المزني.
ويستحب أن يكون مع الغاسل ثلاثة آنية: إناء كبير كالجب(1)
__________
(1) المزادة يخيط بعضها إلى بعض، كانوا ينتبذون فيها. اهـ. (لسان) 1/249. (ينتبذون: يضعون فيها النبيذ ويشربونه منها).
يكون فيه الماء [و] يكون من البعد مخافة أن يتطاير عليه شيء من النجاسات إن كانت هناك، وإناء أصغر منه بقرب الغاسل كالقصعة والإجانة(1)،
وإناء صغير يكون بيد المُعِين يغرف به من القصعة إلى الغاسل فوق بدن الميت.
وهل يكره تسخين الماء أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه يكره تسخينه إلا لبرد شديد أو عفونة في الميت لا يمكن إزالتها إلا بالماء [الساخن]. وهذا هو رأي أئمة العترة ومحكي عن الشافعي.
والحجة على هذا: هو أن الماء البارد يشدد بدن الميت ويصلبه، والماء الحار يرخيه فلهذا كره.
المذهب الثاني: أن الماء الحار هو أولى. وهذا هو المحكي عن أبي حنيفة.
والحجة على هذا: هو أن الماء الحار أدخل في إزالة النجاسة وأعظم في التنظيف لما فيه من الرقة والمبالغة في إزالة العفونات الحاصلة في بدن الميت.
والمختار: أنه لا حاجة للميت إلى تسخين الماء إلا أن يعرض ما ذكرناه من برد شديد أو عفونة لا تزول إلا بحرارة الماء، فأما إذا لم يكن هناك أحد الأمرين فلا وجه لتسخينه.
__________
(1) القصعة: الضخمة تشبع العشرة، والجمع: قيصَاع وقِصَع. اهـ (لسان) 8/274.
والإجانة والإنجانة والأجَّانة؛ الأخيرة طائية، عن اللحياني: المركن، وأفصحها: إجَّانة، واحدة الأجاجين، وهو بالفارسية: إكانة، قال الجوهري: ولا تقل: إنجانة. اهـ (لسان) 13/8.
ويستحب أن يعد الغاسل خرقتين، إحداهما يلفها على يده ويغسل بها فرجه وأسفله ثم يرمي بها، ويأخذ الأخرى ويغسل بها بقية بدنه لأنهما إذا كانتا خرقتين كان ذلك أقرب إلى النظافة وأبعد عن التقذير و[أقرب إلى] التنزه عما أصاب الخرقة الأولى من النجاسة لما روي أن أمير المؤمنين كرم الله وجهه في غسله لرسول اللّه كان بيده خرقة يتبع بها ما تحت القميص. ولو غسل الخرقة الأولى التي جعلها للإستنجاء غسلاً ناعماً وغسل سائر جسده [بها] جاز ذلك وكان أخف مؤنة وأسهل. ولا يجوز للغاسل أن يمس عورة الميت بيده ولا ينظر إليها، كما لا يجوز له ذلك في حال الحياة ويغض بصره عن النظر إلى سائر جسده، هكذا ذكره أصحابنا والفقهاء- أعني غض البصر عن سائر بدن الميت ولم أجد له وجهاً في الأحاديث عن الرسول ، ولا بأس به لأمرين:
أما أولاً: فلأنه يجوز بصره(1)
في حال الحياة فهكذا في حال الموت ولم تحرم إلا العورة كما في حال الحياة.
وأما ثانياً: فلأن في بصره أعظم عبرة وأبلغ موعظة لقوله : ((كفى بالموت واعظا))(2).
ويستحب أن يكون بالقرب منه مجمرة فيها بخور وعود مخافة أن يظهر شيء له ريح كريه من الميت فتضعف نفس الغاسل ومن يعينه ويفتر عن استقصاء الغسل للميت.
المسألة الثالثة: وأول ما يبدأ به الغاسل أن يُجلس الميت إجلاساً رفيقاً، إما مائلاً إلى الغاسل، وإما مائلاً إلى يسار الميت ولا ينصبه نصباً مستوياً لأنه إذا نصبه نصباً مستوياً لم يخرج شيء من بطنه.
قال المؤيد بالله: وإن علم الغاسل أنه إذا أجلسه كان أوعب لخروج ما يخرج منه أجلسه مستنداً إلى الغاسل ليخرج ما في بطنه إن كان هناك شيء قبل الغسل فلا يحتاج إلى إعادة غسله إذا خرج بعد الغسل.
__________
(1) يقصد النظر إليه، وكذا في التي تليها من: وأما ثانياً: فلأن في بصره، ثم ما جاء على شاكلتها.
(2) أخرجه في (مجمع الزوائد) 10/308، وفي (شعب الإيمان) 7/353.
قال الهادي: ويمر يده على بطنه ثلاثاً. وهل يكون الإمرار بليغاً أو خفيفاً؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه يكون خفيفاً. وهذا هو الذي أشار إليه الإمامان الهادي والمؤيد بالله لقوله : ((عليك بالرفق يا عائشة فإنه ما حصل في شيء إلا زانه ولا نزع من شيء إلا شانه)). ولم يفصل ولأنه إذا كان بليغاً لم يؤمن أن يوهي شيئاً من أعضاء الميت ويفسد معآءه ويغيرها.
وثانيهما: أنه يكون بليغاً قوياً. وهذا هو رأي الشافعي لما روي أن ابن عمر رضي الله عنه غسل عبدالله بن عبدالرحمن بن أبي بكر فنفضه نفضاً قوياً بليغاً وعصره عصراً شديداً.
والمختار: أن يكون العصر بليغاً. لأن الصحابي لا يفعله إلا عن توقيف من جهة الرسول ولأنه لا يضر الميت ما فعل به، ولأنه إذا فعل به ذلك وكان في جوفه شيء خرج منه، وإذا لم يفعل ذلك ربما خرج بعد كمال غسله أو بعد تكفينه فيفسد بدنه وكفنه بالنجاسة.
وإن كان الميت امرأة حاملاً لم يمسح بطنها صيانة للولد، فإن كان الولد حياً أخرج كما مر تقريره، وإن كان ميتاً ترك على حاله لأنه إذا مسح بطنها لا يؤمن خروج ما يخرج فلا حاجة إلى مسح بطنها، ثم يشرع الغاسل في الغسل.
والنية متعذرة من جهة الميت. وهل تجب على الغاسل أم لا؟ فيها وجهان:
أحدهما: أنها تجب على الغاسل، والميت محل لها.
ووجهه: أنه غسل واجب فأشبه غسل الجنابة في كونها واجبة.
وثانيهما: أنها غير واجبة لأنها شرعت تطهيراً للميت عن العفونة فلا يجب فيها نية كإزالة النجاسة(1).
والمختار: وجوبها لأنها من جملة القرب ولهذا فإنها لا تصح من الكافر، فلو مات مسلم وله زوجة ذمية على القول بجواز نكاح الكتابيات، لم يجز لها غسله لأنه قربة فلا يصح أداؤها من كافر. فينوي الغاسل عند شروعه في الغسل.
__________
(1) هكذا في الأصل، والصواب: لأنه شرع تطهيراً للميت فلا تجب فيه نية...إلخ؛ لأن الضمير هنا يعود للغسل بينما الضمير في (أنها غير واجبة) يعود للنية كما هو واضح، والله أعلم.
قال الأئمة الهادي والناصر والمؤيد بالله: غسل الميت كالغسل من الجنابة من غير فرق. وهو محكي عن أبي حنيفة وأصحابه والشافعي وأصحابه، وذلك لكونه واجباً فأشبه غسل الجنابة.
وهل تستحب المضمضة والإستنشاق للميت كما شرعتا في حق الجنب أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنهما مشروعتان. وهذا هو رأي الأئمة والشافعي.
والحجة على هذا: قوله لمن غسلن ابنته: ((ابدأن بمواضع الوضوء منها))(1).
ومعلوم أن المضمضة والإستنشاق من مواضع الوضوء.
وثانيهما: أنهما غير مشروعين في حق الأموات. وهذا هو رأي أبي حنيفة.
والحجة على هذا: هو أن المضمضة محل السواك وموضعه فكما أن السواك غير مشروع في حق الميت فهكذا حال المضمضة فهو تابع لها.
والمختار: أنهما مشروعتان في حق الميت كما يشرعان في حق الحي من غير تفرقة لما رويناه من الحديث.
__________
(1) أخرجه البخاري 1/73، ومسلم 2/648، وهو في سنن أبي داود 3/197، وسنن النسائي 4/30، ومسند أحمد 6/408، والخبر مروي عن أم عطية الأنصارية بلفظ: أن رسول الله قال لمن غسلن ابنته: ((ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها)).
…قال ابن بهران: وهذا طرف من حديث أخرجه الستة بروايات كثيرة.
المسألة الرابعة: ثم يلف الغاسل على يده إحدى الخرقتين المعدتين فيدخل يده التي لف عليها الخرقة وهي اليسار؛ لأن الإستنجاء يكون باليسار كما في حق الأحياء. ويكره الإستنجاء باليمين إلا لضرورة، فيغسل فرجيه قبله ودبره ويصب عليهما الماء غزيراً ليذهب ما كان عليهما من النجاسة ثم يرمي بهذه الخرقة ويغسل يده بماء وأشنان إن كان ممكناً ليذهب ما اتصل بها من الأقذار، ثم يأخذ الخرقة الثانية ويلفها على يده فيوضئ الميت فيبدأ بالمضمضة والإستنشاق ويدخل يده في فِيِه ويمرها على ظاهر أسنانه ويصب عليه الماء ولا يفتح فاه، ويدخل إحدى أنامله في أنفه ليزيل ما هناك من العفونة والدرن ثم يغسل وجهه ويديه ويمسح رأسه ويغسل رجليه، لقوله : ((ابدأن بمواضع الوضوء)). فإذا فرغ من توضئته غسل رأسه ولحيته إذا كانت.
ويستحب البداية بغسل رأسه قبل لحيته. وعن إبراهيم النخعي: يبدأ بغسل لحيته قبل رأسه. لأنه إذا بدأ بغسل لحيته ثم غسل رأسه بالسدر نزل الماء والسدر على لحيته فيحتاج إلى غسلها مرة ثانية، وإذا بدأ بغسل رأسه لم ينزل من رأسه على لحيته ما يكدرها فلهذا كانت البداية بالرأس أحق، ولأن الرأس أشرف ما في أعضاء الإنسان لأن فيه السمع والبصر.
ووجه ما ذكره النخعي: هو أن اللحية لها شرف وكرامة وهي محل العقل والوقار فلهذا استحب البداية بها.
قال المؤيد بالله: والوضوء للميت قبل غسله مستحب كما أشار إليه الهادي في الأحكام، ولا يجب الترتيب في الغسل وله أن يبدأ بأي عضو شاء كما في الغسل من الجنابة وقد مضى تقريره في الغسل.
فإن كان رأسه ولحيته شعرهما متلبداً، فهل يستحب التسريح لهما بالمشط أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أن ذلك غير مستحب. وهذا هو رأي أئمة العترة ومحكي عن أبي حنيفة.
قال الهادي في الأحكام: ولا يمشط شعره.
والحجة على هذا: ما روي عن عائشة أنها قالت لنسوة مشطن شعر امرأة: مالكن تصنعن بموتاكن هكذا؟ منكرة لما فعلنه من المشط، ومثل هذا لا يقوله الصحابي إلا عن توقيف من جهة الرسول لأنه لا مدخل للإجتهاد فيه.
المذهب الثاني: استحباب المشط بمشط مفرج الأسنان. وهذا هو رأي الشافعي.
والحجة على هذا: ما روي عن أم عطية أنها قالت: ضفرنا شعر بنت رسول اللّه ثلاثة قرون وألقيناها من خلفها، وهذا لا يكون إلا بعد التسريح.
والمختار: ما عليه أئمة العترة، وأنه غير مستحب لأنه لا يؤمن مع التسريح أن يتساقط الشعر، والشرع ورد بصيانة الميت عن إذهاب شيء من أجزائه، ولأن ما هذا حاله إنما هو من زينة الدنيا، والأموات فهم في شغل عن زينة الدنيا ولذاتها.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: حديث أم عطية من إلقاء الذوائب خلفها لما غسلت رقية بنت رسول اللّه ولا يمكن ذلك إلا بعد التسريح.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فليس فيه ذكر التسريح بالمشط فلا يجوز إثباته من غير دلالة.
وأما ثانياً: فلأن الإلقاء له خلفها وجعله ثلاثة قرون يمكن من غير تسريح بأن يضم بعضه إلى بعض.
المسألة الخامسة: فإذا فرغ من غسل رأسه ولحيته بالماء والسدر غسل صفحة عنقه اليمنى ثم شق صدره وجنبه وفخذه وساقه الأيمن ثم يعود إلى شقه الأيسر فيغسله من صفحة عنقه الأيسر كذلك، هذا في حال إجلاسه على اللوح، ثم يميله على جانبه الأيسر فيغسل جانب ظهره الأيمن وقفاه إلى ساقه الأيسر. ويستحب أن يستقصي في المبالغة في تطهيره وتنظيفه.
قال الهادي في الأحكام: ويستقصي على غسل ظهره وبطنه وأفخاذه وبين أرفاغه ـ يعني معاطفه وغضونه ـ وينقي أظفاره، وإن كان بالميت درن كثير لدوام المرض وبعد تعهده بالماء وكان تزيله الأشنان جاز استعماله واستعمال الصابون لزواله لأن المقصود هو النظافة وإزالة العفونة. والواجب غسلة واحدة ولا خلاف بين أئمة العترة وفقهاء الأمة، لما روي عن الرسول في المحرم الذي خرَّ من بعيره فمات ((أغسلوه بماء وسدر))، وذلك لا يقتضي أكثر من مرة واحدة، ولأن غسل الجنابة والحيض والنفاس للأحياء يجزئ مرة واحدة فهكذا غسل الميت.
وهل يكون للغسل حد في العدد أم لا؟
فالذي عليه أئمة العترة والأكثر من الفقهاء أن له حداً وهو الوتر. لما روي عن الرسول أنه قال لأم عطية: ((اغسلنها ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً))(1).
وحكي عن مالك: أنه لا حد للغسل.
والحجة على هذا: هو أن المقصود هو التنظيف وإزالة الكدر على أي وجه زال من غير حاجة إلى التقدير.
والمختار: هو تقديره، وأنه لا يتجاوز السبع لما حكيناه من حديث أم عطية، ولأنه لا قائل بالزيادة على السبع فوجب الإقتصار عليها.
ويستحب أن تكون الغسلات ثلاثاً لحديث أم عطية، ولأنها طهارة حكمية مفعولة لأجل الصلاة فاستحب أن تكون ثلاثاً كالطهارة من الحدث.
وإذا قلنا باستحباب الثلاث ففي كيفية استعمالها أربعة أوجه:
الوجه الأول: أن يُغسل رأسه ووجهه وجميع بدنه وأرفاغه بالحرض(2) ثم يُغسل الحرض بالماء القراح، ثم يُغسل مرة ثانية بالسدر، ثم يغسل السدر بالماء القراح ثم يغسل في المرة الثالثة بالماء القراح ويجعل فيه الكافور. وهذا هو رأي الهادي والمؤيد بالله، أعني: الجمع بين الحرض والسدر والكافور.
__________
(1) أخرجه البخاري 1/423، ومسلم 2/647، وأبو داود3/197،والسنائي 4/30، وهو في صحيح ابن حبان 7/302، والسنن الكبرى للبيهقي 3/389.
(2) في حاشية الأصل: الحَرَضُ والحُرُضُ: الأشنان، قاله الجوهري. اهـ.