والحجة على هذا: هو أنها محرمة الوطئ عليه فأشبهت المبتوتة.
والمختار: هو الأول.
وحجتهم: ما ذكرناه.
ونزيد هاهنا: وهو أن الزوج كان له وطؤها بحكم النكاح فلهذا جاز له غسلها كغير المطلقة.
وإن بانت المرأة عن زوجها بردة أو خلع أو طلاق قبل الدخول أو كان الطلاق ثالثاً لم يجز لكل واحدٍ منهما أن يغسل صاحبه فإذا ماتت لم يغسلها لأنها قد صارت أجنبية عنه بالبينونة، وإن مات لم تغسله لبطلان النكاح فيصير أجنبياً عنها. وحيث سوغنا لكل واحد من الزوجين أن يغسل صاحبه فإن الواجب أن يتقيا النظر إلى عورة كل واحد منهما لأن الشرع إنما أباح ذلك في حال الحياة لأجل حل الاستمتاع بينهما فإذا ارتفع ذلك بالموت وجب أن يتقيا النظر كما يجب ذلك في الأجانب.
والإخوة لأم هل يقدمون على الأب والجد أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنهم يقدمون لأن لهم مزيد شفقة ورحمة لكونهم ركضوا هم والميت في بطن واحدٍ.
وثانيهما: أنهم لا يقدمون لأن ما ذكرناه حق للتعصيب ولا مدخل لهم في العصوبة. فإن كانوا عصبات مع اختصاصهم بإخوة الأم كانوا أحق بالتقديم على سائر العصبات لما ذكرناه من الاختصاص.
المسألة الثالثة: وإذا مات رجل بين نسوة أو امرأة بين رجال، نظرت فإن كان للرجل محرم من الرجال أو النساء، أو كان للمرأة محرم من الرجال أو النساء فإنه يغسله ويوزره ويسكب عليه الماء سكباً ويغسل يديه وينقيه ولا يمس العورة. وهذا هو رأي الهادي وهو محكي عن الشافعي.
قال القاسم في الرجل تموت ابنته في السفر وليس معها نساء: إنه يغسلها ويجتنب النظر إلى العورة.
والحجة على هذا: هو أن المحرم يجوز له النظر إلى محرمه في حال حياته ويمس منه ما ليس بعورة، فهكذا يجوز له أن يفعل ذلك بعد موته، وهكذا حال الصغير والصغيرة فإنه لما جاز للأجنبي أن ينظر إليهما في حال الحياة جاز أن يغسلهما بعد الممات لأن حالهما بعد الموت كحالهما قبل ذلك، فإذا صح هذا فعليه أن يوزره وليكن التأزير ما دون السرة وتحت الركبة كما مضى تقريره في العورة وينقيه غسلاً ولا يمس العورة ويجتنب النظر.
وحكي عن أبي حنيفة أنه ييمم محرماً كان أو أجنبياً ولا يجوز لأحد من الرجال محرماً كان أو زوجاً غسل النساء. وحكي عن الشافعي مثل هذا. فلا جرم كان له قولان في المحرم.
والحجة على هذا: ما يعلم من مقصود الشرع من المحافظة على العورة.
ويؤيد ذلك قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَِزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلاَبِيبِهِنَّ}[الأحزاب:59]. وقوله تعالى: {وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ على جُيُوبِهِنَّ}[النور:31]. وإذا كان الأمر كما قلنا فلا يجوز مع اختلاف الجنسين الإطلاع على العورة فلا يحل غسل الرجال للنساء ولا غسل النساء للرجال لما ذكرناه.
والمختار: ما عول عليه الإمامان القاسم والهادي ومن تابعهما على وجوب غسل المحارم لمن يختصهم إذا اضطروا إلى ذلك.
وحجتهم: ما ذكرناه.
ونزيد هاهنا: وهو أن غسل الموتى واجب كما قررناه فإذا أمكن الوفاء به على الصورة التي أشرنا إليها فلا حاجة إلى العدول إلى التيمم مع إمكان استعمال الماء والكف عن العورة.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: حفظ العورة مقصود من جهة الشرع، والطهارة بالماء عنها عوض وهو العدول إلى التيمم. وحفظ العورة لا بدل له فلهذا وجب العدول إلى التيمم في الصورة التي قررناها.
قلنا: إنا لا ننكر أن حفظ العورة ليس له بدل بخلاف الطهارة ولكن إذا أمكن الوفاء بالتطهير للميت على الوجه الذي ذكرناه كان واجباً جارياً على القواعد الشرعية ولأنه لا يعدل إلى البدل إلا بعد الإياس عن المبدل منه ولا يعدل إلى التيمم إلا بعد الإياس من الطهارة وهي ممكنة على النحو الذي ذكرناه.
المسألة الرابعة: إذا لم يكن هناك محرم للرجل بين النسوة منهن، ولا محرم للمرأة بين الرجال منهم، فما يكون الحكم في ذلك؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أن يجعل الغاسل على يده خرقة ويصب الماء ويمر الغاسل يده عليه وينقيه لأنه يمكن غسله وتنقيته بذلك. وهذا هو رأي الهادي والقاسم وأحد قولي الشافعي، وإحدى الروايتين عن أبي حنيفة وبه قال قتادة والزهري والنخعي.
والحجة على هذا: ما روى زيد بن علي عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه عن الرسول أنه أتاه نفر فقالوا له: إن امرأة معنا توفيت وليس معها ذو محرم لها؟ فقال: ((كيف صنعتم))؟ قالوا: صببنا الماء صباً. فقال: ((ما وجدتم امرأة من أهل الكتاب تغسلها؟)). قالوا: لا. قال: ((أولا يممتموها)).
ووجه الدلالة من الخبر: هو أنه أنكر عليهم صب الماء من غير إمرار اليد عليها ليكون غسلاً، فإذا كان إمرار اليد ممكناً مع صب الماء كان مجزياً في الغسل لا محالة.
المذهب الثاني: أنه ييمم ولا يغسل. وهذا هو أحد قولي الشافعي، ومحكي عن مالك، وإحدى الروايتين عن أبي حنيفة، ومروي عن حماد وابن المسيب وغيرهم من الفقهاء.
والحجة على هذا: هو أن الغسل غير ممكن لما فيه من مباشرة العورة لمن لا يجوز مسها، وإذا تعذرت الطهارة بالماء وجب العدول إلى التيمم كالعادم للماء.
والمختار: ما عول عليه الإمامان الهادي والقاسم ومن وافقهم على هذه المقالة.
وحجتهم: ما ذكرناه.
ونزيد هاهنا: وهو أن غسله ممكن على ما ذكرناه فلا يسقط فرضه.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: الغسل غير ممكن لما فيه من مباشرة العورة لمن لا يجوز [له] مسها.
قلنا: المحذور ليس إلا مباشرة العورة وقد قلنا إن الغاسل يلف على يده خرقة أو يجعل ثوباً على الميت ويمر يده عليه من غير مباشرة لجسد الميت وإذا كان الأمر هكذا كان فيه وفاء بالغسل وبعد عن ملامسة العورة.
ويؤيده: ما روي عن الرسول أنه قال: ((إذا أمرتم بأمر فأتوا به ما استطعتم)).
المسألة الخامسة: أنه إذا تعذر صب الماء لنجاسة لا يزيلها الصب وإمرار اليد، فما يكون الحكم فيه عند تعذره؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه يُيمم. وهذا هو رأي الإمامين القاسم والهادي، وأحد قولي الشافعي.
والحجة على هذا: هو أنه قد توجهت عليه الطهارة بالماء وتعذر استعماله فلهذا وجب العدول إلى التيمم كما نقوله في من تعذر عليه استعمال الماء للطهارة للصلاة فإنه يجب عليه التيمم.
المذهب الثاني: أنه لا يجب التيمم ولا الغسل. وهذا شيء يحكى عن الأوزاعي.
والحجة على هذا: هو أن التيمم لا يجوز لمكان وجود الماء لقوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا}[النساء:43]. وهذا واجد للماء فلا يجوز له التيمم ولا يجوز الغسل أيضاً لما فيه من فعل ما هو محظور وهو مباشرة العورة ولهذا بطلا جميعاً.
والمختار: هو ما ذكرناه من وجوب التيمم عند تعذر استعمال الماء. كما هو رأي الهادي والقاسم وغيرهما من العلماء.
وحجتهم: ما ذكرناه.
ونزيد هاهنا: وهو أن ما ذكروه مطابق للأقيسة الشرعية وموافق للقوانين الاجتهادية في أن الماء إذا تعذر في الطهارة لأداء العبادة فإن التيمم بدل عنه وكافٍ في أداء العبادة، وما ذكره الأوزاعي يكون مخالفاً للإجماع لأنه لا قائل به، وما هذا حاله فلا تعويل عليه.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قوله: الماء قد تعذر استعماله لما فيه من مباشرة العورة، والتراب لا يجوز استعماله مع وجود الماء.
قلنا: إنا لا نسلم تعذر استعمال التراب بل هو ممكن فلهذا وجب استعماله وقد قال : ((إذا أمرتم بأمر فأتوا به ما استطعتم)). واستعمال التراب ممكن فلهذا لم يسقط.
المسألة السادسة: في حكم المماليك في الغسل. وفيه صور أربع:
الصورة الأولى: المملوكة.
إذا ماتت جاز للسيد غسلها. وهذا هو الظاهر من المذهب ذكره السيد أبو طالب، وهو قول الشافعي.
وحكي عن أبي حنيفة أنه لا يجوز للسيد غسلها.
والحجة على ما قلنا: هو أنها مباحة الوطئ في حال الحياة فجاز له غسلها كالزوجة.
والمختار: ما قاله السيد [أبو طالب] للمذهب.
وحجتهم: ما ذكرناه..
ونزيد هاهنا: وهو أنه يلزمه الإنفاق عليها فكان له غسلها كالحية.
وإن مات السيد فهل لها أن تغسله أم لا؟ فيه قولان:
القول الأول: جواز غسلها له. وهذا هو الذي ذكره السيد أبو طالب للمذهب وأحد قولي الشافعي.
والحجة على هذا: هو أن له غسلها فجاز لها غسله كالزوجة.
القول الثاني: أنه لا يجوز لها غسله لأنها قد صارت أجنبية عنه فامتنع غسلها له لأنها قد صارت ملكاً للورثة بإنتقالها بموته.
وهذا هو المختار لقوله : ((من ترك مالاً فلأهله)). فظاهر الخبر دال على انتقالها إلى الورثة فصارت كجارية الغير.
الصورة الثانية: أم الولد.
وإذا ماتت أم الولد جاز للسيد غسلها. ذكره السيد أبو طالب للمذهب، وهو قول الشافعي.
وعند أبي حنيفة وأصحابه لا يجوز له غسلها لأنها قد عتقت بالإستيلاد والموت فصارت أجنبية.
والمختار: هو الأول لأنها باقية على الملك بدليل أنه يجب عليه كفنها ودفنها كما كان واجباً عليه نفقتها وكسوتها فجاز له غسلها كحال الحياة.
وإن مات السيد فهل يجوز لها غسله أم لا؟ فيه قولان:
القول الأول: جواز غسلها له. وهذا هو الذي ذكره السيد أبو طالب للمذهب، وهو قول مالك وزفر، ومحكي عن بعض أصحاب الشافعي، وهو أحد قولي الشافعي.
والحجة على هذا: هو أنها موطؤة بعقد لم يطرأ عليه ما يوجب حله فجاز لها غسله كالزوجة.
القول الثاني: أنه يمتنع غسلها له. وهذا هو المحكي عن أبي حنيفة وأصحابه، وأحد قولي الشافعي.
والحجة على هذا: هو أنها عتقت بموته فصارت أجنبية عنه فلهذا لا يجوز لها غسله.
والمختار: هو الأول، لأن وطأها كان مباحاً له ويجب عليها العدة بموته فلا جرم جاز لها غسله.
الانتصار على أبي حنيفة. قوله: إنها قد عتقت بموته فصارت أجنبية.
قلنا: إن حل وطئها كان بعقد فليس بطلانه بالموت بأعظم من إنفساخ النكاح بالموت في حق الزوجة، فكما جاز غسلها لزوجها مع بطلان عقد النكاح، فهكذا حال أم الولد يجوز غسلها له وإن عتقت بالموت.
الصورة الثالثة: المُدَبَّرة.
فإذا ماتت جاز للسيد غسلها لأنها باقية على الرق بدليل القيامة عند الإتلاف ووجوب الكسوة والنفقة فأشبهت المملوكة، وإن مات السيد فلا يجوز لها غسله لأنها قد عتقت بالموت فصارت أجنبية. وهذا هو الذي ذكره السيد أبو طالب للمذهب، وهو جيد لا غبار عليه بحال.
الصورة الرابعة: المكاتبة.
وإذا ماتت المكاتبة لم يغسلها المكاتِب لها لأنها بملكها لنفسها بالمكاتبة قد صارت أملك بنفسها منه فأشبهت الحرة، وإن مات السيد لم تغسله لأنها إذا كانت أملك بنفسها في حال حياة السيد فهي أملك بنفسها بعد وفاته أحق وأولى لأنها ملكت نفسها بعقد فأشبهت ما لو ملكها الغير فصارت في كلتا الحالتين بموتها وموت سيدها مالكة لنفسها فلا يجوز لها غسله ولا يجوز له غسلها لأجل استقلالها بملك نفسها.
المسألة السابعة: والصبي الصغير من الرجال والصبية الصغيرة من النساء، يجوز للرجال والنساء غسله.
قال القاسم في الصبي الذي لم يبلغ: لا بأس بأن تغسله النساء. فظاهر كلامه دال على أن الصبي لم يبلغ الحلم ولا خمس عشرة سنة ولا أنبت لأن هذه أمارات البلوغ، وهكذا حال الصبية ما لم تبلغ بالإنبات وبالحيض أو ببلوغ خمس عشرة سنة على قياس قوله.
واختلف العلماء في السن الذي يجوز للرجال والنساء تولي الصغير والصغيرة [على ستة أقوال].
فالقول الأول: ذكره السيدان الأخوان المؤيد بالله وأبو طالب، وهو أنه ما لم يبلغ حد المجامعة وشهوة النساء، وهكذا حال الصبية الصغيرة على هذا القياس، وحملا ما قاله القاسم على ذلك وهو مخالف لما دل عليه ظاهر كلامه، فإن كلامه دال على البلوغ الشرعي في الصبي والصبية.
القول الثاني: محكي عن الشافعي: وهو أنه ما لم يكن مميزاً. حكاه الشيخ أبو نصر من أصحاب الشافعي وقال: إنه ليس للشافعي نص في السن وعلى هذا ما لم يكن مميزاً جاز غسله للرجال والنساء.
القول الثالث: محكي عن أبي حنيفة: ما لم يتكلم.
القول الرابع: محكي عن الحسن البصري: وهو أنهما ما لم يفطما.
القول الخامس: محكي عن مالك: وهو ما كان دون سبع سنين.
فهذه أقاويل العلماء في سن الطفولية.
القول السادس، وهو المختار: أنه إذا صار مستقلاً بنفسه في الأكل والشرب وسائر التصرفات وحافظاً لعورته فإذا كان الصغيران من الرجال والنساء على هذه الصفة لم يغسله إلا الرجال ولا يغسلها إلا النساء، فأما ما دون ذلك فإنه جائز(1) للنساء تولية الصغير وللرجال تولية الصغيرة في الغسل من الموت.
نعم.. يمكن التفرقة بين الصبي الصغير والصبية الصغيرة وهو أن الصغير إذا كان غير مميز جاز للنساء تولي غسله عند الموت لأجل ما يحصل من مباشرتهن له في حال الطفولية والإطلاع على عورته في حال التربية بخلاف الصبية فإنه لا يعالجها الرجال في حال الطفولية ولا يباشرونها، فلهذا لم يكن للرجال غسلها عند الموت لأجل هذه التفرقة، وأيضاً فإن الغالب هو تحرك الشهوة عند الإطلاع على عورة الصبية للرجال وإن كانت صغيرة، فلهذا كان الرجال ممنوعين من غسلها وإن كانت صغيرة فافترقا.
المسألة الثامنة: وإن مات خنثى ففي كيفية غسله ثلاثة مذاهب، نفصلها بمعونة الله تعالى:
__________
(1) عبارة: (فإنه جائز) مضافة مكان كلمة (جاز) ليستقيم التعبير عن المقصود.
المذهب الأول: أن حكمه حكم المرأة إذا ماتت بين الرجال، وحكم الرجل إذا مات بين النساء. وهذا هو رأي القاسم والهادي، فإن كان له محرم فإنه يغسله ويوزره ويصب الماء عليه صباً ولا يمس عورته، وإن لم يكن له هناك محرم فإنه يصب الماء عليه صباً من غير أن يمسه، وإن لم يمكن صب الماء عليه فإنه يلف على يده خرقة ثم ييممه ولا يكشف شيئاً من بدنه ولا من شعره.
المذهب الثاني: أن يُشترى له جارية من ماله إن كان له مال أو من بيت المال إن لم يكن له مال لأنه لا يجوز للرجال غسله لجواز أن يكون امرأة، ولا يجوز للنساء غسله لجواز أن يكون رجلاً ولا بد من غسله لأنه واجب على الكفاية ولا طريق إلى غسله إلا بما ذكرناه، وهذا شيء حكاه علي بن العباس(1)
عن علماء آل الرسول .
__________
(1) ترجم له القاضي أحمد بن عبد الله الجنداري في رجال الأزهار فقال: علي بن العباس بن إبراهيم بن علي بن عبد الرحمن بن القاسم بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليه السلام، الهاشمي الحسني، أبو الحسن، روى عن الهادي والناصر وهو الذي يروي إجماعات أهل البيت، وروى عنه السيد أبو العباس. قال في (الكنز): هو أحد علماء العترة وفضلائها وراوي علوم آل محمد والمصنف لها، دخل مع الهادي إلى اليمن، وقال القاضي أحمد بن صالح أبو الرجال في (مطالع البدور): كان قاضياً بطبرستان أيام الداعي الصغير، وله تصانيف كثيرة في الفقه منها كتاب (اختلاف أهل البيت) وكتاب (ما يجب أن يعمله المجتهد). وقال في (حواشي الإفادة): صحب الهادي والناصر وسئل عنهما فقال: الناصر عالم آل محمد والهادي فقيه آل محمد قال السيد: يكون موته تقريباً في الأربعين والثلاثمائة، روى له الإخوان. اهـ3/24 من (شرح الأزهار) وواضح أن هناك خطأ في النسب، ولعل الصحيح ما جاء في (الروض النضير)1/63 نقلاً عن (مطلع البدور) وهو أنه علي بن العباس بن إبراهيم بن علي بن عبد الرحمن بن القاسم بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب.
المذهب الثالث: محكي عن الشافعي وله في ذلك أربعة أقوال:
أولها: أنه يصب عليه الماء صباً ويلف عليه ثوب ويمر الغاسل يده عليه وعليها خرقة لأنه لا يمكن غسله إلا هكذا.
وثانيها: أنه ييمم ولا يغسل.
وثالثها: أنه يُشترى له جارية من ماله.
ورابعها: أنه يغسله الرجال والنساء استصحاباً لحكمه في حال الصغر لأن الصغير من الرجال والنساء يجوز للرجال والنساء غسله كما مر بيانه. فهذه أقاويل العلماء في حكم غسل الخنثى إذا مات.
والمختار: أن أعدل المذاهب هذه التي نقلناها، ما عول عليه الهادي والقاسم، وهو أنه إذا كان له محرم فإنه يغسله ولا يمس عورته، وإن لم يكن هناك محرم فإنه يصب الماء عليه صباً، وإن كان الصب لا ينقيه فإنه ييممه. ولا يكشف شيئاً من بدنه ولا من شعره على حد ما ذكرناه في المرأة تموت بين الرجال والرجل بين النساء، فهكذا يكون حكمه من غير تفرقة، وإنما كان هذا أعدل المذاهب لما فيه من الوفاء بتطهيره على الوجه الممكن المشروع، ولما فيه من الوفاء بستر العورة والمؤكد سترها في الشرع.
الانتصار: يكون بالجواب عما خالفه.
قالوا: يغسله الرجال والنساء استصحاباً لحكمه في الصغر لأن الصغير من الرجال والنساء يجوز للرجال والنساء غسله.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن الصغير مخالف للخنثى فإن الضرورة داعية إلى علاجه ومباشرته لأجل ضعف حاله في حال الطفولية فلهذا اغتفر ذلك لأجل صغره بخلاف الخنثى فإنه صار كبيراً فافترقا.
وأما ثانياً: فلأن استصحاب الحال للصغر إنما يكون مع عدم المحرم فأما إذا وجد المحرم فهو أحق بعلاجه في غسله ولا يباشره الرجال والنساء إلا بعد عدم المحرم فإذا عدم المحرم وجب صب الماء عليه صباً كما ذكرنا، وهذا القول حكاه القفال من أصحاب الشافعي.
فأما ما ذكره علي بن العباس من إجماع آل الرسول : أنه يشترى له جارية من ماله تغسله، فإن لم يكن له مال فمن مال المصالح، وهو محكي عن أهل خراسان من أصحاب الشافعي فهو متأول على ما فيه من البعد، على أن الخنثى أوصى بأن تشترى له من ماله جارية قبل موته تغسله، فأما من غير وصية منه فلا وجه لشراء الإمام والحاكم له جارية تغسله لأنه لا مدخل للولاية في الإطلاع على العورة، فإذا أوصى وشريت الجارية فإنها تعود بعد غسله إلى الورثة لأنها من جملة ماله فلهذا عادت إلى ورثته.
المسألة التاسعة: ويجوز للحائض والجنب غسل الأموات لأنهما من أهل الملة فلهذا جاز غسلهما كمن يكون طاهراً من أهل الملة لكنه يكره ذلك لأجل إفتقارهما إلى الطهارة، فكيف يجزئ غسل من كان في نفسه مفتقراً إلى الغسل؟ فإن دعت الضرورة إلى غسلهما زالت الكراهة فينبغي للجنب أن يغتسل قبل غسله للميت ببعض طهور الميت إن كان فيه فضلة وكان مباحاً أو بماء غيره، وإن لم يجد ماء فإنه يتيمم ويغسله، وأما الحائض فإنه تتعذر طهارتها مع بقاء الحيض، فإن كانت قد طهرت فإنها تغتسل ثم تغسل الميت، وإن لم تكن قد طهرت من حيضها فإنها تغسل بدنها استحباباً ثم تغسل الميت، وهكذا حال النفساء لا تكون غاسلة للميت إلا عن ضرورة كما ذكرناه في حق الحائض.
قال الناصر: وإن تنفست المرأة بالولد فاعتنق في رحمها ثم مات وهي حية ولم يخرج فإنه يحتال في إخراجه من فرجها، فإن لم يخرج إلاَّ بإدخال اليد في رحمها وتقطيعه بضعة بضعة جاز ذلك لأن حفظ نفس الحي أولى من حفظ الميت لأنه إن بقي فإنه يخشى على الأم التلف فلهذا جاز إخراجه على الصورة التي ذكرناها.
المسألة العاشرة: والكافر والفاسق لا يُغْسَلان كما مضى شرحه لعصيانهما اللّه، فهل يَغْسِلان الميت أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: الجواز لأن المقصود هو التنظيف وهو حاصل بغسلهما كما في طهارات النجاسات عن الأثواب والآنية.