ونزيد هاهنا: وهو أن الإحرام قد تقرر، وعروض ما عرض لا يقطعه فلهذا وجب القضاء بإستمراره، وإنما قلنا: إن الإحرام قد تقرر فلا إشكال في حصوله قبل الموت وثبوته ، وأن عروض ما عرض لا يمنع من استمراره فلأن الذي عرض الموت وهو معنى مزيل للعقل فلا يكون مبطلاً للإحرام كما لو نام، ولأن أحكام الإحرام معلقة بالبدن من الطيب والتخمير واللباس للمخيط فلا يبطلها الموت لأن الموت إنما أزال الحياة، والبدن باقٍ فلهذا بقيت أحكام الإحرام في البدن.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: روي عن الرسول أنه قال: ((إذا مات ابن آدم انقطع سائر عمله)). والإحرام من جملة الأعمال فيجب انقطاعه وزواله بعد الموت.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن المراد بالإنقطاع إنما هو في الأزمنة المستقبلة. والإحرام ثابت في حال الحياة فلهذا استمرت أحكامه ولم ينقطع إلا عمله في الأزمنة المستقبلة.
وأما ثانياً: فلأن ما ذكروه معارض بما رويناه من الحديث، وإذا تعارض الخبران وجب الترجيح فلا شك أن خبرنا أصرح بالمراد وأوضح بالمقصود فإنه دال على بقاء الإحرام وثبوته بعد الموت وخبركم ليس فيه ظهور ولا تصريح بالمطلوب.
ومن وجه آخر: وهو أن الإحرام عبادة لا تبطل بالجنون فلا تبطل بالموت كالإيمان فتقرر ما ذكرناه.
المسألة التاسعة: الميت إذا غسل هل يحكم عليه بالطهارة أم لا؟ فيه مذاهب ثلاثة:
المذهب الأول: أن الميت ينجس ولا يطهر بالغسل. وهذا هو رأي أئمة العترة، حكاه الشيخ أبو جعفر من أصحاب الناصر.
والحجة على هذا: ما روي أن حبشياً وقع في بئر زمزم فمات فنزح ماء البئر. وفي هذا دلالة على أنه ينجس بالموت، ولأنه ميتة فأشبه سائر الحيوانات من المواشي والدواب والسباع.
المذهب الثاني: أنه ينجس بالموت لكنه يطهر بالغسل. وهذا هو رأي أبي حنيفة وأصحابه.
والحجة على هذا: هو أن الإجماع منعقد على وجوب غسل الموتى فلولا أنه يطهر لكان لا وجه لإيجاب غسله بدليل أن جميع الميتات لا تطهر بالغسل فدل ذلك على الحكم بطهارته مع الموت.
المذهب الثالث: أنه لا ينجس بالموت وأن الغسل في حقه ليس لأجل الطهارة وإنما هو تعبد في حقه كالصلاة.
والحجة على هذا: ما روى ابن عباس رضي الله عنه أن الرسول قال: ((لا تنجسوا موتاكم فإن المؤمن لا ينجس حياً ولا ميتاً))(1).
وهذا هو رأي الشافعي وأصحابه.
والمختار: أن المؤمن لا ينجس حياً ولا ميتاً.
والحجة فيه: ما رويناه من حديث ابن عباس فإنه صريح في تطهيره في حال حياته وموته.
ونزيد هاهنا: وهو ما روي عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه أنه لما غسل الرسول شرب الماء الذي تحقن على سرته وقال: طبت حياً وميتاً. فلو كان [الماء] نجساً لما جاز له شربه كسائر النجاسات.
ومن وجه آخر: وهو أنه مسلم مات فيجب الحكم بطهارته كالشهيد في المعركة، فهذا كله دال على الحكم بتطهيره وأنه لا ينجس بالموت.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: روي أن حبشياً وقع في زمزم فمات فنزح ماء البئر، فدل ذلك على تنجيسها بوقوعه [فيها].
قلنا: هذا محمول على أنه خرج من بطنه ما غيَّر ماء البئر فلهذا وجب النزح لإزالة ما وقع فيها من النجاسات، أو لعله أقام في البئر حتى تمعط لحمه وأراح برائحة خبيثة، فلهذا أمر بنزح ماء البئر حتى تطيب من تلك الرائحة.
قالوا: إنه ينجس بالموت لكنه يطهر بالغسل كما حكي عن الحنفية.
قلنا: قد أوضحنا بما ذكرنا من الأدلة أن المؤمن لا ينجس بالموت، والغسل إنما كان مشروعاً من أجل التعبد كالصلاة، ولو كان ينجس بالموت لم يطهر بالغسل كسائر الميتات من الحيوانات والأنعام والسباع.
المسألة العاشرة: قال الناصر: الغسل للميت آكد من الصلاة عليه لأمرين:
__________
(1) أخرجه في (المستدرك على الصحيحين)1/542، وفي سنن البيهقي الكبرى 1/306 وسنن الدارقطني 2/70 وغيرها.
أما أولاً: فلأن الغسل أمر يختص الميت لكونه تطهيراً له وإزالة العفونات الحاصلة بسبب المرض عنده. والصلاة مختصة بالحي ولا ينال الميت إلا الدعاء منها.
وأما ثانياً: فلأن الرسول أمر علياً بغسل أبيه ولم يأمره بالصلاة عليه، فدل ذلك على كونه آكد في حق الأموات خاصة.
دقيقة.. اعلم أن الإمامين الناصر والمنصور بالله وغيرهما من سادات أهل البيت، ذهبوا إلى أن أبا طالب مات مسلماً على دين الإسلام، وأنه آمن بالله وملائكته وكتبة ورسله والوعد والوعيد وصدق بأحكام الآخرة كلها التي كانت في ذلك الوقت لأن موته كان بمكة قبل الهجرة، وأن الله لا ينسى ما كان من جهته من الحنو والشفقة على رسول اللّه وحمايته عن الأعداء ونصرته له في كل ما همت به قريش في حقه من الهجوم والأفاعيل القبيحة، وإنما لم يصل عليه الرسول لأن الصلاة لم تكن قد فرضت في حق الموتى، والذي ذهب إليه بعض علماء العترة والفقهاء وأهل التاريخ والسير: أن أبا طالب مات على الشرك وتعظيم الأوثان. ويدل على ذلك أمور ثلاثة:
أما أولاً: فلأنه لما مات جاء أمير المؤمنين إلى الرسول فقال له: إن عمك الشيخ الضال مات. فسماه ضالاً لبقائه على الشرك، فلو كان قد علم إسلامه وإيمانه لم يقل له بهذه المقالة لأن هذه المقالة لا تصلح في حق من كان مسلماً بحال.
وأما ثانياً: فلأن الرسول قال لعلي: ((إذهب فاغسله وواره)). ولو كان مسلماً عند الرسول لقام في جهازه وغسله ودفنه وتعظيم حاله وشأنه لأنه كان يفعل ذلك في حق الضعفاء والعجائز من سائر المسلمين فكيف حال عمه ومن يختص جانبه فهو في هذا أقوم وأكثر عناية وأعظم.
وأما ثالثاً: فلما روي عن الرسول أنه قال: ((إن أبا طالب لفي ضحضاح من نار ولو لا مكاني لكان في الظمظام)) (1)
__________
(1) رواه البخاري 3/1408، ومسلم 1/194، قلت: هذه مسألة فيها نظر من حيث الخلاف حولها بين كثير من أئمة وعلماء الزيدية وغيرهم، فقد ذهب عدد منهم إلى إسلام أبي طالب وأنه حرص على إخفاء إسلامه حتى لا يصبح خصماً لقريش فيعجز عما كان يقوم به من حماية لابن أخيه رسول الله ، والدعوة الإسلامية في بداية ظهورها، واسنشهدوا بأشعاره ومواقفه، ومنها: قوله أمام عدد من وجهاء قريش عندما جاءوا يشكون إليه ابن أخيه عارضين عليه كلما يعتقدون أنه قد يكون طامعاً فيه من متاع الحياة وسلطانها، فرد رسول الله بمقولته المشهورة: ((والله يا عماه لو وضعوا الشمس في يميني ...إلخ)) فقال أبو طالب كما روته كتب السير:
والله لن يصلوا إليك بجمعهم
فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة
حتى أوسد في التراب دفينا
فلقد صدقت وكنت ثم أمينا
إلى أن قال:
ولقد علمت بأن دين محمدٍ
من خير أديان البرية دينا
واحتج الذاهبون إلى هذا الرأي بأن قوله في هذا البيت اعتراف صريح بالإسلام، ومع الأخذ في الاعتبار ما ورد من حديث الضحضاح في أبي طالب، بقطع النظر عن مدى صحته إذ ضعفه وأنكره كثير من العلماء ورواة الأحاديث، فإن ما أورده المؤلف من أن رسول الله قال لعلي: ((اذهب فاغسله وواره)) يتعارض مع حديث الضحضاح وغيره مما في معناه، فضلاً عما جاء في أكثر من مصدر ومسند من مصادر وأسانيد كتب أهل البيت من دفاع عن إسلام أبي طالب، ومنهم مثلاً الإمام الناصر والمنصور بالله وغيرهما من سادات أهل البيت، ذهبوا كما قال المؤلف إلى أن أبا طالب مات مسلماً وعلى دين الإسلام، إلى قوله: لأن موته كان بمكة قبل الهجرة، ثم قوله: وإنما لم يصل عليه الرسول لأن الصلاة لم تكن قد فرضت في حق الموتى، ثم ما أورده المؤلف من ذهاب أصحاب الرأي الآخر من أن أبا طالب مات على الشرك، وهنا يمكن لقائل الاعتراض على الأمور الثلاثة التي دلل بها على إثبات هذا الرأي بأمور عدة لا مجال لسردها هنا، ويكفي الإشارة إلى ما سلف حولها، ومن ذلك غسل علي له وتكفينه إياه، بالإضافة إلى ما ورد عن الرسول أنه قال: ((ما نالت مني قريش حتى مات أبو طالب)) وكذلك حزن رسول الله على وفاته الحزن الشديد حتى سمي العام الذي مات فيه أبو طالب وأم المؤمنين خديجة رضي الله عنها بعام الحزن.
وفي (البحر) 2/98 قال الإمام المهدي أحمد بن يحيى المرتضى: مسألة: (ن ص) وموت أبي طالب قبل شرع الصلاة، فغسل فقط لإسلامه عندهما لتصريحه بتصديق الرسول وما جاء به ومدافعته عنه.
وعلق ابن بهران على هذا بقوله: ذلك كثير في أشعاره، كقوله:
ألم تعلموا أنا وجدنا محمداً
نبياً كموسى خُط في أول الكتب
اهـ بلفظه، والغرض مما سلف هو لفت النظر بإيجاز إلى هذه القضية وما فيها من خلاف وتعارض وتداخل وأنها حرية من القارئ بالمزيد من البحث والتأمل، وليس الغرض تأييد هذا الفريق أو ذاك، والله الموفق. اهـ. المحقق.
.
فهذه الأمور الثلاثة كلها دالة على كفره وشركه، ولا يتعجب من هذا متعجب فيقول: عم رسول اللّه كيف يستحق الدخول في النار مع قربه من رسول اللّه واتصاله به، فإن والد رسول اللّه عبدالله بن عبد المطلب ووالدته آمنة ماتا على الشرك والكفر وهما أعظم اتصالاً به وآكد حقاً من عمه. ولقد استأذن رسول اللّه في زيارة والديه والإستغفار لهما فأذن له في الزيارة فزارهما فبكى وأبكانا ولم يؤذن له في الإستغفار فزارهما، ففي هذا ألف مقنع لأنه لو استغفر لكان لا يخلو حاله إما أن يقبل أو يرد. فإن قبل فقد قال تعالى: {إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ}[النساء:48]. وإن رد عن الشفاعة ففيه نقص لحال الرسول وتنفير للخلق عنه بالرد.
ويؤيد ما ذكرناه قوله تعالى: {وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لاََوَّاهٌ حَلِيمٌ}[التوبة:114].
وقد نجز غرضنا من بيان حال المغسول وما يتعلق به والحمد لله.
الفرع الثاني: في بيان حال الغاسل.
ويجوز للرجال غسل الرجال، ويجوز للنساء غسل النساء، وإن اختلف الجنسان فلا يجوز الغسل إلا لزوجته أو محرمته، ويجوز للسيد غسل أمته ومستولدته وما هذا حاله فهو مشتمل على مسائل عشر:
المسألة الأولى: في الميت إذا كان رجلاً فالذين يجوز لهم غسله على ثلاثة أضرب:
الضرب الأول: الذين هم أولى بغسله وهم العصبات من الأقارب الأب ثم الجد أب الأب وإن علا، ثم الإبن ثم ابن الإبن وإن سفل، ثم الأخ ثم ابن الأخ وإن سفل، وسواء كان الأخ لأب وأم أو لأب فإنه مقدم على ابن الأخ، ثم العم لأب وأم ثم العم لأب ثم ابن العم وإن سفل وذلك يكون على ترتيب العصبات في الميراث.
واعلم أن هذا الترتيب في الأولى من العصبات في غسل الميت لم يذكره أصحابنا وإنما ذكروه في الأولى في الصلاة على الميت وإنما قالوا: يغسل الميت وليُّه. وأولى الناس به من كان على ملته. وما ذكرناه أولى وأحق لأنا إنما أوجبنا الترتيب في العصبات في الصلاة لأجل الشفقة والرحمة في استجابة الدعاء. وترتيب العصبات في باب الغسل أحق وأولى من جهة ما يباشره الغاسل من الميت من المحاسن والمساوئ فيستر ما يرى من المساوئ ويظهر ما يرى من المحاسن وهذا إنما يليق بالأقارب والأرحام من أهله فلهذا كان الغسل أحق بمراعاة الترتيب.
ويؤيد ما ذكرناه ويوضحه: ما ورد عن الرسول أنه قال: ((من غسل ميتاً فستر ما يراه من المساوئ غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر)) (1).
إنما قدمنا الأب والجد على الإبن لأنهما أكثر شفقة من الإبن وأرحم وأرق وأعطف.
الضرب الثاني: الزوجات ويجوز لكل واحد من الزوجين أن يغسل صاحبه، أما غسل الزوجة زوجها فهو رأي أئمة العترة، ومحكي عن أبي حنيفة وأصحابه والشافعي وأصحابه.
والحجة على هذا: ما روي عن عائشة أنها قالت: لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسل رسول الله إلا زوجاته، ومثل هذا لا يقوله الصحابي إلا عن توقيف لأن الباب باب عبادة فلا مدخل للإجتهاد فيه، فدل ذلك على أنها قد فهمته من رسول اللّه .
وحكي عن أحمد بن حنبل: المنع من غسل المرأة زوجها.
وحجته على هذا: هو أن المبيح للإطلاع على العورة إنما هو عصمة النكاح وقد بطلت بالموت فلهذا لم يجز لها غسله.
والمختار: جواز ذلك كما قاله الأئمة ومن وافقهم.
وحجتهم: ما ذكرناه.
__________
(1) رواه في (المستدرك على الصحيحين) 1/505، وفي (مجمع الزوائد) 3/21، وفي (المعجم الكبير) للطبراني 1/315، وكلها بلفظ: ((من غسل ميتاً فكتم عليه ...إلخ)) وهو في (الاعتصام) 2/155 بلفظ: وروى في (الشفاء) عن أبي رافع أن رسول الله قال: ((من غسل ميتاً فكتم عليه غفر الله له أربعين مرة)).
ونزيد هاهنا: وهو ما روي أن أبا بكر لما دنت وفاته أوصى امرأته أسماء بنت عميس أن تغسله فدل ذلك على جوازه.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: عصمة النكاح قد بطلت بالموت فلا يجوز لها غسله كما حكي عن أحمد بن حنبل.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن العدة باقية عليها من أجله ولهذا فإنه يحرم عليها النكاح كما لو كان حياً.
وأما ثانياً: فلأن عصمة النكاح وإن بطلت بالموت لكن الشرع قد دل على ذلك فلهذا قضينا به.
وأما غسل الزوج زوجته فهل يجوز أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: جواز ذلك. وهذا هو رأي أئمة العترة الهادي والقاسم والناصر، وهو محكي عن الشافعي ومالك والأوزاعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه.
والحجة على هذا: ما روت عائشة أن الرسول دخل وهي تقول: وارأساه فقال : ((بل أنا يا عائشة وارأساه)). ثم قال لها الرسول: ((لومت قبلي لغسلتك وكفنتك))(1).
فلو لم يكن الغسل جائزاً لما جاز ذلك(2).
المذهب الثاني: المنع من ذلك. وهذا هو رأي أبي حنيفة وأصحابه.
والحجة على هذا: هو أن عصمة النكاح قد انقضت بالموت وليس على الرجل عدة كما للمرأة فلهذا جاز لها الغسل وإن كانت العصمة باطلة بالموت لما كانت العدة عليها واجبة.
__________
(1) قال ابن بهران في (تخريج البحر) 2/99: لفظه في (الجامع): عن القاسم بن محمد قال: قالت عائشة: وارأساه، فقال رسول الله : ((ذلك لو كان وأنا حي فاستغفر لك وأدعو لك)) قال: وهو طرف من حديث أخرجه البخاري وليس فيه: ((لغسلتك)) والله أعلم.
والحديث في صحيح ابن حبان 14/551، وسنن الدارمي 1/51، وسنن ابن ماجة 1/470، ومسند أحمد 6/228، وغيرها.
وفي (نيل الأوطار) 4/27 عن عائشة قالت: رجع إلي رسول الله من جنازة بالبقيع وأنا أجد صداعاً في رأسي وأقول: وارأساه، فقال: ((بل أنا وارأساه، ما ضرك لو مت قبلي فغسلتك وكفنتك ثم صليت عليك ودفنتك)) رواه أحمد وابن ماجة. اهـ بلفظه.
(2) لعل الصواب: لما قال ذلك.
والمختار: هو الجواز كما هو رأي أئمة العترة ومن وافقهم.
وحجتهم: ما ذكرناه.
ونزيد هاهنا: وهو ما روي أن فاطمة بنت رسول اللّه لما ماتت، رضي الله عنها، أوصت بأن يغسلها أمير المؤمنين وأسما بنت عميس فغسلاها وظهر ذلك في الصحابة فلم ينكره أحد منهم فجرى مجرى الإجماع، ولأنه أحد الزوجين فجاز له غسلها كالزوجة.
ومن وجه آخر: وهو أن النظر المستفاد لعقد النكاح نظران، نظر شهوة يحل به الاستمتاع، ونظر حرمة كالنظر إلى سائر المحارم كالأم والأخت والبنت. ونعني بكونه نظر حرمة هو أن يحرم لأجله الاستمتاع، فإذا مات أحد الزوجين بطل جواز النظر بالشهوة وبقي جواز النظر بالحرمة فلهذا جاز غسل كل واحد منهما لصاحبه.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: عصمة النكاح قد بطلت وهي المبيحة للنظر فلهذا لم يجز له غسلها.
قلنا: عن هذا أجوبة خمسة:
أما أولاً: فلأن الإنقطاع بالموت كما لا يكون مانعاً من غسل الزوجة زوجها فهكذا لا يكون مانعاً من غسل الزوج لزوجته لأن انقطاع الزوجية [حاصل] بموت كل واحد منهما.
وأما ثانياً: فلأن الموت يوجب الفرقة فوجب أن يكون حكم الرجل مع المرأة في جواز النظر حكم المرأة مع الرجل كالطلاق فإنه موجب لفرقة كل واحد منهما عن الأخر.
فإذا تقرر هذا وثبت أن المرأة يجوز لها أن تنظر إلى زوجها إذا مات وجب أن يجوز للزوج أن ينظر إليها إذا ماتت من غير تفرقة بينهما.
وأما ثالثاً: فلأن كل من جاز أن يغسل صاحبه في حال الحياة جاز له أن يغسله بعد الوفاة كالمرأة.
وأما رابعاً: فلأنها فرقة حصلت بالوفاة فلم تحرم الغسل كما لو مات الزوج.
وأما خامساً: فلأن كل شخص جاز له غسل شخص جاز لذلك الشخص غسله كالأخوين، فهذه الأوجه كلها دالة على جواز غسل الزوج لزوجته.
الضرب الثالث: النساء المحارم كالأمهات والجدات والبنات والأخوات ومن كان مشبهاً لهن من المحارم، فإنه يجوز لهن غسله كما يجوز له غسلهن، ولأن كل واحد من هؤلاء يجوز له النظر إلى صاحبه في حال الحياة خلا ما استثني من العورة، فلهذا جاز لكل واحد منهم غسل صاحبه كالأزواج والزوجات، خلا أن الرجال والزوجات يتقدمون عليهن.
المسألة الثانية: في الميت إذا كان امرأة ولا زوج لها، فالنساء أحق بغسلها من الرجال لأمرين:
أما أولاً: فلأنهن أوسع في باب النظر إلى العورة بخلاف ذوي الأرحام والمحارم.
وأما ثانياً: فلأنهن بأحوال بعضهن بعضاً أعرف لأن المثل أعرف بأحوال مثله ممن كان مخالفاً له في الجنسية ثم إن أقارب المرأة في الأولوية والجواز على أربعة أضرب:
الضرب الأول: أن أولى النساء بالغسل لها، ذوات الأرحام المحرمة وهي كل من لو كانت رجلاً لم يجز لها أن تتزوج بها، وهذا نحو الأم والجدة والأخوات والبنات وبنات الأخ وبنات الأخت ومن أشبههن في التحريم فهؤلاء أحق بالغسل لها لما بينها وبينهن من الحرمة في الرحمية والمحرمية.
الضرب الثاني: ذوات الأرحام غير المحارم وهي كل واحدة لو كانت ذكراً جاز لها نكاحها وهذا نحو بنات العم وبنات ابن العم، وبنات العمات وبنات الخالات وبنات الخال وابن الخال فهؤلاء يكن أولى بالغسل من الأجنبيات لما بينهن من مسيس الرحم والقرابة ولها مدخل في هذا الباب.
الضرب الثالث: الأجنبيات، فإنهن يكن أولى من الرجال بعد الأقارب من النساء اللاتي وصفنا حالهن.
الضرب الرابع: إذا لم يوجد هناك أحد من النساء، فإنه يغسلها أقاربها من الرجال، وأولاهم بغسلها ذوو الأرحام المحرمة كالأب والجد ثم الإبن ثم ابن الإبن وإن سفل ثم الأخ وابن الأخ وإن سفل ثم العم، فهؤلاء عصبة لها ومحارم فإن اجتمع الخال وابن الأخت مع ابن العم فإنه يغسلها الخال وابن الأخت لأنهما من الأرحام لها المحرمة بخلاف ابن العم فإنه ليس من الأرحام المحرمة بل هو عصبة لا غير، فإن لم يوجد هؤلاء ووجد من الأرحام غير المحرمة كابن العم وابن الخال وابن العمة وابن الخالة فهم أحق من سائر الرجال الأجانب لما لهم من مزية القرابة والرحمية.
وهل تقدم الزوجة على الأب والجد وسائر القرابات أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنها تقدم لأن لها النظر إلى عورته بخلاف سائر القرابات.
وثانيهما: أن القرابات مقدمون عليها كما يقدمون في الصلاة.
والمختار: هو الأول لأن هذا مكان يفتقر إلى الإطلاع على العورة فلهذا كانت أحق.
وإن مات رجل وامرأته حامل فوضعت قبل أن تغسله فهل يجوز لها غسله أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: المنع من ذلك وهذا هو رأي أئمة العترة ومحكي عن أبي حنيفة وأصحابه.
والحجة على هذا: هو أنها بالوضع قد انقضت عدتها فصارت كسائر الأجانب.
المذهب الثاني: جواز ذلك. وهذا هو رأي الشافعي.
والحجة على هذا: هو أنه مات على الزوجية التامة فأشبه ما إذا بقيت عدتها.
وإن طلق رجل زوجته طلاقاً رجعياً ثم مات أحدهما، فهل يجوز للآخر أن يغسله أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: جواز أن يغسل كل واحد منهما صاحبه. وهذا هو رأي أئمة العترة، وإحدى الروايتين عن مالك: يجوز له أن يغسلها ولا يجوز لها أن تغسله.
والحجة على هذا: هو أنها في عدة منه فلهذا جاز لها غسله، وإن ماتت فله غسلها لأن الاستمتاع بها في حال الحياة كان موقوفاً على اختياره فلهذا جاز له غسلها كالتي لم تطلق.
المذهب الثاني: المنع من ذلك. وهذا هو رأي الشافعي.