روحه في سبيل الله على أي وجه اهراقت فإنه يكون من جملة الشهداء لما روي عن الرسول ، أنه لما قيل: من المجاهد يا رسول اللّه؟ قال: ((المجاهد من كان قتاله لأن تكون كلمة الله هي العليا))(1).
وإن جرح فخرج الدم من عينيه أو أذنيه فهو شهيد فلا يغسل لما روي عن الرسول أنه لما قيل: فمن الشهيد يا رسول اللّه؟ قال: ((الشهيد من عقر جواده وأهريق دمه في سبيل اللّه))(2)
لأنه لا يخرج من هذه المواضع إلا عن جرح فإذا تعقبه الموت فهو مقاتل(3)
لا محالة.
وإن خرج الدم من أنفه وذكره ودبره ومِنْ فِيهِ غسلَ لأن هذه المنافذ يخرج منها الدم من غير جرح فلهذا كان ميتاً فيجب غسله.
الحكم السادس: في المرأة والصبي إذا قتلا في المعركة، فهل يغسلان أم لا؟ فيه مذاهب ثلاثة:
المذهب الأول: المنع من غسلهما.
قال القاسم: والصبي والمرأة إذا قتلا في المعركة فإنه يصنع بهما ما يصنع بالشهيد ولا يغسلان. وهو محكي عن الشافعي.
والحجة على هذا: هو أن كل من صلح للقتال فإنه مستحق للشهادة، والصبي والمرأة إذا حضرا المعركة وقَاتَلا وقُتِلا لم يغسلا لكونهما شهيدين.
المذهب الثاني: وجوب غسلهما. وهذا هو الذي ذكره السيد أبو طالب، واستضعف ما حُكي عن القاسم من منع غسلهما وقال: إن المجاهد إنما يطلق على الرجال البالغين المستحقين للثواب فلهذا وجب غسلهما كالمجنون أو المجنونة.
المذهب الثالث: أنه يجب غسل الصبي ولا تغسل المرأة. وهذا هو رأي أبي حنيفة ومحمد.
__________
(1) أخرجه البخاري 1/58، ومسلم 3/1514، وابن حبنان 10/493، والترمذي 4/179، وأبو داود 3/14، والنسائي 6/23 بألفاظ متفاوتة عن أبي موسى.
(2) أخرجه ابن حبان في صحيحه 2/77، وهو في (مجمع الزوائد) 1/59، ومصنف عبد الرزاق 3/72، ومسند أحمد 3/300.
(3) في الأصل: قاتل، ولا يستقيم المعنى بها كما ترى.
والحجة على هذا: هو أن الصبي ليس من أهل الشهادة لصغر سنه فلا تكليف عليه بالجهاد ولا بغيره، وأما المرأة فلا تغسل لأنها من أهل التكليف فتكون من أهل الشهادة ولأنها حضرت المعركة وقتلت ظلماً فتستحق الشهادة فلا تغسل.
فهذه أقاويل العماء في الصبي والمرأة إذا قتلا في المعركة.
والمختار: ما قاله القاسم وهو المنع من غسلهما.
وحجته: ما ذكرناه.
ونزيد هاهنا: وهو أن المرأة من أهل التكليف فصارت من أهل الشهادة فلهذا لم تستحق الغسل كسائر الشهداء، وإنما أسقط عنها الجهاد لأجل التخفيف لضعف حالها فصار ترك الجهاد عنها رخصة كحضور الجمعة فإنه رخص لها في ترك الجمعة، فإذا حضرت ولم تقبل الرخصة كانت الجمعة مجزية لها، فهكذا حال الجهاد رخص لها في تركه فإذا حضرت المعركة وقتلت لم تغسل لأنها شهيدة.
ويؤيد ما ذكرناه: أن امرأة يقال لها نسيَّة ـ بنون وسين بثلاث من أسفلها وياء بنقطتين من أسفلها ـ استأذنت الرسول في الخروج فأذن لها فأصابها جرح على عاتقها فكانت تحمل سكيناً فقيل لها ما تصنعين بهذه؟ فقالت: إذا لقيني أحد من المشركين بعجته بها.
وأما الصبي فهو مبني على صحة إسلامه. فإذا قلنا بصحة إسلامه وإيمانه صح كونه مجاهداً.
فإذا قتل لم يغسل، وقد قررنا فيما سلف أنه يصح منه الإسلام لأن الإسلام يتقرر على كمال عقله ويجوز أن يكمل الله عقله قبل بلوغ خمس عشرة سنة وقبل انفصال النطفة منه، وإذا كان الأمر هكذا صح ما قلناه من صحة جهاده والمنع من غسله إذا قتل إلحاقاً له بالمجاهدين.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: ليسا من أهل الجهاد فصارا كالمجنون والمجنونة.
قلنا: لا نسلم أنهما ليسا من أهل الجهاد بل الخطاب شامل لهما بقول الله تعالى: {وَفَضَّلَ الله الْمُجَاهِدِينَ على الْقَاعِدِينَ}[النساء:95]. ولم يفصل. وقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ}[التوبة:143]. ولم يفصل، ولا يشبهان المجنون والمجنونة لأنهما عاقلان، والمجنون والمجنونة ليسا عاقلين. فلا يغسلان.
قالوا: يغسل الصبي ولا تغسل المرأة. كما حكي عن أبي حنيفة.
قلنا: لا وجه للتفرقة لأنهما كليهما يُعقل في حقهما الجهاد كما أوضحناه وربما كان الصبي أقوى وأكيس وأعظم فطنة في القتال من المرأة وأقدر على النكاية [بالعدو] فلهذا كانا سواء.
الحكم السابع: ومن بُغِيَ عليه فَقُتِل دون ماله وحرمه ظلماً فهل يغسل أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه شهيد فلا يغسل. وهذا هو الذي ذكره السيد أبو طالب في التذكرة، وهو محكي عن أبي حنيفة.
والحجة على هذا: هو قوله : ((من قتل دون ماله فهو شهيد))(1).
ولأنه مقتول ظلماً لم يرتث فوجب المنع من غسله كالذي يقتل في المعركة، ونقول: مكلف قُتِل ظلماً فلا يغسل كما لو قتله أهل الشرك.
المذهب الثاني: أنه يجب غسله. وهذا هو الذي ذكره السيد أبو طالب في الشرح(2)،
هو محكي عن الشافعي.
والحجة على هذا: ما روي أن أمير المؤمنين كرم الله وجهه قُتل ظلماً فغسل، وعمر قتل ظلماً فغسل. وفي هذا دلالة على أن من قتل في المصر ظلماً فإنه يجب غسله كسائر الأموات.
والمختار: وجوب الغسل لمن هذه حاله.
وحجتهم: ما ذكرناه.
ونزيد هاهنا: وهو أن غسل الأموات قاعدة قد تقررت ودل عليها الشرع على جهة الوجوب على الكفاية فلا يجوز إسقاطها إلا بدلالة شرعية ولم يدل الشرع في إسقاطها إلا في حق الشهيد الذي قتله الكفار وأهل الحرب فبقي ما عداه على أصل القياس في وجوب غسله.
__________
(1) أخرجه البخاري 2/877، ومسلم1/144، وابن حبان 7/467.
(2) شرح التحرير.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: روي عن الرسول أنه قال: ((من قتل دون ماله فهو شهيد)). وفي هذا دلالة على إطلاق اسم الشهادة عليه فلهذا لم يمنع من غسله.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأنه إنما سمي شهيداً لكونه قتل ظلماً لا على معنى أن يعطى حكم الشهيد في إمتناع غسله.
وأما ثانياً: فلأنه يستحق ثواب الشهيد لقتله من غير حق ظلماً فلهذا أطلق عليه اسم الشهيد.
الحكم الثامن: ومن قتله البغاة بين يدي الإمام في المعركة فإنه يمتنع غسله عند أئمة العترة، وهو محكي عن أبي حنيفة وأصحابه وأحد قولي الشافعي.
والحجة على هذا: ما روي عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه: أنه لم يغسل أصحابه الذين قتلهم البُغَاة من الخوارج في النهروان والجمل وصفين. وصلى عليهم. ومثل هذا لا يفعله إلا عن توقيف من جهة الرسول إذ لا مجال للإجتهاد فيه، ولأنه روي عن عمار بن ياسر: أنه قال: ادفنوني بثيابي فإني رجل مخاصم، ولأنه قتل في المعركة ظلماً لم يرتث فَشَابَهَ من قتله أهل الشرك.
ووجه آخر: وهو أن الإمام يقاتل أهل البغي للذب عن الدين ولما هم عليه من مخالفة الحق. والإمام يصلي بهم صلاة الخوف في قتالهم كما يصلي في قتال أهل الحرب، فوجب ألا يغسل من يقتلونه كمن قتله أهل الشرك.
فأما إذا كان المقتول ظلماً في المصر بالسلاح من غير إمام، فهل يغسل أم لا؟. فهو على ما ذكرناه في من قتل على ماله وحرمه ظلماً، في الخلاف، وذكر المختار والانتصار له وقد مر فلا وجه لتكريره.
الحكم التاسع: وإن ظل عنهم غسله ونسوه؟ ففيه مذهبان:
المذهب الأول: أنهم يستخرجونه للغسل ما لم يقبر ويحثا عليه التراب(1).
وهذا هو رأي القاسم، ومحكي عن أبي حنيفة.
والحجة على هذا: هو أن الغسل واجب للأموات على الأحياء فلا ينبش بعد القبر وحثو التراب عليه كما لو لم يصلِّ عليه.
__________
(1) واضح من كلام المؤلف أنه يقصد استخراج الميت بعد أن يوضع في القبر وقبل أن يهال على التراب.
المذهب الثاني: أنه يستخرج للغسل وإن قبر وحثي عليه التراب. وهذا هو رأي الشافعي.
والحجة على هذا: هو أن الغسل والكفن والتقبير كلها واجبة على الكفاية علينا في حق الأموات فلا يجوز الإخلال بواحد منها، لقوله : ((إذا أمرتم بأمر فأتوا به ما استطعتم)). ولا شك أن إخراجه من قبره ونبشه لغسله وتكفينه أمر ممكن فلهذا وجب لما ذكرناه.
والمختار: ما قاله القاسم.
وحجته: ما ذكرناه.
ونزيد هاهنا: وهو أن الميت إذا قبر وحثي عليه التراب فإنه يسرع إليه التغيير في الرائحة الخبيثة فإخراجه للغسل لا وجه له لما يحصل من إخراجه من التلوث بالنجاسات وحصول الروائح الكريهة فلهذا ترك على حاله، وكان هذا عذراً في ترك غسله.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: هذه الأمور واجبة للأموات على الأحياء من الغسل والكفن فإذا كانت ممكنة وجب الإتيان بها كما قاله الشافعي.
قلنا: إن هذه الأمور وإن كانت ممكنة لكن الشرع منع منها وجعل القبر عذراً في الإتيان بها فلا وجه للإستئناف لها.
الحكم العاشر: والحائض والنفساء والجنب إذا ماتوا وجب غسلهم.
وحكي عن الحسن البصري: أن الحائض والنفساء يغسلان ولا يصلى عليهما.
والحجة على هذا: هو أن الجنابة والحيض والنفاس قد بطلت بالموت، والغسل لهؤلاء إنما يجب بالموت لأنهم من جملة المسلمين ماتوا في غير حرب أهل الحرب، فلهذا وجب غسلهم كسائر الأموات الذين يجب علينا غسلهم وهذا مما لا يعرف فيه خلاف. وما قاله الحسن فهو مسبوق بالإجماع.
ويجب في حقهم غسل واحد لأن الموجب هو الموت فلا وجه لتكرار الغسل، وهذا مما لا خلاف فيه. أعني: [عدم] تكرير الغسل.
ومن قتل نفسه لم يغسل ولا يصلى عليه. وهذا هو رأي أئمة العترة، ومحكي عن الأوزاعي.
والحجة على هذا: هو أنه إذا قتل نفسه كان فاسقاً لأنه يفسق بقتل نفسه كما يفسق قاتله، وروي عن الرسول [أنه قال]: ((من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يجأ بها في بطنه خالداً في النار مخلداً، ومن تَحَسَّى سماً فسمه في يده يتحساه خالداً في النار مخلداً)) (1).
وحكي عن الشافعي: أنه يجب غسله والصلاة عليه. وحكي عن أحمد بن حنبل أنه لا يصلي عليه الإمام ويصلي عليه غيره.
ومن قتل بالرجم في الزنا نظرت، فإن كان قتله بالإقرار غسل وصلي عليه، لما روي عن الرسول [أنه] رجم الغامدية بإقرارها وغسلت وصلى عليها. وإن رجم بالبينة نظرت، فإن تاب غسل وصلي عليه لأن التوبة تمحو الفسق بالزنا فلهذا جازت الصلاة عليه وغسله، وإن لم يتب فهل يغسل ويصلى عليه أم لا؟
فالذي عليه أئمة العترة أنه لا يغسل ولا يصلى عليه.
وحكي عن الشافعي: أنه يغسل ويُصلى عليه.
وقال الزهري: المرجوم بالزنى لا يصلى عليه.
وحكي عن مالك أنه قال: لا يصلي عليه الإمام الأعظم ويصلي عليه غيره.
والحجة لما قاله أئمة العترة: هو أن من هذه حاله يكون فاسقاً، والفاسق لا يُصلى عليه.
وقد قررنا الحجة على ذلك فأغنى عن الإعادة.
والإمام إذا قتل البغاة فإنهم لا يغسلون ولا يصلى عليهم، وهو رأي أئمة العترة ومحكي عن أبي حنيفة.
وحكي عن الشافعي: انهم يغسلون ويصلى عليهم.
والحجة على ما قلناه: هو أن أمير المؤمنين كرم الله وجهه لم يصل على من قتل من الخوارج في النهروان وصفين والجمل ولا أمر بغسلهم، وإنما وجب ذلك لأجل فسقهم وخروجهم على الإمام فيكون ترك الصلاة والغسل عقوبة لهم على ارتكاب البغي وإصرارهم عليه.
ومن قتل بالمُثَقَّل والجارح فإنهما سواء في أن المقتول لا يغسل ويصلى عليه.
__________
(1) أخرجه البخاري 5/2179، ومسلم 1/103، وهو في سنن النسائي 4/66، و(الكبرى) للبيهقي 1/638، ومسند أحمد 2/478.
وحكي عن أبي حنيفة: أن كل من قتل بالجارح فإنه لا يغسل، وإن قتل بالمثقل فإنه يغسل. كل هذا إذا قتل في المعركة في قتال أهل الحرب.
والحجة على ما قلناه من أنه لا يغسل وأنه يصلى عليه سواء قتل بالجارح أو بالمثقل في المعركة، وهو رأي الشافعي: هو أن الأدلة الدالة على أن الشهيد لا يغسل ويصلى عليه لم تفصل بين أن يكون قتله بالجارح أو بالمثقل.
الحكم الحادي عشر: وأما سائر الشهداء ممن مات بغرق أو حرق بالنار أو هدم أو بطن أو أصابه طاعون أو ما أشبه ذلك، فإن هؤلاء يغسلون ويصلى عليهم، لما روى زيد بن علي عن أبيه عن جده عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه قال: قال رسول اللّه : ((أتدرون من الشهداء من أمتي))؟ قالوا: نعم. الذي يقتل صابراً محتساً في سبيل الله. قال: ((إن شهداء أمتي إذن لقليل، الشهيد الذي ذكرتم، والطعين - يريد الذي أصابه الطاعون وهو يقتل على الفور يموت منه خلق كثير - والمبطون، وصاحب الهدم، والغريق، والمرأة تموت جُمعاً -بضم الجيم وسكون الميم-. قالوا: وكيف تموت جُمعاً؟ قال: يعترض ولدها في بطنها فتموت)) (1).
ولا خلاف في غسل هؤلاء وإن ورد الشرع بكونهم شهداء، فالصلاة عليهم لعموم الخبر، ولأنهم مسلمون ماتوا في غير معترك الكفار فوجب غسلهم والصلاة عليهم كما لو ماتوا بغير هذه الأمراض.
الحكم الثاني عشر: ويستحب نزع الجلود والفراء من الشهيد، والحديد. لما روى زيد بن علي عن أبيه عن جده عن علي : أنه قال: ينزع من الشهداء الفرو والخف والقلنسوة والعمامة والمنطقة والسراويل إلا أن يكون أصاب السراويل دم فإنه يترك ولا يترك عليه شيء من المعقود إلاّ حُلَّ(2).
__________
(1) رواه مسلم 3/1521، وابن ماجة 2/937، وابن أبي شيبة 4/220،و عبد الرزاق 3/562، وأحمد 5/315.
(2) هو في مجموع الإمام زيد بن علي يرويه عن أبيه عن جده عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه.
ويستحب: نزع الحديد والجلود. لما روى ابن عباس رضي الله عنه قال: أمرنا رسول اللّه بقتلى أحد أن ننزع عنهم الحديد والجلود(1).
ويستحب: تزميلهم بكلومهم وثيابهم، لما روي عن الرسول أنه قال: ((زملوهم بدمائهم وثيابهم)). وعن أمير المؤمنين أنه قال: تنزع عنهم السراويل إلا أن يكون أصابها دم.
وجملة الأمر أن ما يستحب نزعه من الأثواب عن الشهداء يقع على أوجه ثلاثة:
أحدها: ما لا ينزع منهم على كل حال سواء أصابها دم أو لم يصبها وهذا نحو الثوب والقميص والقبا فهذه لا تنزع منهم لقوله : ((زملوهم بدمائهم وثيابهم)). ولأن هذه الأثواب مما يكفن فيها في مطرد العادة فلهذا لم تنزع عنهم بحال.
وثانيها: ما ينزع بكل حال سواء أصابه دم أو لم يصبه، وهذا نحو الفرو والحديد والجلود والمنطقة والبيضة والحياصة التي تشد على درع الحديد لأن مثل هذا لا يكفن به في مطرد العادة فلهذا لم يكن بد من نزعه.
وثالثها: ما ينزع إذا لم يصبه الدم فإن أصابه دم ترك على حاله، وهذا نحو السراويل فإنه لا يكفن في مثلها في العادة لكنه لما أصابها الدم لم تنزع لقوله : ((زملوهم بدمائهم)). فاقتضى ظاهر الخبر أن كل ما أصابه الدم لا ينزع إلا ما خرج بدلالة كالذي ذكرناه.
قاعدة.. إعلم أن الإجماع منعقد على أن الميت إذا ذهبوا عن غسله وتكفينه والصلاة عليه وتوجيهه للقبلة ثم وضعوه في لحده ووضعوا عليه اللبن والأحجار(2)
فإنه يجب عليهم إخراجه وفعل هذه الأمور كلها به لأن فعلها ممكن فلا يجوز تركها مع الإمكان، فأما إذا هيل عليه التراب فلا يجوز إخراجه ويكون ذلك عذراً في ترك هذه الواجبات التي ذكرناها لما في إخراجه من العفونة والتقذير كما لو تقطعت أوصاله.
__________
(1) رواه أبو داود 3/195، وابن ماجة 1/485، وأحمد 1/247.
(2) يقصد: ولم ينزعوا عنه ما يجب نزعه مما تقدم ذكره، والله أعلم.
الحكم الثالث عشر: الشهداء قد ظهر فضلهم بقوله تعالى: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ الله أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ الله مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}[آل عمران:169،170]. وبقوله : ((أرواح الشهداء تأوي إلى حواصل طير خضر على قناديل معلقة في الجنة)) (1).
هذه الآية والخبر دالان على فضل الشهداء.
والعلماء فقد ظهر فضلهم بقوله تعالى: {شَهِدَ الله أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ}[آل عمران:18]. فلم يجعل بين الأنبياء والعلماء درجة في الشهادة بالوحدانية وفي هذا نهاية الفضل، وقوله : ((العلماء ورثة الأنبياء))(2).
وقد ظهر بما ذكرناه ظهور الفضل للعلماء والشهداء. وهل تكون الأفضلية للشهداء أو للعلماء؟ فيه تردد.
والمختار: أن العلماء أفضل لقوله : ((مداد العلماء يعدل دم الشهداء))(3).
وفي حديث آخر: ((يقول الله تبارك وتعالى للشهداء: أدخلوا الجنة لا حساب عليكم. فيقول العلماء: بفضل علمنا جاهدوا. فيقول الله عز وجل: أنتم عندي كبعض ملائكتي)) .
وقد تم غرضنا من بيان أحكام الشهداء ونرجع إلى تتمة المسائل.
المسألة الثامنة: إذا مات محرم وجب غسله لا خلاف فيه. وهل ينقطع إحرامه بموته أم لا؟ فيه مذهبان:
__________
(1) أورده ابن بهران عن كعب بن مالك وقال: رواه الترمذي. اهـ (جواهر- تخريج البحر) 2/97.
(2) أخرجه ابن حبان في صحيحه 1/289، والترمذي 5/48، وأبو داود 3/317، وابن ماجة 1/81.
(3) ذكره في (لسان الميزان) 5/225 بلفظ: ((... يوزن مداد العلماء)) و(فيض القدير) 6/362.
المذهب الأول: أنه لا ينقطع إحرامه بموته فلا يلبس المخيط ولا يخمر رأسه ولا يقرب طيب من بدنه ولا في ثيابه ولا يجعل الكافور في الماء الذي يغسل به. وهذا هو رأي أئمة العترة الهادي والقاسم والناصر والمؤيد بالله، ومحكي عن أحمد بن عيسى، ومن الصحابة: أمير المؤمنين وعثمان وابن عباس، ومن التابعين: عطاء. ومن الفقهاء: الثوري وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه.
والحجة على هذا: وهو مروي عن الشافعي، وإحدى الروايتين عن مالك، ما روى ابن عباس رضي الله عنه: أن رجلاً محرماً وقص(1)
به بعيره فمات فقال الرسول : ((اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه اللذين مات فيهما ولا تخمروا رأسه ولا تقربوه طيباً فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً)). وروي ملبداً، والتلبيد نشرحه في باب الحج بمعونة الله تعالى.
المذهب الثاني: أن موته يقطع حكم إحرامه، وعلى هذا يجوز له لبس المخيط ويخمر رأسه ويطيب. وهذا هو رأي زيد بن علي، ومحكي عن ابن عمر وعائشة من الصحابة، ومن الفقهاء: أبي حنيفة والأوزاعي، وإحدى الروايتين عن مالك.
والحجة على هذا: ما روى زيد بن علي عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه عن الرسول : ((إن الرجل إذا مات انقطع عنه سائر عمله إلا ثلاثة: ولد صالح يدعو له، أو صدقة تجري، أو علم ينتفع به)) (2).
والإحرام عمل وله حكم فوجب انقطاعه بالموت فإذا انقطع صار كسائر الموتى في الكفن والطيب وغير ذلك.
والمختار: ما قاله أمير المؤمنين ومن تابعه: من أن إحرامه باقٍ بعد الموت غير منقطع.
وحجتهم: ما ذكرناه.
__________
(1) قال أبو عبيدة: الوقص، كسر العنق، ومنه قيل للرجل: أوقص إذا كان مائل العنق قصيرها، ومنه يقال وقصت الشيء إذا كسرته. اهـ (لسان العرب) 7/106.
(2) وهو مروي من طريق أخرى عن أبي هريرة بلفظ: ((إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له)) أخرجه مسلم وغيره.