وأما الأغلف، وهو الذي ترك الختان فينظر في حاله، فإن كان ترك الإختتان لعذر وهو خوفه على نفسه إن اختتن، غُسِل وصُلِّي عليه، لما روى زيد بن علي عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه أنه قال: لا يصلى على الأغلف إلا أن يكون ترك ذلك خوفاً على نفسه فإنه معذور في تركه. وإن كان تركه تهاوناً بما أوجب الله عليه واطراحاً للسنة لم يغسل ولا يصلى عليه لحديث أمير المؤمنين كرم الله وجهه حيث قال: لا يصلى على الأغلف لأنه ترك من السنة أعظمها واطرح ما أوجب عليه. ولأن فعل الختان من شعائر الإسلام وسنة من سنن المرسلين، كما روي عن الرسول أنه قال: ((عشر من سنن المرسلين خمس في الرأس، وخمس في الجسد)). وعد من جملتها الختان. وتركه من شعائر الكفر فلا بد من تغييره، ولما روي أن رجلاً من أهل الكتاب أسلم وهو أغلف فقال له الرسول : ((إختتن)). فقال: إني أخاف على نفسي. فقال: ((إذا خفت على نفسك فكف)) (1).
وفي هذا دلالة على وجوبه إلا إذا خاف على النفس فإن الروح واجب حفظه وصيانته عن التلف لقوله تعالى: {وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلى التَّهْلُكَةِ}[البقرة:195]. فلهذا يغتفر في سلامتها ترك كثير من الواجبات والسنن.
المسألة الثالثة: والكفار المصرحون بالكفر من أهل الشرك وعبدة الأوثان والأصنام والنجوم والملاحدة وسائر الملل الكفرية فلا يجب غسلهم عند أئمة العترة وفقهاء الأمة، والإجماع منعقد على بطلان وجوب غسلهم لأنهم ليسوا من أهل العبادة ولا ملتزمون للنبوة وأحكام الشريعة وكما أنهم لا يطالبون بالصلاة والزكاة مع إصرارهم على الكفر فهكذا لا تجري عليهم أحكام الملة بعد الموت. وهل يجوز غسلهم أم لا؟ فيه مذهبان:
__________
(1) رواه زيد بن علي بسنده عن علي بلفظ: ((إن كنت تخاف على نفسك فكف)) فمات وصلى عليه وأهدي له فأكل، اهـ (مجموع الإمام زيد بن علي) 171، ويبدو في العبارتين الأخيرتين تقديم وتأخير. والله أعلم.
المذهب الأول: أنه لا يجوز غسلهم. وهذا هو رأي أئمة العترة، ومحكي عن مالك.
والحجة على هذا: هو أن الغسل من جملة العبادات ولهذا فإنه يفتقر إلى النية والكافر ليس من أهل العبادة ولهذا لم يجز غسله بحال.
المذهب الثاني: جواز غسله. وهذا هو رأي الشافعي.
والحجة على هذا: ما روي عن الرسول : أنه أمر علياً كرم الله وجهه أن يغسل أباه أبا طالب، ولو لم يكن جائزاً لما أمره به.
والمختار: ما عول عليه علماء العترة ومن تابعهم من المنع من غسل الكافر.
وحجتهم: ما ذكرناه.
ونزيد هاهنا: وهو أن الغسل لو جاز في حق الكافر لجازت الصلاة فلما لم تجز الصلاة لم يجز الغسل لأنهما أمران يختصان الأموات، فلما لم تجز الصلاة بالإجماع لم يجز الغسل.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: روي عن الرسول أنه قال لعلي : ((اغسل أباك)) (1)
__________
(1) علق ابن بهران رحمه الله على هذا بقوله: هكذا يحكيه أهل الفقه، ولم أقف له على شيء في كتب الحديث، وإنما لفظ الحديث عن ناجية بن كعب أن علياً قال: لما مات أبو طالب أتيت رسول الله فقلت: إن عمك الشيخ الضال قد مات، قال: ((اذهب فوار أباك ثم لا تحدثن شيئاً حتى تأتيني، فواريته فجئته فأمرني فاغتسلت فدعالي، هذه رواية أبي داود، وعند النسائي أنه أتى النبي فقال: إن أبا طالب مات، فقال: ((اذهب فواره)) قال: إنه مات مشركاً، قال: ((اذهب فواره)) فلما واريته رجعت إليه فقال لي: ((اغتسل)) وأخرج أيضاً نحو رواية أبي داود.
وفي (التلخيص) ما لفظه: (تنبيه): ليس في شيء من طرق هذا الحديث التصريح بأنه غسله إلاَّ أنه يؤخذ ذلك من قوله: فأمرني فاغتسلت، فإن الاغتسال شرع من غسل الميت ولم يشرع من دفنه، ثم قال: قلت: وقع عند ابن أبي شيبة بلفظ: إن عمك الشيخ الكافر قد مات فما ترى فيه؟ قال: ((أرى أن تغسله وتجنه)) وحكُى في (التلخيص) عن الواقدي بإسناده إلى علي قال: لما أخبرت رسول الله بموت أبي طالب بكى ثم قال لي: ((اذهب فاغسله وكفنه وواره)) قال: ففعلت ثم أتيته، فقال: ((اذهب فاغتسل)) اهـ من (تخريج البحر) 2/93.
.
دل ذلك على الجواز.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأنه قد روي أنه قال لأمير المؤمنين كرم الله وجهه: ((اذهب فوار أباك)). ولم يذكر أنه يغسله.
وأما ثانياً: فلعل هذا إنما كان في مكة ولم يكن قد حصل التحريم لغسل الكفار لأن الشريعة لم تكن قد اتسعت في مكة، وإنما كان إتساعها في المدينة وانبساط أحكامها وتقرير قواعدها.
المسألة الرابعة: في كفار التأويل، وهذا نحو المجبرة والمشبهة والروافض والخوارج على رأي من يقول بإكفارهم، فإن هؤلاء يغسلون إذا ماتوا.
فإن قلنا: إنهم ليسوا كفاراً كما هو الذي نختاره فهم من جملة المسلمين يجب غسلهم كما يجب غسل سائر المسلمين.
فأما من يقول بإكفارهم، فإنه لا يخالف في وجوب غسلهم لأنهم موحدون لله تعالى مصدقون بالشريعة مقرون بالنبوة ناكحون على القرآن والسنة مصلون إلى القبلة لكنه قام البرهان الشرعي عند من يقول بإكفارهم على أن هذا الاعتقاد الذي اعتقدوه يوجب إكفارهم، وجميع الأحكام الإسلامية لاحقة لهم كما أوضحناه.
فإن قال قائل: فإذا كان حالهم في هذه الأحكام فما فائدة من يقول بإكفارهم وما حكمهم عنده؟
والجواب: أن الذي يأتي تفريعاً على قولهم بإكفارهم، هو تحريم المناكحة والموارثة والدفن في مقابر المسلمين وتحريم الذبيحة، فأما قبول أخبارهم وشهادتهم فلا يختلفون في قبولها، وعلى الجملة فإن كل من قال بإكفارهم فإنه يعاملهم معاملة المرتدين لأنهم قالوا: بمقالة توجب ردتهم عن الدين.
والمختار: هو القطع بخطأهم في هذه المسائل، فأما إكفارهم بها فلا وجه له، وتأويلهم فيها واعتقادهم الحسن فيها يعذرهم عن الإكفار، فلأجل هذا قطعنا ببطلان إكفارهم لعدم الدليل القاطع ووقوع الاحتمال فلا سبيل إلى الإكفار بالأمور المحتملة.
المسألة الخامسة: في الفساق المرتكبين للكبائر المصرحين بالفسق من أهل القبلة ممن مات مصراً على كبيرة، فهل يغسل أم لا؟
فالذي عليه أئمة العترة: أنهم لا يغسلون لأجل ما هم عليه من ارتكاب الكبائر. والمحكي عن الفقهاء: أنهم يغسلون لأنهم مصدقون بالله تعالى وبرسوله وبالشريعة وبالقرآن.
والحجة على ما قاله علماء العترة: هو أنهم صاروا من أهل عداوة الله تعالى ومستحقين للعذاب فأشبهوا الكفار.
ومن جهة: أنها لا تقبل شهاداتهم وترد أخبارهم لتهتكهم وإقدامهم على الكبائر.
والمختار: أن غسلهم غير واجب. وهل يجوز أم لا؟ فيه تردد.
والمختار: جواز الغسل لأهل الكبائر وتغطية جيفهم بالدفن كسائر الجيف التي على الأرض تطهيراً لها وإبعادها عن التأذي بروائحها الخبيثة وتشريفاً للإقرار بالتوحيد والتصديق بالرسالة وغير ذلك من الأحكام الإسلامية التي التزموها لكنهم فسقوا وتعرضوا لسخط الله وغضبه بارتكاب ما ارتكبوه من المعاصي الفسقية.
المسألة السادسة: في فساق التأويل. وهم الذين خرجوا على إمام الحق بالمخالفة ومنعوه عن الإستيلاء على البلاد وإنفاذ أوامر الله ونواهيه لشبهة طرت عليهم، فمن هذه حاله فيقال فيهم: إنهم فساق تأويل لأنهم فسقوا بالمخالفة والظهور عليه، وحكمهم الفسق بالمخالفة، وحكمهم أخف ممن ارتكب كبيرة لا شبهة له في ارتكابها. وفسق الخوارج أدخل وأعظم من فسق التأويل فإن فسق الخوارج يمنع من قبول الشهادة وقبول الأخبار لعظمه، وفسق التأويل لا يمنع من ذلك، وعلى هذا هل يغسلون أم لا؟ فيه تردد لأن أمير المؤمنين كرم الله وجهه لم يعاملهم معاملة أهل الفسق من أهل الكبائر.
فالمختار: غسلهم ودفنهم في مقابر المسلمين. وقد روي عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه أنه لم يغسل من قتل من أصحابه في النهروان لكونهم شهداء وصلى عليهم، ومن قتل من الخوارج في ذلك اليوم لم يغسل ولم يصل عليه، لخروجهم عليه لكن الشبهة الطارئة عليهم في الخروج عليه هي التي خففت الأمر في حقهم فلهذا قلنا: بجواز الغسل.
المسألة السابعة: في الشهداء، والشهيد الذي يقتل في المعركة في قتال الحق مع الإمام أو ينقل من المعركة مجروحاً بجراحة يقطع على موته منها فهذا هو الشهيد وهي مشتملة على أحكام ثلاثة عشر:
الحكم الأول: هل يغسل أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أن الشهيد الذي وصفنا حاله لا يغسل. وهذا هو رأي أئمة العترة، ومحكي عن أبي حنيفة وأصحابه والشافعي وأصحابه وعامة الفقهاء.
والحجة على هذا: ما روي عن الرسول في شهداء أحد أنه قال: ((زملوهم بكلومهم فإنهم يبعثون يوم القيامة وأوداجهم تشخب دماً اللون لون الدم والريح ريح المسك)) (1).
الحجة الثانية: ما روى زيد بن علي عن علي كرم الله وجهه أن قتلى بدر لما أصيبوا وذهبت رؤوس عامتهم فصلى عليهم الرسول ولم يغسلهم، وما ذاك إلا من أجل شهادتهم وقتلهم في سبيل اللّه.
المذهب الثاني: أنهم يغسلون. وهذا هو المحكي عن الحسن البصري وسعيد بن جبير من التابعين.
والحجة على هذا: هو أن غسل من مات من المسلمين فرض على الكفاية وهو معلوم ضرورة من الدين فلا يجوز أن ترفع هذه القاعدة بأمر مظنون والأمور المقطوعة لا يمكن رفعها بالأمور المحتملة المظنونة.
والمختار: ما عول عليه علماء العترة ومن وافقهم من فقهاء الأمة، وهو المنع من غسل الشهداء لأجل ما كرمهم الله به من الشهادة، واختار لهم من الكرامة بإعزاز كلمة الدين والذب عن حوزته.
والحجة لهم: ما ذكرناه.
ونزيد هاهنا: وهو ما علم من حاله في جميع من قتل من أصحابه بين يديه وبأمره في بدر وأحد وسائر الغزوات وجميع السرايا، فإنه لم يغسلهم، وفي هذا دلالة على صحة ما ذكرناه من منع غسلهم.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: غسل الموتى قاعدة معلومة فلا يجوز تركها بأمر مظنون.
__________
(1) أورد الحديث ابن بهران عن عبد الله بن ثعلبة بلفظ: ((زملوهم بدمائهم ...) أخرجه النسائي. اهـ 2/93، وهو في سنن النسائي 6/29 ومسند أحمد 5/431، والسنن الكبرى 4/11.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأنا لم نرفع حكم هذه القاعدة إلا بأمر معمول عليه من أقوال صاحب الشريعة وأفعاله، وما هذا حاله فإنه يعمل به في تخصيص العموم، ونسخ الأحكام، وغير ذلك من الأمور العملية.
وأما ثانياً: فلأنا عملنا بكلا الدليلين فعملنا بهذه القاعدة في غسل الأموات فيما عدا الشهداء، وعملنا بقول الرسول وفعله في حال الشهداء من ترك الغسل في حقهم فقد عملنا بكلا الدليلين كما ذكرناه، وأنتم أسقطتم العمل بأقواله وأفعاله في حق الشهداء فلهذا كان ما قلناه أحق بالعمل والقبول مما ذكرتموه.
الحكم الثاني: في أمره إذا نقل من المعركة وفيه شيء من الحياة.
قال الهادي: ومن حُول من المعركة وفيه شيء من الحياة فُعل به ما يُفعل بسائر الموتى وغسل وكفن وصلي عليه.
واعلم أن كل من لم يقتل في المعركة ونقل منها حياً، ففيه مذاهب ثلاثة:
المذهب الأول: إذا نقل وفيه جراحة يعلم أنه لا يعيش معها فهو شهيد لا يغسل، وإن نقل وأكل وشرب وتداوى ومات بعد ذلك فإنه يغسل. وهذا هو الذي حصله السيد أبو طالب للمذهب.
والحجة على هذا: هو أن الأصل في الموتى كلهم الغسل لانعقاد الإجماع على ذلك خلا أن الشهيد استثني من هذه القاعدة، والإستثناء إنما وقع في حق من قتل في المعركة أو كان به جراحة لا يعيش منها، فأما من عدا ذلك فهو خارج عن اسم الشهيد فلهذا وجب غسله.
المذهب الثاني: أنه إذا نقل من المعركة فأكل وشرب ثم مات قبل تقضي الحرب فإنه يكون في حكم الشهيد فلا يغسل. وهذا هو رأي الشافعي.
والحجة على هذا: هو أنه مهما كانت الحرب قائمة فهو في حكم من حضرها ولهذا فإنه يأخذ حقه من الغنيمة إذا مات بعد إحرازها.
المذهب الثالث: أنه إن مات بعد الإرتياث(1)
__________
(1) يُرْتَثّ: قال ابن منظور رحمه الله: والرتث: الصريع الذي يثخن في الحرب، ويُحمل حياً ثم يموت، وقال ثعلبة: هو الذي يحمل من المعركة وبه رمق، فإن كان قتيلاً فليس بمرتث. اهـ 2/151 لسان.
فإنه يغسل وليس شهيداً، وإن مات قبل الإرتياث فهو شهيد فلا يغسل. وهذا هو رأي أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد، واختلفوا في الإرتياث وتفسيره على أقوال ثلاثة:
القول الأول: محكي عن أبي الحسن الكرخي: وهو أن الإرتياث أن يحمل على أيدي الرجال ويأكل أو يشرب أو يوصي بدينه أو بثلث ماله أو يوصي أو يصلي أو يبقى في المعركة يوماً وليلة حتى يعقل أو يمضي عليه وقت صلاة فلا يجب عليه قضاؤها، فإن كان مغمى عليه مرتثاً فهو شهيد.
القول الثاني: محكي عن أبي يوسف: وهو أنه إن بقي في المعركة أقل من يوم فليس مرتثاً وهو شهيد. حكاه ابن سماعة عنه.
القول الثالث: محكي عن محمد: مثل ما حكيناه عن أبي يوسف، خلا أنه قال: إن عاش يوماً كاملاً في مكانه فليس مرتثاً وهو شهيد ولم يجعل الوصية ارتياثاً، وقال: إنها من أمر الموتى. فهذه مقالة الحنفية في معنى لإرتياث.
والمختار: ما عول عليه أئمة العترة.
وحجتهم: ما ذكرناه.
ونزيد هاهنا: وهو ما روي عن الرسول : أنه لما رمي سعد بن معاذ في أكحله، رماه ابن العرفة ونقل من المعركة وأقام أياماً ورسول الله يعوده بعد الإرتياث ثم مات فغسله الرسول .
الانتصار: يكون بالجواب عما خالفه.
قالوا: إذا مات قبل تقضي الحرب لم يغسل، وإن مات بعد تقضيها غسل.
قلنا: قد حكي هذا عن الشافعي لكن التعويل إنما هو على الجرح فإن كان يموت منه قطعاً فهو شهيد لأنه في حكم من مات في المعركة، وإن كان يعيش منه غسل إذا مات، ولا وجه لتقضي الحرب واتصالها فإنه لا مدخل له في إثبات الشهادة وعدمها.
قالوا: إن مات بعد الإرتياث فإنه يغسل، وإن مات قبل الإرتياث لم يغسل وهو شهيد، كما حكي عن الحنيفة.
قلنا: تعليق الغسل بالإرتياث والنفي وفي إثبات الشهادة وعدمها على الجرح أحق من تعليقه بالإرتياث لأن الجرح هو سبب الموت والقتل، فلا جرم كان التعليق في إثبات الغسل وانتفائه على ما ذكرناه من الجرح في كونه قاتلاً أو غير قاتل؛ لأنه ربما أريث وقد قطع أحد وريديه وهو مقتول لا محالة ويحكم عليه بالشهادة فلا يغسل.
الحكم الثالث: إذا قُتل الشهيد في المعركة وكان جُنباً فهل يغسل أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه لا يغسل. وهذا هو الذي حصله السيدان الأخوان لمذهب الهادي، وهو محكي عن الشافعي وأبي يوسف، ومحمد.
والحجة على هذا: قوله : ((زملوهم بكلومهم)). ولم يفصل بين أن يكون جنباً أو غير جنب.
المذهب الثاني: أنه يغسل. وهذا هو رأي القاسم، ومحكي عن أبي حنيفة.
والحجة على هذا: ما روي أن حنظلة(1)
لما استشهد غسلته الملائكة فقال الرسول : ((إن صاحبكم هذا غسلته الملائكة))(2).
فسألوا أهله فقالوا: إنه خرج جنباً. فدل ذلك على أن الغسل واجب عليه ولهذا غسلته الملائكة.
والمختار: ما قاله السيدان الأخوان للمذهب من ترك غسل الشهيد الجنب.
وحجتهم: ما ذكرناه.
__________
(1) هو حنظلة بن الراهب، قتل يوم أحد، فقال رسول الله : ((إني رأيت الملائكة تغسل حنظلة فما شأنه))؟ فسئلت امرأته فأخبرت أنه سمع هيعة فخرج إلى القتال وهو جنب، ذكر ما يتضمن ذلك في كتب السيرة، وأشار إليه في (المهذب) وغيره، ونسبه في (التلخيص) إلى ابن حبان والحاكم والبيهقي من حديث عبد الله بن الزبير بمعناه، وحنظلة المذكور هو المشهور بغسيل الملائكة، وأبوه المذكور هو أبو عامر الراهب الذي لحق بقريش وخرج معهم على رسول الله يوم أحد، ثم لحق بالروم بعد ذلك، وكان رسول الله يسميه: الفاسق، اهـ بلفظه (جواهر) 2/94.
(2) أخرجه ابن حبان في صحيحه 15/465، وهو في (المستدرك على الصحيحين) 2/225، وفي السنن الكبرى للبيهقي 4/15.
ونزيد هاهنا: وهو ما روي عن الرسول أنه قال: ((الشهيد لا يغسل))(1).
ولم يفصل بين أن يكون جنباً أو غير جنب، ولأنه شهيد مات في المعركة فلا يغسل كما لو لم يكن جنباً ولأن القتل على وجه الشهادة تطهير فلا يحتاج إلى تطهير بالغسل بالماء.
وغسل واحد يسقط ما وجب قبل ذلك إذا اجتمعت أسباب كثيرة موجبة للغسل، ولهذا فإنها لو كانت جنباً ثم حاضت ثم ماتت فإن الغسل الواحد كافٍ في ذلك، وهكذا لو حاضت بعد الجنابة أجزاها غسل واحد من الحيض والجنابة.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا: حنظلة غسلته الملائكة. وفي هذا دلالة على وجوب الغسل من الجنابة للشهيد.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن غسل الملائكة لا يلزمنا ولا نحن مكلفون بما فعلوه لأن الشريعة إنما شرعت في حق الثقلين الجن والإنس فأما الملائكة فهم بمعزل عن هذا.
وأما ثانياً: فإنما كان غسلهم لحنظلة على جهة التبرك والتشريف دون الوجوب وكلامنا إنما هو في الوجوب فافترقا.
قالوا: الغسل كان واجباً على الجنب فالقتل لا يسقطه.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن الواجبات كلها ساقطة عن الميت والغسل من جملتها فلا معنى لقولكم إن الغسل واجب عليه.
وأما ثانياً: فلأن ما ذكرتموه ليس موضعاً للخلاف وإنما الخلاف في وجوب غسله علينا، وذلك مما لم يثبت بدلالة شرعية فيقال: إن القتل يسقطه أو لا يسقطه.
قالوا: قد تقرر أن غسل الميت واجب على الكفاية. وكان القياس أن يغسل الشهيد خلا أنا تركنا القياس في الشهيد إذا لم يكن جنباً للدلالة الشرعية فيجب حمل الجنب على موجب القياس في وجوب غسله.
قلنا: غسل الأموات حكم شرعي فوجب أن تراعى فيه الدلالة الشرعية والشرع إنما ورد فيه إذا لم يكن شهيداً، وهذا قد تقررت شهادته فيجب المنع من غسله لما ذكرناه.
__________
(1) جاء الخبر في شرح النووي على صحيح مسلم 16/26، وفي (الاستيعاب) 1/273.
الحكم الرابع: وإن وُجِد ميت في المعركة وليس فيه أثر القتل والجرح فهل يغسل أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه يغسل. وهذا هو رأي الهادي، ومحكي عن أبي حنيفة وأصحابه.
والحجة على هذا: هو أن الأصل في كل ميت أن يغسل إلا أن يكون شهيداً، ومن هذه حاله فليس تعلم شهادته لأن الشهيد من قتل، وهذا ليس فيه أثر القتل ولا الجرح فلهذا حكمنا بالموت عليه حتف أنفه ويجب غسله كسائر الأموات.
المذهب الثاني: أنه لا يغسل. وهذا هو رأي الشافعي.
والحجة على هذا: هو أن كل من حضر المعركة فإنه بصدد القتل إما بالضغط والازدحام والعطش والسموم وهذه كلها أسباب للموت بسبب الجهاد في سبيل اللّه، فلهذا كان حكمها حكم الجرح والقتل.
والمختار: هو غسله. كما قاله الهادي.
وحجتهم: ما ذكرناه.
ونزيد هاهنا: وهو أن ما ذكره الشافعي وإن كان محتملاً لكن الظاهر خلافه فإن الغالب أن كل من قتل في المعركة فلا بد فيه من أمارة القتل والجرح.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا: قتله يجوز بسبب من الأسباب لما كان حاصلاً في المعركة.
قلنا: وجوب غسله معلوم وليس يسقط غسله إلا بأمارة قوية دالة على شهادته، وهاهنا فلم تحصل أمارة قوية في شهادته فلهذا وجب الرجوع إلى القاعدة المعلومة وهو وجوب غسل الموتى.
الحكم الخامس: ومن قتل بعصا أو حجر أو ضرب بدبوس، أو منع نَفَسُه حتى مات فهو شهيد لا يغسل لأن الغرض اهراق(1)
__________
(1) لعل إزهاق هنا أوفى بالغرض من كلمة إهراق التي تكاد تكون خاصة بالسوائل كالماء والدم والمطر على نحو ما ذكره ابن منظور في لسان العرب 10/365.