حتى سالت دموعه، وروي أنه قال في بكائه عليه: ((هاي هاي هاي ثلاث مرات))(1).
فإن قيل: فهذا صوت وقد كره الصوت الرسول فكيف جاز له فعله؟
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن هذا صوت للبكاء وإنما يكره من الصوت ما كان معه نوح وتعديد.
وأما ثانياً: فلأنه مغلوب عليه لشدة الحزن، وما هذا حاله فليس مكروهاً ولا يؤاخذ [عليه].
فإذا عرفت هذا فالبكاء مباح وجائز حين يموت الميت، فإذا مات فالمستحب أن لا يبكي وإن كان لا يحرم البكاء بعد الموت. لما روى عبدالله بن عتيك(2)
__________
(1) جاء في (جواهر الأخبار) عن عائشة أن رسول الله قبل عثمان بن مظعون وهو ميت وهو يبكي، أو قالت: وعيناه تذرفان، أخرجه الترمذي وأبو داود، ولم يذكرا هاي هاي، والله أعلم. اهـ. 2/90 تخريج البحر.
(2) عبد الله بن عتيك، ويقال: ابن عتيق، ويقال: ابن عبيد، ويدعى ابن هرمز، روى عن معاوية وعبادة بن الصامت، وعنه محمد بن سيرين، ذكره ابن حبان في الثقات، روى له النسائي وابن ماجة حديثاً واحداً في بيع الذهب بالذهب، قلت: ذكر ابن عساكر في رواية ابن علية وبشر بن المفضل: عبد الله بن عبيد، وفي رواية يزيد بن زريع: عبد الله بن عتيك، انتهى، والصواب: ابن عبيد وبذلك جزم المصنف في الأطراف تبعاً لابن عساكر، فقال: رواية ابن زريع وهم، وقفت على قبره وعليه بلاطة فيها اسمه ونسبه وليس فيها تأريخ وفاته، وهكذا ذكره البخاري وابن أبي حاتم وابن أبي خيثمة ويعقوب بن سفيان وابن حبان، وهكذا وقع في السنن الكبرى رواية ابن الأحمر عن النسائي في طرقه، اهـ (تهذيب التهذيب) 5/273.
: أن الرسول جاء إلى عبدالله بن ثابت(1)
يعوده فوجده قد غلب عليه فصاح فلم يجبه فقال الرسول : ((قد غلبنا عليك يا أبا الربيع)). فصاحت النسوة بالبكاء فجعل عبدالله بن عتيك يسكتهن، فقال الرسول : ((دعهن يبكين فإذا وجبت فلا تبكين باكية)). فقال: يا رسول الله وما الوجوب؟ قال: ((إذا مات)) (2).
ولأن الموت يجدد الحزن ويمنع الصبر، ولأن البكاء إنما يكون محاذرة عن الفوات للأحباب، فأما بعد الموت فقد وقع الإياس فلا فائدة فيه، وسيأتي لهذا مزيد تقرير عند الكلام في التعزية.
__________
(1) ترجم له في الثقات 3/242، وجاء في تعجيل المنفعة 1/214: عبد الله بن ثابت الأنصاري، أبو الربيع، توفي في حياة النبي وكفنه النبي في قميصه، روى عن النبي حديث: كلو الزيت وادهنوا به، روى عنه الشعبي هذا الحديث، ويقال: روى عنه أيضاً أبو الطفيل وعطاء الشامي، وروى قصة موته في حياة النبي: جابر بن عتيك، وذكر الطبراني ومن قبله الواقدي أنه شهد أحداً، ولهم صحابي آخر يقال له: عبد الله بن ثابت بن الفاكه، وهو أنصاري أيضاً، ذكره العدوي في الأنساب، وقال: شهد الخندق وله عقب بالمدينة، وفي الصحابة أيضاً: عبد الله بن ثابت بن عتيك الأزدي، ذكره أبو عبيد، وقال: إنه استشهد باليمامة والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب. وله تراجم منها: في الإكمال للحسيني1/229، وفي الإصابة7/137.
(2) هذا طرف من حديث رواه جابر بن عتيك، أخرجه ابن حبان في صحيحه 7/461، والبيهقي في (الكبرى) 4/69، وأبو داود 3/188، والنسائي 4/13، وموطأ مالك 1/233.
---
القول في غسل الميت
وغسله فرض من فروض الكفاية يجب على كل من علم أنه ميت أن يتولاه، فإذا قام به البعض سقط الفرض عن الباقين، وإن تركه الكل لحق الحرج من كان يمكنه القيام به وتركه. لما روي عن الرسول في الرجل الذي سقط من بعيره فمات: ((اغسلوه بماء وسدر))(1).
ولأن الإجماع منعقد على وجوبه على الكفاية كسائر الواجبات على الكفاية.
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول: في المغسول. ويشتمل على مسائل عشر:
المسألة الأولى: غسل من مات من المسلمين واجب على الكفاية كما قررناه سواء كان صغيراً أو كبيراً ذكراً كان أو أنثى حراً كان أو عبداً، وإن وجد ميت ولم يعلم حاله مسلم أو كافر نظرت في حاله، فإن وجدت فيه سيما المسلمين نحو الخضاب وقص الشارب وتقليم الأظفار، غسل لأن هذه الأمارات دالة على كونه مسلماً فلهذا وجب غسله، وإن لم يوجد فيه شيء من هذه الأمارات اعتبر حاله بحكم الدار، فإن وجد في قرية من قرى المسلمين حكم عليه بالإسلام وغسل تغليباً لحكم الدار لأن الغالب أن من وجد في دار الإسلام فهو مسلم لأن الفائدة في كون الدار دار إسلام هو الحكم على من هو مجهول العين فيها، وإن وجد في قرية من قرى الكفر حكم عليه بالكفر تغليباً لحكم الدار فلا يغسل.
والسِّقط بضم السين وكسرها، هو الذي يولد لغير تمام، فإذا ولد ناقصاً نظرت في حاله فإن استهل ورث وورث وحجب وأسقط وسمي وغسل وصلي عليه ودفن، واستهلاله ظهور أمارة الحياة فيه وهو صراخه وبكاؤه وعطاسه وحركة يده أو رجله أو يطرف بعينه. وهذا هو رأي أئمة العترة، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه والشافعي وأصحابه.
__________
(1) أخرجه البخاري 1/426، ومسلم 2/865، والترمذي 3/286، والنسائي 5/197، وأحمد 1/328، والبيهقي في (الكبرى) 3/390.
والحجة على هذا: ما روى البراء عن رسول اللّه أنه قال: ((أحق ما صليتم عليه أطفالكم))(1).
وإذا وجبت الصلاة وجب الغسل لأنه لا تجوز الصلاة على الميت إلا بعد غسله. وروى جابر أن إبراهيم ابن رسول اللّه مات وهو ابن ستة عشر شهراً فغسل وصلى عليه رسول اللّه .
وروى المغيرة عن الرسول أنه قال: ((الطفل يصلى عليه))(2).
وروى عطاء عن رسول اللّه أنه قال: ((إذا استهل الصبي ورث وصُلي عليه))(3).
وروى أبو أمامة عن رسول اللّه أنه قال: ((إذا أستهل السقط صلي عليه))(4).
__________
(1) أخرجه البيهقي في (الكبرى) 4/9، وهو في (شرح معاني الآثار) 1/508، وفي (الكنى) للبخاري 1/10.
(2) أخرجه ابن حبان في صحيحه 7/321، والترمذي في (السنن) 3/349، والبيهقي في (الكبرى)4/8.
(3) قال في (النيل): ويدل على اعتبار الاستهلال حديث جابر عند الترمذي والنسائي وابن ماجة والبيهقي بلفظ: ((إذا استهل السقط صُلي عليه وورث)) قال: وفي اسناده إسماعيل بن مسلم المكي عن أبي الزبير عنه، وهو ضعيف. اهـ 4/46.
قال ابن بهران: قلت: لكن في (الجامع) عن جابر أن النبي قال: ((الطفل لا يُصلى عليه ولا يورث حتى يستهل)) أخرجه الترمذب؟ اهـ 2/91 (حاشية البحر)، ورواه البيهقي في (الكبرى) 4/8، وابن أبي شيبة في مصنفه 6/288.
(4) تقدم عن جابر، قال في (تخريج البحر): ونسبه في (التلخيص) إلى الترمذي والنسائي وابن ماجة والبيهقي، وبعضهم قال: هو موقوف.
وعن المغيرة بن شعبة: أن النبي قال: ((صلوا على السقط وادعوا لأبويه))(1).
على الجملة فإن ما هذا حاله لا خلاف فيه.
وإن لم يستهل فهل يغسل ويصلى عليه أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه لا يغسل ولا يصلى عليه. وهذا هو رأي أئمة العترة. ومحكي عن أبي حنيفة.
والحجة على هذا: ما روى أبو هريرة عن الرسول أنه قال: ((إذا استهل الصبي صلي عليه وسمي وورث وإن لم يستهل لم يصل عليه ولم يسم ولم يورَّث)).
المذهب الثاني: أنه إذا لم يستهل غسل إذا استكمل أربعة أشهر.
وهل يصلى عليه أم لا؟ فيه قولان. وسيأتي ذكرهما في الصلاة.
والحجة على هذا: ما روى المغيرة بن شعبة عن الرسول أنه قال: ((السقط يصلى عليه ويدعا لأبويه بالعفو والمغفرة)).
وإذا صلي عليه وجب غسله. وهذا هو رأي الشافعي.
وحجته على هذا: ما روي في صحيح البخاري ومسلم وهو: ((إن النطفة إذا وقعت في الرحم فإنها تكون أربعين يوماً نطفة، وأربعين يوماً علقة، وأربعين يوماً مضغة، ثم يأمر الله الملك فيكتب رزقه وأجله وشقي أم سعيد))(2).
__________
(1) أورده الشوكاني في (نيل الأوطار) عن المغيرة بن شعبة بلفظ: ((الراكب خلف الجنازة والماشي أمامها قريباً منها عن يمينها أو عن يسارها والسقط يُصلى عليه ويُدعا لوالديه بالمغفرة والرحمة))، رواه أحمد وأبو داود وقال فيه: ((والماشي يمشي خلفها وأمامها وعن يمينها ويسارها قريباً منها)) وفي رواية: ((الراكب خلف الجنازة والماشي حيث شاء منها، والطفل يُصلى عليه)) رواه أحمد والنسائي والترمذي وصححه. اهـ 4/45، ورواه البيهقي في (الكبرى) 4/8، وابن أبي شيبة في مصنفه 6/105,
(2) هذا طرف من حديث أخرجه بكماله: البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي، وأورده ابن حبان في صحيحه 7/321 والبيهقي في الكبرى 4/8 وغيرهما.
ووجه الدلالة من الخبر: هو أنه إذا كان في الأربعين الرابعة تنفخ فيه الروح فيكون حياً، وهذا معلوم من عادة النساء فإنها تجد حركته في وفاء أربعة أشهر. فإذا تقررت حياته ثم خرج سقطاً فإنه يغسل كما لو مات بعد استهلاله.
والمختار: ما عليه علماء العترة.
وحجتهم: ما ذكرناه.
ونزيد هاهنا: وهو أن الشرع إنما ورد بغسل الأموات وهذا غير معلومة حياته ولا تعلم حياته إلا بالإستهلال، والميت من نزعت منه الحياة والسقط لم يستهل فيقال: إنه حي.
فحصل من مجموع ما ذكرناه أن الأمارة الصحيحة في كون السقط حياً إنما هو إستهلاله، فإذا لم يستهل فلا حكم لحياته ولا يعمل عليها.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: رُوي في الصحيحين؛ البخاري ومسلم: أنه تنفخ فيه الروح لأربعة أشهر، وفي هذا دلالة على أنه يكون حياً في مقدار أربعة أشهر، فإذا خرج من بطن أمه لهذه المدة فهو يغسل ويصلى عليه.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن هذه الحركة في بطن أمه لا يدرى حالها هل هي حركة من جهته أو حركة من جهة الله تعالى(1)
فلا يمكن بناء الأمر على ما ليس متحققاً.
وأما ثانياً: فلأن [أمر الجنين] لما كان مستوراً في بطن أمه رفع الشرع الإبهام بأن جعل أمارة واضحة في حياته وهو الإستهلال عند خروجه من البطن فلهذا رفع الشرع الشبهة في إيجاب الغرة في المولود الذي تلقيه المرأة لجناية فأوجب فيه الغرة وهي خمسمائة درهم لما لم يعلم أمره في كونه حياً أو غير حي، فهكذا الحال هاهنا رفع الشرع الشبهة في كونه حياً أو ميتاً بأن جعل الأمارة هي الاستهلال عند خروجه فيعمل عليها في الغسل والصلاة من غير حاجة إلى تعويل على غير ذلك من الأمارات.
__________
(1) هكذا في الأصل، والعبارة غامضة المعنى كما ترى، فكيف تكون الحركة من جهة الجنين مستقلة عن حركة الله تعالى له؟ وإذا كانت من جهة الله تعالى وهي كذلك، فهل يقصد أنها لا تدل على وجود حياة في الجنين؟
قالوا: روى المغيرة بن شعبة أنه قال: ((يصلى على السقط ويستغفر لأبويه)).
قلنا: هذا محمول على أنه قد استهل ليكون موافقاً لما ذكرناه من الأدلة فإنها صريحة في الدلالة على العمل على الإستهلال فلا يمكن معارضتها بالأمور المحتملة.
المسألة الثانية: إذا وجد بعض الإنسان من المسلمين، هل يصلى عليه أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه لا يغسل ولا يصلى على بعض الإنسان إلا إذا وجد الرأس مع النصف، أو وجد الأكثر منه. وهذا هو رأي أئمة العترة الهادي والقاسم والناصر والمؤيد بالله وغيره من الأئمة، وهو محكي عن أبي حنيفة.
والحجة على هذا: هو أن الإجماع منعقد على أنه لا تجوز الصلاة ولا الغسل لليد المبانة بالقصاص والسرقة، وليس ذلك إلا لكونها بعضاً فهكذا حال البعض، إذا لم يكن الأكثر لم يغسل ولا يصلى عليه، ولأن القياس هو منع الصلاة على الموتى لأجل النجاسة لولا دل الشرع على ذلك، وإنما دل على من كان كاملاً من الأموات فأما البعض فلا يصلى عليه إلا أن تقوم دلالة على ذلك، والدلالة إنما قامت على وجود الأكثر دون ما سواه فلهذا وجب التعويل عليه.
المذهب الثاني: أنه إذا وُجد بعض الميت صُلي عليه وغُسل، قليلاً كان أو كثيراً. وهذا هو رأي الشافعي.
والحجة على هذا: هو أن الدلالة التي دلت على وجوب الغسل والصلاة في حق الموتى لم تفصل بين أن يكون بعض الإنسان أو كله.
ويؤيد ما ذكرناه ويوضحه: أن طائراً ألقى يداً في مكة من وقعة الجمل فعرفوها بالخاتم فغسلوها وصلوا عليها. وقيل: إنها كانت يد طلحة، وقيل يد عتَّاب بن أسيد(1)
__________
(1) له تراجم في المقتنى في سرد الكنى 1/365، وفي الثقات3/304، وفي التأريخ الكبير 7/54، وقال في مشاهير علماء الأمصار 1/30: عتاب بن أسيد بن أبي العيص كنيته أبو محمد ولاه رسول الله مكة وهو ابن ثماني عشرة سنة، توفي يوم توفي أبو بكر الصديق، وجاء في (تهذيب التهذيب)7/82: عتاب بن أسيد بن أبي العيص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف الأموي، أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو محمد المكي، روى عن النبي وعنه عمرو بن أبي عقرب وسعيد بن المسيب وعطاء بن أبي رباح وعبيد الله بن عبيدة الربذي، قال ابن عبد البر: استعمله النبي على مكة عام الفتح في خروجه إلى حنين فحج بالناس سنة ثمان وحج المشركون على ما كانو اعليه ولم يزل على مكة حتى قُبض رسول الله وتركه أبو بكر فلم يزل عليها والياً إلى أن مات، فكانت وفاته فيما ذكر الواقدي يوم مات أبو بكر الصديق، وقال محمد بن سلام الجمحي وغيره : جاء نعي أبي بكر إلى مكة يوم دفن عتاب، وكان عتاب رجلاً صالحاً خيراً فاضلاً.
قال أبو داود: لم يسمع سعيد بن المسيب من عتاب شيئاً، وقال أيوب بن عبد الله بن يسار عن عمرو بن أبي عقرب: سمعت عتاب بن أسيد فذكر حديثاً له عندهم، حديثاً في الخرص، وعند ابن ماجة آخر في النهي عن شف ما لم يضمن، قلت: ومقتضاه أن عتاباً تأخرت وفاته عما قال الواقدي؛ لأن أيوب ثفة وعمرو بن أبي عقرب ذكره البخاري في التابعين، وقال: سمع عتاباً. والله أعلم، وقد ذكر أبو جعفر الطبري عتاباً فيمن لا يعرف تأريخ وفاته، وقال في تأريخه: أنه كان والي مكة لعمر سنة عشرين وذكره قبل ذلك في سني عمر ثم ذكره في سنة 21 ثم في سنة 22 ثم قال في مقتل عمر سنة 22: قتل وعامله على مكة نافع بن عبد الحارث، انتهى، فهذا يشعر بأن موت عتاب كان في أواخر سنة 22 أو أوائل سنة 23 فعلى هذا فيصح سماع سعيد بن المسيب منه، والله أعلم.
.
وروي أن أبا عبيدة صلى على رأس من رؤوس المسلمين وجده، وروي أن عمر بن الخطاب صلى على عظام وجدها وهو بالشام. فهذه كلها دالة على جواز الغسل والصلاة لما وجد من أبعاض المسلمين.
والمختار: ما عول عليه علماء العترة من أنه لا يصلَّى إلا على الأكثر، إما الرأس مع وجود النصف، وإما الأكثر من البدن.
وحجتهم: ما ذكرناه.
ونزيد هاهنا: وهو أنا لو صلينا على البعض لأدَّى إلى حصول صلاتين على ميت واحد بأن وجد النصفان منه مرتين فيؤدي إلى تكرير الصلاة على ميت واحدٍ. والإجماع على خلاف ذلك منعقد، وإذا وجد الأكثر أو النصف معاً فهو في حكم الكل فلا حكم للموجود بعد ذلك.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا: الأدلة لم تفصل في الصلاة والغسل بين أن يوجد الأكثر أو الأقل فلهذا جوزناه.
قلنا: الأدلة في الغسل والصلاة إنما دلت على الكل وهي ساكتة في البعض لكنا ألحقنا البعض بالكل إذا كان هو الأكثر فإذا كان الأقل فلا دلالة عليه.
قالوا: روي أن اليد [التي] ألقيت في مكة ألقاها الطير فصُلّي عليها، وعن عمر بن الخطاب مثله، وعن أبي عبيدة بن الجراح: أنهم صلوا على أبعاض من المسلمين وجدوها. فدل ذلك على جواز الصلاة على البعض إذا وجد.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن هذه مذاهب للمجتهدين من الصحابة فلا يلزمنا قبولها وإنما الحجة ما كان عن الله تعالى وعن رسوله أو كان إجماعاً من جهة الصحابة، فأما الأفراد فلا يجب علينا قبول أقوالهم.
وأما ثانياً: فلأن ما ذكروه محمول على الدعاء دون الصلاة الشرعية حتى لا يعارض ما ذكرناه من الدلالة على منعه.
قالوا: إن الموجود هو بعض من الجملة التي يُصلى عليها فيجب أن يُصلى عليه ويغسل كما لو كان الموجود هو الأكثر.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأنه يؤدي إلى ما ذكرناه من الصلاة على آدمي مرتين وهو ممنوع لأن النصفين سواء فلا مزية لأحدهما على الآخر.
وأما ثانياً: فلأن الأكثر بمنزلة الكل فلهذا جازت الصلاة عليه والغسل له فلا يؤدي إلى المحذور الذي ذكرناه فافترقا.
قال الهادي في الأحكام: والميت إذا كان به جراح أو حرق بالنار ويخشى تقطيعه إن غسل، فإنه يصب عليه الماء صباً لأنه مأمور بصيانة الميت وحفظه عن التغيير. ولهذا فإنه يوضع عليه الحديد خشية إنتفاخه، ويعاجل بدفنه ويصان عن الشمس فلهذا سقط غسله، فإن كان صب الماء يغيره ويقطع أوصاله ترك غسله ويمم وصُلّي عليه ودفن كما هو من غير غسل.
وقال أيضاً: وولد الزنا يغسل ويُصلى عليه لأن فسق أبويه لا يؤاخذ به لقوله تعالى: { وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى}[الأنعام:164]. ولأن أحكام المسلمين جارية عليه في حياته ومماته، ولهذا يغسل ويصلى عليه إذا مات ويستغفر له إذا علم صلاحه وإسلامه.