ويستحب توجيهه إلى القبلة. لما روي عن الرسول÷: أنه دخل على رجل من ولد عبدالمطلب وهو يجود بنفسه وقد وجهوه لغير القبلة فقال÷: ((وجهوه للقبلة فإنكم إذا فعلتم ذلك أقبلت عليه الملائكة))(1).
وفي كيفية توجيهه إلى القبلة مذهبان:
المذهب الأول: أنه يكون على ظهره عند موته وغسله مستقبل القبلة، وتصف قدماه إلى جهة القبلة. وهذا هو رأي أئمة العترة الهادي والناصر والمؤيد بالله، وأحد قولي الشافعي.
والحجة على هذا: هو أنه إذا كان على الصفة التي ذكرناه كان مستقبلاً للقبلة بوجهه كله، وإذا وضع على شقه الأيمن لم يكن مستقبلاً للقبلة بكل وجهه، فلهذا كان ما ذكرناه أحق.
المذهب الثاني: أنه يضجع على جنبه الأيمن. وهذا هو رأي أبي حنيفة، وأحد قولي الشافعي.
والحجة على هذا: ما روي أن فاطمة بنت رسول اللّه÷ قالت لامرأة كانت تباشرها: ضعي فراشي هاهنا واستقبلي بي القبلة، ثم قامت فاغتسلت كأحسن ما تغتسل ولبست ثياباً جدداً ثم قال: تعلمين أني مقبوضة الآن. ثم استقبلت القبلة وتوسدت يمينها ثم قبضت رضوان الله عليها ورحمته.
والمختار: أنه لا خلاف في توجيه الميت إلى القبلة ولا خلاف أن[كلا] الأمرين جائز، وإنما الخلاف في الأفضل منهما. والأفضل هو إضجاعه على يمينه ليستقبل القبلة للحديث الذي رويناه عن فاطمة لأنها لا تقول ذلك ولا تفعله إلا عن توقيف من جهة أبيها÷ وفعلها لنفسها يدل على ذلك أيضاً.
والحجة على هذا: هو أن استقبال القبلة إنما ورد مطلقاً من جهة الرسول÷ ولم يرد في إلقائه على قفاه حديث من جهة الرسول÷، وإنما كان ذلك استحساناً ليكون بوجهه إلى القبلة كاملاً تاماً، وإضجاعه على يمينه قد ورد فيه حديث فاطمة فلهذا كان هو الأفضل لما ذكرناه.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
__________
(1) أورده ابن بهران في (تخريج البحر) وقال: هكذا في (أصول الأحكام) و(الشفاء) اهـ. 2/87.
قالوا: إذا ألقي على فقاه كان أكمل حالة في استقباله فلهذا كان أحق بالعمل عليه.
قلنا: عمل الصحابي أحق بالقبول والذي رويناه عن فاطمة رضوان الله عليها في عملها لنفسها هو أحق لأنها لم تفعله إلا بوحي وتقرير من جهة الرسول÷.
فإن ضاق المكان عن إلقائه على قفاه ألقي على شقه الأيمن، وإن ضاق المكان عن إلقائه على شقه الأيمن ألقي على قفاه لأنه يجوز العدول عن الأفضل لأجل العذر.
ويستحب لمن دخل على المريض أن يأمره بالتوبة إلى الله تعالى، وهي الندم على ما أخل به من الواجبات وتلبس به من فعل المحظورات والعزم إن عافاه الله تعالى على ألاَّ يعود إلى شيء من ذلك، لما روي عن الرسول÷ أنه قال: ((توبوا إلى الله قبل أن تموتوا))(1).
ويستحب لمن حضر المريض، أن يأمره بالتخلص عما في ذمته من حقوق الله تعالى من الزكوات والأخماس والمظالم التي لا تتعين أو حج أو كفارات، وعما في ذمته من حقوق بني آدم من دم أو مال أو عرض، ويسأله عن كل واحد بعينه ليكون أقرب إلى ذكره والخلاص منه، فإن أمكنه في الوقت فهو الواجب لأن هذه الحقوق مطالب بها، وإن كان لا يمكنه التخلص منها على الفور فإنه يوصي بها ويعينها ويعين ما يوفي بها من تركته، ويدفع الوصية إلى ثقة من أقاربه أو من غيرهم يخلص ذمته. لما روي عن الرسول÷ أنه قال: ((نفس المؤمن مرتهنة بدينه حتى يقضى))(2).
__________
(1) أورده ابن ماجة في سننه 1/343، وابن أبي يعلى في مسنده 3/382، وهو في (الترغيب والترهيب) 2/4، وفي (مصباح الزجاجة) 1/128.
(2) أخرجه الترمذي في سننه 3/389، والبيهقي في (الكبرى) 4/61، وفي (التمهيد) لابن عبد البر23/235، وكلها بلفظ: ((نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه)) ورواه الشوكاني عن أبي هريرة بلفظه، وقال: رواه أحمد وابن ماجة والترمذي، وقال: حديث حسن. اهـ (نيل الأوطار) 4/23.
ويستحب أن يأمره بتأدية الصلوات في أوقاتها على قدر إمكانه، فإن كان يمكنه الوضوء توضأ، وإن كان يتعذر عليه لأجل العلة فإنه يتيمم لأجل العذر، ويأتي بالصلاة على قدر إمكانه إما قائماً أو قاعداً وإما على جنب، لقوله÷: ((إذا أمرتم بأمر فأتوا به ما أستطعتم)). وقوله تعالى: {إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ على الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً}[النساء:103].
ويستحب تكرير الزيارة للمريض إذا طال مرضه. لما روي عن الرسول÷ أنه قال: ((من عاد مريضاً لم تزل الملائكة تعوده في قبره)). وفي حديث آخر: ((من عاد مريضاً لم يزل في خرفة من مخارف الجنة))(1). والخرفة: هي البستان.
ويستحب أن يقرأ عند المحتضر سورة يس. لما روي عن الرسول÷ أنه قال: ((إقرأوا على موتاكم سورة يس))(2).
ويستحب قراءة سورة الرعد لما روي عن الرسول÷ أنه قال: ((إقرأوا على موتاكم سورة الرعد فإنها تهون خروج الروح))(3).
فهذا ما أردنا ذكره فيما يفعل في المرض.
__________
(1) جاء في (نيل الأوطار) 4/14 عن علي رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله÷ يقول: ((إذا عاد المسلم أخاه مشى في خرافة الجنة حتى يجلس، فإذا جلس غمرته الرحمة، فإن كان غدوة صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يمسي، وإن كان مساءً صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يصبح)) قال: رواه أحمد وابن ماجة، وللترمذي وأبي داود نحوه.
(2) وكذا أورد الشوكاني هذا الخبر عن معقل بن يسار، قال: قال رسول الله÷: ((إقرأوا يس على موتاكم)) رواه أبو داود وابن ماجة وأحمد، ولفظه: ((يس قلب القرآن، لا يقرأها رجل يريد الله والدار الآخرة إلاَّ غفر له، واقرأوها على موتاكم)) اهـ (نيل الأوطار) 4/22، وهو في صحيح ابن حبان 7/269، والسنن الكبرى للبيهقي 6/265، وفي (الكنى) للبخاري.
(3) أورده ابن أبي شيبة في مصنفه 2/445.
---
القول فيما يفعل بالميت عند موته
فإذا مات الميت فإنه يستحب أن يتولَّى إغماض عينيه أرفق أهله، إما ولده أو والده أو غيرهما من أقاربه ممن كان شفيقاً رفيقاً به في حال حياته، فيفعل ذلك بأسهل ما يقدر عليه؛ لما روي عن الرسول أنه قال: ((عليكِ بالرفق يا عائشة فإنه ما جعل في شيء إلا زانه.، ولا نزع من شيء إلا شانه)) (1).
وإغماض الميت مشروع. لما روت أم سلمة أن الرسول أغمض أبا سلمة لما مات وقال: ((إن البصر يتبع الروح))(2).
ولأنه إذا لم يفعل ذلك بقيت عيناه مفتوحتين فيقبح منظره، وإذا أُغْمِضَت عيناه انطبقتا فيصير كالنائم.
ويستحب أن يشد لحيه الأسفل بعصابة عريضة أو بعمامة ويربطها فوق رأسه مخافة أن يبقى فوه مفتوحاً يدخله الهواء.
قال القاسم: تُغمض عيناه كأسهله ويربط برباط واسع من ذقنه إلى قمته ويجافا بذراعيه إلى عضديه ثم يمدان إلى فخذيه، وكذلك تمد فخذاه إلى بطنه.
ويستحب أن تلين مفاصله.
__________
(1) أخرجه مسلم 4/2004، وابن حبان2/310، وأبو داود 3/3، وأحمد 6/58 وغيرهم.
(2) جاء الخبر في (جواهر الأخبار) عن أم سلمة بلفظ: قالت: دخل رسول الله على أبي سلمة فأغمضه، ثم قال: ((إن الروح إذا قبض تبعه البصر)) فضج ناس من أهله، فقال: ((لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير، فإن الملائكة يُؤمِنُون على ما تقولون)) ثم قال: ((اللهم اغفر لأبي سلمة وارفع درجته في المهديين واخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين، وافسح له في قبره ونور له فيه)) أخرجه مسلم وغيره، اهـ. تخريج البحر 2/78.
وأورده الشوكاني عن شداد بن أوس بلفظ: قال رسول الله : ((إذا حضرتم موتاكم فاغمضوا البصر، فإن البصر يتبع الروح، وقولوا خيراً فإنه يُؤمَّن على ما قال أهل الميت)) رواه أحمد وابن ماجة. اهـ (نيل الأوطار) 4/21.
قال المؤيد بالله: فإذا مات الميت وضع على قفاه مستقبل القبلة وتغمض عيناه أرفق ما يكون ويشد ذقنه إلى قمته بخرقة عريضة لئلا ينفغر فوه، وتلين مفاصله وتمد أصابع يديه إلى كفيه. وهذه الجملة مما لا خلاف فيها ولأنه يكون أسهل على غاسله، وذلك أن الروح إذا فارق البدن فإنه يكون حاراً لقرب مفارقة الروح ثم يبرد عقيب خروج الروح فإذا لينت الأعضاء عقيب خروج الروح لانت وتعطفت، وإذا لم تلين بقيت قاسية فيصعب علاجها في حالة الغسل.
ويستحب أن تنزع عنه الأثواب التي مات فيها لأمرين:
أما أولاً: فلأن الغالب ملابسة النجاسات خاصة مع طول المرض واختلاف الأمراض.
وأما ثانياً: فلأن الثياب إذا لم تنزع عنه ربما حميت عليه فيسرع إليه الفساد.
ويستحب إذا مات أن يسجى بثوب. لما روت عائشة أن رسول اللّه لما مات سجي بثوب خُمرة.
ويستحب أن يرفع الميت على سرير أو نشز من الأرض أو لوح مخافة أن يصيبه نداوة من الأرض فيتغير.
ويستحب إذا مات الميت أن يترك على بطنه شيء من حديد أو طين رطب لما روي أن غلاماً لأنس بن مالك مات فقالوا: اجعلوا على بطنه شيئاً من الحديد لئلا ينتفخ.
ويستحب إذا مات الميت وقد أوصى بصدقة أن تؤدى على الفور لتتعجل منفعتها.
ويستحب لمن حضر الميت أن يدعو ويثني خيراً. لما روت أم سلمة عن الرسول أنه قال: ((إذا حضرتم الميت أو المريض فقولوا خيرا فإن الملائكة تؤمن على دعائكم)) (1).
فلما مات أبو سلمة أتيت الرسول فقلت: يا رسول الله إن أبا سلمة مات فما أقول؟ قال: ((فقولي اللهم اغفر لي وله واعقبني منه عقبى حسنة)) (2).
قالت: فأعقبني الله منه رسوله الله خيراً منه.
__________
(1) أخرجه مسلم 2/633، وابن حبان 7/274 في صحيحيهما، وهو في سنن الترمذي 3/307، وابن ماجة 1/465، ومصنف عبد الرزاق 3/393 وغيرها.
(2) أخرجه مسلم في صحيحه 2/633، وابن ماجة في سننه 1/465،و الخبر جزء من سالفه.
ويستحب الدعاء عند شدة الموت لما روت عائشة أن الرسول كان عنده قدح فيه ماء فكان يدخل يده فيه ويمسح بها وجهه ويقول: ((اللهم أعنِّي على سكرات الموت))(1).
وإذا مات المريض بعلة معروفة فإنه لا يدفن حتى تظهر فيه علامات الموت لأنه قد يغشى عليه فيظن أنه قد مات ولم يمت، وجملة العلامات الدالة على الموت خمس:
الأولى منها: أن تسترخي قدماه فيقوَّمان وينصبان فلا ينتصبان.
الثانية: أن تميل أنفه عن إستقامتها وتعوج بعد ثبوتها.
الثالثة: أن تمتد جلدة وجهه بعد تقبضها.
الرابعة: أن تنخلع كفاه عن ذراعيه بعد إتصالهما.
الخامسة: أن ينخسف صدغاه وينحرفا(2)
فإذا حصلت هذه العلامات مع تقدم المرض فقد تحقق موته.
وإن كان [موته] فجأة من غير علة كأن يموت من فزع أو غرق أو ما أشبه ذلك فإنه يتأنى في أمره وينتظر حتى يتحقق موته، فإذا تحقق موته في الحالين جميعاً فالسنة أن يبادر إلى تجهيزه ودفنه، لقوله : ((ثلاثة لا ينبغي التأني فيهن: الصلاة، والجنازة، والأيم إذا حضر كفؤها)) (3).
__________
(1) جاء الخبر في (المستدرك على الصحيحين) 2/505، وسنن الترمذي 3/308، و(الكبرى) للبيهقي 4/259، وابن ماجة 1/519، ومصنف ابن أبي شيبة 6/42، و(المعجم الكبير) للطبراني 23/34.
(2) هكذا في الأصل كلمة: وينحرفا، غير معجمة.
(3) ولفظه: عن علي أن رسول الله قال له: ((يا علي ثلاث لا تؤخرها: الصلاة إذا دخل وقتها، والجنازة إذا حضرت، والأيم إذا وجدت لها كفؤاً)) أخرجه الترمذي. اهـ. تخريج البحر 2/89.
وروي عن الرسول : أنه دخل على طلحة بن البراء(1)
يعوده فقال : ((ما أرى الموت إلا قد ذهب بطلحة فإذا مات فآذنوني وبادروا به فإنه لا ينبغي لجيفة مسلم أن تبقى بين ظهراني أهله)) (2).
قال الهادي: وإن كان الميت امرأة حاملاً وفي بطنها ولد يتحرك شق بطنها وأخرج الولد ثم تخاط تخييطاً وثيقاً.
واعلم أن كلامه هذا قد اشتمل على أحكام ثلاثة:
الحكم الأول: أنه لا يقدم على الشق إلا بعد العلم بحركة الولد وحياته في بطن أمه، وما هذا حاله فإنه لا يخفى أمره، وإنما وجب ذلك لأن حرمة الحي أولى من حرمة الميت فلهذا أقدمنا على الشق حفظاً على حياة الولد فإذا لم تعلم حياة الولد بالسكون والخفوت في البطن فلا وجه للشق بحال.
الحكم الثاني: شق البطن لإخراج الولد. وهو رأي أئمة العترة، ومحكي عن سفيان الثوري، وحكي عن مالك: أن النساء يعالجن خروج الولد من مخرجه المعتاد خروجه منه في العادة. وحكي عن الشافعي أن مذهبه مثل مذهب مالك في إخراجه من مخرجه المعتاد.
__________
(1) ترجم له في الإصابة 3/524-525 فقال ما ملخصه: طلحة بن البراء بن عميرة بن وبرة بن ثعلبة بن غنم بن سري بن سلمة بن أنيف البلوي حليف بني عمرو بن عوف الأنصاري، وروى أبو داود من حديث الحصين بن وحوح أن طلحة بن البراء مرض فأتاه النبي يعوده فقال: ((إني لا أرى طلحة إلا قد حدث به الموت فآذنوني به وعجلوا فإنه لا ينبغي لمسلم أن يحبس بين ظهراني أهله)) هكذا أورده أبو داود مختصراً كعادته في الإقتصار على ما يحتاج إليه في بابه.
(2) أورده الشوكاني في (نيل الأوطار) 4/24 عن الحصين بن وحوح بلفظ: ((إني لا أرى طلحة إلا قد حدث فيه الموت فآذنوني به وعجلوا فإنه لا ينبغي لجيفة مسلم أن تحبس بين ظهري أهله)) رواه أبو داود، والحديث في سنن البيهقي الكبرى 3/386، والتمهيد لابن عبد البر 6/272 وغيرهما.
والحجة على ما قلناه: هو أن خروجه من مخرجه في العادة إنما يكون في حال الحياة بأمر الله تعالى وقدرته، فأما بعد بطلان الحياة فلا وجه لذلك ويتعذر، والشق يكون أسهل وأيسر في الخروج فلهذا كان معتمداً عليه.
الحكم الثالث: أنه يخاط الشق تخييطاً وثيقاً لأن ترك الخياط تغيير لبدن الميت ويجري مجرى المثلة فلهذا توجه خياطه وضمه.
ويستحب لمن مات في أول النهار: ألا يبيت إلا في قبره، ومن مات في أول الليل ألا يصبح إلا في قبره. لما روي عن الرسول أنه قال: ((أسرعوا بجنائزكم))(1).
ولما روى ابن عمر رضي الله عنه عن الرسول أنه قال: ((من مات بالغداة فلا يقل إلا في قبره، ومن مات بالعشي فلا يبت إلا في قبره)) (2).
ولأنه لا يؤمن مع عدم دفنه أن يسبق إليه التغير. إلا من كان غريقاً أو صاحب هدم أو مبرسماً(3)،
__________
(1) هذا طرف من حديث أورده ابن بهران وغيره عن أبي هريرة بلفظ: إن رسول الله قال: ((أسرعوا بجنائزكم فإن تك صالحة فخير تقدمونها عليه وإن تك غير ذلك فشر تضعونه عن رقابكم)) أخرجه الستة. اهـ (تخريج البحر) 2/89، وهو في صحيح ابن حبان 7/315، ومصنف عبد الرزاق 3/441.
(2) ذكره في (مجمع الزوائد) 3/20، وأخرجه الطبراني في (الكبير) 12/421، وهو في (فيض القدير) 6/227.
(3) في (لسان العرب): البرسام: الموم. ويقال لهذه العلة: البرسام، وكأنه معرب، وبر: هو الصدر، وسام، من أسماء الموت، وقيل: معناه الابن، والأول أصح؛ لأن العلة إذا كانت في الرأس يقال: سرسام، وسر هو الرأس، والمبَلْسَم والمُبَرْسَم واحد. الجوهري: البرسام علة معروفة، وقد بُرْسِمَ الرجل فهو مُبَرْسَم. اهـ. 12/46.
أو صاحب سكتة، فإن هؤلاء ينبغي التأني في حقهم حتى تتحقق أحوالهم بظهور العلامات التي ذكرناها. ولا يكره الدفن ليلاً عند أئمة العترة وأكثر العلماء لما روى ابن عمر: أن امرأة مسكينة ماتت على عهد رسول الله فدفنت ليلاً. وروي عن أمير المؤمنين: أنه دفن فاطمة ليلاً.
وحكي عن الحسن البصري: أنه كره ذلك. لما روي: أن ملائكة النهار أرفق من ملائكة الليل.
ومن جهة أنه لا يكاد يحصل تجهيزه على الكمال ليلاً فلهذا كره دفنه ليلاً لما ذكرناه.
وإذا مات الميت فإنه تكره النياحة عليه، وشق الجيوب ونشر الشعور وخمش الوجوه. لما روت أم عطية أن الرسول نهى عن النياحة فما وفت واحدة منا بما قاله رسول اللّه إلا أم سلمة. وروى أبو سعيد الخدري: أن الرسول لعن النائحة والمستمعة إليها للنياحة(1).
وروى ابن مسعود أن الرسول قال: ((ليس منا من لطم الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية2))(2).
وروي أن امرأة بايعت الرسول وقالت: أخذ علينا رسول اللّه ألاَّ نخمش وجهاً ولا ندعو ويلاً ولا نشق جيباً ولا ننشر شعراً، ولأن ذلك يشبه التظلم والإستغاثه، وما فعله الله فهو حكمة وصواب وعدل وحق ولأن ذلك يجدد الحزن.
وروي عن الرسول أنه قال: ((صوتان ملعونان فاجران في الدنيا والآخرة: صوت رنة عند مصيبة، وشق جيب وخمش وجه ورنة شيطان، وصوت عند نعمة، صوت لهو ولعب ومزامير شيطان)) (3).
__________
(1) أخرجه أبو داود عن أبي سعيد الخدري، وهو في سنن البيهقي الكبرى 4/63، ومسند أحمد 3/65.
(2) أخرجه البخاري في صحيحه 1/435، والبيهقي في (الكبرى) 4/64، وابن أبي شيبة في مصنفه 2/486، وقال فيه ابن بهران 2/90 تخريج البحر: أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن ابن مسعود.
(3) أورده في (الاعتصام) عن (شرح التجريد) بلفظه 2/193، وهو في (الأحاديث المختارة) 6/189 و(مجمع الزوائد) 3/13، و(التمهيد) لابن عبد البر 2/199.
وروى زيد بن علي عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه، عن الرسول أنه قال: ((ليس منا من حلق، ولا من سلق، ولا من خرق، ولا من دعى بالويل والثبور)) (1).
وفسره الإمام زيد بأن الحلق: حلق الشعر وجزه، والسلق: الصياح، والخرق: خرق الجيب والقميص.
وأما البكاء من غير ندب ولا نوح فهو جائز. لما روي عن الرسول أنه جعل ولده إبراهيم في حجره وروحه تنزع ونفسه تقعقع فبكى عليه وقال: ((تدمع العين ويحزن القلب ولا أقول ما يغضب الرب إنا بك يا إبراهيم لمحزونون)). ثم فاضت عيناه فقال له سعد: ما هذا يا رسول الله فقال: ((إنها رحمة يضعها الله في قلوب من يشاء، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء)) (2).
وروي أنه قال للرسول : أليس قد نهيت عن البكاء يا رسول الله؟ فقال: ((لا إنما نهيت عن النوح))(3).
وروي عن الرسول : أنه بكى على عثمان بن مظعون(4)
__________
(1) أورده في (مجمع الزوائد) 3/15، وأخرجه أبو داود في سننه 3/194، والبيهقي في (الكبرى) 1/611، والنسائي في سننه 4/20، وابن أبي شيبة في مصنفه 2/468.
(2) جاء الحديث بروايتين، الأولى عن أنس بن مالك، أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود، والثانية عن أسامة بن زيد، أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي، بألفاظ في بعضها اختلاف، وكان في الرواية الأولى مع الرسول عبد الرحمن بن عوف، وفي الثانية سعد بن عبادة ومعاذ بن جبل. اهـ.
(3) تقدم معناه في الأحاديث السابقة.
(4) أورد في (الثقات)3/260: ما فيه الدلالة على الموضوع، وهو جواز تقبيل الميت فقال: عثمان بن مظعون بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح بن عمرو بن هصيص بن كعب أخو قدامة بن مظعون القرشي، كنيته أبو السائب مات بالمدينة قبل وفاة رسول الله، وقبله رسول الله بعد الموت.
…وجاء في (تعجيل المنفعة)1/283: عثمان بن مظعون بن حبيب بن وهب بن حذافة القرشي الجمحي، أبو السائب رضي الله عنه، أسلم قديماً بعد ثلاثة عشر نفساً وهاجر الهجرتين، وشهد بدراً كان من أشد الناس اجتهاداً في العبادة، وهو ممن حرم الخمر على نفسه في الجاهلية، وقال: لا أشرب شراباً يذهب عقلي ويضحك بي من هو أدنى مني، مات سنة اثنتين من الهجرة وقبله النبي وهو ميت، وهو أول من دفن بالبقيع، روى عنه ابن عباس حديثه في وقت نزول قوله تعالى: {إِنَّ الله يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ} قال عثمان: فذلك حين استقر الإيمان في قلبي وأحببت محمدا.