قال المؤيد بالله: ما قالوه قد روي عن الرسول إلا أن ظاهر الكتاب يرده فلم نأخذ به لأن الله تعالى قال: {وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ}[النساء:102]. وفي هذا الخبر أن الطائفتين قامتا معه وهو مخالف لظاهر الآية.
المذهب الخامس: محكي عن علي وابن عباس وابن عمر وعبدالله بن مسعود وزيد بن ثابت وأبي هريرة وعائشة وسهل بن أبي حثمة وأبي موسى الأشعري وحذيفة بن اليمان، وهو أن الرسول صلى بكل طائفة ركعة وجعل الناس طائفتين، وهذا بعينه هو ما حكيناه عن الهادي والقاسم.
والحجة فيه: ما ذكرناه من ظاهر الآية فإنها دالة عليه.
فهذه المذاهب كلها قد أوردناها بأدلتها لِيُعْلم ما هو ضعيف منها وما هو قوي.
فأما صلاة المغرب، فهي ثلاث ركعات فلا يمكن التسوية فيها بين الطائفتين على الأخرى(1)
فلا بد فيها من تفضيل إحدى الطائفتين، وهل تفضل الطائفة الأولى أو الثانية؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: تفضل الطائفة الأولى. وهذا هو رأي القاسمية والحنفية، وأحد قولي الشافعي.
والحجة على هذا: ما روى زيد بن علي عن أمير المؤمنين كرم اله وجهه: أنه صلى بالطائفة الأولى في صلاة المغرب ركعتين وبالطائفة الثانية ركعة واحدة، ومثل هذا لا يصدر إلا عن توقيف من جهة الرسول لأنه لا مدخل للقياس فيه.
المذهب الثاني: أنه يصلي بالطائفة الأولى ركعة واحدة وبالثانية ركعتين. وهذا هو رأي الناصر، وأحد قولي الشافعي.
والحجة على هذا: ما روي عن علي ، أنه صلى بالطائفة الأولى في صلاة المغرب ركعة وبالطائفة الثانية ركعتين. وهذا لا يقوله إلا عن توقيف ثم قال: إنما أردت أن تدرك كل طائفة فضيلة القراءة وسماع فاتحة الكتاب والسورة، فلهذا كان أحق وأولى.
والمختار: ما قاله الهادي والقاسم من تفضيل الطائفة الأولى بالركعتين.
وحجتهم: ما ذكرناه.
__________
(1) جملة: (على الأخرى) زائدة دون فائدة في الدلالة على المقصود.

ونزيد هاهنا وهو قوله : ((لا تختلفوا على إمامكم)). ومن خرج في الركعة الثانية فقد خالف الإمام. وقوله: ((إنما جعل الإمام ليؤتم به)). ولقوله : ((ألا يخشى من يرفع رأسه قبل رأس الإمام أن يحول الله رأسه رأس كلب أو رأس حمار )).
وإذا تقرر هذا فلا عذر للطائفة الأولى في الخروج عن الإمام إلا خشية أن تفوت الصلاة على الطائفة الثانية مع الإمام وذلك حاصل بإدراك الركعة الثالثة، فإذن لا وجه لاختصاصهم بركعتين في هذه الصورة.
والحجة الثانية: هو أن الإتمام في صلاة الخوف ينبغي أن يكون مشروعاً لقسمة الصلاة نصفين على الطائفتين فيكون لكل واحدة نصفها وعلى أنه يجب أن تكون للطائفة الأولى ركعة ونصف لأن التنصيف في الثلاث لا يكون إلا بالكسر وإذا استحقوا النصف من الركعة الثانية وجب أن يستحقوا النصف الآخر لأن النصف الثاني تابع للأول من حيث كان سابقاً في الاستحقاق، والطائفة الثانية لم تكن مستحقة للنصف الأول فلهذا لم تستحق النصف الآخر لأنه غير تابع فبطل أن يكون مستحقاً.
الحجة الثالثة: وهو أنا إذا جعلنا الركعة الثانية للطائفة الثانية لكنا قد جعلنا التشهد الأول من الإمام بحيث لا حظ فيه لواحدة من الطائفتين، وبيانه: هو أن الطائفة الأولى لا تلحقه لأنه في الركعة الثانية والطائفة الثانية تجلس على جهة التبعية لأنه ليس لها بمحل ولا يعتد لها به، فوجب أن يجعله للطائفة الأولى لئلا يكون في صلاة الإمام ما لا حظ لواحدة من الطائفتين فيه.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: روي عن أمير المؤمنين: أنه صلى بالطائفة الأولى في صلاة المغرب ركعة وبالطائفة الثانية ركعتين وهذا لا يقوله إلاَّ عن توقيف.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأنا قد روينا عن أمير المؤمين ما يعارض هذه الرواية على جهة المناقضة فتتساقط الروايتان ونرجع إلى دليل آخر.

وأما ثانياً: فلأنا قد أوردنا من الأدلة الشرعية التي لا معارض لها ما فيه مقنع وكفاية من وجوب اختصاص الطائفة الأولى بالركعتين فأغنى عن الإعادة.
وحكي عن الشافعي: أنه خَيَّرَ أن يصلي الإمام بالطائفة الأولى ركعتين في صلاة المغرب وبين أن يصلي بهم ركعة واحدة وبين أن يصلي بالطائفة الثانية ركعة أو ركعتين، وأيهما يكون أفضل؟ فيه وجهان:
أحدهما: أن الأفضل أن يصلي بالطائفة الأولى ركعة وبالثانية ركعتين لما روي عن علي : أنه صلى ليلة الهرير هكذا.
وثانيهما: أن الأفضل تفضيل الطائفة الأولى بركعتين؛ لأن الرسول فضل الطائفة الأولى بأن صلى بها ركعتين وبالثانية ركعة، وهذا هو الأصح من مذهبه.
فإن صلى بالطائفة الأولى ركعة واحدة فسدت صلاة الطائفة الأولى تفريعاً على ما اخترناه من أنه يجب أن يصلي بالطائفة الأولى ركعتين لأنهم خرجوا عن صلاته من غير عذر وقد قال : ((لا تختلفوا على إمامكم)) و((إنما جعل الإمام ليؤتم به)). وعليه أن يجلس في التشهد الأول من الركعتين الأوليين حتى تفرغ الطائفة الأولى.
قال السيد أبو العباس: فإن قام ونووا الخروج من الائتمام بطلت صلاتهم لأن قيامه إلى الثالثة يكون مصلياً بهم، وإن لم يجدد لذلك نية، لأن النية الأولى مسترسلة فلهذا كان خروجهم مبطلاً لصلاتهم من غير عذر، وهكذا إن نووا الائتمام أو لم ينووا فركعوا قبله فسدت صلاتهم لأنهم شاركوه ثم فارقوه وليس هذا مثل القيام في غير صلاة المغرب إلى الثانية لأن له غُنية عن القيام في المغرب بأن يقعد في التشهد ولا غنى له في غيرها لأن الائتمام يوجب المتابعة للإمام إلا في موضع عذر، فإذا قام الإمام وقاموا معه فقد ائتموا به في هذه الركعة ثم خرجوا عن الائتمام من غير عذر إذ كان يجوز ألا يأتموا به فيها بأن يقعد هو، فلهذا قضينا ببطلان صلاتهم من أجل المخالفة التي لا عذر لهم فيها.

---
الطرف الثالث: في بيان المختار في المسألة من هذه الأقاويل
إعلم أن منشأ التردد والإختلاف في هذه المذاهب إنما وقع من جهة اختلاف حال الرسول في الصلاة، بإعتبار ما يعرض من الخوف واختلاف حاله وحال المسلمين مما يعاني من حرب المشركين في القوة والضعف واستقبال القبلة وإستدبارها وغير ذلك من الأحوال العارضة، فهذا هو السبب في التردد والإختلاف بين العلماء مع إرادة التأسي والإقتداء والمتابعة له في أفعاله. وإذا كان الأمر كما قلناه لم يكن في المسألة معيار مضبوط يجب الإحتكام له والتعويل عليه، وإنما الأمر فيما قلناه فيما يعرض للإمام مما يعاني ويعالج من حرب الكفار والبغاة كما عرض للرسول من الإختلاف في حالاته في الصلاة في حال الحرب، فتارة يعرض الإختلاف باعتبار إستقبال القبلة واستدبارها، وتارة يعرض باعتبار حالة السفر والحضر، ومرة يعرض باعتبار القوة والضعف، ومرة يعرض باعتبار القرب والبعد في الأماكن التي تقع فيها الحرب والمصافة، فالغرض إنما هو إعمال النظر في الصلاة بالإجتماع ويكون بالتعويل فيها على الحال العارضة من غير التفات إلى التعويل على حالة مستمرة تكون على قانون واحد وصفة واحدة، ويتأيد هذا الكلام بإيراد سؤالين:
السؤال الأول: إذا كان الأمر على ما قلتموه من أن الاعتبار إنما هو بما يظهر من الحال فكيف نشأ الخلاف بين العلماء في صفة صلاة الرسول حتى انتهى في صفة صلاة الخوف إلى ست عشرة صورة، وكان ينبغي ألاَّ يقع اختلاف إذا كان التعويل على ما يعرض من مشاهدة الحال؟.
وجوابه: أن اختلاف العلماء إنما وقع في صلاة النبي التي صلاها باعتبار حاله التي كان عليها، فأما إذا كان الحال مخالفة لحاله كان التعويل على ما يعرض من مشاهدة الحال من غير نظر إلى حالة مستمرة في تأدية الصلاة.
السؤال الثاني: إذا قلتم أنه لا نظر إلى ما فعل فإن فعله على قدر حاله فهذا يبطل التأسي بأفعاله والإقتداء به.

وجوابه: أن التأسي والإقتداء إنما يكونان بأن يفعل مثلما فعل على الوجه الذي فعله لأنه فعله فمتى حصلت هذه الأمور حصل الإقتداء وهاهنا فلا وجه للإقتداء لأجل اختلاف الحال.
فحصل من مجموع ما ذكرناه: أن الإعتبار إنما هو على الحال العارضة في تأدية الصلاة من غير نظر إلى قانون مستمر لا يختلف حاله، وأن الرسول يقتدى بأفعاله إذا كانت حالنا مماثلة لحاله، فأما إذا كانت مخالفة فالاعتبار بالحال في كل الأحكام في حق الإمام وفي حرب من كان محقاً إذا كانت الحال مقتضية لذلك موجبة له ولهذا فإنه لو عرض الخوف في صلاة الجمعة وصلاة الكسوف وصلاة العيدين فإنه يفعل مثل ما فعله الرسول إذا كانت الحال مماثلة لحال الرسول، وإن كانت مخالفة عمل على قدر الحال لأن الإعتبار بالإمكان في حال هذه الضرورات، فإن أمكنهم الصلاة جماعة عملوا على قدر الحال، وإن كانت الجماعة غير ممكنة صلوا منفردين ويعملوا على قدر الإمكان والتعذر في تلك الحال. والله أعلم بالصواب.

---
الطرف الرابع: في حكم الصلاة في شدة التحام القتال
وشدة المسايفة ومطاردة العدو ويخافون إن ولوا أن يركب العدو أكتافهم
فيكون سبباً للهزيمة والتولي على الأعقاب.
فأما إذا كانت الحال هذه فالواجب عليهم الصلاة كيفما كان ممكناً لهم، مستقبلي القبلة وغير مستقبليها ركباناً على دوابهم ومشاة على أقدامهم يومئون بالركوع والسجود إيماءاً، ولا يجوز لهم إخراج الصلاة عن وقتها من غير شغل بها على قدر الإمكان؛ لأن الإجماع منعقد على تأديتها على قدر الحال التي هو عليها، كما قال تعالى: {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ الله قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ}[آل عمران:191].
قال القاسم%: فإن كان خوفاً لا يقدرون معه على الصلاة قياماً وركوعاً وسجوداً أومؤا برؤسهم إيماءاً ويكون إيماؤهم لسجودهم أخفض من إيمائهم لركوعهم، وإن لم يمكنهم ذلك استقبلوا القبلة وكبروا وذكروا الله تعالى وسبحوه وفعلوا من ذلك قدر ما يمكنهم في أي جهة كانت.
وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: إذا كانت الحال هذه بحيث لا يتمكنون من الركوع والسجود جاز لهم تأخير الصلاة عن وقتها، فإذا زال ذلك صلوا.
وروى ابن عمر أن الرسول÷ صلى صلاة الخوف، فذكر كمذهب أبي حنيفة.
والذي عليه أئمة العترة والشافعي: أن الصلاة لا يسقط فعلها على قدر الإمكان كما ذكرناه.
والحجة على ذلك: قوله تعالى: {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً}[البقرة:239].
وإن كان الخوف من جمل صائل أو سبع أو حية تحمل عليه جاز أن يصلي بالإيماء لأن الخوف على النفس علة في الصلاة على هذا الوجه، وإن أجبرهم جود من مطر بلا إمكان كِنٍّ صلوا ركباناً على دوابهم وإسراعاً على أرجلهم لقوله÷: ((إذا أمرتم بأمر فأتوا به ما استطعتم)).

قال السيد أبو طالب: وقد غلط بعض أصحابنا وقال: إن الخوف من السباع لا تصلى من أجله صلاة الخوف. وهو محكي عن بعض أصحاب الظاهر. وهذا لا وجه له فإن الأدلة الشرعية ما فصلت بين خوف وخوف كما قال تعالى: {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً}[البقرة:239]. ولأن الخوف من السباع ربما كان أضر من الجمل الصائل.
ويجوز أن تصلى صلاة الخوف جماعة وفرادى(1)
في حال شدة الإلتحام والخوف عند أئمة العترة، وهو محكي عن الشافعي.
وحكي عن أبي حنيفة: أنه يجوز لهم صلاة الخوف منفردين ولا تجوز جماعة لأنها حالة ضرورة فلا يمكن فيها الاجتماع ويتعذر ذلك.
والحجة على ما قلناه: هو أن الأدلة الشرعية كقوله تعالى: {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً}[البقرة:239]. لم تفصل بين الصلاة جماعة أو فرادى ولأن كل حالة جاز فيها تأدية الفرض فرادى جاز تأديته جماعة كحالة الأمن.
والصياح وارتفاع الأصوات تفسد الصلاة لأنه مستغنى عنه ويورث الفشل والطيش.
قال الهادي في الأحكام: وإن باشر القتال وهو في الصلاة فضرب ضربة خفيفة أو تقدم أو تأخر تقدماً خفيفاً أو تأخر خفيفاً جاز، وإن أطال ذلك وأكثر من التقدم والتأخر والطعن والضرب بطلت صلاته لأن قليل الأفعال لا يفسدها وكثيرها يفسدها والإجماع منعقد على ما قلناه.
قال السيد أبو طالب: وعلى هذا من ابتدأ الصلاة في حال الخوف راكباً ثم نزل لأجل الحاجة فصلاته صحيحة ويبني على ما فعله وإن أحوج إلى الركوب استأنف الصلاة إلا أن يتمكن من الركوب في سرعة وعمل قليل لخفة بدنه.
ومن الفقهاء من فرق بين النزول والركوب لأن الركوب فيه أفعال كثيرة بخلاف النزول، والأحسن أنه لا فرق بينهما وهذا هو قول الشافعي. ومحكي عن المزني من أصحابه، وله قول آخر في التفرقة بينهما.
__________
(1) في الأصل: ومنفردين.

وإن انتضح عليه في حال صلاته دم نظرت، فإن كان قليلاً لم يبطل الصلاة، وإن كان كثيراً فإن طرح ما أصاب من السلاح والأثواب في سرعة صحت صلاته، وإن لم يطرحه بطلت صلاته لأن الثوب النجس لا تجوز الصلاة فيه كما مر بيانه.
ويجوز أن يصلي وعنان فرسه في يده فإن نازعه الفرس فجذبه جذباً خفيفاً جازت صلاته، وإن تقحم الفرس ولم يقف على غرض فارسه فتوثب توثباً كثيراً بطلت الصلاة.
ويجوز أن يأتم المقيم بمن يصلي صلاة الخوف لأنه ليس فيه إلا أن المقيم يأتم بالمسافر، ومثل هذا جائز لأنه يكون في حكم المسبوق. فإذا قضى الخائف صلاته قام المقيم فأتم صلاته.
وإن صلى الخائفون إلى جهة العدو ثم انحرف العدو إلى جهة أخرى جاز أن ينحرفوا في صلاتهم إلى جهته وإن كانوا في غير القبلة دفعاً لنكاية العدو عنهم بالإنحراف إلى جهته لأن المقصود هو دفع العدو، فعلى أيَّة حال أمكن جاز لهم دفعه بكل حال.
وإن صلوا صلاة الخوف فعاد أمرهم إلى الأمن بنوا على صلاة الخوف، وهكذا إذا صلوا صلاة الأمن، فعاد أمرهم إلى الخوف بنوا على صلاة الأمن وإنما كان كذلك لأنهما يختصان بوجه واحد لأجل العدو.
ومن انفتل عن الإمام يريد لقاء العدو نظرت، فإن كان انفتاله قبل انصراف العدو بنى على صلاته لأنه معذور في الانفتال، ومن انفتل بعد انصراف العدو عن إمامه استقبلها لأنه غير معذور فيما فعله من المخالفة بالانفتال.
ومن أحدث في صلاة الخوف كان كمن أحدث في غيرها في نقض الوضوء لقوله÷: ((إذا قاء أحدكم أو رعف وهو في صلاته فلينصرف وليتوضأ وليعد الصلاة)). ولم يفصل بين خوف وأمن.
وإن أراد الخائفون أن يصلوا جماعة جاز لهم ذلك لأن الأدلة الشرعية لم تفصل في المواضبة على صلاة الجماعة بين الخوف والأمن، وعلى هذا يجوز لمن كان راكباً أن يأتم بمن كان على القرار، ولا يجوز أن يؤم الركبان من كان على القرار لإختلاف الحال كما لا يؤم القاعد من هو قائم كما مر تقريره في صلاة الجماعة.

وإن افتتحوا صلاة الأمن ثم ترآءى لهم ركب أو خيال ظنوه عدواً فانفتلوا عن القبلة ثم استبانوا أنها إبل سائمة أو حجارة عظيمة نظرت، فإن كان انفتالهم من غير تقصير في النظر في الأمارات لا تلزمهم الإعادة لأنه لا تقصير من جهتهم وهم معذورون، وإن كانوا قد قصروا في النظر في الأمارات ولم يبحثوا عن حالها فإنها تلزمهم الإعادة لأنهم يصيرون كأنهم انفتلوا في حال السلامة، والتفرقة بين حالة التقصير وبين حالة الإمعان في النظر في الأمارات هو قوة الأمارات وضعفها فإذا كانت الأمارات قوية يظنها كل ظان أنها جيش كالآكام السود والإبل السائمة لم تجب عليهم الإعادة لقوة الأمارات في العدد، وإن كانت الأمارة ضعيفة نحو السراب وهبوب الريح فإن ما هذا حاله لا يغلب على الظن أنه جيش فلهذا وجبت الإعادة، وهكذا الحال فيما إذا تراؤا سواداً فظنوه جيشاً فانفتلوا عن الإمام فإنه يكون الحال فيه كالحال في المسألة التي قبلها، فإن كان عن تقصير في النظر في الأمارات لزمتهم الإعادة لأنهم خالفوا الإمام من غير عذر، وإن كانوا قد أمعنوا النظر في الأمارات فلا تقصير هناك من جهتهم فلا تلزمهم الإعادة.
وإن انهزم المسلمون نظرت، فإن كان الكفار عددهم دون الضعف لم تجز لهم صلاة الخوف لأنهم عاصون بالإنهزام والرخص لا تكون بالمعاصي، وإن كان عددهم فوق الضعف جاز لهم أن يصلوا صلاة الخوف لأنهم معذورون في الهزيمة.
وإن انهزم الكفار لم يجز للمسلمين صلاة الخوف لأنه لا خوف هناك.
وإذا أمر الإمام رجلاً يكمن للعدو ويرصده في المواضع الخفية والأماكن المستترة ليقضي غرضاً فيما أمر به وحضر وقت الصلاة جاز له أن يصلي قاعداً لأن المقصود لا يتم إلا بالقعود كما جاز لهم صلاة الخوف لأجل مصلحة القتال.
فهذا ما أردنا ذكره في صفة صلاة الخوف ونرجع إلى التفريع وتمامه.

الفرع السابع: قد ذكرنا وجوب حمل السلاح لظاهر الآية في الصلاة، وإذا كان الأمر كما قلناه صار السلاح على أقسام خمسة:
أولها: ما يحرم حمله وهذا نحو السلاح النجس مثل السيف والسكين إذا كان فيهما نجاسة، ونحو الريش النجس لا يجوز حمله إذا كان في النبل، ونحو أن يتصل بالسيف والسكين سم فيه نجاسة.
وثانيها: ما يكره حمله وهذا نحو السلاح الثقيل الذي يشغله عن الصلاة نحو الدرع والبيضة إذا كان لها أنف يمنع من وصول الجبهة لم يجز حملها.
وثالثها: ما يجب حمله وهو كل سلاح يدفع به عن نفسه كالسيف والشفرة.
ورابعها: ما يستحب حمله وهو كل سلاح يدفع به عن نفسه وعن غيره مثل القوس والنشاب والجعبة.
وخامسها: ما يختلف فيه وهو الرمح والسنان، فإن كان المصلي في جانب من الناس بحيث إذا ركع وسجد يمكنه أن يضعه بحيث لا يصيب أحداً ولا يتأذى به فإنه يستحب حمله. وإن كان المصلي في وسط الناس لا يأمن أن يصيب أحداً أو يتأذى به فإنه يكره حمله.
وإن سقى سيفه سماً ثم غسل ظاهره طهر، وإن لم يصل الغسل إلى باطنه لأن ذلك متعذر، وإن أدخل النار وقيل إنه قد ذاب ولم يبق له أثر لم يطهر حتى يغسل لأن البلة نجس فلا تزال إلا بالغسل، فإن مسح فهل يطهر أم لا؟ فيه تردد، وقد ذكرناه في باب إزالة النجاسة فأغنى عن تكريره.
الفرع الثامن: والقتال المحرم لا تجوز فيه صلاة الخوف لأن هذه رخصة والرخصة لا تكون في معصية فإن خالفوا وصلوا وجبت عليهم الإعادة إذا كان الوقت باقياً، والقضاء إذا كان الوقت فائتاً.
وإن هزم المسلمون الكفار لم تجز لهم صلاة الخوف، وإن هُزِموا جاز لهم صلاة الخوف كما مر تقريره.

254 / 279
ع
En
A+
A-