ويؤيد ما ذكرناه: أن سائر الصلوات لما لم يجب فيها حمل السلاح ولبسه فلا يجوز فيها المشي والدوران والمدافعة والمقاتلة، وفي صلاة الخوف يجوز ذلك كله فدل ذلك على أنها مخالفة لسائر الصلوات فلا يبعد وجوب أخذ الأسلحة ولبسها فيها كما أشرنا إليه.
الفرع الرابع: وتجوز صلاة الخوف في القتال الواجب والمستحب والمباح، فأما القتال الواجب فنحو جهاد الكفار ومقاتلتهم على التزام أحكام الإسلام ونحو مقاتلة أهل البغي والظلم وجهادهم حتى يرجعوا إلى الحق ويفيئوا إليه مع الإمام، فإن ما هذا حاله تجوز فيه صلاة الخوف إذا ألجئوا إليها لأنهم محقون فيما فعلوه من القتال، ونحو من يقصد(1)
إلى هلاك نفسه إذا قلنا بأن الدفع واجب فإن له صلاة الخوف إذا ألجئ إليها لأنه محق في الدفع عن نفسه الهلاك.
وأما المستحب: فنحو الدفع عن المسلمين، وعن أهل الذمة من أراد قتلهم وأخذ أموالهم، فإن ما هذا حاله يستحب الدفع عنهم إذا لم يتكامل فيه شرائط الوجوب فإن تكاملت فيه فإنه يكون واجباً لأن ما هذا حاله يكون من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا كان القتال لا يؤدي إلى ضرر عليه في نفسه وماله توجه الوجوب والدفع عنهم، وإن كان يؤدي إلى ذلك استحب له الدفاع ولم يكن واجباً، وعلى هذا تجوز له صلاة الخوف لأنه محق في قتاله ودفعه.
وأما المباح: فنحو قتاله لمن أراد أخذ ماله فإنه يجوز له دفعه ويجوز له الترك فإذا ألجئ في دفعه إلى صلاة الخوف جاز له فعلها.
الفرع الخامس: وهل تجوز صلاة الخوف في طلب العدو أم لا؟ فيه وجهان:
__________
(1) هكذا في الأصل كلمة غير مفهومة. ومع احتمال أن تكون (يُقْصَدُ) فإن الفعل قد يكون مصاغاً للمجهول باعتبار أن غيره قصد به أو دفعه إلى إهلاك نفسه مكرهاً. والله أعلم.

الوجه الأول: المنع من ذلك. وهذا نحو أن يدخل الإمام والمسلمون بلاد العدو من الكفار والبغاة ويبلغون في بلادهم مبلغاً عظيماً في القهر والغلبة لهم والإستيلاء عليهم، أو يكون الكفار والبغاة قد انهزموا هزيمة فاضحة بحيث لا يرجى لهم رجوع ولا يجتمعون على القرب ويقطع على تفرق جموعهم، فإذا كانت الحال هكذا فإنه لا يجوز للإمام ولا للمسلمين صلاة الخوف لأنهم في هذه الحالة آمنون، وهذه الصلاة مشروطة بالخوف فلهذا لم يكن لهم فعلها.
الوجه الثاني: أن يدخل الإمام والمسلمون معه بلاد العدو ويبلغوا فيها بلداً لا يأمنون وقوع العدو عليهم ويخافون حصول النكاية والإستيلاء، أو يكون الإمام والمسلمون قد هزموا الكفار والبغاة ويمكنهم الرجوع على المسلمين والإمام والإجتماع عليهم ولا يؤمن ذلك منهم لقلة عدد المسلمين وكثرة العدو وقوة شوكته فإذا كانت هذه الحالة جازت لهم صلاة الخوف لأن الخوف حاصل بما ذكرناه.
الفرع السادس: في صفة صلاة الخوف.
إعلم أن أبا عيسى الترمذي
(1)
__________
(1) محمد بن عيسى بن سورة بن الضحاك السلمي، صاحب الجامع والعلل، الضرير الحافظ العلامة، طاف البلاد، وسمع خلقاً كثيراً من الخراسانيين والعراقيين والحجازيين وغيرهم، روى عن محمد بن المنذر والهيثم بن كليب وأبو العباس المحبوبي وخلق، ذكره ابن حبان في الثقات، وقال: كان ممن جمع وصنف وحفظ وذاكر.
…وقال أبو سعد الإدريسي: كان أحد الأئمة الذين يقتدى بهم في علم الحديث، صنف كتاب الجامع والعلل والتواريخ، تصنيف رجل عالم متقن، كان يضرب به ا لمثل في الحفظ، مات بترمذ في رجب سنة تسع وسبعين ومائتين. اهـ طبقات الحفاظ 1/282، وهو أحد الأربعة أصحاب السنن المشهورة الذين يعتد بهم في رواية الحديث، هو والنسائي وابن ماجة وأبو داود، وإذا قيل الخمسة يضاف إليهم أحمد، والستة هؤلاء الأربعة والبخاري ومسلم، والله أعلم.
…وللترمذي تراجم في مختلف كتب التواريخ، منها: ميزان الاعتدال 6/689، وفي الكاشف 2/208، وغيرهما.

ذكر في صحيحه: أن الرسول صلى صلاة الخوف في مواضع كثيرة على أوجه مختلفة في الأفعال وما ذاك إلا من أجل ما يعرض من شدة الحرب وسهولتها، فيكون العمل فيها على قدر الحال.
فإذا عرفت هذا، فلنذكر ما ورد من أفعال الرسول في الخوف، ثم نردفه بذكر خلاف العلماء فيما ورد عنه في كيفية الصلاة، ثم نذكر المختار من ذاك، ثم نذكر حكم الصلاة عند شدة إلتحام القتال والشغل بالمكافحة.
فهذه أطراف أربعة تحيط بالمقصد مما نريده في صفة صلاة الخوف.

---
الطرف الأول في بيان ما ورد عن الرسول في كيفية صلاة الخوف.
وجملة ما ورد عنه يأتي على أضرب ثلاثة:
الضرب الأول: صلاته بعسفان(1)
حيث لم يشتد الخوف وكان العدو في جهة القبلة وكان خالد بن الوليد في صف الكفار عوناً لهم على القتال، فلما دخل وقت العصر قال المشركون: قد دخل عليهم وقت صلاة هي أحب إليهم من أرواحهم فإذا شرعوا فيها حملنا عليهم حملة واحدة أصبنا منهم فيها غرضنا. فنزل جبريل فأخبر الرسول بما هموا به فجعل أصحابه فرقتين، وهذه الصلاة مشروطة بأمور ثلاثة:
أولها: أن يكون العدو في جهة القبلة.
وثانيها: أن يكون المسلمون في كثرة والعدو في قلة.
وثالثها: ألا يأمن المسلمون من مكر العدو ووثوبه وإنكبابه عليهم.
فإذا حصلت هذه الشروط الثلاثة(2)
أحرم الرسول بعد أن جعلهم فرقتين، فرقة في وجه العدو، وتصلي خلفه فرقة، فإذا كانت الصلاة ركعتين كما ذكرنا فإنه يصلي بالفرقة الأولى ركعة، فإذا قام إلى الثانية ثبت قائماً ونوت الفرقة الأولى مفارقته وأتموا الركعة الثانية لأنفسهم ثم يمضون إلى وجه العدو، وتأتي الفرقة الثانية ويحرمون خلف الرسول وينوون الإقتداء به فيصلي بهم الركعة الثانية فإذا سلم قاموا فأتموا الركعة الثانية لأنفسهم، فهذه هي الصلاة المأثورة عنه، وليس فيها إلا هذه المخالفة التي ذكرناها وهي مغتفرة لأجل العذر بالخوف.
__________
(1) ورد الخبر في رواية لأبي داود وأخرى للنسائي نحوها، وفي (الجواهر)2/51 أورد الحديث برواية أبي داود وقال: وأخرج مسلم رواية جابر في غزوة قِبَلَ نجد نحوه. اهـ. قال: وعُسْفان بضم العين وسكون السين المهملتين ثم فاء، موضع قريب من مكة بينهما أربعة برد.
(2) هكذا في الأصل، والعبارة غير مستقيمة كما ترى، ويمكن وضع كلمة (فلمَّا) بدلاً عن: (فإذا) لتكون العبارة: فلمَّا حصلت هذه الشروط الثلاثة أحرم الرسول ... إلخ.

الضرب الثاني: صلاة ذات الرقاع ـ والرقاع بالراء [المكسورة] والقاف وعين مهملة، جمع رقعة كبرمة وبرام ـ واختلف في تسميته ذات الرقاع على قولين:
أحدهما: أنه إسم لجبل مختلفة رقاعه فمنها أسود ومنها أحمر ومنها أصفر فلما اختلفت ألوانها قيل له: ذات الرقاع.
وثانيهما: أنه إسم لأرض جرز فيها خشونة مشى فيها ثمانية نفر في فدفد فذهبت أظفارهم وتفتت أقدامهم فكانوا يعصبون على أقدامهم بالخرق فسميت: ذات الرقاع.
وأما عسفان: فهو بضم العين المهملة والسين بثلاث من أسفلها(1)
وفاء، اسم واد. ولا بد في هذه الصلاة من إعتبار تلك الشروط الثلاثة التي ذكرناها في صلاة عسفان، وهذه الصلاة لا تكون إلا في حال إلتحام القتال فلا تحتمل الحال تخلف الكل واشتغالهم بالصلاة، فصدع الرسول أصحابه صدعين فانحاز بطائفة إلى حيث لا تبلغهم سهام العدو فصلى بهم ركعة وقام بهم إلى الثانية، فانفردوا بالركعة الثانية وسلموا وأخذوا مكان إخوانهم في الصف الأول وانحازت الفرقة المقاتلة إلى رسول اللّه وهو قائم ينتظرهم فاقتدوا به في الركعة الثانية فلما قعد رسول اللّه في الثانية قاموا فأتموا الركعة الثانية لأنفسهم وتشهدوا وسلم بهم رسول اللّه . فصار في صلاة ذات الرقاع روايتان:
__________
(1) يعني السين المهملة إذ كانت تنقط بثلاث من تحت في مقابل المعجمة لدى اليمنيين كما يبدو خاصة. والله أعلم.

الرواية الأولى: رواية خوات بن جيبر (1)
وهي الرواية التي ذكرناها وهي التي أخذ بها أصحابنا والشافعي واعتمدوها لأمرين:
أما أولاً: فلأن رواية خوات عليها أكثر الرواة وهي إلى الإحتياط وقلة الأفعال في الصلاة المستغنى عنها أقرب.
وأما ثانياً: فلأنها آخر الغزوات لأنها مقيدة بذات الرقاع ورواية ابن عمر مطلقة فلهذا كان العمل برواية خوات أولى.
__________
(1) خوات بن جبير بن النعمان بن أمية الأنصاري، أبو عبد الله وأبو صالح، ذكره موسى بن عقبة وإسحاق وغيرهما في البدريين، وقالوا: إنه أصابه في ساقه حجر فرد من الصفراء وضرب له بسهمه وأجره، ذكره الواقدي وغيره وقالوا: شهد أحداً والمشاهد بعدها، فروى البغوي والطبراني من طريق جرير بن حازم عن زيد بن أسلم أن خوات بن جبير قال: نزلت مع النبي بمر الظهران قال: فخرجت من خبائي فإذا نسوة يتحدثن فأعجبنني فرجعت فأخذت حلتي فلبستها وجلست إليهن وخرج رسول الله من قبته، فلما رأيته هبته فقلت: يا رسول الله جمل لي شرد فأنا ابتغي له قيداً... الحديث بطوله في قوله: ما فعل شراد جملك.
…وروى الطبراني وابن شاهين من طريق عبد الله بن إسحاق بن الفضل بن العباس، حدثنا أبي حدثنا صالح بن خوات بن صالح بن خوات بن جبير عن أبيه عن جده عن خوات مرفوعاً: ((ما أسكر كثيره فقليله حرام)).
…قال الواقدي: عاش خوات إلى سنة أربعين فمات فيها وهو ابن أربع وسبعين سنة بالمدينة، وكان ربعة من الرجال، وقال المرزباني: مات سنة اثنتين وأربعين. اهـ الإصابة 2/346، وله تراجم في الكنى والأسماء 1/434، وفي التأريخ الكبير 3/216، وفي تهذيب التهذيب 3/147 وغيرها.

الرواية الثانية: رواية ابن عمر، وهي أن الرسول لما قام إلى الثانية لم ينفردوا بالركعة الثانية لكن أخذوا مكان إخوانهم في الصف وهم باقون على الإحرام بالصلاة وجاء الآخرون فصلوا ركعة فتحلل بهم رسول اللّه من الصلاة ثم رجعوا إلى مكان إخوانهم وعليهم ركعة ورجع الفريق الأول فأتموا الركعة الثانية منفردين ونهضوا إلى الصف وعاد الآخرون وأتموا كذلك.
الضرب الثالث: صلاته ببطن النخل(1)
ولا بد فيها من إعتبار الشروط التي ذكرناها في صلاة ذات الرقاع، وصلاة عسفان، خلا أن العدو كان في غير جهة القبلة، فإذا كان الأمر كما قلناه فإنه يصدع أصحابه صدعين فيصلي بالطائفة الأولى ركعتين ثم يسلم، ثم يصلي بالطائفة الثانية ركعتين ثم يسلم، هي له سنة ولهم فريضة. فعلى رأي الشافعي: يجوز ذلك لأنه ليس فيه إلا أن يقتدي المفترض بالمتنفل وهذا سائغ عنده كما مضى تقريره في صلاة الجماعة، وعلى رأي الأئمة من العترة أن ما هذا حاله فهو متأول على أنه منسوخ أو على أن الصلاة كانت حاصلة في الحضر مع الخوف، فهذه صلاة الرسول في حال خوفه في هذه المواطن الثلاثة وإختلافها على قدر حالة الخوف.
ويستحب للإمام إذا صلى صلاة الخوف: أن يخفف القرآءة في الركعة الأولى لأنها حالة حرب وكفاح للعدو وحمل سلاح، وهكذا فإنه يستحب للطائفة الأولى والثانية إذا فارقتا الإمام لإتمام ما عليهما من الصلاة أن يخففا القراءة؛ لأنهم يريدون لقاء العدو ويخاف منه الوثبة مع التطويل للقراءة والتثاقل.
وأما الإمام فإنه يستحب له أن يطول القراءة في الركعة الثانية لتدركه الفرقة الثانية لأنه موضع حاجة. والطائفة ثلاثة نفر فما فوقها.
ويكره: أن يصلي الإمام بأقل من ثلاثة نفر وأن يحرسه أقل من ثلاثة لظاهر الآية.
__________
(1) قال ياقوت في معجمه: بطن نخل: جمع نخلة، قرية قريبة من المدينة [المنورة] على طريق البصرة، بينهما الطرف على الطريق، وهو بعد أبرق العزاف للقاصد إلى مكة. اهـ 1/449.

ويستحب: أن تكون الطائفة التي تصلي مع الإمام ثلاثة فما زاد عليها. وهكذا حال الطائفة التي تحرسه. هذا الاستحباب على قدر الإمكان فإن قَدَّرْنَا أنهم خمسة مع الإمام فإنه يصلي مع الإمام ثلاثة ركعة واحدة ثم ينصرفون إلى لقاء العدو ويجيء الرجلان الآخران فيصليان الركعة الثانية كما قلناه في الطائفتين من غير فرق لأجل العذر بقلة العدد في الثانية، وإنما قلنا: أن أقل الطائفة ثلاثة فلأن أهل اللغة قد نقل عنهم ذلك، ولقوله تعالى: {وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ} وهذا خطاب للجمع وأقل الجمع ثلاثة، ولم ينقل عن الرسول في صلاة الخوف إلا ما فعله في هذه المواضع الثلاثة.

---
الطرف الثاني: في ذكر خلاف العلماء في صفة صلاة الخوف.
إعلم أن العلماء مختلفون في صفة صلاة الخوف على مذاهب خمسة:
المذهب الأول: محكي عن القاسم والهادي وارتضاه الأخوان السيدان المؤيد بالله وأبو طالب وأبو العباس، وهو أن يصير المسلمون مع الإمام طائفتين فتقف إحداهما بإزاء العدو متسلحين، ويفتتح الإمام الصلاة بالطائفة الأخرى ويصطفون خلفه فيصلي بهم الركعة الأولى فإذا قام الإمام إلى الركعة الثانية أطال القيام والقراءة حتى يصلي من ورآءه الركعة الثانية لأنفسهم ويسلموا وينصرفوا فيقفوا في مواقع أصحابهم بإزاء العدو، وتجيء الطائفة الثانية فتصطف خلفه ويفتتح الصلاة فيصلي الإمام بها الركعة الثانية وهي الأولى للقوم فإذا قعد الإمام وتشهد وسلم قاموا فأتموا لأنفسهم الركعة الثانية ويسلم الإمام ولا ينتظر فراغ القوم.
والحجة على هذا: قوله تعالى: {وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ}[النساء:102].. إلى آخر الآية. فظاهر الآية دال على ما قلناه من غير مخالفة.
المذهب الثاني: محكي عن الناصر، ومذهبه ما حكيناه عن الهادي والقاسم خلا أنه يخالف في أمرين:
أحدهما: أنه يستوي قاعداً حتى تلحق الطائفة الثانية وهو الذي ذكره في المختصر.
وثانيهما: أن الطائفة الأولى لا يسلمون على فراغهم من الركعة الثانية لأنفسهم بل يقفون حتى يكون سلام الكل واحداً مع الإمام.
والحجة على هذا: ما في حديث خوات بن جبير وسهل بن أبي حثمة (1)
__________
(1) سهل بن أبي حثمة، واسمه: عبد الله، وقيل: عامر، وقيل: هو سهل بن عبد الله بن أبي حثمة الأنصاري الخزرجي.
قال ابن حجر: روى عن النبي وعن زيد بن ثابت، ومحمد بن سلمة، وعنه ابنه محمد وابن أخيه محمد بن سليمان، وبشير بن يسار وغيرهم.
قال ابن أبي حاتم عن أبيه: بايع تحت الشجرة وشهد المشاهد كلها إلاَّ بدراً.
وقال الواقدي: مات النبي وهو ابن ثمان سنين، وقد حفظ عنه.
…قلت: قال ابن مندة: قول الواقدي أصح، وكذا جزم به ابن حبان وابو جعفر الطبري، وابن السكن والحاكم، وتوفي في أول ولاية معاوية، وهكذا ذكر ابن عبد البر، والذي يظهر لي أنه اشتبه بسهل بن الحنظلية، فإنه مذكور بهذا الوصف، قلت: ويقويه حكمهم على رواية الزهري عنه في الإرسال، لكن الذي جزم به الطبري أن الذي مات زمن معاوية هو أبو حثمة، والله أعلم. انتهى ملخصاً من (تهذيب التهذيب) 4/218.

:
وهو أن الرسول صلى صلاة الخوف في ذات الرقاع فافتتح الصلاة بالطائفة الأولى إلى آخر التقرير الذي حكيناه عن الهادي والقاسم، ثم قعد حتى لحقت الطائفة الثانية ثم ثبت قاعداً حتى يسلم الكل بتسليمه.
المذهب الثالث: محكي عن أبي حنيفة ومحمد بن الحسن ورواية عن أبي يوسف، وهو أن يصلي بالطائفة الأولى ركعة فإذا قام الإمام إلى الثانية مضت هذه الطائفة إلى وجه العدو وهم في الصلاة وجاءت الطائفة الأخرى إلى مكان الأولى فيصلي بهم الإمام ركعة ثانية ويتشهد بهم ويسلم الإمام وحده فإذا فرغ الإمام من السلام قامت الطائفة الثانية إلى وجه العدو وهم في الصلاة وجاءت الطائفة الأولى إلى مكانها وأتمت صلاتها وسلمت ومضت إلى وجه العدو، وجاءت الطائفة الثانية إلى مكانها وأتمت صلاتها.
والحجة على هذا: قوله تعالى: {فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ }[النساء:102]. فدل ذلك على أنهم إذا قاموا من سجود الأولى مضوا إلى وجه العدو.
وروى ابن عمر أن الرسول صلى بذات الرقاع على هذه الصفة.
المذهب الرابع: محكي عن أبي يوسف في إحدى الروايات عنه، وصفتها: أن يجعلهم الإمام صفين فيفتتح الصلاة بهم كلهم فإذا ركع ركعوا معه جميعاً وإذا رفع رفعوا معه جميعاً وإذا سجد سجد معه الذين يلونه وقام الصف المؤخر يحرسونهم، ثم [إذا] رفع رفعوا. ثم يسجد الصف المؤخر ثم [إذا قاموا] يتقدم الصف المؤخر ويتأخر الصف المقدم وفعلوا ما فعلوه أولاً. وهذا أيضاً محكي عن ابن أبي ليلى.
والحجة على هذا: ما روي عن الرسول : أنه صلى صلاة الخوف بعسفان على هذا النحو الذي ذكرنا. خلا أن ظاهر الآية دال على خلاف ما ذهبوا إليه.

253 / 279
ع
En
A+
A-