وإن أحرم بالصلاة على التمام وهو جاهل بأن له قصر الصلاة لأجل السفر ثم أنه سلم على ركعتين فإنه يجب عليه الإعادة في الوقت وقضاؤها بعد فوات الوقت أربعاً سواء قلنا بأن القصر رخصة أو عزيمة لأنه عقدها أربعاً، فإذا سلم على ركعتين منها فقد قصد إفسادها فلهذا لزمته الإعادة.
وإذا سافر رجلان وأحدهما يرى أن حد القصر في السفر بريد والآخر يرى أن حد السفر ثلاثة أيام، فإن جاوزا في السفر الثلاث جاز أن يأتم أحدهما بالآخر لاتفاق المذهبين في حد السفر، وإن جاوزا البريد لا غير جاز لمن اعتبر الثلاث أن يأتم بمن يعتبر البريد فيقتدي معه بركعتين ثم يقوم فيتم صلاته ويكون بمنزلة المسبوق، وإن ائتم من يعتبر البريد بمن يعتبر الثلاث فهل تصح صلاته أم لا؟ فيه تردد وكلام قد أوضحناه في صلاة الجماعة فأغنى عن تكريره.
الفرع الثامن: وإن سافر في البحر فركدت بهم الريح، فإن عزموا على إقامة عشرة أيام أتموا الصلاة، وإن هبت بهم الريح قصروا الصلاة، وإن ركدت الريح وهم في إنتظار هبوبها فعلى الإعتبار الذي ذكره أصحابنا في البراري يقصرون الصلاة شهراً ثم يتمون ما زاد، ولو وقفوا يوماً واحداً، وعلى ما اخترناه: يقصرون الصلاة كما قاله أبو حنيفة، لأنهم على ظهر السفر وقد قدمنا حكم المسألة.
والمسافر إذا دخل قرية فإن عزم على الإقامة عشراً أتم الصلاة، وإن عزم على الإنصراف قصر الصلاة، وإن لم ينو الخروج ولا الإقامة فهل يتم أو يقصر؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه يتم الصلاة ويكون هذا منتهى سفره.
وثانيهما: أن يقصر الصلاة لأن الظاهر من حاله السفر لكونه غريباً، وهذا هو المختار لأنه بعد خروجه من وطنه فقد صار مسافراً تلحقه أحكام السفر.
وإن حاصر المسلمون قلعة أو حصناً أو قرية أو مدينة ولا يمنعهم من العودة إلى بلادهم إلا فتح هذه المواضع. فقال أصحابنا: يقصرون شهراً إذا كانوا على عزم الإنصراف وما زاد على الشهر فإنهم يتمون فيه ولو كان يوماً واحداً.
والمختار: أنهم مسافرون فيقصرون الصلاة ما داموا محاصرين حتى يفتح الله عليهم.
والحجة على ما قلناه: ما رويناه عن ابن عمر وعن أنس بن مالك من إقامتها على القصر ولو كان زائداً على الشهر.
الفرع التاسع: والذين يكونون تابعين لغيرهم في القصر والإتمام هم:
العبد: فإنه تابع لأمر سيده فلا أمر له معه لأن منافعه مستحقة لسيده فليس له إقدام ولا إحجام إلا بأمره.
والأجير الخاص: فإنه في معنى العبد من جهة أن منافعه قد صارت مستحقة للمستأجر له فهو تابع للمستأجر.
والمرأة مع زوجها: فإنها موقوفة على أمره فتكون مقيمة بإقامة زوجها ومسافرة بسفره لقوله تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ على النِّسَاءِ}[النساء:34].
والعساكر: فإنه لا نية لهم مع نية الإمام لأنهم تابعون لأمره غير مخالفين له فيما أمرهم به فلهذا كانوا مقيمين بإقامته مسافرين بسفره.
وهكذا حال من يصل إلى الإمام من البلدان البعيدة والأقطار والأقاليم فإن وصوله إلى الإمام يكون منتهى سفره ويتم الصلاة إذا قدم إلى الإمام في قضاء حوائجه من الفتاوى والإيراد والإصدار في أمور الأموال والقضاء والعزل والتولية وغير ذلك مما تقتضيه الإيالة والسياسة وإصلاح أمور الجهاد وفض(1)
لأموال على المستحقين.
وإن أسر المشركون رجلاً من المسلمين فساقوه معهم لم يجز له القصر من أول الأمر لأنه لا يتحقق المسافة التي يُحمَل إليها هل تكون قريبة أم بعيدة، فإن ساروا به إلى موضع تُقْصَر فيه الصلاة فإنه يقصر الصلاة.
وإن أبق له عبد وسار في طلبه إلى بلد تقصر فيه الصلاة جاز له القصر كما ذكرناه في غيره.
__________
(1) هكذا في الأصل، والمراد: وتوزيع، بحسب مفهوم السياق. والله أعلم.
الفرع العاشر: والملاحون وهم اللذين يعالجون السفن ويصلحونها لتكون صالحة للسير في البحر إذا كان معهم أهلهم وأموالهم وأولادهم لا يفارقونهم فيها، فهل يكون لهم القصر إذا سافروا في البحر أم لا؟ فعلى رأي أئمة العترة القاسمية، أنه يجب عليهم قصر الصلاة كما يجب على من يكون في البر. وعلى رأي الناصر، القصر رخصة فيجوز لهم القصر وإن أتمُّوا جاز.
وحكي عن الشافعي أنه قال: والملاحون إذا سافروا في البحر أحببت لهم أَلاَّ يقصروا لأنهم في أوطانهم ومستقرهم، وإن قصروا جاز لأنهم مسافرون.
وحكي عن أحمد بن حنبل، أنه لا يجوز لهم القصر.
والمختار: جواز القصر في حقهم لأنهم مسافرون سفراً مباحاً تقصر فيه الصلاة فجاز لهم القصر للصلاة كما لو لم يكن معهم أهلهم وأولادهم، وهكذا حال من ينتجع مواضع القطر ويتبعها ويحلها، وإذا شام برقاً اتبعه أينما وجده وأبصره وهمه مواضع الخصب يقف فيها وتكون بغيته ومقصده ولا يقصد موضعاً بعينه، فإنه إذا كان بينه وبين الموضع الذي يريده مسافة السفر فإنه يجوز له القصر، وإن لم يكن بينهما حد السفر ومسافته أتم الصلاة.
---
كتاب صلاة الخوف
صلاة الخوف، هل تكون ثابتة أو منسوخة أو خاصة للرسول ؟ فيها مذاهب ثلاثة:
المذهب الأول: أنها ثابتة غير منسوخة. وهذا هو رأي أئمة العترة القاسم والهادي والناصر، واختاره السيدان أبو طالب والمؤيد بالله، وهو محكي عن جلة الفقهاء أبي حنيفة وأصحابه، والشافعي وأصحابه، ومالك.
والحجة على هذا: قوله تعالى: {وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ}[النساء:102]. فهذا نص صريح في ثبوت صلاة الخوف في زمن الرسول ولم تدل على تغييرها دلالة شرعية بنسخ ولا تغيير ولا خصوصية فإن الله تعالى قد عرف نبيه كيفية الصلاة في كتابه الكريم.
المذهب الثاني: أنها منسوخة. وهذا هو المحكي عن المزني وحكاه عنه الجوزجاني(1).
والحجة على هذا: هو أن هذه الصلاة مخالفة للصلاة المشروعة في صفتها وكيفيتها ولم تكن إلا على عهد الرسول لما ألجأه المشركون إلى ذلك ثم لما نصر الله نبيه وأظهر الدين على يديه وانبسط الإسلام وامتد جرانه نسخت من بعد الرسول .
المذهب الثالث: أنها وإن لم تكن منسوخة فإنها خاصة للرسول في أيامه كسائر التخصيصات التي كانت له كوجوب الوتر والأضحية والتهجد من الليل، وفائدة التخصيص أنه ليس لأحد بعد الرسول فعلها لأنها لو فُعلت بطل التخصيص.
والمختار: ما عليه أئمة العترة وأكثر الفقهاء من إثباتها وتقريرها.
وحجتهم: ما ذكرناه.
__________
(1) إبراهيم بن يعقوب بن إسحاق السعدي الجوزجاني، أبو إسحاق: محدث الشام وأحد الحفاظ المصنفين المخرجين الثقات، نسبته إلى جوزجان (من كور بلخ بخراسان) ومولده فيها، رحل إلى مكة ثم البصرة ثم الرملة، وأقام في كل منها مدة. ونزل دمشق فسكنها إلى أن مات، له كتاب في (الجرح والتعديل) وكتاب في (الضعفاء). وقال ابن كثير: له مصنفات منها: (المترجم) فيه علوم غزيرة وفوائد كثيرة، توفي سنة 259هـ-873م. اهـ (الأعلام)1/81.
ونزيد هاهنا: وهو ما روي عن الرسول أنه قال: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)). وهذا عام في جميع الأحوال.
الحجة الثانية: ما روي عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه: أنه صلى بأصحابه صلاة الخوف ليلة الهرير في أيام صفين، وسميت ليلة الهرير لما كان بعضهم يهر على بعض من شدة القتال وإتصال بعضهم ببعض.
وروي أن أبا موسى الأشعري صلى بأصحابه صلاة الخوف في بعض الغزوات، وروي أن سعيد بن العاص(1)
كان أميراً للجيش بطبرستان(2)
__________
(1) هو سعيد بن العاص الأموي القرشي سمع عمر بن الخطاب وعثمان وعائشة، سمع منه سالم وابنه يحيى، وقال مسدد: مات سعيد بن العاصي وأبو هريرة وعائشة وعبد الله بن عباس سنة سبع أو ثمان وخمسين، وقال سعيد بن يحيى: كنية سعيد أبو عثمان بن العاصي بن سعيد أبي أحيحة بن العاصي بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي، وقال سعيد: أبو عبد الرحمن القرشي، مات سنة تسع وخمسين. اهـ التأريخ الكبير 3/502.
وزاد في الجرح والتعديل 4/48: وهو سعيد بن العاص بن أبي أحيحة، وأبو أحيحة اسمه: سعيد بن العاص القرشي، له صحبة، روى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، روى عنه ابنه ويحيى وسالم بن عبد الله بن عمر.
(2) طَبَرِستان: بفتح أوله وثانيه وكسر الراء، بلدان واسعة كثيرة يشملها هذا الاسم، خرج من نواحيها من لا يحصى كثرة من أهل العلم والأدب والفقه، والغالب على هذه النواحي الجبال، وطبرستان في البلاد المعروفة بمازندران، وهي بين الري وقومس والبحر وبلاد الديلم والجيل، ومن أعيان بلدانها:
…دهستان وجرجان واستراباذ وآمل، زعم أهل العلم بهذا الشأن أن الطيلسان والطالقان وخراسان، ما عدى خوارزم، من ولد أشبق بن إبراهيم الخليل، والديلم، بنو كماشج بن يافث بن نوح ، وأكثرهم سميت جبالهم بأسمائهم إلا الأيلام قبيل من الديلم فإنهم من ولد باسل بن ضبة بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر. انتهى ملخصاً من (معجم البلدان) لياقوت الحموي 4/13.
فأراد أن يصلي صلاة الخوف فقال: هل منكم من صلى مع رسول اللّه صلاة الخوف؟ فقال حذيفة: أنا. فقدمه حتى صلى بهم ولم ينكر ذلك أحد من الصحابة، فدل ذلك على أنه إجماع من جهة الصحابة رضي الله عنهم.
الحجة الثالثة: قوله تعالى: {إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ على الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً}[النساء:103]. والمراد أنها ثابتة في جميع الأوقات كلها.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: إنها نسخت بعد الرسول فلا يجوز إثباتها.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن النسخ إقرار بثبوتها، وإدِّعاء نسخها فلا بد عليه من دلالة شرعية لأن الحكم لا يجوز نسخه إلا بأمر شرعي ولا دلالة هاهنا تدل على النسخ فلا يجوز إثبات النسخ من غير دلالة.
وأما ثانياً: فلأنها ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع، وما هذا حاله فلا يجوز [فيه] نسخ الكتاب إلا بالكتاب ولا يجوز نسخ السنة إلا بالكتاب والسنة، وأما الإجماع فلا يجوز نسخه ولا النسخ به كما قررناه في الكتب الأصولية. فبطل ما ادعوه من النسخ.
قالوا: هي خاصة بالرسول في زمنه وما كان خاصاً للرسول فلا يكون لغيره.
قلنا: فعله وإن كان الأصل أنه خاصٌّ به إلا أن تدل دلالة على تعديته إلى غيره وقد تقررت التعديه بقوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}[الأحزاب:21]. وبقوله: {وَاتَّبِعُوْهُ} وبقوله : ((صلوا كما رأيتموني أصلي)). وإذا تقررت التعدية بهذه الأدلة فلا وجه لقولهم أنه مخصوص بفعلها لما ذكرناه.
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول: وهل تكون في السفر والحضر؟ أو لا تكون إلا في السفر؟. فيه مذهبان:
المذهب الأول: جوازها في السفر والحضر جميعاً. وهذا هو رأي زيد بن علي والناصر، ومحكي عن أبي حنيفة وأصحابه، والشافعي وأصحابه.
والحجة على هذا: قوله تعالى: {وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ}[النساء:102]. فأمر بصلاة الخوف ولم يفصل بين أن تكون في حال السفر أو في حال الحضر.
الحجة الثانية: ما روي عن الرسول : أنه صلى بالنخيلة الظهر أربعاً، فكانت أربعاً له ولهم، ولأن قصر الصلاة إنما يكون للسفر ولم يكن مسافراً، وفي هذا دلالة على ما قلناه.
المذهب الثاني: أنها لا تجوز إلا في حال السفر. وهذا هو رأي القاسم والهادي.
والحجة على هذا: قوله تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ}[النساء:101].
ووجه الدلالة من الآية: هو أن الله تعالى لم يوجب القصر في الصلاة إلا بشرط الخوف، فدل ذلك على أنها مشروطة بالخوف.
الحجة الثانية: هو أن طريق إثبات هذه الصلاة الشرع، ولم يثبت أن الرسول صلاَّها إلا في حال الخوف في السفر، وقد قال : ((صلوا كما رأيتموني أصلي)).
والمختار: جواز فعلها في الحضر كما تجوز في السفر فيصلي بطائفة ركعتين، وبطائفة آخرى ركعتين كما جاز أن يصلي في حال السفر بطائفة ركعة، وبطائفة أخرى ركعة أخرى من غير تفرقة بينهما.
وحجتهم: ما ذكرناه عن الناصر.
ونزيد هاهنا: وهو ما روى أبو بكر رضي الله عنه: أن الرسول صلى صلاة الخوف أربعاً فصلى بطائفة ركعتين، وبطائفة أخرى ركعتين. وفي هذا دلالة صريحة على أنه كان مقيماً ولهذا صلى أربعاً.
الحجة الثانية: هو أن هذه الصلاة إنما هي على قدر ما يعرض من الخوف، ولا شك أن الخوف كما يعرض في حالة السفر فربما عرض في الحضر فلا وجه لقصرها على حالة السفر.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: قوله تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاَةِ}[النساء:101]. فلم يوجب القصر إلا بشرط الخوف في السفر.
قلنا: ظاهر الآية دال على أنها في حال السفر مفعولة، وليس فيها دلالة على المنع من فعلها في الحضر.
قالوا: روي عن الرسول أنه لم يفعل هذه الصلاة إلا في حال السفر والشرع مأخوذ من جهته، وقد قال: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)).
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأنا قد روينا ما كان من حديث أبي بكر فإنه دال على فعلها من جهته في حال الحضر.
وأما ثانياً: فلأن الدليل الشرعي بالخطاب قد دل على فعلها في حال الحضر فيجب القضاء به سواء فعلها الرسول أو لم يفعلها لأن خطابه في الدلالة أقوى من فعله فإن الخطاب متعد بنفسه على ما يدل عليه والفعل لا يدل إلا بدلالة منفصلة عن كونه متعدياً إلى غيره.
الفرع الثاني: وهل تُصَلَّى هذه الصلاة في أول الوقت أو في آخره؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنها إنما تُصَلَّى في آخر الوقت. وهذا هو رأي الهادي والقاسم واختيار أبي العباس.
والحجة على هذا: هو أن هذه الصلاة بدل عن صلاة الأمن فلا يجوز فعل البدل إلا بعد الإياس من المبدل [منه] كالإعتداد بالأشهر فإنه بدل عن الإعتداد بالأقراء فلا يجوز العدول إلى الأشهر إلا بعد الإياس من الأقراء ولا شك أن الإياس في مسألتنا إنما يحصل في آخر الوقت.
المذهب الثاني: أنها تفعل في أول الوقت كما نقوله في سائر الصلوات. وهذا هو رأي الناصر وهو محكي عن أبي حنيفة وأصحابه والشافعي وأصحابه.
والحجة على هذا: قوله تعالى: {أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إلى غَسَقِ اللَّيْلِ}[الإسراء:78].
ووجه الدلالة من الآية: هو أنه علق الصلاة بأول الدلوك ولم يفصل بين الصلاة في الأمن والخوف. لكن الناصر ذكر أن الاستحسان يوجب تأخير الصلاة إلى آخر وقتها لأنه ربما زال العذر فيؤدي الصلاة من غير نقص في حالها لما يعرض فيها من مخالفة الإمام والملاقاة والمزاحمة والمدافعة وغير ذلك مما يوجبه الحال في العذر ويقتضيه.
والمختار: وجوب تأديتها في أول وقتها على جهة التوسيع كما قاله الناصر وغيره.
وحجتهم: ما ذكرناه.
ونزيد هاهنا: وهو قوله : ((أول الوقت رضوان اللّه، وآخره عفو اللّه))(1).
ولأنها صلاة مفروضة متعلقة بوقت فكان تأديتها في أول وقتها أفضل كما لو لم يكن هناك عذر، ولقوله : ((صلوا الصلاة لوقتها)).
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: صلاة بدلية فلا يجوز فعلها إلا بعد الإياس من المبدل منه.
قلنا: لا نسلم أنها بدلية وإنما هي صلاة مخاطب بأدائها في أول وقتها كما في صلاة الأمن.
ومن وجه آخر: وهو أن الصلاة لها فضيلتان: فضيلة الوقت وفضيلة الكمال، فإذا فاتت فضيلة الكمال بما عرض من عذر المقاتلة والمزاحمة والمدافعة فلا تبطل فضيلة أول الوقت.
ثم إذا زال العذر وفي الوقت بقية فهل يلزم إعادة الصلاة أم لا؟ فالظاهر من كلام الإمامين القاسم والناصر: وجوب الإعادة لأنهم مخاطبون بتأدية الصلاة كاملة. وظاهر كلام المؤيد بالله: أنه إذا كان العذر نادراً وجبت إعادة الصلاة، وإن كان غير نادر لم تلزم إعادتها.
والمختار: أنه لا تلزمهم الإعادة لأنهم معذورون في تأديتها على هذا الوجه وقد قال : ((لا ظهران في يوم ولا عصران في يوم)). لكنه يستحب لهم الإعادة عند زوال العذر لتكون مؤداة على الكمال.
الفرع الثالث: هل يجب حمل السلاح في حال الصلاة أو يكون مستحباً؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أن حمله واجب. وهذا هو قول الناصر، ومحكي عن الشافعي.
والحجة على هذا: هو قوله تعالى: {وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ}[النساء:102]. وهذا أمر والأمر الشرعي بمطلقه دال على الوجوب.
المذهب الثاني: أن حمله مستحب. وهذا هو قول القاسمية، ومحكي عن الحنفية.
والحجة على هذا: هو أنها صلاة مفروضة فلا يجب أخذ السلاح فيها كسائر الصلوات المكتوبة وهو أحد قولي الشافعي.
__________
(1) تقدم في الأوقات، وقد ورد في (التمييز) لابن عبد البر 4/340 وفي غيره.
والمختار: وجوب حمل السلاح في صلاة الخوف لما ذكروه من ظاهر الأمر في الآية.
ونزيد هاهنا: وهو أن الله تعالى أكد الأمر عليهم بدليل أمور ثلاثة:
أولها: قوله تعالى: {وَخُذُوا حِذْرَكُمْ}[النساء:102]. ولا حذر أعظم من حمل السلاح وتحمله لأن فيه أعظم الحذر وأقواه ولما يحصل فيه من ربط الجأش وقوة القلب في الإقدام.
وثانيها: قوله تعالى: {لاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ}[النساء:102].
ووجه الدلالة من الآية: هو أن الله تعالى رخص لهم في وضع الأسلحة عند المطر والمرض. ورفع الجناح إنما يكون رخصة في ترك الأمور الواجبة كما قال تعالى: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاَةِ}[النساء:101]. وفي هذا دلالة على الوجوب كما ذكرناه.
وثالثها: قوله تعالى: {وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً}[النساء:102].
ووجه الدلالة من الآية: هو أن الله تعالى أكد أمر أخذ الأسلحة بتحذيره من غدر الكفار ومكرهم وأنهم مترقبون لحصول الفرصة بالغفلة عن أخذ الحذر. فهذه الوجوه كلها دالة على ما قلناه من تأكيد الأمر في أخذ الأسلحة وإلتزامها في حال الصلاة في حالة الخوف.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: صلاة مفروضة فلا يجب حمل السلاح فيها كسائر الصلوات المفروضة.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأنا لا نسلم صحة قياسكم هذا لأنه معارض بظواهر هذه الآيات الدالة على تأكد الوجوب بأخذ السلاح وحمله، ومن شرط صحة القياس ألا يكون معارضاً لشيء من أدلة الكتاب والسنة فمتى عارضها فهو دلالة على فساده وبطلانه.
وأما ثانياً: فهب أنا سلمنا لكم صحة هذا القياس لكنا نقول: إن صلاة الخوف خارجة عن الأقيسة الشرعية على سائر الصلوات في أكثر أحكامها وشرائطها.