الثالثة: أقل ما يقطع به في السرقة عشرة دراهم.
الرابعة: أكثر الحيض مقدر عندنا بعشرة أيام.
الخامسة: صوم المحصر بدلاً من الهدي [عشرة أيام].
السادسة: الإطعام في كفارة اليمين [عشرة مساكين] (1).
فهذه صور ست تدل على اعتبار هذا العدد من بين سائر الأعداد التي أشار إليها الفقهاء. ولا شك أن الخبر الذي تشهد له الأصول أرجح من الخبر الذي لا تشهد له الأصول لأن كل واحدٍ من هذه الصور بمنزلة الشاهد على صحة هذا الخبر.
الجهة الثانية: أن هذا الخبر رواه أمير المؤمنين كرم الله وجهه، ولا شك أن الخبر يقوى بقوة سنده كما يقوى بقوة متنه، وأمير المؤمنين لا يعدل بروايته رواية غيره لما خصه الله تعالى به من العلم الوافر والورع الشحيح(2)
وحسن الذكاء وجودة الفطنة وتمييز الروايات والدراية بأحوال الرجال، ومن هذه حاله فلا شك في رجحان خبره على خبر غيره، وإذا كان راجحاً وجب العمل عليه دون غيره.
فحصل من مجموع ما ذكرناه، أن ظاهر الخبر الذي رواه أمير المؤمنين كرم الله وجهه في القوة والظهور كظاهر آية في كتاب الله تعالى، وفي هذه نهاية القوة والوثاقة في غلبات الظنون وقوتها.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: أقل الإقامة خمسة عشر يوماً كما حكي عن أبي حنيفة، لما روى ابن عباس وابن عمر.
قلنا: عن هذا جوابان:
__________
(1) لا يبدو أن في هذه التي ذكرها المؤلف شواهد على اختيار العشرة الأيام حداً لأقل الإقامة؛ لأن بالإمكان اعتبار الثلاث بدلاً من العشر، ثم الاستشهاد عليها بصور مثل صوم الكفارة، وغيرها كثير, والله أعلم.
(2) الشح: هو البخل بالشيء، والشحيح: البخيل، وهو اسم فاعل على صيغة فعيل، مثل: عليم. والمقصود به هنا: حرص أمير المؤمنين الشديد في ورعه عن أن يقول ما ليس مقطوعاً به لديه. راجع في تصريف المادة (لسان العرب) 2/495.

أما أولاً: فلأنا قد قررنا أن رواية أمير المؤمنين كرم الله وجهه راجحة على رواية غيره لما خصه الله تعالى به من الفضائل الباهرة والمناقب الظاهرة، فلهذا كانت روايته أحق بالقبول.
وأما ثانياً: فلأن الأمور العددية والتقديرات الشرعية إنما يكون مستندها قول صريح من جهة الرسول÷، وظاهر ما قاله ابن عباس وابن عمر هو الرأي والاجتهاد وليس مقبولاً في الأمور المقدرة.
نعم.. ظاهره أنه مذهب لهما واجتهاد من جهتهما لكنه لا يلزمنا قبوله لأن الآراء في المسائل الاجتهادية وإن كانت صائبة كلها لكنها مقصورة على من استنبطها وأحدثها برأيه، وأما غيره فلا يلزمه قبولها، وإنما الذي يجب قبوله ما كان عن صاحب الشريعة صلوات الله عليه في أقواله وأفعاله وإشاراته.
قالوا: روي عن الرسول÷ أنه قال: ((يقيم المهاجر بعد نسكه ثلاثاً)). قبل فتح مكة فلما أذن بالمقام في مكة بعد فتحها دل على أن الثلاث ليست إقامة، وأن ما زاد عليها يكون إقامة فلهذا كانت الأربع إقامة كما حكي عن الشافعي.
قلنا: لم يرد بالثلاث والأربع تعريف أقل الإقامة وإنما أراد بالثلاث مقدار قضاء الحوائج في مكة، فلهذا أذن بالثلاث قبل الفتح، وأذن بما فوق الثلاث بعد الفتح على جهة الإطلاق لما زال المانع وهو الكفر وأبدلها بالإسلام، فلهذا سمح بالمدة اليسيرة في المقام في دار الشرك لضرورة قضاء الحوائج.
ويؤيد ما ذكرناه: ما روي عن الرسول÷ أنه قال: ((المؤمن والكافر لا تتراءى نيرانهما)). فدل على ما قلناه.
دقيقة.. إعلم أن للمحصلين من فقهاء مذهبنا كلاماً في إبطال مذاهب الفريقين الحنيفة والشافعية، عولوا فيه على الأقيسة واعتمدوها في إفساد ما عولوا عليه في مقدار أقل الإقامة.

فقالوا: رداً لرأي أبي حنيفة: في أن أقل الإقامة خمسة عشر يوماً، ولأنه نوى الإقامة مدة تزيد على ثلاثة أضعاف أقل مدة الحيض فوجب أن يلزمه الإتمام كما إذا عزم على إقامة خمسة عشر يوماً، ولأن ما لا يتقدر به أكثر مدة الحيض لا يجوز أن يكون مدة للإقامة. دليله: ما زاد على خمسة عشر يوماً.
ولأن الخمسة كسر العشرة فلا يزاد على العشرة في قدر الإقامة. دليله سبعة أيام أو تسعة أيام، ولأنه نوى الإقامة مدة لا تنقص عن أقل مدة الحيض فوجب أن يلزمه الإتمام كما لو أقام خمسة عشر يوماً.
وقالوا: رداً لكلام الشافعي: وهو أنه نوى الإقامة دون عشرة أيام فوجب أن يكون حكمه حكم المسافر، كما إذا نوى دون أربعة أيام، ولأنه نوى الإقامة مدة تنقص عن مدة أكثر الحيض فوجب أن لا يلزمه الإتمام كما لو نوى إقامة يومين أو ثلاثة، أو نقول: إن أربعة لا يتقدر بها أكثر الحيض فلا تكون مدة للإقامة. دليله ما ذكرناه، ولأن الأربعة كسر العشرة فلا يجوز أن تكون مدة الإقامة، دليله: خمسة أيام أو سبعة، فهذه القياسات كلها ذكروها في إفساد كلام الفقهاء.
واعلم أن هذه القياسات كلها وما أشبهها، من الطرديات المهجورة وجميعها من الاقناعيات المغمورة التي لا تعتمد في تقرير شيء من الأحكام الشرعية، ولا يعول عليها في جميع المضطربات الاجتهادية، وإنما تورد على جهة معارضة الفاسد بالفاسد وكتابنا هذا فلم نعتمد فيه على شيء من الأقيسة في العبادات خاصة إلا شاذاً نادراً وبعدنا عن كل طرد مهجور يستوي فيه إثبات الحكم ونفيه، وإنما نعتمد على الأقيسة المخيلة والأشباه القريبة من الإخالة في مواضعها التي تستعمل فيها الأقيسة والحمد لله.
فأما ما يحكى عن عائشة والحسن البصري والأوزاعي وربيعة من اختلاف مذاهبهم في مقدار الإقامة فلم أقف لهم على مستند شرعي يدل على ما قالوه من هذه التقديرات وإنما هي إجتهادات من جهة أنفسهم فلا يلزمنا قبولها، والله أعلم بالصواب.

الفرع الثاني: وهل تكون الإقامة مقصورة على البنيان والعمرانات أو تكون عامة في العمرانات والبراري والجزائر والبحر؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أن الإقامة كما تكون في العمرانات فقد تكون في البراري والبحار. وهذا هو رأي أئمة العترة الهادي والقاسم والناصر، واختيار السيدين الأخوين، وهو قول الشافعي، ومحكي عن أبي يوسف، ومالك.
والحجة على هذا: قوله تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاَةِ}[النساء:101]. ولم يفصل بين موضع وموضع في برٍ أو بحر أو مفازة أو دار حرب أو غير ذلك من المواضع التي تصلح فيها الإقامة.
المذهب الثاني: أن الإقامة إنما تكون في العمرانات ولا تجوز الإقامة في المفازة ولا في دار الحرب و[لا]في البحر. وهذا هو قول: أبي حنيفة، ومحمد.
والحجة على هذا: هو أن الإقامة إنما تصلح في موضع الإستقرار وهذه المواضع لا تصلح للإستقرار فلهذا لم تصح الإقامة فيها.
والمختار: هو جواز الإقامة في كل موضع يصلح للإستقرار كما قاله أئمة العترة ومن تابعهم.
وحجتهم: ما ذكرناه.
ونزيد هاهنا: وهو قوله تعالى: {وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ}[المزمل:20]. فلم يخص موضعاً من موضع في السفر لطلب الأرباح، وهكذا حال الإقامة فإنها تابعة للأسفار فحيث صلح السفر صلحت الإقامة من غير فرق.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا: إن هذه المواضع التي حكيناها عن أبي حنيفة لا تصلح للإستقرار فلهذا لم تكن صالحة للإقامة.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلا نسلم أنها غير صالحة للإستقرار ولا معنى للإستقرار إلا التمكن من التصرفات بضروب من الإنتفاعات وهذا حاصل فيها.

وأما ثانياً: فلأن ما ذكروه من القياس لا يعارض ما أوردناه من الآيات والأخبار الدالة على إمكان الإقامة في هذه الأماكن. وحكى الكرخي، عن ابن سماعة(1)
أن أبا يوسف ومحمداً قالا: إنها تصح الإقامة في المفازة خلافاً لما نقله ابن رستم.
فأما أبو حنيفة فقد قال: إن الإقامة لا تصح في المفازة ودار الحرب والبحر.
وإن نوى إقامة عشرة أيام في موضعين لم يلزم الإتمام عند أئمة العترة، وهو قول أبي حنيفة، وإن خالفنا في مقدار الإقامة.
والحجة على هذا: هو أنه لم ينو المقام في موضع أقل مقدار مدة الإقامة فلهذا كان غريباً يلزمه القصر.
ومن جهة: أنه باقٍ على السفر وعروض ما عرض من اللبث في موضعين لا يقطع سفره فلهذا لم يلزم الإتمام.
الفرع الثالث: والمسافر إذا لم يكن له نية في الإقامة وكان على عزم السفر يخرج اليوم يخرج غداً، فهل يقصر الصلاة أم لا؟ فيه مذاهب ثلاثة:
المذهب الأول: أنه إذا كان على عزم السفر وتركه والتردد في حاله فإنه يقصر الصلاة شهراً، ثم يتم بعد ذلك أيَّ قدرٍ أقام، وهذا هو رأي الهادي والقاسم ومحكي عن الإمامية.
__________
(1) ترجم له في سير أعلام النبلاء 10/646 فقال: قاضي بغداد العلامة أبو عبد الله محمد بن سماعة بن عبيد الله بن هلال التيمي، الكوفي صاحب أبي يوسف ومحمد، حدث عن الليث والمسيب بن شريك، روى عنه محمد بن عمران الضبي والحسن بن محمد بن عنبر الوشاء، وصنف التصانيف، وثقه يحيى بن معين.
وقال أحمد بن عمران: سمعته يقول: مكثت أربعين سنة لم تفتني التكبيرة الأولى إلا يوم ماتت أمي فصليت خمساً وعشرين صلاة أريد التضعيف، قلت: ولي القضاء للرشيد بعد يوسف بن أبي يوسف، ودام إلى أن ضعف بصره فصرفه المعتصم بإسماعيل بن حماد، عمر مائة سنة وثلاث سنين و توفي سنة ثلاث وثلاثين ومائتين.

والحجة على هذا ما روى جعفر الصادق عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه أنه قال في الذي يقول: اليوم أخرج، غداً أخرج، يقصر الصلاة شهراً. ومثل هذا لا يقوله إلا عن توقيف من جهة الرسول÷ لأنه لا مجال للإجتهاد في مقدار العبادات وكيفياتها.
المذهب الثاني: أنه يقصر أبداً. وهذا هو رأي أبي حنيفة وأصحابه.
والحجة على هذا: هو أن الأصل هو السفر وعروض التردد في الخروج لا يبطل كونه مسافراً، فلهذا وجب عليه القصر بكل حال.
المذهب الثالث: محكي عن الشافعي وله أقوال ثلاثة:
أولها: أنه يقصر أربعة أيام ثم يتم بعد ذلك.
وثانيها: أنه يقصر سبعة عشر يوماً أو ثمانية عشر يوماً إلا أن ينوي الإقامة فيما دون ذلك.
وثالثها: أنه لا يزال يقصر إلا أن يعزم على إقامة أربعة أيام.
والمختار: هو القصر بعد مضي الشهر إذا كان باقياً على التردد. كما قال أبو حنيفة، وأحد أقوال الشافعي.
وحجتهم: ما ذكرناه.
ونزيد هاهنا حججاً ثلاثاً:
الحجة الأولى: هو أن الأصل السفر وعروض التردد بعد إحراز مدة السفر لا يخرجه عن كونه مسافراً غريباً.
الحجة الثانية: هو أن التردد شك في أنه يخرج أو لا يخرج، والشك لا يبطل ما هو عليه من قبل من السفر وتحقق الغربة في حقه.
الحجة الثالثة: هو أنه بعد إنقضاء الشهر باقٍ على التردد فلأي شيء يكون مضي الشهر قاطعاً له عن التردد فكما لا يخرجه التردد قبل انقضاء الشهر عن كونه قاصراً، فهكذا بعد انقضاء الشهر لا يخرج عن كونه قاصراً.
ويؤيد ما ذكرناه من أن التردد بعد انقضاء الشهر لا يقطع حكم السفر، ما روي: أن ابن عمر أقام بأذربيجان ستة أشهر يقصر الصلاة مع التردد، وروي عن أنس بن مالك: أنه أقام بنيسابور سنة أو سنتين يقصر الصلاة. وروي عن جماعة من الصحابة: أنهم أقاموا في بعض النواحي في الجهاد تسعة أشهر يقصرون الصلاة. فهذه القضايا كلها دالة على أن التردد لا يقطع حكم القصر في السفر.

الفرع الرابع: ويصير المكان مستوطناً بنية الاستيطان له كما يكون المقام مقاماً بنية الإقامة، فإذا دخله الإنسان صار مستوطناً له بالنية وتنقطع عنه رخص السفر لما روي عن الرسول÷ أنه دخل مكة يوم الرابع من ذي الحجة ثم خرج إلى منى يوم الثامن من ذي الحجة وهو يقصر الصلاة، وتأويل ذلك أن الرسول÷ دخل مكة يوم الرابع ولم يكن قد انتهى سفره لأنه كان يريد الخروج إلى عرفات، فلما خرج إلى عرفات لم ينو الإقامة ولا نوى الاستيطان فيها، فلهذا قصر فيها الصلاة وجمع بين الصلاتين، فلما فرغ من نسكه ونزل منى لم يدخل مكة وإنما نزل بالمحصب فلما كان من الغد دخل مكة وطاف بالبيت للوداع وراح إلى المدينة ولم ينو الإقامة بمكة ولا اتخذها مستوطناً.
ويخرج الوطن عن كونه مستوطناً بأمرين:
أحدهما: بالعزم على تركه.
وثانيهما: بالخروج منه.
فإن دخل المسافر بلداً في طريقه، فيها له أهل ومال ولم ينو الإقامة ولا الاستيطان لتلك البلدة فله أن يقصر، لما روي أن رسول اللّه÷ حج وحج معه خلق كثير من المهاجرين، وكذلك فإن أبا بكر حج بالناس في زمن رسول اللّه÷، وكذلك عمر وعثمان حجا بالناس وكان لهم بمكة دور ومال وقرابة، ولم ينقل أن أحداً منهم أتم الصلاة في مكة بل نقل عنهم، أنهم قصروا الصلاة، وما ذاك إلا لعدم النية في الاستيطان ولأن الاستيطان إنما يحصل بنية الإقامة أو بنية الاستيطان أو بأن يحصل في دار إقامته، ولم يوجد شيء من ذلك.
فإن خرج من وطنه فذلك يكون على أوجه ثلاثة:
أولها: أن يكون خروجه على عزم الإنصراف عنه وترك الاستيطان له إلى موضع يستوطنه ويعزم على سكونه، فمتى كان الأمر كما قلناه نظرت، فإن كان بينه وبين الموضع الذي يستوطنه مسافة القصر فإنه يقصر الصلاة، وإن كان دون ذلك فإنه يتم الصلاة. وإن رجع وجاوز الوطن الذي تركه فإنه يتم الصلاة إذا دخله لأنه قد تركه.

وثانيها: أن يكون خروجه على ترك الاستيطان لكنه لا يعزم على استيطان غيره فإن كان بينه وبين الموضع الذي يريد القصد إليه مسافة السفر فإنه يقصر الصلاة، وإن كان دون ذلك فإنه لا يقصر الصلاة.
وثالثها: أن يكون خروجه من وطنه الأول وهو عازم على استيطانه لكنه يريد استيطان موضع آخر فإذا كان الأمر هكذا نظرت، فإن كان بين الموضعين مسافة السفر فإنه يقصر الصلاة، وإن لم يكن بينهما مسافة السفر فإنه يتم الصلاة فإن رجع من الطريق إلى الموضع الأول فإنه يتم الصلاة لأن الوطن الأول لم يخرج عن الاستيطان فهلذا يجب عليه إتمام الصلاة إذا دخله، فعلى هذا التقدير تدور مسائل الباب.
الفرع الخامس: قال المؤيد بالله: ومن كان له بيت صيفيٌّ في الجبل وبيت شتويٌّ في السهل فنزل بأهله إلى السهل في الخريف ثم صعد إلى الجبل لحاجة له فإن دخل قريته وحانت الصلاة لزمه إتمام الصلاة ولا يسوغ له القصر، وهو الأقرب عندي لأنه لم يترك إستيطانها وإنما نزل إلى السهل للعود إليها في الربيع، وذلك لأنه بحصوله في وطنه يكون مقيماً وإن كان على عزم السفر إذ لا يصير مسافراً بنية السفر كما يكون مقيماً بنية المقام، ولهذا نقول: بأنه لا يقصر حتى يفارق البيوت والعمران إذا كان عازماً على السفر، وهذا يؤيد ما ذكره الهادي في الأحكام، حيث قال: وإن كان له في السفر موضعان يستوطنهما لم يقصر إذا بلغ واحداً منهما، وأراد أنه عازم على إستيطانهما جميعاً. وإن خرج من وطنه فسافر دون بريد فلما بلغه نوى أن يسافر مثله ثم لما بلغه نوى أيضاً مثله ثم كذلك فإنه يتم ولا يقصر.
ووجه ذلك: هو أنه لم يتوحد السفر الموجب لقصر الصلاة لأنه إذا سافر على هذا الوجه لا يكون مسافراً من حيث أنه لم ينو عند مسيره حد السفر فيكون مسيره ثانياً وثالثاً في إمتناع جواز القصر كمسيره أولاً.

الفرع السادس: والمسافر إذا دخل في الصلاة ثم نوى الاقامة وهو فيها فإنه يتم الصلاة على رأي أئمة العترة، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه والشافعي وأصحابه.
ووجهه: ما قدمنا.
وهل يبني صلاة الإقامة على صلاة السفر أو يبتدئ الصلاة بتكبيرة يفتتحها؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه يبتدئ الصلاة، صلاة الإقامة، بتكبيرة يفتتحها. وهذا هو الذي ذكره أبو العباس.
ووجهه: هو أن فرض المقيم غير فرض المسافر فإذا عزم على الإقامة تجدد عليه فرض مبتدأ وتجدده يقتضي تجديد نية مجددة وتجديد النية إنما يكون بتكبيرة يفتتحها(1).
وثانيهما: أنه يبني صلاة الإقامة على صلاة السفر، وهذا هو المختار لأنهما يختصان بوجه واحد.
ووجه ذلك: هو أن المصلحة إذا تجردت الصلاة عن نية الإقامة ركعتان بعد إحراز حد السفر، وإن حصلت نية الإقامة فالمصلحة أربع ركعات، فلما كانت المصلحة شاملة دل ذلك على اختصاصهما بوجه واحدٍ، وإذا كان الأمر هكذا جاز بناء صلاة الإقامة على ما حصل من صلاة السفر لما ذكرناه.
فإن تغيرت نيته ونوى السفر قبل خروجه من الصلاة فإنه يستمر على الإتمام لأنه إنما يكون مقيماً بأمر واحد وهو نية الإقامة، فأما السفر فإنما يكون مسافراً بأمرين: النية، والخروج من العمران أو التواري عن البيوت، فإذا حصلت النية فلم يحصل الخروج، فلهذا وجب استمراره على الإتمام. وهذا هو رأي أئمة العترة، واختاره الأخوان السيدان، وهو قول أكثر الفقهاء.
__________
(1) يقصد: يفتتح بها الصلاة.

وحكي عن المغربي(1)
من أصحاب داود من أهل الظاهر: أنه يكون مسافراً بالنية وحدها كما يكون مقيماً بالنية. وهذا فاسد فإن الله تعالى يقول: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ}. وهذا فليس ضارباً فلهذا لم يكن مسافراً، ولأن محل الإقامة لا بد من إنفصاله عن محل السفر، وليس ذلك إلا بالخروج عن حد البلد ومفارقة الوطن كما قررناه.
الفرع السابع: ومن قصر الصلاة من غير نية القصر أعاد الصلاة إن كان وقتها باقياً، وإن كان فائتاً صلاها قضاءاً لأن نية القصر واجبة سواء كان القصر رخصة أو عزيمة.
وإن نوى القصر فصلاها تماماً على جهة السهو أجزته الصلاة ويسجد للسهو لأجل الزيادة لأن الرسول÷ صلى الظهر خمساً فلم يعد الصلاة وسجد للسهو، ولأن الزيادة إنما تكون مبطلة للصلاة إذا كانت على جهة العمد.
قال المؤيد بالله: ومن قصر في سفره وهو شاك في مدة السفر أنها مسيرة ثلاثة أيام ثم تحقق بعد ذلك أنها مسيرة ثلاثة أيام، صح ما صلى من صلاته. ومفهوم كلامه أنه إذا لم تتحقق المسافة بالثلاث أنه يعيد الصلاة لأن المدة أصل في صحة قصر الصلاة ولا يجوز القصر حتى تكون الصلاة جميعها في السفر، فإن حصل جزء من الصلاة في دار الإقامة لزمه أن يتم الصلاة لأنها لم تتمحض في السفر، وهذا نحو أن ينوي الإقامة في أثناء الصلاة في السفر فلهذا لزمه الإتمام كما ذكرنا.
__________
(1) الشيخ المحدث الثقة القدوة أبو عبد الله أحمد بن علي بن العلاء الجوزجاني ثم البغدادي، ولد سنة خمس وثلاثين ومائتين، وسمع أحمد بن المقدام العجلي وزياد بن أيوب وأبا عبيد بن أبي السفر وطبقتهم، حدث عنه الدارقطني وعمر بن شاهين وعمر بن إبراهيم الكتاني وأبو الحسين بن جميع وآخرون، وكان شيخاً صالحاً بكاء خاشعاً ثقة، مات في ربيع الأول سنة ثمان وعشرين وثلاث مائة، سير أعلام النبلاء 15/248.

251 / 279
ع
En
A+
A-