.
والحجة على هذا: هو قوله تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاَةِ}[النساء:101]. وهذا ضارب في الأرض فجاز له القصر، ولأنه سفر مباح تقصر في مثله الصلاة فهو كما لو لم يكن هناك طريق سواه.
والمختار: المنع من القصر.
وحجتهم: ما ذكرناه.
ونزيد هاهنا: وهو ما روي عن الرسول أنه قال: ((إن الله يبغض المشائين من غير أرب))(1).
وهذا مشي من غير أرب ولا حاجة.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا: قوله تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ}. وهذا ضارب فلهذا جاز له القصر.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن الآية محمولة على ما هو المعهود في مطرد العادة من أن الضرب في الأرض إنما يكون لمقاصد وأغراض سببية فلا تكون متناولة لما لا غرض فيه بحال.
وأما ثانياً: فلأنها معارضة بما ذكرناه من الخبر فهو نص صريح بما ذهبنا إليه وإن كان أصله مظنوناً، والآية ظاهرها دال على ما قلتموه وأصلها مقطوع به وإذا تعارضا وجب الترجيح.
فنقول: الخبر صريح في الدلالة فلهذا وجب العمل به.
قالوا: ولأنه سفر مباح تقصر في مثله الصلاة فهو كما لو لم يكن هناك طريق سواه.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن هذه الأقيسة واردة [في قولكم] في المقدرات من أنواع العبادات والرخص السفرية ولا مجرى للأقيسة فيها بحال.
وأما ثانياً: فلأنا نعارضه بقياس مثله على قصد المناقضة، وهو أنه سير فُعِلَ لغرض غير السفر فأشبه ما لو كان سائراً في أزقة المِصْر.
__________
(1) جاء في (جواهر الأخبار) 2/44: هو كالذي قبله، اهـ. والذي قبله هو الحديث السالف: ((خير عباد الله...إلخ)) قال: ذكره في (التلخيص) بألفاظ متقاربة من طرق شتى، والله أعلم. اهـ.
ومن سار هائماً أو راكباً للتعاسيف(1)
أو قطع عمره في نظر البلدان كما يفعله كثير من المتصوفة الذين ليس لهم من الدين إلا لبس المرقعات وإهراق ماء الوجوه في طلب القوت وامتلاء البطون فهل يجوز لهؤلاء القصر أم لا؟ فيه تردد.
والمختار: جواز القصر لأجل مفارقة الأوطان، ولقوله تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ}. وهؤلاء فقد ضربوا.
ويستحب: الإتمام لأنه لا مقاصد لهم سوى ما ذكرناه.
الفرع السابع: وإذا نوى رجل أن يسافر من بلده إلى بلدة أخرى ثم سافر من تلك البلدة إلى بلدة أخرى فإنه يعتبر كل واحدة من هذه البلدان بنفسه، فإن كان بين بلده وبين البلد الأول مسافة القصرجاز له القصر، وإن لم يكن بينهما مسافة القصر لم يقصر، وهكذا إذا كان بين البلد الأول والبلد الثاني مسافة القصر فإنه يقصر الصلاة، وإن لم يكن بينهما مسافة القصر فلا قصر هناك، وإن خرج رجل من مكة يريد المدينة فوصل بعض الطريق وتغير عزمه عن السير إلى المدينة لخوف عرض أو ليقصد غير المدينة، نظرت، فإن كان بينه وبين مكة مقدار مسافة القصر فإنه يقصر الصلاة، وإن كان دون مسافة السفر أتم الصلاة، ثم إنه يجعل هذا الموضع مبتدأ سفره قاصراً كان أو متماً بعد تغير عزمه عن المدينة.
__________
(1) في (لسان العرب): العسف، السير بغير هداية والأخذ على غير الطريق، وكذلك التعسف والاعتساف، والعسف: ركوب المفازة وقطعها بغير قصد ولا هداية، ولا توخي صوب ولا طريق مسلوك، يقال: اعتسف الطريق اعتسافاً، إذا قطعه دون صوب توخاه فأصابه، والتعسيف، السير على غير علم ولا أثر. اهـ 9/245.
قال المؤيد بالله: إذا خرج رجل يريد قرية في ناحية فدخل قرية من قرى تلك الناحية فليس له أن يتم الصلاة إذا لم يصل القرية التي قصدها وإنما يتم إذا دخل القرية التي قصد الخروج إليها وهذا إذا كانت القرى غير متصلة بعضها ببعض، وإن كانت الناحية واحدة فإن كانت القرى متصلة بعضها ببعض كالبلد الواحدة فإنه إذا حصل في محلة بعينها كان مقيماً وذلك لأنها إذا كانت غير متصلة كان حكم كل قرية حكم بلد على انفرادها فلا يكون الغرض حاصلاً بدخول بعضها، وإن كانت القرى متصلة بعضها ببعض فجميعها في حكم بلد واحدة فلهذا كان متماً بدخول بعضها.
وقال أيضاً: وإذا خرج الرجل من قريته إلى قرية أخرى نظرت، فإن كانت القرية المقصودة غير متصلة بقريته فإنه يقصر الصلاة حتى يصل القرية التي قصدها؛ لأنها غير قريته وهو غريب حتى يصلها، وإن كانت [في] الجملة تدعا بإسم واحد وإن كانت القرية متصلة بقريته، لم يقصر الصلاة لأنها في حكم المحلة الواحدة.
الفرع الثامن: وإن خرج رجل من بلدة يريد السفر ثم بدا له فأراد الرجوع إلى وطنه نظرت، فإن كان بين الموضع الذي أراد الخروج منه وبين وطنه مدة السفر، قصر حتى يبلغ وطنه لأنه قد صار غريباً فلهذا توجه عليه حكم السفر، وإن كان دون ذلك أتم لأنه لا يقصر إلا بحصول مدة السفر ولم تحصل في حقه مدة السفر. وإن صلى المسافر خلف من يصلي الجمعة لم يلزمه الإتمام. وحكي عن الشافعي: أنه يلزمه إتمام الصلاة لأن صلاة الجمعة تامة فلهذا لزمه الإتمام.
والحجة على ما قلناه: هو أن المسافر لا يلزمه حضور الجمعة فإن حضر لزمته الجمعة وكانت مجزية له سواء كان الإمام مقيماً أو مسافراً لأن الجمعة فرضها واحد على الإمام والمأموم فلهذا لم يلزم المأموم الإتمام، ولأنها قد تمت بشرائطها فلا يجوز أن تصلى ظهراً.
والقصر والإفطار هل يستوي حكمهما أو يكون مختلفاً؟ فيه مذاهب ثلاثة:
المذهب الأول: أنهما يستويان في الجواز. وهذا هو رأي الناصر والشافعي، فمتى جاز القصر جاز الإفطار فهما جميعاً مستويان في الجواز لكونهما رخصتين.
والحجة على هذا: قوله تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ على سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ}[البقرة:184].
ووجه الدلالة من الآية: هو أن المعنى: فأفطر فعدة من أيام أخر، فجمع بين المريض والمسافر. ولا شك أن المريض مخُيَرَّ بين أن يفطر وبين أن يبقى على صومه إلى الليل فهكذا حال المسافر من غير فرق.
المذهب الثاني: أنهما مستويان في الوجوب فمتى وجب القصر وجب الإفطار. وهذا هو رأي الإمامية، ومحكي عن أصحاب الظاهر داود وطبقته.
والحجة على هذا: هو أن القصر واجب بالأدلة التي ذكرناها عمن قال بكونه عزيمة، وإذا وجب القصر وجب الإفطار لأنهما رخصتان من رخص السفر فما اعتبر في أحدهما اعتبر في الآخر.
المذهب الثالث: أنهما مختلفان، فالقصر واجب والإفطار جائز. وهذا هو رأي القاسمية ومحكي عن الحنفية.
والحجة على هذا: هو أنا قد دللنا على وجوب القصر بأدلة نفيسة فلا حاجة بنا إلى إعادتها، وأما الإفطار فلم تدل على وجوبه دلالة فلهذا بقي على أصل الجواز فإن شاء أفطر وإن شاء صام.
والمختار: هو القول بجوازهما جميعاً كما ذهب إليه الناصر والشافعي.
وحجتهما: ما ذكرناه.
ونزيد هاهنا: وهو أن الرسول في بعض أسفاره سافر وقصر وأفطر، وفي بعض أسفاره لم يفطر، وفي هذا دلالة على أن الإفطار غير واجب.
ومن وجه آخر: وهو أن الإفطار إنما شرع في حق المريض من أجل المشقة بالمرض فمن لا تلحقه المشقة فالأصل البقاء على صومه، وفي هذا دلالة على بطلان وجوب الإفطار.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: هما مستويان في الرخصة فإذا قامت الدلالة على وجوب القصر فالإفطار مثله لأنهما مستويان في التخفيف والتسهيل كما هو رأي الإمامية وأهل الظاهر.
قلنا: إن هذه الرخص السفرية في الوجوب والجواز موردها الشرع ولا مدخل للأقيسة فيها، فما قام الدليل على وجوبه قضينا به، وما قام على جوازه قضينا به من غير حاجة إلى المقايسة، على أن القصر عندنا رخصة كما مر بيانه فلا يقاس وجوب الإفطار عليه.
قالوا: القصر واجب والإفطار جائز كما هو محكي عن القاسمية لأن القصر قد دللنا على وجوبه بخلاف الإفطار فلا دلالة على وجوبه فبقي جائزاً.
قلنا: قد أجبنا عن أدلة الوجوب على القصر وأوضحنا أنه رخصة، وإذا كان رخصة فالإفطار مثله في كونه رخصة وهو المطلوب.
الفرع التاسع: وإذا دخل وقت الصلاة والمصلي في الحضر وتمكن من أدائها ثم سافر فهل يجوز له القصرم أم لا؟ فيحكى عن المزني وأبي العباس بن سريج: أنه لا يجوز له القصر.
وحجتهما على هذا: هو أنه بدخول الوقت قد تلبس بصلاة الحضر فلا يجوز له إسقاطها بالسفر بعد التلبس بها.
والمختار على المذهب: جواز القصر؛ لأن الإعتبار في حال الصلاة إنما هو بحال الأداء دون حال الوجوب، ولهذا فإنه لو دخل عليه وقت الظهر في يوم الجمعة وهو عَبْدٌ فلم يصل حتى عُتِقَ فإن الجمعة واجبة عليه، وهذا مسافر في حال الصلاة فلأجل هذا جاز له القصر، وهكذا حال المرأة إذا دخل عليها وقت الصلاة وتمكنت من أدائها ثم طرأ عليها الحيض فإنها تسقط عنها الصلاة.
وإن سافر وخرج من العمران أو ميل بلده ولم يبق من وقت الصلاة إلا قدر أربع ركعات فهل يجوز له القصر أم لا؟ فحكي عن المزني والقاضي أبي الطيب كلاهما من أصحاب الشافعي: أنه لا يجوز له القصر. والصحيح جواز القصر له كما ذكرناه في المسألة الأولى. فإذا سافر وقد بقي من الوقت ما يتسع لصلاة المسافر فهل يقصر أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه يقصر. وهذا هو رأي أئمة العترة ومحكي عن أبي حنيفة، وأحد قولي الشافعي.
والحجة على هذا: قوله : ((من أدرك ركعة من العصر قبل غروب الشمس فقد أدركها)).
ووجه الدلالة من الخبر: هو أن الرسول أبان أن من أدرك ركعة بمنزلة إدراك الصلاة كاملة.
المذهب الثاني: أنه لا يجوز القصر، وهذا هو المحكي عن المزني وأبي الطيب. فأما الشافعي فالصحيح من مذهبه مثل ما حكيناه من مذهبنا ومذهب أبي حنيفة.
وحجتهما: ما ذكرناه من قبل.
والمختار: جواز القصر لأنه قد بقي من الوقت ما يكفي لصلاة القصر فيلزمه القصر كما لو خرج في أول الوقت فإن فاتا والحال هذه صلاهما قصراً كما فاتا؛ لقوله : ((من نام عن صلاة أو نسيها فليؤدها إذا ذكرها)). وأراد تأديتها على حد فواتها قصراً أو إتماماً.
الفرع العاشر: وإن سافر ولم يبق من الوقت إلا ما يتسع لركعة واحدة مع الطهارة ففيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه يؤدي الظهر تماماً فيقضيه لفوات وقتها، ويؤدي العصر مقصورة لأنه قد أدركها بإدراك ركعة منها. وهذا هو مذهب أئمة العترة وهو رأي أبي حنيفة والصحيح من مذهب الشافعي.
والحجة على هذا: ما رويناه من قوله : ((من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدركها)). فظاهر الخبر دال على إدراك الصلاة بإدراك ركعة منها.
المذهب الثاني: أنه يجب عليه قضاء الظهر تماماً ويؤدي العصر تامة من غير قصر. وهذا هو رأي المزني وأبي الطيب من أصحاب الشافعي.
وحجتهما: ما أسلفناه.
وإذا كان مدركاً لهذه الركعة في الوقت، فهل يكون مدركاً لجميع الصلاة بإدراكها أو يكون مدركاً للركعة أداء وباقيها قضاء؟. فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه يكون مدركاً للصلاة كلها بإدراك هذه الركعة. وهذا هو رأي أئمة العترة، ومحكي عن أبي حنيفة، وأحد قولي الشافعي.
والحجة على هذا: قوله : ((من أدرك ركعة من العصر قبل غروب الشمس فقد أدركها)). فظاهر الخبر دال على إدراك الصلاة، وعلى هذا إذا كان مدركاً للصلاة كلها بإدراك ركعة صلاها قصراً لأن الوقت ممكن لصلاة القصر.
المذهب الثاني: أنه إنما أدرك الركعة الواحدة أداء، وعلى هذا يكون مؤدياً لما صلى في الوقت قاضياً لما صلى بعد خروج الوقت، وعلى هذا لا يجوز له القصر. وهذا هو المحكي عن بعض أصحاب الشافعي.
والمختار: أنه يكون مدركاً للكل بإدراك الركعة وهو الأصح من مذهب الشافعي لأن ظاهر الخبر دال عليه فلا حاجة إلى تأويل الخبر بأن المقصود بقوله: ((فقد أدركها)). أراد: أدرك الركعة، وهذا لا وجه له فإن الغرض إبانة حكم الصلاة في الإدراك وعدمه وليس الغرض إبانة إدراك الركعة فإنها مدركة لا محالة فلا حاجة إلى بيانها.
وإن سافر ولم يبق من الوقت إلا مقدار تكبيرة الإفتتاح فهل يكون مدركاً للصلاة أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: المنع من الإدراك للصلاة. وهذا هو رأي أئمة العترة، ومحكي عن الشافعي في أحد قوليه.
والحجة على هذا: هو أن ظاهر الخبر إنما دل على كونه مدركاً للصلاة بإدراك ركعة وما دون الركعة لا دلالة على كونه مدركاً به فلهذا بطل كونه مدركاً، وعلى هذا يكون قاضياً للظهر والعصر تماماً لأنهما فاتا في حال الإقامة.
المذهب الثاني: الجواز، وهو أنه يكون مدركاً للصلاة بإدراك التكبيرة. وهذا هو رأي أبي حنيفة.
وحجته على هذا: هو أن تكبيرة الإفتتاح أحد أركان الصلاة فكان مدركاً للصلاة كما لو أدرك الركعة، وعلى هذا تكون الصلاة قصراً كما لو أدرك الركعة.
والمختار: أنه لا يكون مدركاً للصلاة بإدراك التكبيرة؛ لأن حجته على ذلك إنما هو بالقياس، ولا مجرى للقياس في العبادات.
وإن سافر وقد خرج الوقت كله فإنه يقضي الظهر والعصر تماماً؛ لأنهما فاتا قبل التلبس بصلاة المسافر وقبل الخروج من عمران بلده وميلها.
الفرع الحادي عشر: فتنخل من مجموع ما ذكرناه أن المسافر إذا خرج من عمران بلده أو ميلها وقد بقي من الوقت إلى غروب الشمس ما يتسع للطهارة ولثلاث ركعات فإنه يجب عليه الظهر والعصر قصراً فإن فاتا قضاهما قصراً، وإن كان قد بقي منه ما يتسع للطهارة وركعة أو ركعتين فقط فإنه يقضي الظهر تماماً والعصر قصراً إذا فاتا، وإن خرج من الميل أو العمران ولم يبق من الوقت ما يتسع للطهارة وركعة قضى الصلاتين تماماً لفوات وقتهما، وإن خرج من الميل والعمران آخر الليل ولما يصلي الصلاتين وقد بقي من الوقت إلى طلوع الفجر ما يتسع للطهارة وخمس ركعات أو أربع مع الطهارة فإنه يصلي العشاء الآخرة قصراً لإدراكها مع المغرب. وإن كان لا قصر في صلاة المغرب كما قررناه من قبل، فأما ما يتعلق بالجمع بين الصلاتين في أول الوقت وآخره فقد مضى الكلام فيه في باب المواقيت.
---
الفصل الثالث في حكم الإقامة والاستيطان
اعلم أن الإقامة مبطلة حكم السفر ومبطلة للرخص التي هي مختصة به كالقصر والإفطار والجمع بين الصلوات، ولكن يبقى الكلام في مقدار الإقامة. وهكذا حال الاستيطان فإنه مبطل لحكم السفر أيضاً ولكن يبقى الكلام فيما به يكون المكان وطناً وما به يخرج عن الاستيطان ، ونحن نذكر ما يتعلق بكل واحد من هذين الأمرين ونوضحه ونذكر مسائله المختصة به بمعونة الله تعالى.
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول: في بيان أقل الإقامة. وفيه مذاهب أربعة:
المذهب الأول: أن أقل الإقامة عشرة أيام. وهذا هو رأي أئمة العترة القاسمية؛ الهادي والقاسم وأولادهما، ومحكي عن الناصر والمؤيد بالله وأحمد بن عيسى، ومروي عن ابن عباس من الصحابة، وهو قول الإمامية، ومروي عن الحسن بن صالح.
والحجة على هذا: ما روى الصادق جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن علي كرم الله وجهه أنه قال: إذا أقمت عشراً فأتم الصلاة. وعن علي كرم الله وجهه أنه قال: إذا أزمع أن يقيم عشراً أتم الصلاة(1).
ومثل هذا لا يصدر إلا عن توقيف من جهة الرسول÷ لأنه لا مجرى للإجتهاد في هذه المقدرات من العبادات وغيرها.
المذهب الثاني: أن أقل الإقامة خمسة عشرة يوماً. وهذا هو المحكي عن أبي حنيفة.
والحجة على هذا: ما روي عن ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهما أنهما قالا: إذا قدمت بلدة وأنت مسافر وفي نفسك أن تقيم بها خمس عشرة ليلة فأكمل الصلاة(2).
__________
(1) وهما موقوفان على الإمام علي كرم الله وجهه كما أوضح المؤلف، والأخير رواه زيد بن علي بسنده عن علي بلفظ: إذا قدمت بلداً فأزمعت على إقامة عشر فأتم. اهـ مسند الإمام زيد ص 148 (طبعة 1966م).
(2) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه 2/208، وهو في شرح الزرقاني 1/426.
ومثل هذا لا يصدر إلا عن توقيف من جهة الرسول÷ لأن هذه المقدرات لا تجري فيها الأقيسة ولا تعلم معانيها وتنسد فيها الأشباه، فلهذا كانت المقاييس فيها متعذرة.
المذهب الثالث: أن أقل الإقامة أربعة أيام غير يوم الدخول ويوم الخروج [وهو محكي عن الشافعي].
والحجة على هذا: وهو محكي عن عثمان بن عفان وسعيد بن المسيب ومالك وأبي ثور، هو أن النبي÷ قال: ((يقيم المهاجر بعد نسكه ثلاثة أيام.))(1).
ووجه الدلالة: هو أن المهاجرين حرمت عليهم الإقامة بمكة قبل فتحها فلما فتحت وصارت دار إسلام تحرَّج المسلمون من الإقامة فيها ليكونوا على هجرتهم فكانوا لا يدخلونها إلا لأجل قضاء نسك، فلما أذن لهم الرسول÷ في الإقامة ثلاثاً دل على أنها في حكم السفر، وما زاد عليها في حكم الإقامة.
المذهب الرابع: أن أقل الإقامة إثنا عشر يوماً. وهذا هو المحكي عن الأوزاعي.
وعن ربيعة: يوم وليلة.
وعن الحسن البصري: إذا دخل المسافر بلداً أتم.
وعن عائشة: إذا وضع المسافر رحله أتم.
فهذه مذاهب العلماء في أقل الإقامة.
والمختار: هو تقدير الإقامة بالعشر من بين سائر الأعداد.
والحجة: ما ذكرناه.
ونزيد هاهنا: وهو أن هذه الأخبار الدالة على هذه الأعداد متعارضة، وإذا تعارضت وجب الترجيح لأنه لا يمكن العمل عليها أجمع لتناقضها، ولا يمكن إسقاطها أجمع لبطلان حكم المسألة فلم يبق إلا ترجيح بعضها على بعض، وخبرنا يمكن ترجيحه من جهتين:
الجهة الأولى: أن خبرنا تشهد له الأصول بالصحة وذلك في صور ست:
الأولى: في صوم المتمتع بدلاً من الهدي.
الثانية: أقل المهر عشرة دراهم.
__________
(1) نسب في (جواهر الأخبار) إلى (المهذب) تعليله قصر المهاجر على إقامة ثلاث في مكة، بقوله: لأن المهاجرين رضي الله عنهم حرم عليهم الإقامة بمكة، ثم رخص لهم النبي أن يقيموا بمكة ثلاثاً بقوله: ((يمكث المهاجر ... الحديث)) اهـ 2/46، وذلك كما ذكر المؤلف رحمه الله.