.
فهذا تصريح باعتبار أربعة برد في قصر الصلاة.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن ما ذكروه من خبر البرد الأربعة يعارضه خبر البريد على نعت المناقضة في لفظه، وخبرنا في الثلاث لم يعارضه ما يناقضه في لفظه فإذاً كان أرجح.
وأما ثانياً: فلأن خبر الثلاث أكثر فائدة فإنه دال على مدة القصر، ودال على وجوب المحرم في حق المرأة، وخبر البرد الأربعة ليس فيه دلالة إلا على البرد لا غير، فلما كان خبرنا أكثر فائدة كان راجحاً على غيره.
وما يحكى عن داود وطبقته من أهل الظاهر من أن القصر واجب في قليل السفر وكثيره وطويله وقصيره، فهو فاسد لأمرين:
أما أولاً: فلأن الإجماع منعقد على بطلانه؛ لأن أحداً من الأئمة لم يعتبر هذا الإعتبار بل لا بد فيه من التقدير إما بالأزمنة أو بالأمكنة على ما مر بيانه.
وأما ثانياً: فلأن الرسول قد كان يخرج إلى قُبا فتدركه الصلاة فلا يقصرها وبينه وبين المدينة مقدار فرسخ.
ومن وجه ثالث: وهو أن ما هذا حاله سير لا تلحق به المشقة، والقصر إنما شرع من أجل مشقة السفر. فيجب أن لا يتعلق به قصر كما لو سار في الحضر.
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول: وكل من أراد السفر فلا يجوز له القصر حتى يفارق موضع الإقامة. وهذا هو رأي أئمة العترة، ومحكي عن أبي حنيفة وأصحابه، والشافعي وأصحابه.
والحجة على هذا: قوله تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاَةِ.}[النساء:101]. ومن لا يفارق موضع الإقامة فليس ضارباً في الأرض.
وحكي عن عطاء والحرث بن ربيعة(1)
__________
(1) لعله الحارث بن أبي ربيعة، ويقال: ابن عياش بن أبي ربيعة، ذكره ابن حجر في (تهذيب التهذيب)2/125، وقال عنه: روى عن النبي مرسلاً، وعن عمر ومعاوية وعائشة وحفصة وأم سلمة، وعنه: سعيد بن جبير ومجاهد والزهري وغيرهم.
قال الزبير بن بكار: استعمله ابن الزبير على البصرة فرأى مكيالاً فقال: إن مكيالكم هذا لقباع. فلقبوه به، إلى أن قال ابن حجر: قلت: ذكره بعض من ألف في الصحابة، وذكره ابن معين في تابعي أهل مكة، وقال المبرد: القباع، بالتخفيف، الذي يخفي ما فيه، وذكره ابن حبان في ثقات التابعين.

: أنه يقصر إذا نوى السفر وإن لم يخرج عن بيوت القرية. وروي أن الحرث بن ربيعة أراد سفراً فصلى بهم المكتوبة ركعتين في منزله وفيهم الأسود بن يزيد وغيره من أصحاب عبدالله بن مسعود.
وحجتنا عليه: ما ذكرناه. وعن أبي سعيد الخدري: أن الرسول كان إذا خرج [إلى] السفر من المدينة قصر إذا سار فرسخاً.
وإذا وجبت المفارقة للوطن بالدليل الذي ذكرناه فبما تكون المفارقة؟ فيه مذاهب أربعة:
المذهب الأول: أن المفارقة إذا صار بحيث تتوارى عنه بيوت أهله. وهذا هو رأي الهادي. وحمله السيدان الأخوان على أن المراد تفاصيل البيوت دون أعلامها لأن جملة البيوت والدور قد ترى من بريد وأكثر، وقدره الهادي.ميلاً أو نحوه.
والحجة على هذا: ما روى أبو سعيد الخدري عن الرسول : أنه كان إذا خرج من المدينة سار فرسخاً ثم قصر.
المذهب الثاني: أن المسافر يقصر إذا جاوز عمران البلد. وهذا هو رأي المؤيد بالله، ومحكي عن الشافعي.
والحجة على هذا: ما روى أنس بن مالك أنه قال: صليت مع رسول اللّه الظهر في المدينة أربعاً والعصر في ذي الحليفة ركعتين، فظاهره دال على أن المفارقة معتبرة، والعرف دال على أن المفارقة حاصلة بما ذكرناه لأن الضرب مطلق فلهذا حمل على العرف بما ذكرناه.
المذهب الثالث: أنه يقصر إذا جاوز باب المصر. وهذا هو المحكي عن أبي حنيفة وأصحابه.
والحجة على هذا: هو أن المصر إذا كان له سور فما لم يفارق السور فهو في موضعه ومستوطنه فلا عبرة إلا بمفارقة السور وما يجري مجراه في القرى والدروب والمحال.
المذهب الرابع: أن المسافر لا يحصل له القصر إذا سار نهاراً حتى يمسي، وإذا سار ليلاً حتى يصبح. وهذا هو المحكي عن مجاهد.
والحجة على هذا: هو أن المفارقة للوطن لا تحصل على الحقيقة إلا بإستغراق أحد طرفي النهار، فإذا خرج نهاراً انقطع وطنه بالمساء، وإن خرج ليلاً انقطع وطنه بالإصباح. فهذه المذاهب المذكورة في اعتبار المفارقة.

والمختار: أن الأمر في ذلك قريب وربما يقال: إن مذهب الهادي بتقدير الميل أرجح لأنه محل اتفاق وما عداه وقع فيه الخلاف، وهذا جيد خلا أنه يبقى فيه نظر بتقدير صوره وهو أن المسافر إذا أراد السفر وصلى الظهر في بلده ثم خرج من بلده ولم يبق من الوقت إلا ما يتسع لصلاة العصر، فإن راعينا بلوغ الميل فاتت الصلاة، وإن صلى قبل بلوغ الميل فهل يقصر أو يتم الصلاة؟ فإن قصر فقد قصر قبل بلوغ الميل، وإن أتم فقد فارق عمران البلد، فإذن الأولى الضبط بمفارقة العمران كما أشار إليه المؤيد بالله، ولهذا قال: يقصر المسافر إذا جاوز عمران بلده، وكذلك يقصر في رجوعه إلى وطنه إلى أن يبلغ عمران بلده.
والحجة على هذا: وجهان:
أحدهما: ما روى علي بن ربيعة(1)
__________
(1) جاء في تهذيب التهذيب 7/281 ما ملخصه: علي بن ربيعة بن نضلة الوالبي الأسدي، ويقال: البجلي، أبو المغيرة الكوفي، روى عن علي بن أبي طالب والمغيرة بن شعبة وسلمان وابن عمر، وأسماء بن الحكم الفزاري، وسمة بن جندب، وغيرهم.
وعنه: الحكم بن عتيبة وسعيد بن عبيد الطائي، وأبو إسحاق السبيعي، وأبو السفر الهمداني، والمنهال بن عمرو، وآخرون.
قال ابن المغيرة والنسائي: ثقة، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، قال: وعلي بن ربيعة هو الذي روى عنه العلاء بن صالح، وقال فيه البجلي: له في الصحيحين حديث عن المغير: ((من كذب علي)).
قلت: فرق البخاري بينه وبين البجلي الذي روى عن العلاء بن صالح، وجزم أبو حاتم بأنهما واحد، حكاه ابنه عنه، وصنيع الخطيب يقتضي أنه وافقه فإنه ذكر في المتفق علي بن ربيعة أربعة، فبدأ الوالبي ثم البصري ثم القرشي ثم البيروتي ولم يفرد البجلي، فالظاهر أنهما عنده واحد، لكنه لم ينبه عليه في كتاب أوهام الجمع والتفريق الذي جمع فيه أوهام البخاري في التأريخ وعمدته كلام أبي حاتم، وقد يخالفه فسبحان من لا يسهو، وقال ابن سعد: كان ثقة معروفاً، وقال العجلي: كوفي تابعي ثقة، ووثقه ابن نمير وغيره. ولم تذكر المصادر المتاحة تأريخ وفاته.

أنه قال: خرجت مع علي بن أبي طالب كرم الله وجهه فقصر ونحن نرى البيوت، ومثل هذا لا يفعله إلا عن توقيف من جهة الرسول لأن الباب باب عبادة لا مجرى للإجتهاد فيه، وفيه دلالة على أنه إنما قصر من أجل مفارقة البنيان.
وثانيهما: أن الله تعالى علق القصر بالضرب في الأرض وهو مطلق فلا بد من حمله على ما يطرد في العادات ويكثر جريه في العرف وليس ذلك إلا مفارقة الوطن ومباينة العمرانات وهذا هو المقصود. فإذا تقرر هذا فاعلم أن المدينة والمصر إذا كان لهما سور، فالقصر من مجاوزة السور، وإن لم يكن هناك سور، كان القصر من مجاوزة العمران. والبساتين ليست من عمران البلد لانفصالها عن البلدة واستقلالها بأنفسها، وهكذا حال المصلى(1)
فإنه ليس من حد العمران لانفصاله.
الانتصار: يكون بالجواب عما خالفه.
قالوا: يجب القصر إذا صار بحيث يتوارى عن البيوت. كما حكي عن الهادي.
قلنا: الأمر في ذلك قريب لكن الضبط بمجاوزة العمران أحسن وأحصر؛ لأن التعويل إنما هو على الانفصال عن البلد، فضبطه بمجاوزة ما عمر من البلد أحق وأولى.
قالوا: يقصر إذا جاوز سور البلد كما حكي عن أبي حنيفة و أحصابه.
قلنا: هذا سديد فيما له سور، وما ليس له سور فبأي شيء يضبط؟ فيجب أن يضبط بما يعم ما له سور وما ليس له سور كما أشرنا إليه من مجاوزة العمران.
قالوا: المسافر لا يحصل له القصر إذا مشى ليلاً إلاَّ بالصباح وإذا مشى نهاراً إلا بالمساء كما حكي عن مجاهد.
قلنا: هذا لا وجه له، فإن الله تعالى يقول: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ}. ولم يشترط صباحاً ولا مساءً، وفي هذا دلالة على عدم اعتباره.
وقد أفسدنا ما قاله عطاء حيث قال: يكون مسافراً بالنية من غير انفصال عن بلده فأغنى عن تكريره.
__________
(1) يقصد مصلَّى أو جبانة صلاة العيد.

الفرع الثاني: وإذا كان بقرب البلد آثار دور وبيوت قد خربت وكانت خالية عن السكنى خلا أن الجدران قائمة فإنه لا يقصر حتى يفارقها لأن السكنى فيها ممكن وربما ترجى فيها العودة لأهلها فصارت كالعمران، فإن تهدمت وذهبت قواعدها وجدرانها جاز القصر قبل مفارقتها لأنها لا تسكن فصارت كالصحارى.
وإن كانت حيطان البساتين متصلة بحيطان البلد فإنه يقصر إذا جاوز حيطان البلد، وإن لم يفارق حيطان البساتين لأنها ليست مبنية للسكنى وإنما تراد الحيطان لحفظ ما وراءها لا غير.
وإن كان في وسط البلد نهر يجري مثل بغداد وكان يشق البلد نصفين فإذا أراد الرجل سفراً يجتاز إلى الجانب الآخر لم يجز له أن يقصر حتى يفارق بنيان الجانب الآخر لأن النهر أو الماء ليس حائلاً، ألا ترى أنه لو كان في وسط البلد عرصة واسعة تكون ميداناً للخيل أو مضحى للغنم أو فسحة لضرب الكرة أو غير ذلك من المنافع فإنه لا يقصر حتى يفارقها(1).
فالنهر أحق بذلك، فلهذا لم يكن له القصر حتى يجاوزه(2).
وإن كان هناك قريتان فاتصل البناء بينهما حتى صارتا قرية واحدة فإنه لا يقصر حتى يفارق جميعهما لأنهما صارتا في حكم القرية الواحدة بالإتصال، وإن كان بينهما فضاء، قصر إذا فارق القرية التي هو ساكن فيها لأجل ما بينهما من الحائل.
وإن خرج من عمران بلده فله أن يقصر الصلاة لحصول سببب القصر وهو العزم على السفر فإن ذكر أنه نسي حاجة في بيته فعاد لها وحضر وقت الصلاة وهو في بيته لم يكن له أن يقصر لأنه لم يجاوز موضع الإقامة، وإن فارق العمران ثم أحدث وعاد إلى العمران للوضوء لم يكن له قصر الصلاة في العمران، فإذا فارق العمران أستأنفها قصراً.
__________
(1) واضح أنه يريد مفارقة البلد وليس العرصة أو مضحى الغنم.
(2) أي يجاوز بنيان الجانب الآخر الذي اجتاز النهر إليه بقصد السفر.

وإن خرج من عمران بلده وصار في موضع آخر ينتظر القافلة فإن نوى أنه ينتظرها وهو على عزم السفر، خرجت القافلة أو لم تخرج، فإنه يقصر الصلاة لأنه قد قطع على السفر بنيته، وإن كان عزمه أنه لا يسافر حتى تخرج القافلة فإن لم تخرج لم يعزم على السفر، فإنه لا يقصر لأنه لم يقطع على السفر كما لو كان واقفاً في بلده.
الفرع الثالث: فأما أهل الخيام من أحياء العرب والذين لا سكنى لهم إلا فيها ولا يستقرون إلا بمصاحبتها فإنهم إذا أرادوا السفر لا يقصرون إلا بمفارقتها فإن كانت مجتمعة فلا قصر إلا بمفارقة جميعها، وإن كانت متفرقة في الأماكن المرتفعة وغضون الأودية وحيث تكون منافعهم فإن كل واحد منهم يقصر بمفارقة ما في جانبه لأنها لهم بمنزلة الدور والقرى لأهل الأمصار والمدن فهكذا يكون حكمهم حكم أهل القرى في المفارقة لمن هو ساكن فيها. وأما أهل الخيام التي ليست لهم سكنى وإنما يستصحبونها في الأسفار من أجل المطر والشمس واستعمالها للراحة والظلال تحتها كالملوك والأمراء، فإن قصرهم للصلاة يكون من حين انفصالهم عن عمران الدور والبيوت.
وهكذا حال أهل تهامة في اتخاذهم البيوت من سعف النخل والجريد والأثل فإنها إذا كانت مجتمعة فإن القصر يكون بمفارقة جميعها لأنها في حكم القرية الواحدة في عمرانها، وإن كانت متفرقة في أماكن متباعدة فقصر الصلاة يكون إذا انفصل عن الخيمة والبيت المبني من الجريد والسعف لأنها بمنزلة القرى في السكنى والإنتفاع.

وهكذا حال هذه الأكنان والجروف في الجبال فإنها صارت مساكن لأقوام ما لهم سكنى إلا فيها، فالقصر فيها يكون من حين مجاوزتها لأنها لهم بمنزلة العمران في المدن والقرى. والله تعالى قد امتن عليهم بهذه المساكن كلها بقوله: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلاَلاً}[النحل:81]. أراد: ظلال المجالس والقصور والرواشن والأجنحة وظلال الأشجار وغير ذلك مما يظل من الشمس والرياح ويقي من أذيتهما {وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَاناً}[النحل:81]. أراد به: الجروف فإن فيها راحة لأهل البداوة لهم في أنفسهم وللأنعام خاصة في أيام البرد فإنهم يقصدونها من أجل ذلك. {وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الأَنْعَامِ بُيُوتاً}[النحل:80]. أراد به: أهل الخيام بتهامة فإنهم يجعلونها من جلود الأنعام تقي من المطر والحر والبرد، وأما أهل اليمن فيجعلونها من شعر المعز، وأما الملوك فإنهم يجعلونها من نبات القطن، وهي تنزل منزلة الدور في القرى والأمصار.
الفرع الرابع: ولا يجوز القصر إلا بوجود أمرين:
الأول منهما: نية القصر. وقال أبو حنيفة: إن القصر عزيمة لا تفتقر إلى النية.
والحجة على ما قلنا: قوله : ((الأعمال بالنيات ولكل امرء ما نوى)). ولأن القصر حكم يختص الصلاة فيجب فيه اعتبار النية كنية كونها ظهراً أو عصراً أو قضاءً.
وإذا قلنا: بأنه لا بد من وجود النية، فهل تكون مختصة بأول الصلاة أو تكون في أثنائها؟
فالذي يأتي على المذهب: أنها لا بد من أن تكون مقارنة لأول الصلاة. وحكي عن المزني أنها تجزي ولو كانت في أثناء الصلاة.
والحجة على ما قلناه: هو أن كل نية افتقرت إليها الصلاة كان محلها عند الإحرام، دليله نية الصلاة.
الأمر الثاني: الخروج من العمران كما مر تقريره.
وإن ترك المسافر القصر وأتم الصلاة، فهل تكون مجزية له أم لا؟ فيه مذهبان:

المذهب الأول: أنها غير مجزية له. وهذا هو رأي من قال: إن القصر عزيمة واجبة كما هو محكي عن القاسم والهادي والمؤيد بالله، ومحكي عن علي، وعمر من الصحابة، ومن الفقهاء مالك وأبي حنيفة.
والحجة على هذا: هو أنه فرضه فلا تجوز مخالفة فرضه، كما لو قصر الصلاة في حال الإقامة.
المذهب الثاني: أنه يجزيه الإتمام. وهذا هو رأي من قال: إن القصر رخصة، فإذا أتم فلا حرج عليه في الإتمام كما لو صام في السفر كان مجزياً له.
والحجة على هذا: قوله تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ}[النساء:101]. وهذه اللفظة(1)
موضوعة في كلام العرب للإباحة ورفع الحرج، وإذا كان الأمر كما قلناه، فإذا أتى بالأصل كان مجزياً له.
والمختار: أنه إذا أتم الصلاة كانت مجزية له لما روي عن عائشة قالت: كان رسول اللّه يقصر في السفر ويتم.
__________
(1) يقصد كلمة ((جناح))، وقد سبق أن استدل المؤلف بأنها في اللغة تعني الإباحة ورفع الحرج، وأورد من الأدلة الشرعية عدداً من الآيات الكريمة تأكيداً لما ذهب إليه، إلا أنه ربما أمكن القول بأن ذلك يمثل قاعدة تشمل كل ما وردت فيه كلمة ((جناح)) أنها للإباحة ورفع الحرج. بل هناك آيات جاءت الكلمة فيها للوجوب، مثل قوله تعالى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ الله فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} هذا بالإضافة إلى أن بعض الفقهاء والمفسرين استدلوا بالآية الكريمة {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ} الآية على صلاة المسايفة لا على صلاة السفر، ولذا تلتها الآية بصفة صلاة المسايفة {وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ} الآية، ولأنهم اعتبروا أن صلاة السفر ليست قصراً لأن أصل الصلاة مثنى مثنى، بينما قصر الصلاة في صلاة المسايفة تتحقق فيه صفة القصر بركعة واحدة خلف الإمام بدلاً من ركعتين. والله أعلم.

وروي عن أنس بن مالك أنه قال: كنا نسافر مع رسول اللّه فمنا المفطر ومنا المتم للصلاة، فلم يعب المتم على القاصر، ولا القاصر على المتم، ولا المفطر على الصائم، ولا الصائم على المفطر.
الفرع الخامس: وإذا قلنا: بأن القصر رخصة فهل يكون الإتمام أفضل أم القصر؟ فيه للقائلين بالرخصة ثلاثة مذاهب:
المذهب الأول: أن الإتمام أفضل لأن الأصل هو الإتمام والقصر بدل عنه فلهذا كان أفضل كالصوم في السفر، ولأن الإتمام أكثر عملاً وأكثر ثواباً فلهذا كان هو الأفضل.
المذهب الثاني: أن القصر هو الأفضل.
ووجهه: ما روي عن الرسول أنه قال: ((خير عباد الله الذين إذا سافروا قصروا))(1).
ولما روي عن الرسول : أنه كان يداوم على القصر في أسفاره ولا يداوم على الإتمام وليس يداوم إلا على الأفضل، ولأنه إذا قصر سقط عنه الفرض بالإجماع، وإن أتمَّ فالعلماء مختلفون في إجزائه.
المذهب الثالث: أن القصر والإتمام سواء.
ووجهه: هو أن كل واحد من القصر والإتمام مختص بفضل، قد دل عليه الشرع فلهذا كانا مستويين في الفضل.
والمختار: أن الإتمام أفضل لأن القصر عارض لأجل السفر والأصل هو الإتمام فلهذا كانت المعاودة إلى الأصل هي الأفضل.
ومن وجه آخر: وهو أن السبب في الوجوب للأربع قائم وإنما عرضت إباحة النقصان للركعتين رحمة ولطفاً بالمسافر فلهذا كان تحمل المشقة بالإتمام أفضل.
ومن وجه ثالث: وهو أنها عبادة رخص الشرع فيها فلهذا كان البقاء على الأصل هو الأفضل كالصوم في السفر.
الانتصار: يكون بالجواب عما خالفه.
قالوا: روي عن الرسول أنه قال: ((خيار عباد الله الذين إذا سافروا أفطروا)). وهو محكي عن مالك وأحمد بن حنبل.
قلنا: عن هذا جوابان:
__________
(1) أورده في (بلوغ المرام) عن جابر بزيادة: ((... وأفطروا)) وقال: أخرجه الطبراني في الأوسط بإسناد ضعيف. اهـ ص 76، وهو في مسند الشافعي 1/25، ومصنف عبد الرزاق 2/566 بلفظ: ((خياركم...)).

أما أولاً: فلأن ما ذكروه كلام في الإفطار وكلامنا إنما هو في القصر.
وأما ثانياً: فلأن مشقة الصوم في السفر كثيرة من أجل الجوع والعطش بخلاف الإتمام ولهذا ورد الثناء على من أفطر لأجل المشقة.
قالوا: روي أن الرسول كان يداوم على القصر ولو كان الإتمام أفضل لما داوم عليه لأنه لا يداوم إلا على الأفضل.
قلنا: لم يداوم عليه لفضله ولكن مداومته عليه ليعرف الناس لطف الله بالخلق في التسهيل لهم في أحوال العبادات والتخفيف عليهم فيها.
قالوا: ولأنه إذا قصر سقط الفرض بالإجماع وإذا أتمَّ فالخلاف واقع في الإجزاء، وما وقع الإجماع على صحته فهو أفضل.
قلنا: إنما وقع الإجماع على كون الإتمام غير مجزٍ لمَّا اعتقدوا وجوب القصر وكونه عزيمة فأما لو اعتقدوا كونه رخصة مثل ما ذهبنا إليه لقالوا إن الإتمام مجزٍ لا محالة.
الفرع السادس: وإذا كان للبلد الذي يقصده طريقان تقصر الصلاة في أحدهما دون الآخر[وسافر من الطريق الأطول] نظرت، فإن كان لغرض صحيح في السفر من واجب أو طاعة أو مباح فله أن يقصر الصلاة لأنه يسافر لمعنى جائز تقصر الصلاة لأجله، وإن كان السفر لا لغرض ولكن من أجل قصر الصلاة فهل يقصر أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: المنع من القصر، وهذا هو المذكور للمذهب وأحد قولي الشافعي، واختيار المروزي من أصحابه.
والحجة على هذا: أنه طَوَّل الطريق على نفسه لا لغرض فأشبه ما إذا مشى في الطريق القصير طولاً وعرضاً حتى طال.
المذهب الثاني: جواز القصر. وهذا هو المحكي عن أبي حنيفة، وأحد قولي الشافعي واختيار أبي حامد الإسفرائيني من أصحابه، وهو اختيار السيد أحمد الأزرقي(1)
__________
(1) أحمد بن محمد الأزرقي، ذكره القاضي أحمد بن عبد الله الجنداري في تراجم رجال الأزهار 3/6 وقال عنه: السيد الإمام الهدوي، هذا السيد ممن له اليد الطولى في الفقه وتخريج المذاهب.
قال في (المستطاب): هو اليمني صاحب جامع الخلاف، شيخ مطهر بن كثير، واعْتُرِض عليه بأن هذا ليس ذاك، وأن الأزرقي من أئمة الجيل والديلم، قام وادعا وتلقب بالمنتقم لله، فيُنْظر. انتهى بلفظه.

249 / 279
ع
En
A+
A-