فأماما يحكى عن الإمام المؤيد بالله من أن قول الناصر قول قد سبقه الإجماع فوجب سقوطه لأنه غير محفوظ عن أحد من العلماء المتقدمين مع كثرة خلافهم في مسائل القصر، فعنه أجوبة أربعة:
الجواب الأول: أنا نقول: إن الآية مصرحة باعتبار الخوف في العمل على الرخصة في القصر في مدة السفر فلأي شيء أعرضت الأمة عن ظاهر الآية وما حملهم على اطراحه وإبطاله وهم محجوجون بظاهرها على اعتبار الخوف ولا يمكن حملهم على الإستهانة فهم منزهون عن ذلك، فإذن لا وجه لإعراضهم عما دلت عليه الآية من اعتبار الخوف فأي حرج على من اعتمد ظاهر الآية وعمل عليه، هذا لا مانع منه.
الجواب الثاني: أنا نقول: إنما يبطل كلام الناصر لو صرحت الأمة ببطلان العمل على الخوف في القصر في السفر، فأما إذا لم يصرحوا ببطلان اعتبار الخوف لم يكن الناصر خارقاً للإجماع إذا قال به وعول عليه.
الجواب الثالث: أن العلماء من الصدر الأول إلى يومنا هذا ما زالوا في العُصُرِ الخالية والآماد المتمادية مكبين على استنباط الأحكام الشرعية من الكتاب والسنة غضة طرية في كل وقت وفي كل أوان من غير نكير، وكل واحد منهم يستنبط خلاف ما يستنبطه الآخر، وإذا كان الأمر كما قلناه فأي حرج على الناصر إذا استنبط حكماً دل عليه الكتاب بظاهره فكيف يقال: في أنه في استنباطه لما استنبطه مخالف للإجماع.
الجواب الرابع: هل قال أحد بهذه المقالة قبل الناصر أم لا؟ فإن كان قد سبقه أحد من العلماء بهذه المقالة فكيف يقال: بأنه غير محفوظ عن غيره من العلماء وقد قيل به، وإن لم يقل به أحد من العلماء قبله فكيف يقال بأنه خارق للإجماع ولم يتحدثوا في المسألة ولا كان لهم فيها قول،و إنما يكون خرقاً لو قال قولاً قد صرحوا ببطلانه وفساده، فأما إذا لم يكن لهم قول في المسألة فلا وجه لكونه خارقاً لإجماعهم.
فحصل من مجموع ما ذكرناه أن الناصر ليس خارقاً للإجماع بمقالته هذه، وأن الرخصة بالقصر في السفر حاصلة في الأمن والخوف كما أوضحناه.
الفرع الرابع: السفر في المعصية. نحو المسافرة لقطع الطرقات والسرقة والظلم وقتل النفس بغير حق ومحاربة الإمام ونهب المسلمين إلى غير ذلك من أنواع المعاصي، هل يجوز القصر في مثل هذه الأسفار أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أن القصر جائز في مثل هذه الأسفار، وهذا هو رأي الإمامين الهادي والقاسم، ومحكي عن أبي حنيفة حتى قال أبو حنيفة: يجوز للمسافر أن يترخص بجميع الرخص حتى قال: لو خرج مع الحاج ليسرقهم ولا ينوي حجاً ولا عمرة جاز له أن يترخص. وهو محكي عن الأوزاعي والثوري والمزني من أصحاب الشافعي.
والحجة على هذا: قوله تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ على سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ}[البقرة:184].
ووجه الدلالة من الآية: هو أن الله تعالى أباح للمسافر الإفطار ولم يفصل بين أن يكون السفر طاعة أو معصية في جواز الرخصة بالإفطار فهكذا حال القصر لأن أحداً لم يفصل بينهما.
الحجة الثانية: قوله : ((إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة )). ولم يفصل في ذلك بين أن يكون سفره في طاعة أو معصية، وفي هذا دلالة على ما قلناه.
المذهب الثاني: أنه لا يجوز الترخص بالقصر في سفر المعصية. وهذا هو رأي الناصر، ومحكي عن الشافعي.
والحجة على هذا: قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} إلى قوله: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ}[الأنعام:145].
قال ابن عباس في تفسيرها: غير باغ على المسلمين ولا عاد عليهم بسيفه.
الحجة الثانية: هو أن الترخص برخص السفر في قصر الصلاة وغيره يكون إعانة على المعصية، ومثل هذا غير جائز في الحكمة.
والمختار: أن رخص السفر لا تجوز في المعصية كما قاله الناصر والشافعي.
وحجتهم: ما ذكرناه.
ونزيد هاهنا تقوية لما قالوه، وهو محكي عن جعفر الصادق، وحاصله: أن الرخص إنما شرعت من أجل التسهيل والتيسير على فاعلها، وهي مأخوذة من فعل الرسول أو من قوله، فأما فعله فهو حسن بكل حال لا يدخله قبيح لأنه معصوم عن الخطأ فأدنى أفعاله الحسن لا محالة، وإن كانت مأخوذة من قوله فهو لا ينطق عن الهوى ولا يأمر إلا بما له صفة زائدة على فعله من الواجب والمندوب، ولا شك أن الأمر بالرخصة في المعصية فيه إعانة على فعل القبيح وتيسير لحاله ولا يليق ذلك بمن هو معصوم عن كل خطأ.
ويؤيد ما ذكرناه ويوضحه: قوله : ((من سن سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة ، ومن سن سنة سيئة كان عليه إثمها وإثم من عمل بها إلى يوم القيامة)) (1).
ولا شك أن كل من أعان على المعصية فقد سن سنة سيئة.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا:قوله تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ على سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ }[البقرة:184] وإذا جاز الإفطار جاز القصر؛ لأن الرخصة فيهما واحدة ولم يفصل بين الطاعة والمعصية.
قلنا: ترك الاستفصال لا يدل على الإندراج وليس هناك لفظ يدل على العموم يشمل الطاعة والمعصية.
ومن وجه آخر: وهو أن ما ذكروه معارض بما أوردناه من الأدلة وهي راحجة على ما يخالفها من جهة أنها مطابقة لمقتضى الحكمة في أن الله تعالى لا يعين على معصية، وموافقة لمقتضى الأدلة الشرعية في أن صاحب الشريعة لا يأمر بالإعانة على معصية فلأجل هذا وجب العمل عليها.
قالوا: إن الله تعالى وضع عن المسافر نصف الصلاة ولم يفصل بين أن يكون السفر في طاعة أو معصية.
__________
(1) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه 2/350، وأحمد في مسنده 4/361، وهو في شرح النووي على صحيح مسلم 16/226.
قلنا: إنا لا ننكر الوضع عن المسافر رحمة من الله ولطفاً به، ولهذا قال : ((لو يعلم الناس ما للمسافر من اللطف لأصبح الناس كلهم على سفر ))(1)
ولكنه يخصه بسفر الطاعة ليكون ملائماً للأدلة العقلية والشرعية ومطابقاً للحكمة، كما مر تقريره.
الفرع الخامس: سفر الطاعة هل تجوز الرخصة فيه نحو زيارة الوالدين وزيارة الأئمة والعلماء وحج التطوع، وغير ذلك مما ليس واجباً وإنما هو طاعة أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أن الرخصة جائزة على قول من يقول بكونه رخصة، وعلى رأي من يقول هو عزيمة في جميع الطاعات، وهذا هو رأي أئمة العترة، ومحكي عن أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين.
والحجة على هذا: ما روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: فرض الله الصلاة على لسان نبيكم ركعتين ركعتين وفي الحضر أربعاً. ولم يفصل بين سفر الواجب وسفر الطاعة مما ليس واجباً.
المذهب الثاني: أن القصر في الصلاة إنما يكون في السفر الواجب لا غير. وهذا شيء يحكى عن ابن مسعود.
والحجة على هذا: قوله تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ }[النساء:101]. وليس الضرب في أيام الرسول إلا بالجهاد والغزو إلى بلاد الشرك والجهاد لمن كفر به.
والمختار: ما عول عليه الأكثر من أهل العلم من جواز القصر في سفر الطاعة، وإن لم يكن واجباً.
وحجتهم: ما ذكرناه.
ونزيد هاهنا: وهو أن ظاهر الأدلة الشرعية دال على القصر في السفر من غير فصل بين كونه واجباً أو طاعة فلأجل هذا قضينا بجواز ذلك، وإن لم يكن السفر واجباً.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قوله: ما كان الضرب في أيام الرسول إلا في الجهاد الواجب فلهذا وجب حمل السفر عليه.
__________
(1) ورد الخبر في (الفردوس بمأثور الخطاب) 3/348 عن أبي هريرة، وفي التمهيد لابن عبد البر 22/36، وفي لسان الميزان 1/328، هذه الروايات جاءت بلفظ: ((لو يعلم الناس ما للمسافر لأصبح... الحديث)) بدون جملة ((من اللطف)).
قلنا: السفر مطلق فلا دليل على قصره على ما كان واجباً من الأسفار، والطاعة شاملة لأسفاره لأن تصرفاته ما كانت إلا طاعة واجبة ونفلاً.
الفرع السادس: السفر في الأمور المباحة. نحو السفر في طلب الأرباح وأنواع التجارات، هل يجوز القصر فيه أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: جواز القصر فيه. وهذا هو رأي أئمة العترة، ومحكي عن أكثر أهل العلم.
والحجة على هذا: قوله تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاَةِ}[النساء:101]. وهذا الضرب ليس مقصوراً على الطاعة وحدها بل كما يتعلق بالطاعة فهو متعلق بالمباح، لأن الحسن شامل للمباح والواجب والنفل فلا وجه لقصره على بعض المحسَّنات دون بعض.
المذهب الثاني: أن القصر في السفر لا يتعلق بالمباح. وهذا شيء يحكى عن عطاء.
وحجته على هذا: هو أن الخطاب بقوله: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ}. إنما هو للرسول وأصحابه ولم يكن ضربهم إلا فيما هو طاعة وقربة دون الأمور المباحة.
والمختار: ما عليه أكثر العلماء من العترة وغيرهم من جواز القصر في سفر الإباحة.
وحجتهم: ما ذكرناه.
ونزيد هاهنا: وهو أن المباح كالواجب والمندوب في كونه أموراً مُحَسَّنة ونحن إنما منعنا من القصر في المعصية لما كانت مجانبة لمقصود الشرع في كونها طاعة، فأما إذا كان السفر مباحاً فإنه مشارك في الواجب في كونه حسناً فلهذا جاز فيه القصر.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: الخطاب بقوله: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ}. إنما هو فيما كان فيه قربة، فأما الأمور المباحة فليس فيها قربة.
قلنا: المباح كالواجب والمندوب في كونها أموراً يشملها الحسن فإذا جاز القصر في أمور الطاعة جاز فيما كان حسناً من غير تفرقة بينهما وهو المطلوب.
قاعدة: حكى الناصر في كتابه (الكبير) عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه: أنه لا يجوز القصر لعشرة: المكاري والجمَّال والملاَّح والراعي والمتغرب منتجع الغيث يسعى في أثر مواقعه، والعبد الآبق والصياد والساعي في الأرض فساداً ورب الضياع يدور في ضياعه يعمرها، والسلطان يدور في سلطانه وعمله. وهذه الرواية صحيحة كما ذكره الناصر وبعضها على ظاهره وبعضها يفتقر إلى التأويل على ما تقتضيه الأصول.
فأما العبد الآبق عن سيده فليس له القصر لأن سفره معصية ما لم يتب ويرجع إلى مولاه.
وأما السلطان فإن كان جائراً ظالماً فليس له أن يترخص برخص اللّه. وإن أراد به الإمام المحق فإنه محمول على أنه يسير في بلاده دون مدة السفر كما سنوضحه.
وأما رب الضياع يدور في ضياعه فإنه لا يكون مسافراً على الحقيقة لأن كل موضع ينزل فيه فهو له وطن، ويجوز أن يحمل على من بين ضياعه دون مسافة السفر.
وأما الملاح والجمال والمكاري والراعي فإن هؤلاء يحمل أمرهم على أن مسيرهم فيما لا تقصر فيه الصلاة، وهكذا من ينتجع الغيث يحمل أمره على ما قلناه، وهكذا حال الصيادين يحمل أمرهم على أنهم يطلبون الصيد فيما دون مسافة السفر(1).
فهكذا ينبغي تأويل ما ذكره في كلامه هذا ليجري على الأصول المقررة.
__________
(1) يمكن القول هنا، بأن المبحث يفترض فيه أنه يتناول من يسافرون مسافة القصر ولا يجوز لهم القصر لأسباب استثنائية، فأما من سافر دون مسافة القصر كما قال المؤلف عن الصيادين والإمام المحق والملاح والجمال والمكاري والراعي ممن يحمل أمرهم على أن مسيرهم فيما لا تقصر فيه الصلاة، فلا يحتاج أمرهم إلى الاستثناء؛ لأن شأنهم شان من لا يسافر مسافة القصر، والمبحث موضوع لمزيد من النظر فيه، والله أعلم.
---
الفصل الثاني في بيان حد السفر الذي تقصر فيه الصلاة
اختلف العلماء في مدة القصر، فمنهم من اعتبره بالأمكنة، ومنهم من اعتبره بالأزمنة، ومنهم من قدره بالزمان والمكان جميعاً، ومنهم من لم يقدره بواحدة منها، فهذه مذاهب أربعة:
المذهب الأول: الذين قدروه بالمكان وفيه أقوال أربعة:
فالقول الأول: تقديره بالبريد. وهذا هو رأي الباقر والصادق وأحمد بن عيسى بن زيد، وهو رأي الهادي والقاسم.
والحجة على هذا: ما روى أبو هريرة عن الرسول أنه قال: ((لا تسافر المرأة بريداً إلا ومعها زوج أو ذو رحم))(1).
.. فجعل البريد سفراً.
الحجة الثانية: ما روي عن الرسول : أنه كان يقصر في خروجه من مكة إلى عرفات، وذلك مقدر بأربعة فراسخ وهو البريد.
قال القاسم: وكذلك يقصر أهل مكة في خروجهم إلى عرفات لأنه مقدر بالبريد.
القول الثاني: وهو إحدى الروايتين عن أبي حنيفة: أنه مقدر بثلاث مراحل وهي أربعة وعشرون فرسخاً.
القول الثالث: وهو إحدى الروايتين عن السيد المؤيد بالله: وهو أنه أحد وعشرون فرسخاً، فهذه أقوال من قدره بالأمكنة على ما قررناه.
القول الرابع: أنه مقدر بالأميال من الأمكنة، وهذا هو رأي الشافعي وعنه فيه روايات أربع:
الأولى: أنه ستة وأربعون ميلاً بالميل الهاشمي كل ميل إثنا عشر ألف قدم.
الرواية الثانية: ثمانية وأربعون ميلاً بالهاشمي.
الرواية الثالثة: أكثر من أربعين ميلاً.
الرواية الرابعة: أربعون ميلاً.
كل هذه الأميال بالميل الهاشمي الذي ذكرناه. فهذه أقوال من قدره بالأمكنة على ما قررناه.
المذهب الثاني: الذين قدروه بالأزمنة ثم فيه أقوال ثلاثة:
__________
(1) لفظه: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله : ((لا يحل لامرأة أن تسافر بريداً إلا ومعها ذو محرم منها)) أخرجه أبو داود.
القول الأول: الذين قدروه بالأيام الثلاثة. وهذا هو المحكي عن زيد بن علي ومحمد بن عبدالله النفس الزكية، ومروي عن الناصر وأبي عبدالله الداعي، وهو قول السيدين الأخوين أبي طالب والمؤيد بالله، وإحدى الروايتين عن أبي حنيفة، ومروي عن سفيان الثوري وأبي الحسن الكرخي، فهؤلاء يقدرونه بسير ثلاثة أيام السير المتوسط وهو سير الإبل ومشي الأقدام؛ لأن أسرع السير في اليوم الواحد للخيل عشرون فرسخاً، وسير الإبل ثمانية فراسخ في اليوم الواحد، وسير البقر أربعة فراسخ، وعلى هذا يكون ثلاثة أيام أربعة وعشرون فرسخاً.
القول الثاني: محكي عن الشافعي وله فيه ثلاث روايات:
الرواية الأولى: أنه يكون مسيرة ليلتين بسير الأثقال ودبيب الأقدام، يشير بذلك إلى سير الإبل ومشي الأقدام.
الرواية الثانية: مسيرة يومين.
الرواية الثالثة: مسيرة يوم وليلة.
القول الثالث: أنه مقدر باليوم الواحد. وهو المروي عن أنس بن مالك، والأوزاعي.
المذهب الثالث(1): محكي عن أهل الظاهر داود وطبقته.
فهذه مذاهب العلماء في حد القصر، وهي متداخلة كما ترى، وحاصل ما قاله أهل الظاهر: أنهم لا يعتبرون زماناً ولا مكاناً في تقدير مدة القصر لكن القصر يجب في قليل السفر وكثيره. وجملة الأمر أن المذاهب في حد القصر أربعة:
أولها: من يعتبر تقديره بالأمكنة كما حكيناه عن القاسمية فيقدرونه بالبريد.
وثانيها: من يعتبر تقديره بالأزمنة كما حكيناه عن المؤيد بالله والناصر وغيرهما، فيقدرونه بالأيام الثلاثة.
وثالثها: من يقدره بالأزمنة الليالي والأيام، وتارة بالأمكنة نحو الأميال والفراسخ كما حكيناه عن الشافعي.
__________
(1) هذا هو المذهب الرابع كما هو واضح مما قبله ومما بعده، والمذهب الثالث هو مذهب الشافعي الذي قدره بالأزمنة الليالي والأيام تارة والأمكنة نحو الأميال والفراسخ تارة أخرى، وقد انقسم هذا المذهب على المذهبين الأول والثاني، والله أعلم.
ورابعها: من لا يقدر فيه تقديراً بل قليله وكثيره يجب القصر فيه. وهذا هو المحكي عن أهل الظاهر.
والمختار في مدة القصر: هو العمل على الثلاث كما هو رأي الناصر والمؤيد بالله وغيرهما من علماء العترة.
والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أنه قال: ((لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر ثلاثة أيام إلا مع محرم.)).
ووجه الدلالة من الخبر: هو أنه علق الحكم بالثلاث، وإذا ثبت ذلك في سفر المرأة ثبت في القصر والإفطار لأن أحداً لم يفصل بينهما.
قالوا: روي عن الرسول أنه قال: ((لا تسافر المرأة يوماً أو يومين إلا مع محرم.))(1).
. وفي هذا بطلان تعليقه بالثلاث.
قلنا: المراد من الخبر هو أن السفر إذا زاد على ثلاثة أيام فلا يحل للمرأة أن تخرج من بيتها مسيرة يوم أو يومين إلا مع محرم.
الحجة الثانية: هو أن هذا نوع من المقدرات في العبادات فلا يجوز إثباته إلا بتوقيف من جهة الرسول وليس فيما دون الثلاث فلا يجوز جعله سفراً شرعياً، وإذا كان الأمر كما قلناه وجب التعويل على ما دل عليه الشرع وهو الثلاث فلا جرم وجب التعويل عليها.
__________
(1) أخرجه البخاري 1/400، ومسلم 2/976، وهو في صحيح ابن خزيمة 4/134 بألفاظ مختلفة، إذ ورد في الصحيحين بلفظ: ((.... مسيرة يومين إلا ومعها زوجها أو ذو محرم)) وفي (مجمع الزوائد) و (الأوسط) للطبراني: ((لا تسافر المرأة فوق يومين...)) وعلق عليه ابن بهران في (تخريج البحر) بقوله: هذه الرواية بهذا اللفظ غير معروفة عن النبي ، والله أعلم.
قالوا: روي عن الرسول أنه قال: ((لا تسافر المرأة يوماً إلا مع محرم)) وفي هذا بطلان تعليقه بالثلاث.
قلنا: المراد بالخبر هو أن السفر إذا زاد على ثلاثة أيام فلا يحل للمرأة أن تخرج من بيتها مسيرة يوم أو يومين إلا مع محرم، اهـ 2/43، وهذا نقله ابن بهران من كلام المؤلف في معرض الاحتجاج بالخبر كما ترى، والله أعلم.
وحكي عن الشيخ أبي جعفر: أن الناصر ذكر في كتابه الكبير: أنه لا يجوز القصر إلا في مسافة ثلاثة أيام بلياليها وهو السفر الشرعي، ولم أعلم أن أحداً من العلماء اعتبر الليالي مع الأيام في السير ولا دلت عليه دلالة ولعله أراد أن الليالي مضمومة إلى الأيام لا أنها معتبرة في مقدار السير في السفر بحال.
الانتصار: يكون بالجواب عما خالفه.
قالوا: روي عن النبي أنه قال: ((لا يحل لامرأة تسافر بريداً إلا مع محرم أو زوج.)). فجعل البريد تقديراً للسفر الشرعي. وفيه دلالة على ما اعتبرناه من البريد.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأنه محمول على أن البريد هو أول السير إلى تمام الثلاث لأنه مقدر بالبريد أوله وآخره.
وأما ثانياً: فلأن الخبرين قد تعارضا، وإذا تعارضا فلا بد من الترجيح وخبر الثلاث فيه الزيادة فيجب أن يكون مقبولاً أو يكون راجحاً على غيره مما لم يدل على الزيادة.
فأما ما حكي عن الشافعي من اختلاف أقواله في اعتبار مدة القصر بالأزمنة والأمكنة التي حكيناها عنه، فقد قال أصحابه: إن اختلاف أقواله كلها راجع إلى قول واحدٍ وهو اعتبار أربعة برد. فإلى هذا ترجع تلك الأقوال على اختلافها.
والجواب عما ذكروه، هو أن الخبر الذي رويناه في الدلالة على اعتبار الثلاث، هو دال بنطقه على ما قلناه، ودال بمفهومه على بطلان غيره من المذاهب، فلهذا وجب التعويل عليه.
قالوا: روى ابن عباس عن الرسول أنه قال: ((يا أهل مكة لا تقصروا في أقل من أربعة. برد من مكة إلى عسفان إلى الطائف))(1)
__________
(1) هذا الحديث اختلف الرواة حوله، فالبعض يرى أنه موقوف على ابن عباس، وفي تخريج البحر: ولفظه في (الجامع) عن مالك [أنه بلغه أن ابن عباس كان يقصر الصلاة في مثل ما بين مكة والطائف وما بين مكة وعسفان، وفي مثل ما بين مكة وجدة، قال مالك: وذلمك أربعة برد.
وأورد الخبر ابن حجر في بلوغ المرام بالرقم 347 عن ابن عباس بلفظ: ((لا تقصروا الصلاة في أقل من أربعة برد من مكة إلى عسفان)) ثم قال: رواه الدارقطني بإسناد ضعيف، والصحيح أنه موقوف، كذا أخرجه ابن خزيمة، اهـ ص 76، والخبر في (مجمع الزوائد) 2/157 و(الكبرى) للبيهقي 3/137 والدارقطني 1/387، و(المعجم الكبير) 11/96 وكلها بلفظ: ((يا أهل مكة لا تقصروا الصلاة في أدنى ... الحديث)).