---
كتاب صلاة السفر
والحجة عليه: الكتاب، والسنة، والإجماع.
أما الكتاب: فقوله تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاَةِ. إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا}[النساء:101].
وأما السنة: فقد روي عن الرسول أنه كان يقصر في أسفاره حاجاً وغازياً ومعتمراً، وروى يعلى بن مُنْيَة(1)
أنه سأل عمر بن الخطاب فقال له: قال الله تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا}[النساء:101]. وقد أمن الناس؟ فقال عمر: عجبت مما عجبت فسألت رسول اللّه فقال: ((صدقة تصدق الله بها على عباده فاقبلوا صدقته))(2)
__________
(1) يعلى بن أمية بن أبي عبيدة، واسمه: عبيد، ويقال: زيد بن همام بن الحارث ... إلى أن وصله بزيد مناة بن تميم، أبو خلف، ويقال: أبو خالد، ويقال: أبو صفوان، المكي، حليف قريش، وهو يعلى بن منية وهي أمه ويقال: جدته، روى عن النبي وعن عمر وعنبسة بن أبي سفيان، وعنه أولاده وموسى بن باذان وعطا ومجاهد وغيرهم.
قال ابن سعد: شهد الطائف وحنيناً وتبوك مع النبي ، وقال أبو أحمد الحاكم: كان عامل عمر بن الخطاب على نجران، وقال الدارقطني: منية- بضم الميم وسكون النون بعدها تحتانية مفتوحة- بنت الحارث بن جابر، أم العوام بن خويلد والد الزبير.
وقال زكريا بن إسحاق عن عمرو بن دينار: كان أول من أرخ الكتب يعلي بن أمية وهو باليمن.
وقال ابن عساكر: ذكره أبو حسان الزيادي في من قتل بصفين، قال الحافظ: وهذا لا أراه محفوظاً، استعمله عثمان على الجند فلما بلغه قتل عثمان اقبل لينصره فصحب الزبير وعائشة، ويقال: هو حمل عائشة على الجمل الذي كان تحته في وقعة الجمل. اهـ (تهذيب التهذيب) 11/350.
(2) أخرجه البيهقي في (الكبرى) 3/141، وأخرجه الستة إلاَّ البخاري والموطأ.
قال ابن بهران: وعن حارثة بن وهب قال: صلى بنا رسول الله ونحن أكثر ما كنا قط وآمنه بمنى ركعتين، هذه رواية البخاري ومسلم والترمذي، ولأبي داود والنسائي نحوه. اهـ. 2/41 تخريج البحر.

فثبت جواز القصر في الخوف في السفر بالكتاب، وثبت جواز القصر في الأمن في السفر بالسنة.
وأما الإجماع فهو منعقد من جهة الأمة على جواز قصر الصلاة في السفر.
هذا تمهيد الكتاب فإذا عرفت هذا فلنذكر حكم السفر وحَدِّه، وحكم الاستيطان . فهذه فصول ثلاثة:

---
الفصل الأول في بيان حكم السفر وما يتعلق به
إعلم أن القصر إنما يجوز في الصلوات الرباعية كالظهر والعصر والعشاء، فأما المغرب والفجر فلا يجوز القصر فيهما، والإجماع منعقد على ذلك من جهة الأمة، لما روت عائشة عن رسول اللّه أنه قال: ((فرضت الصلاة ركعتين ركعتين إلا المغرب ))(1).
وكان إذا سافر عاود الأصل، ويجوز قصر الصلاة في السفر في البحر كما يجوز في السفر في البر.
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول: الأسفار على أربعة أضرب: واجب، ومحظور، ومباح، وطاعة.
فالضرب الأول: الواجب، وهو ما كان في سفر الحج والعمرة الواجبتين، وما كان للجهاد في سبيل الله إذا تعين عليه، وهكذا حال الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام، ونحو المهاجرة من دار الفسق إلى دار الإسلام، إذا حمل على فعل قبيح أو إخلالٍ بواجب، أو أوجب عليهم الإمام الهجرة فإنها تجب الهجرة بأمره، فالقصر متوجه في هذه الأسفار إما رخصة أو عزيمة كما سنوضحه.
الضرب الثاني[المحظور، وهو]: سفر المعصية. وهذا نحو أن يسافر لقطع الطريق أو لقتل نفس بغير حق أو لحرب الإمام أو لشرب المسكر وإتيان الفاحشة في بلد آخر، فما هذا حاله هل يجوز فيه القصر أم لا؟ فيه تردد وخلاف بين العلماء نذكره.
الضرب الثالث: سفر الطاعة. وهذا نحو أن يسافر لزيارة الوالدين أو لزيارة الأئمة والعلماء والصالحين ونحو السفر بحجج التطوع أو غير ذلك من القرب والطاعات.
__________
(1) أورده في (مجمنع الزوائد) 2/154، و(الكبرى) للبيهقي 3/145،و أخرجه الستة إلاَّ الترمذي، واللفظ للصحيحين بلفظ: فرض الله الصلاة حين فرضها ركعتين، ثم أتمها في الحضر وأقرت صلاة السفر على الفريضة الأولى.
المحقق: والخبر هذا موقوف على عائشة كما هو واضح من لفظه.
وفي (بلوغ المرام) بزيادة: ثم هاجر ففرضت أربعاً وأقرت صلاة السفر على الأول، وزاد أحمد: إلاَّ المغرب فإنها وتر النهار، وإلاَّ الصبح فإنها تطول فيها القراءة. اهـ.

الضرب الرابع: السفر المباح. وهذا نحو أن يسافر لطلب الأرباح في أنواع التجارات. فهذان الضربان، أعني: سفر الطاعة، وسفر الإباحة، هل يجوز القصر فيهما أم لا؟ فيه تردد وخلاف بين العلماء.
والأحكام المتعلقة بالسفر ثلاثة: القصر للصلاة الرباعية، والإفطار في شهر رمضان، والجمع بين الصلاتين في أول وقت الأولى.
الفرع الثاني: السفر في الأمور الواجبة كالحج والعمرة الواجبين، والجهاد والهجرة إلى غير ذلك من الأمور المفروضة، هل يكون [القصر] رخصة أو عزيمة؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه عزيمة لا يجوز الإخلال به، وهذا هو رأي القاسمية من أئمة العترة، ومحكي عن زيد بن علي والباقر وأحمد بن عيسى، وهو رأي السيدين الأخوين أبي طالب، والمؤيد بالله، وهو قول أكثر العلماء، ومروي عن الإمامية.
والحجة على هذا: ما روى عروة بن الزبير عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: فرضت الصلاة ركعتين ركعتين في الحضر والسفر فأقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر ركعتين، ومثل هذا يجب أن يكون مسنداً إلى رسول اللّه لأن مثل هذا لا مجال للإجتهاد فيه ولا يصدر إلا عن توقيف من جهة الرسول.
الحجة الثانية: ما روى ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: فرض الله على لسان نبيكم الصلاة في الحضر أربعاً وفي السفر ركعتين(1).
الحجة الثالثة: ما روى عمر رضي الله عنه أنه قال: الجمعة ركعتان وصلاة السفر ركعتان إتمام غير قصر على لسان نبيكم. فهذه الأخبار كلها دالة بصريحها على كون القصر حتماً لازماً.
المذهب الثاني: أن فرض المقيم والمسافر سواء في كونه أربعاً لكن الشرع أسقط عن المسافر النصف رخصة وتخفيفاً عند إستكمال الشرائط كما سنوضحها، وهذا هو رأي الناصر، ومحكي عن الشافعي.
__________
(1) أخرجه ابن خزيمة في صحيحه 1/157، والبيهقي في (الكبرى) 1/186،و أحمد في مسنده 1/254.

والحجة على هذا: قوله تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا}[النساء:101].
ووجه الدلالة من الآية: هو أن هذه اللفظة، وهي رفع الجناح إنما تستعمل فيما هو مباح لا على جهة الفريضة فيما هو واجب وحتم كما في قوله تعالى: {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ }[البقرة:234] وقوله تعالى: {فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ}[النور:60].
وقوله تعالى: {لاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاء}[البقرة:236] وقوله تعالى: {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ }[البقرة:229] وقوله تعالى: {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً }[النساء:128]. وفي هذا دلالة على أن القصر رخصة لنص الآية على رفع الجناح فيه.
الحجة الثانية: ما روي عن عائشة: أنها أتمت في السفر فسألها رسول اللّه عنه فقال: ((أتممت ما قصرت وصمت ما أفطرت ))(1). فصوَّبها على فعلها. وقال لها: ((أحسنت)). فوجه الدلالة من الخبر هو أنه لو كان القصر عزيمة وحتماً لأنكر عليها الإتمام فلما صوَّبها دل على كونه رخصة.
والمختار: هو القول بكون القصر رخصة كما رواه الناصر والشافعي.
وحجتهما: ما ذكرناه.
__________
(1) في صيغة الحديث نظر، لأنه لم يستقم بها كما جاء في الأصل، ولعل الصواب ما أخرجه النسائي عن عائشة أنها قالت: اعتمرت مع رسول الله من المدينة إلى مكة، حتى إذا قدمت مكة قلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي، قصرت وأتممت وأفطرت وصمت، فقال: ((أحسنت يا عائشة)) وما عاب علي، اهـ من جواهر الأخبار، تخريج أحاديث البحر 2/42.

ونزيد هاهنا وهو أن فرض الصلاة كان بمكة في ليلة المعراج فإنها فرضت في الأصل خمسين صلاة على الرسول يوم عُرِجَ به فما زال موسى يرده ويقول: إن أمتك لا تطيق على هذا. حتى بقي خمسٌ من الخمسين في اليوم والليلة.
ووجه الدلالة من الخبر: هو أن الفرض كان أربعاً أربعاً في أول الأمر واستقر ذلك ثم خفف عن المسافرين بأن نقص من الفرض نصفه رحمة للمسافر ورفقاً به، ورخصة في حقه.
الحجة الثانية: حديث المواقيت وهو ما روى جابر وابن عباس عن الرسول أنه قال: ((صلى بي جبريل عند باب البيت الظهر أربعاً حين زالت الشمس، والعصر أربعاً حين صار ظل كل شيء مثله)).
فوجه الدلالة: أن الأصل في الصلاة المفروضة إنما هو الأربع لكن خفف الله في حق المسافر بأن قصر في حقه الصلاة.
الحجة الثالثة: ما روي عن الرسول : أنه كان في بعض أسفاره يصلي أربعاً وتارة يصلي ركعتين وفي هذا دلالة على أن القصر ليس حتماً وإنما هو رخصة.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا: روي عن عائشة: فرضت الصلاة ركعتين ركعتين في الحضر والسفر، فأقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فهذا مذهب لعائشة، فلا يلزمنا قبول مذهبها.
وأما ثانياً: فلأن فرض الصلاة كان قبل مولدها، فإن فرض الصلاة كان في مكة ولم يكن مسافراً، وفي هذا دلالة على أن أول الفرض كان أربعاً، فحديث عائشة لا يعارض ما ذكرناه من الخبر المشهور(1)
في فرض الصلاة أربعاً.
قالوا: روي عن ابن عباس أنه قال: فرض الله الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربعاً، وفي السفر ركعتين. فدل ذلك على كونه فرضاً وحتماً.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأنا نقول بموجبه، فإنه لا يجوز للمسافر ترك ركعتين إذا اختار أن يصليهما وهما فرضه.
__________
(1) المروي عن جابر وابن عباس والذي ذكره المؤلف قبل هذا في الحجة الثانية.

وأما ثانياً: فلأن هذا معارض بما ذكرناه من الأخبار التي رويناها، والعمل على ما روينا من الأخبار أرجح لأن مذهبنا دل عليه القرآن وهو مقطوع به بخلاف سائر الأخبار فإنه ليس مقطوعاً بأصلها، فلا جرم كان ما قلناه راجحاً.
قالوا: روي القصر في السفر عن علي وابن عباس وابن مسعود، وظاهره دال على كونه حتماً وعزيمة.
قلنا: كما روي القصر عن هؤلاء في السفر، فقد روي الإتمام عن عثمان وسعد بن أبي وقاص وعائشة، على أن المسألة اجتهادية فلا يلزمنا قبول اجتهادهم.
قالوا: روي عن الرسول أنه قال: ((إن الله وضع على المسافر شطر الصلاة )). أو قال: ((نصف الصلاة، ووضع الصوم))(1).
وفي هذا دلالة على أن الواجب ركعتان.
قلنا: فهذا يدل على ما نقوله من أن المسافر إن شاء أتى بركعتين، وإن شاء أتى بأربع ركعات كما أنه إن شاء أفطر، وإن شاء صام، وهذه هي حقيقة الرخصة ومعناها.
قالوا: إن الرسول صلى بمكة وسلم على ركعتين ثم قال: ((يا أهل مكة قوموا فأتموا فإنا قوم سفر ))(2).
وفي هذا دلالة على أن فرض المسافر ركعتان.
قلنا: إن في هذا دلالة على جواز القصر للمسافر لا أنه فرض حتم ونحن نقول به، ولهذا اختص الإسقاط للمسافرين دون المقيمين.
قالوا: إن فرض المسافر ركعتان فلا تجوز الزيادة عليهما كما لا تجوز الزيادة على الفجر والجمعة.
قلنا: أما صلاة الفجر فهي ركعتان للمقيم والمسافر فلا وجه للزيادة عليها لأنها حتم عليهما فلا تدخلها رخصة القصر.
__________
(1) أورده البيهقي في (الكبرى) 3/154، والنسائي 4/180، والطبراني في (الأوسط) 7/14، وفي (الكبير) 1/263.
(2) أخرجه البيهقي في (الكبرى) 3/126، وأبو داود 2/9، والموطأ 1/149، وعبد الرزاق في المصنف 2/540.

وأما صلاة الجمعة فإذا تمت شرائطها فهي ركعتان، وإن اختل شرط من شروطها فهي أربع فالركعتان عزيمتان والأربع عزائم أيضاً فلا تدخلها رخصة، وإنما هي بدل ومبدل كما مضى تقريره بخلاف صلاة السفر فليس بدلاً ولا مبدلاً وإنما هو موكول إلى خيرته إن شاء قَبِلَ الرخصة وإن شاء أتى بالفرض الكامل.
دقيقة: إعلم أن الرخص مشروعة من أجل التسهيل والتوسعة والترفيه على الخلق رحمة من الله تعالى ولطفاً بعباده، وهذا نحو أكل الميتة في المخمصة تداركاً لحشاشة النفس، ونحو التيمم عند إعواز الماء وعدمه، ونحو إساغة اللقمة بشرب المسكر خوفاً على النفس(1)
وغير ذلك من الرخص.
ومعنى الرخصة: هو أن يكون سبب التحريم باقياً والإباحة جارية فيه من جهة الشرع كما قلناه في أكل الميتة عند الضرورة والمخمصة، فإذا قام البرهان الشرعي على كون القصر رخصة فالإتمام لا محالة يكون أفضل، ولقد خرج رسول اللّه في شهر رمضان في بعض الغزوات وليس [في أصحابه] صائم غيره ويفطرون ولا ينكر عليهم إتيان الرخصة في حق نفوسهم، وربما أفطر فسحة للخلق على جهة الندرة ولشرع الرخصة في الفطر في السفر.
وإذا كان الصوم في السفر أفضل وإتمام الصلاة في السفر أفضل فهل يكون عاماً في سائر الرخص أو يكون ترك الرخصة أفضل أم لا؟ (2)
فيه تردد سنذكره في باب الإكراه بمعونة الله تعالى.
الفرع الثالث: وهل يعتبر الخوف في رخصة القصر أم لا؟ فيه مذهبان:
__________
(1) عند حدوث الشرقة للإنسان وهو يأكل وليس لديه ماء ولا ما يحل محله لإساغة اللقمة إلا المسكر.
(2) في العبارة تناقض وغموض، والصواب وكما هو واضح من قصد المؤلف هو: وإذا كان الصوم في السفر أفضل وإتمام الصلاة في السفر أفضل فهل يكون الأفضل في ترك الرخص عاماً في سائر الرخص أو يكون الأخذ بالرخصة أفضل.

المذهب الأول: أن الخوف غير معتبر وهذا هو رأي القاسمية، ومحكي عن السيد المؤيد بالله، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، والشافعي وأصحابه، وصار إليه جمهور الفقهاء.
والحجة على هذا: ما روى أمير المؤمنين كرم الله وجهه قال: كنا نصلي مع رسول اللّه في أسفارنا ركعتين ركعتين حتى يرجع، خائفاً كان أو آمناً، فما هذا حاله نص صريح في بطلان اشتراط الخوف في قصر الصلاة.
الحجة الثانية: ما روى عمران بن حصين أن الرسول أقام بمكة ثماني عشرة ليلة يصلي ركعتين ركعتين ويقول: ((يا أهل مكة قوموا فصلوا ركعتين أخريين فإنا قوم سفر)). ومعلوم أن الرسول لم يكن خائفاً في مكة وصرح رسول اللّه بأن الإعتبار في القصر إنما هو بالسفر لا غير من غير خوف.
الحجة الثالثة: ما روى أنس بن مالك قال: صليت مع رسول اللّه بالمدينة الظهر أربعاً والعصر بذي الحليفة ركعتين. والمعلوم من حاله أنه لم يكن خائفاً بذي الحليفة.
المذهب الثاني: أن الخوف معتبر في الترخص في قصر الصلاة، وهذا هو رأي الناصر ولا قائل به معه.
والحجة على هذا: قوله تعالى: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا }[النساء:101]. فصارت الرخصة في قصر الصلاة لا بد فيها من اعتبار أمور ثلاثة، أن تكون مدة السفر ثلاثة أيام، وأن يكون السفر طاعة، وأن يكون خائفاً فصار كأن الله تعالى قال: قد فرضت عليكم الصلاة أربعاً ثم إني رخصت لكم في ترك ركعتين إن كنتم مسافرين خائفين.

والمختار هاهنا: تفصيل نشير إليه، وهو أن القصر ثبت بالكتاب جواز الرخصة فيه مع الخوف، وأن القصر ثبت جوازه بالسنة في السفر مع الأمن، وإذا كان الأمر كما قلناه فالرخصة متعلقة في السفر بهما جميعاً، فإن خاف ترخص بالقصر في السفر بالخوف بالكتاب، وإن أمن ترخص بالقصر مع الأمن بالسنة، فيكون ما ذكرناه جمعاً بين الأدلة الشرعية من غير تناقض، ولا يقال بأن السنة ناسخة للقرآن؛ لأن القرآن لا ينسخ بالسنة لأن أصله مقطوع به، والسنة أصلها مظنون لنقلها بالآحاد. ولا يقال: أن القرآن ناسخ للسنة لتقدم نزول الآية على الأفعال والأخبار والناسخ لا يكون متقدماً على المنسوخ وإنما يكون متأخراً عنه ليكون مزيلاً له.
والحجة على هذا: هو أن الآية دالة على اعتبار الخوف فلا حاجة إلى إهماله واطِّراحه من غير دلالة، لا يقال: لو كان شرط الخوف معتبراً في رخصة القصر لوجب العمل على مفهومه فكان يلزم إبطال القصر مع الأمن اعتماداً على مفهوم الشرط وقد دلت السنة قولاً وفعلاً على اعتباره كما قررناه، لأنا نقول: نحن لا ننكر مفهوم الشرط فإنه قوي في الاعتبار، ولكنا نقول: إنما بطل اعتباره لأجل معارضة السنة له، فلو لم تدل السنة على اعتبار الأمن لكان في مفهوم الشرط ما يدل على بطلانه.
وأما السنة فهي دالة قولاً وفعلاً على اعتبار الأمن فلهذا قلنا به عملاً على الدليلين معاً. لا يقال: أن قوله تعالى: { فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ}[النساء:101]. فإنما هو محمول على قصر الأفعال مع الإمام لأجل الخوف دون قصر العدد في الركعات. لأنا نقول: هذا لا وجه له فإن السابق إلى الفهم من قصر الصلاة إنما هو قصر العدد دون قصر الأفعال فلهذا وجب حمله عليه.
ومن وجه آخر: وهو أن قصر الأفعال إنما هو حالة نادرة في بعض الأوقات فلا يجوز حمل الآية على الأمور النادرة.

247 / 279
ع
En
A+
A-