والحجة على هذا: قوله : ((من نام عن صلاة أو نسيها فوقتها حين يذكرها فإن ذلك وقتها)). ولم يفصل بين الفريضة والنافلة، وقد ينام عن الفريضة كما ينام عن النافلة.
والمختار: ما قاله أئمة العترة لأنها صلاة راتبة مؤقتة بوقت فلم تسقط بفوات الوقت إلى غير بدل كالفرائض.
فقولنا: راتبة مؤقتة بوقت. نحترز به من صلاة الكسوف والاستسقاء لأنها راتبة لكنها غير مؤقتة بوقت معين، فلهذا لم يستحب قضاؤها.
وقولنا: إلى غير بدل. نحترز به عن صلاة الجمعة فإنها صلاة راتبة مؤقتة بوقت لكنها إذا فاتت لم تقض لأنها تسقط إلى بدل هو الظهر.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا: صلاة نفلٍ فلا تقضى كصلاة الكسوف والاستسقاء.
قلنا: المعنى في الأصل أنها راتبة غير مؤقتة بوقت بخلاف هذه فإنها مؤقتة بوقت فافترقا فلهذا استحب قضاؤها.
الفرع الرابع: وإذا قلنا بإستحباب القضاء في هذه الرواتب، فهل يكون(1)
ضاؤها في الأوقات المكروهة أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: لا يجوز قضاؤها في الأوقات المكروهة الثلاثة، وهذا هو المختار للمذهب، وهو الذي حصله السيد أبو طالب.
والحجة على هذا: ما روي عن عقبة بن عامر أنه قال: ثلاثة أوقات نهانا رسول اللّه أن نصلي فيهن. ولم يفصل بين القضاء والأداء ولا بين الفريضة والنافلة.
المذهب الثاني: جواز قضائها في هذه الأوقات الثلاثة، وهذا هو المحكي عن الشافعي.
والحجة على هذا: قوله : ((من نام عن صلاة أو نسيها فوقتها حين يذكرها )). ولم يفصل بين وقت ووقت، وفي هذا دلالة على جواز أدائها في هذه الأوقات.
والمختار: هو المنع من قضائها في هذه الأوقات الثلاثة كما هو رأي أئمة العترة.
وحجتهم: ما ذكرناه.
__________
(1) يقصد: فهل يجوز.
ونزيد هاهنا وهو أن كل واحدٍ من هذين الحديثين عام وخاص فقوله: ((من نام عن صلاة أو نسيها )). فهذا خاص في الصلاة عام في الأوقات. وقوله: نهانا رسول اللّه عن ثلاثة أوقات. فهذا عام في الصلاة خاص في الأوقات، فكل واحد منهما عام فيما الثاني خاص فيه، وإذا كان الأمر هكذا كان خبرنا أرجح، لأنه حاظر، فلهذا كان بالعمل أحق وأولى لما ذكرناه.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: الخبر الذي رويناه دال على الجواز.
قلنا: قد قررنا تعارض الحديثين وأن العمل على المنع هو الأولى لما حققناه.
الفرع الخامس: وهل يجوز فعل هذه الرواتب في السفر وفعل سائر التطوعات كالنوافل المبتدأة أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: جواز ذلك. وهذا هو رأي أئمة العترة، ومحكي عن أبي حنيفة وأصحابه والشافعي وأصحابه.
والحجة على هذا: هو أن الرسول كان يتطوع في السفر ويأتي بهذه الرواتب كلها في حال سفره.
المذهب الثاني: المنع من ذلك. وهذا هو المحكي عن ابن عمر وعلي بن الحسين زين العابدين.
والحجة على هذا: هو أن السفر قد حصل فيه الرخصة في قصر الصلوات المكتوبة تخفيفاً على المسافرين، فإذا خففت الفرائض فالنوافل بالتخفيف أحق وأولى.
والمختار: ما عليه علماء العترة وهو مروي عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه وعمر وابن مسعود من الصحابة رضي الله عنهم، وحكي عن الحسن البصري أنه قال: كان أصحاب رسول اللّه يسافرون فيتطوعون قبل الفريضة وبعدها، وفي هذا دلالة على الجواز.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا: الفروض المكتوبة قد وقع فيها التخفيف فضلاً عن النوافل فهي أحق بالتخفيف.
قلنا: رخص السفر غير معقولة المعاني فلا يجوز القياس عليها.
ومن وجه آخر: وهو أن القياس لا يعارض الخبر، وقد روينا عن الرسول وأصحابه أنهم كانوا يتطوعون في الأسفار.
---
القسم الثاني: في بيان ما تسن فيه الجماعة من النوافل
وهذا نحو صلاة العيدين وصلاة الكسوف والاستسقاء، فإن هذه النوافل قد شرعت فيها الجماعة بإتفاق، والإجماع منعقد على ذلك. وهل تكون هذه النوافل أفضل من رواتب الصلوات المفروضة أو تكون الرواتب(1)
أفضل؟
فمن العلماء من قال: هذه هي أفضل من الرواتب لأنها تسن فيها الجماعة، وهي مشبهة للفرائض.
ومنهم من قال: إن الرواتب أفضل لأن الرواتب مؤدَّاة في اليوم والليلة وتأكيدها أكثر من تأكيد هذه الصلوات فلهذا كانت أفضل.
والمختار: أنهما سواء في الفضل لأن الشرع قد خص كل واحدة من النوعين بفضل ليس للأخرى فلهذا استويا في الفضل.
وإذا قلنا: باستوائهما في الفضل فهل يكون ما تسن فيه الجماعة متفاضلة أم لا؟ فيه تردد.
والمختار: أنها متفاضلة، فصلاة العيد أفضلها لأمرين:
أما أولاً: فلأنها مؤقتة بوقت فأشبهت الفرائض.
وأما ثانياً: فلأنه مختلف في وجوبها، وغيرها فلا يخالف أحد في كونها غير واجبة.
ثم تليها في الفضل صلاة الكسوف، فإنها أفضل من صلاة الاستسقاء لأمرين:
أما أولاً: فلأن القرآن قد دل عليها حيث قال: {لاَ تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ}[فصلت:37].
وأما ثانياً: فلأن المواظبة عليها من جهة الرسول÷ أكثر من المواظبة على صلاة الاستسقاء. ويدل على ذلك أمران:
أما أولاً: فلأن الرسول÷ لم يدع صلاة الكسوف عند وجود سببها وقد كان يستسقي تارة ويدع أخرى.
وأما ثانياً: فلأن صلاة الكسوف خالصة لوجه الله تعالى كسائر العبادات، وصلاة الاستسقاء إنما شرعت من أجل طلب الرزق.
ومن وجه ثالث: وهو أن الإجماع منعقد من جهة العلماء على كون صلاة الكسوف سُنة، واختلفوا في صلاة الاستسقاء هل هي سنة أم لا. وسيأتي الكلام في أحكام هذه الصلوات في أبواب نفردها لها بمعونة الله تعالى.
__________
(1) في الأصل: النوافل، وهو خطأ.
---
القسم الثالث: في بيان سائر النوافل
اللتي ليست رواتب ولا تسن فيها الجماعة
ثم إنها على ثلاثة أضرب:
الضرب الأول: ما يتكرر بتكرر الأعوام والسنين وفيه صور ثلاثة:
الصورة الأولى: صلاة النصف من شعبان. ولها فضل عظيم وهو متفق على فضلها على ألسِنة العلماء في سائر الأمصار، وهي مائة ركعة. وفي الحديث عن الرسول أنه قال: ((من صلى في هذه الليلة خامس عشر من شهر شعبان مائة ركعة أرسل الله إليه مائة ملك، ثلاثون يبشرونه بالجنة، وثلاثون يؤمنونه من عذاب النار، وثلاثون يدفعون عنه آفات الدنيا، وعشرة يدفعون عنه مكائد الشيطان)). وفي حديث آخر: ((إن الله يغفر لجميع المسلمين في هذه الليلة إلا لكاهن أو ساحر أو مشاجر أو مدمن خمر أو عاق لوالديه أو مصر على الزنى)). وفي حديث آخر: ((يرحم الله من أمتي في هذه الليلة بعدد شعر أغنام كلب)) (1).
وهي مائة ركعة بخمسين تسليمة في كل ركعة (الحمد) مرة وسورة (الإخلاص) عشر مرات.
__________
(1) قال ابن بهران في (تخريج أحاديث البحر) 2/34: قلت: قد اتفق الحفاظ على أن صلاة الشعبانية وصلاة الرغائب المذكورتين لا يصح فيهما حديث عن النبي وأن حديثيهما موضوعان، وفعلهما بدعة ممن يعتقدهما سنة، وإلاَّ فالصلاة خير موضوع، ولم يذكرهما الحافظ المنذري في (الترغيب والترهيب) مع كثرة اطلاعه واستقصائه في جميع ما روي عن النبي وما كانت روايته ضعيفة نبه عليها.
وقال ابن الجزري في كتاب عدة الحصن الحصين ما لفظه: وأما صلاة الرغائب أول خميس في رجب وصلاة ليلة النصف من شعبان فلا يصحان، وصلاة القدر من رمضان وسندها موضوع باطل، انتهى.
وقال النووي في (شرح المهذب): هما بدعتان مذمومتان، قال: ولا يعتبر الحديث المذكور فيهما فإنه باطل، وممن ذكر ذلك العلامة الحافظ أبو أسامة المقدسي فإنه صنف في ذلك وأوضح أنه لا أصل لهما.اهـ.
الصورة الثانية: صلاة الرغائب وهي أول جمعة في رجب تصلى اثنتي عشرة ركعة يقرأ في كل ركعة (فاتحة الكتاب) مرة وسورة (الإخلاص) عشر مرات، و(إنا أنزلناه) ثلاث مرات، فإذا فرغ من الصلاة صلى على الرسول سبعين مرة يقول: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد النبي الأمي الطاهر الزكي وعلى آله وسلم. ثم يسجد ويقول في سجوده: سبوح قدوس رب الملائكة والروح، سبعين مرة. ثم يرفع رأسه ويقول: رب اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم إنك أنت الله العلي الأعظم، سبعين مرة. ثم يسجد فيقول: سبوح قدوس رب الملائكة والروح، سبعين مرة. ثم يسأل الله حاجته.
الصورة الثالثة: صلاة التراويح في رمضان وهي من السنن وهي عشرون ركعة بعشر تسليمات ووقتها بعد العشاء الآخرة [يقرأ فيها] بجزء من القرآن في كل صلاة ليلة، فأما صلاتها على الإنفراد فمما لا خلاف في حسنه لما روي عن الرسول أنه قال: ((من صام رمضان وقامه إيماناً واحتساباً غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ))(1).
ومعنى قوله: ((إيماناً)). أي: تصديقاً بثواب الله تعالى وأجره، وقوله: ((واحتساباً)) أي: طالباً من الله الثواب والأجر. أخذاً من قولهم: فلان يحتسب الأخبار. أي: يطلبها. والتراويح: جمع ترويحة، وهي عبارة عن كل ركعتين بمقدار معلوم من القرآن(2).
ولا خلاف في حسنها على الإنفراد وفضلها بين أئمة العترة والفقهاء.
__________
(1) رواه الترمذي 3/67، وابن ماجة 1/420، وهو في التمهيد لابن عبد البر 7/103.
(2) هكذا في الأصل، ويبدو أن هناك سقطاً في عبارة: (وهي عبارة عن كل ركعتين بمقدار معلوم...إلخ). وأن المقصود: وهي عبارة عن القراءة في كل ركعتين. إلخ. والله أعلم.
قال ابن منظور رحمه الله: والترويحة في شهر رمضان: سميت بذلك لاستراحة القوم بعد كل أربع ركعات.. والتروايح: جمع ترويحة وهي المرة الواحدة من الراحة، تفعيلة منها، مثل تسليمة من السلام. اهـ 2/462.
قال الشافعي: فأما قيام رمضان ـ أراد التراويح ـ فصلاة المنفرد أحب إليَّ. فظاهر كلامه هذا دال على أن صلاة التراويح على الإنفراد أفضل كما هو رأي أئمة العترة. ومن الصحابة من قال: إن صلاتها في جماعة أفضل. كما هو محكي عن أبي العباس بن سريج وغيره من أصحاب الشافعي.
فأما صلاة التراويح في جماعة فهل تكره أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: كراهتها. وهذا هو رأي أئمة العترة.
والحجة على هذا: ما روى جعفر الصادق عن أبيه الباقر عن علي عن الرسول : أنه خرج يوماً على بعض أصحابه في بعض ليالي رمضان وهم يصلون النوافل جماعة، فقال: ((صلاة الضحى بدعة وصلاة النوافل في رمضان جماعة بدعة ، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار)). ثم قال: ((قليل في سنة خير من كثير في بدعة ))(1).
المذهب الثاني: جواز ذلك. وهذا هو رأي أبي حنيفة. ومحكي عن مالك وأحمد بن حنبل.
__________
(1) نقل الحديث ابن بهران في جواهره نقلاً عن الانتصار، وقال في آخره: والأقرب أنه موقوف على علي إن صحت الرواية عنه. اهـ 2/34.
والحجة على هذا: ما روي عن الرسول : أنه صلى بالناس في رمضان في الليلة الأولى فلما كان في الليلة الثانية خرج وإجتمع الناس إليه وكثروا فلما كان في الليلة الثالثة إجتمع الناس فلم يخرج إليهم، فلما كان من الغد قال: ((قد عرفت إجتماعكم ولكني لم يمنعني من الخروج إلا مخافة أن تفرض عليكم في رمضان فتعجزوا عنها ))(1).
فتوفي رسول اللّه والأمر هكذا، وفي زمن خلافة أبي بكر وصدر من خلافة عمر فجمعهم على أُبَيّ بن كعب لأنه كان آخر من أخذ القرآن عن رسول اللّه لأنه عرض عليه القرآن في السنة التي توفي فيها رسول اللّه ، فأخرج عمر القناديل إلى المسجد فجعلهم جماعة واحدة فكان أُبَيّ يصلي بهم عشرين ليلة ثم يقف في بيته ويتمم بهم تميم الداري(2)
__________
(1) أخرجه الستة إلاَّ الترمذي عن عائشة، وهو في رواية أخرى عن زيد بن ثابت، وفيها: ثم جاءوا إليه فحضروا وأبطأ رسول الله عنهم فلم يخرج إليهم، فرفعوا أصواتهم وحصبوا الباب، فخرج إليهم رسول الله مغضباً فقال لهم: ((ما زال بكم صنعكم حتى ظننت أن سيكتب عليكم، فعليكم بالصلاة في بيوتكم فإن خير صلاة المرء في بيته إلاَّ الصلاة المكتوبة))، وفي حديث عفان: ((ولو كتب عليكم ما قمتم به))، وفيه: ((فإن أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلاَّ المكتوبة)) هذه رواية البخاري ومسلم، ولأبي داود والنسائي نحو ذلك، وفي معناه غيره، اهـ (جواهر) 2/35.
(2) في سير أعلام النبلاء 2/442-448: صاحب رسول الله ، أبو رقية تميم بن أوس بن خارجة بن سود بن جذيمة اللخمي الفلسطيني، والدار: بطن من لخم، ولخم فخذ من يعرب بن قحطان، وفد تميم الداري سنة تسع، فحدث عنه النبي على المنبر بقصة الجساسة في أمر الدجال، ولتميم عدة أحاديث، وكان عابداً تلاءً لكتاب الله، حدث عنه ابن عباس وابن وهب عبد الله،و أنس بن مالك، وكثير بن مرة، وعطاء بن يزيد الليثي، وزرارة بن أوفى وشهر بن حوشب وآخرون.
قال ابن سعد: لم يزل بالمدينة حتى تحول بعد قتل عثمان إلى الشام.
…وقال في الثقات 3/39-40: إنه سكن الشام وبها مات،و قبره ببيت جبرين في بلاد فلسطين، ولم يذكر تأريخ الوفاة.
وفي تهذيب الأسماء 1/145-146: تميم الداري الصحابي رضي الله عنه، هو تميم بن أوس بن خارجة بن سويد بن خزيمة... إلى أن قال: روي له عن رسول الله ثمانية عشر حديثاً، روى مسلم منها حديث الدين النصيحة، وفي صحيح مسلم أن رسول الله روى عن تميم قصة الجساسة، وهذه منقبة شريفة له لا يشاركه فيها غيره، ويدخل في الأكابر عن الأصاغر، وروى عنه جماعة من الصحابة، منهم ابن عباس وأنس وأبو هريرة رضي الله عنهم، وجماعات من التابعين، وكان بالمدينة، ثم انتقل إلى بيت المقدس بعد قتل عثمان رضي الله عنه، وكان كثير التهجد، قام ليلة حتى أصبح بآية من القرآن ويسجد ويبكي وهي: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ} [الجاثية: 21].
وفي تهذيب التهذيب 1/449: قيل وجد على قبره أنه مات سنة 40هـ.
باقي الشهر.
والمختار: جوازها في جماعة. ويدل على ذلك حجج:
الحجة الأولى: ما روى أبو هريرة عن الرسول : أنه خرج علينا فإذا ناس يصلون في ناحية المسجد فقال: ((من هؤلاء))؟ فقيل: هؤلاء ناس ليس معهم قرآن وأُبَيّ بن كعب يصلي بهم وهم يصلون بصلاته. فقال الرسول : ((أصابوا ونعم ما صنعوا ))(1).
الحجة الثانية: ما روي عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه أنه صلى بالناس في شهر رمضان فكان يسلم بهم من كل ركعتين يقرأ في كل ركعة بخمس آيات من القرآن، وما هذا حاله فلا يفعله إلا عن توقيف من جهة الرسول لأن الباب باب عبادة فلا مجرى للإجتهاد فيه، وروي أن علياً رأى القناديل في المساجد فقال: رحم الله عمر نوَّر مساجدنا نوَّر الله قبره. فصوب ما فعله عمر، وفي هذا دلالة على جوازها.
الحجة الثالثة: ما روي أن عمر بن الخطاب خرج ذات ليلة فرأى الناس يصلون جماعة واحدة فقال: إنها بدعة ونعمت البدعة. ومثل هذا لا يقوله الصحابي إلا عن تَلَقٍّ من جهة الرسول .(2)
__________
(1) أخرجه أبو داود وضعفه كما جاء في (الجواهر)، وهو في صحيحي ابن خزيمة 3/339، وابن حبان 6/282، وفي السنن الكبرى للبيهقي 2/495.
(2) يمكن أن يقال بأن صلاة التراويح جماعة لو كانت متلقاة من جهة الرسول لما كانت بدعة كما وصفها عمر. ثم إن الرسول كما في الحديث المشهور، تأخر عن الخروج في الليلة الثالثة أو الرابعة فلما أصبح قال: ((رأيت الذي صنعتم فلم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن تفرض عليكم)) وظل الحال على هذا حتى لحق الرسول بربه، ولكن الذي يمكن أن يقال هنا تأويلاً لما فعله عمر، هو أن العلة، وهي خشية أن تفرض عليهم قد زالت بموت الرسول ، وأن عمر قد رأى أن تفرق الناس يمنع البعض من أداء هذه النوافل، فرأى أن يجمعهم على شخص واحد هو أبي، وهذا التأويل أوردناه تجوزاً، وفيه نظر؛ لأن أئمة وفقهاء المذهب يرون أن التراويح جماعة بدعة غير حسنة إذا جاز أن في المفهوم الشرعي بدعة حسنة.
وفي (نيل الأوطار) 3/52 قال العلامة الشوكاني: قوله: فقال عمر: نعمت البدعة، قال في الفتح: البدعة أصلها ما أُحدث على غير مثال سابق، وتطلق في الشرع على مقابلة السنة فتكون مذمومة، والتحقيق: أنها إن كانت مما يندرج تحت مستحسن في الشرع فهي حسنة، وإن كانت مما يندرج تحت مستقبح في الشرع فهي مستقبحة، وإلا فهي من قسم المباح، وقد تنقسم إلى الأحكام الخمسة. اهـ.
وقال في نهاية المبحث: والحاصل أن الذي دلت عليه أحاديث الباب وما يشابهها، هو مشروعية القيام في رمضان والصلاة فيه جماعة وفرادى، فقصر الصلاة المسماة بالتراويح على عدد معين وتخصيصها بقراءة مخصوصة لم ترد به سنة.
.
والبدعة لها وجهان:
أحدهما: أن تكون قبيحة مكروهة، وهي التي تضاد السُّنَّة وتخالفها وتمحوها، فما هذا حاله من البدع مكروه وهذا هو المراد بقوله: ((كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار )).
وثانيهما: أن تكون حسنة وهو أن تكون مبتدعة غير مضادة لسُنَّةٍ، وهذا مثل ما أشار إليه عمر في صلاة التراويح بقوله: إنها بدعة ونعمت البدعة. فالمراد به ما ذكرناه.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: روي عن الرسول أنه قال: ((صلاة النوافل في رمضان جماعة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار)).
قلنا: قد أوردنا من الأحاديث ما يدل على جوازها وحسنها وكونها سُنَّة فإذا ورد من الأخبار ما يخالف ما ذكرناه وجب تأويله حذراً من تناقض الأدلة وتدافعها فإن الرسول صوَّبهم فيما فعلوه من صلاتها وفي هذا دلالة على حسنها وكونها سُنَّة.
ثم نقول: لم منعتم من صلاة التراويح؟ هل كان المنع من أجل أنها ليست سُنَّة؟ فقد دللنا على فعل الرسول لها وفعل أمير المؤمنين كرم الله وجهه وغيره من الصحابة رضي الله عنهم وفي هذا دلالة على كونها سُنَّة.
وإن كان المنع من جهة أنها لا تصلى جماعة فلا وجه لذلك لأمرين:
أما أولاً: فلأنا قد رأينا من السُّنن ما يصلى جماعة كصلاة العيدين على رأي من يرى أنها سنة وصلاة الكسوفين وصلاة الاستسقاء فإن هذه كلها سنن وقد شرعت فيها الجماعة، بل لا تقام لها صورة إلا بالإجتماع فهكذا صلاة التراويح هي سنة من السنن والجماعة فيها مشروعة، فإذن لا وجه لإنكارها وهذا الذي اخترناه من كونها سنة في ليالي رمضان محكي عن زيد بن علي وعبدالله بن الحسن وعبدالله بن موسى بن جعفر.
الضرب الثاني: ما يتكرر بتكرر أيام الإسبوع ونذكر في ذلك صوراً ثلاثاً:
الصورة الأولى: صلاة الضحى. وهل تكون سنة أو بدعة؟ فيها مذهبان:
المذهب الأول: أنها سنة، وهذا هو رأي علي بن الحسين زين العابدين والباقر وإدريس بن عبدالله (1)،
وهو محكي عن أبي حنيفة وأصحابه، والشافعي وأصحابه.
__________
(1) إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، مؤسس دولة الأدارسة في المغرب، وإليه نسبتها، أول ما عرف عنه أنه كان مع الحسين بن علي بن الحسن المثلث في المدينة أيام ثورته على الهادي العباسي سنة 169، ثم قتل الحسين فانهزم إدريس إلى مصر فالمغرب الأقصى سنة 142، ونزل بمدينة وريري (على مقربة من مكناس وهي اليوم مدينة قصر فرعون) وكان كبيرها يومئذ إسحاق بن محمد فعرفه إدريس بنفسه فأجاره وأكرمه، ثم جمع البربر على القيام بدعوته وخلع طاعة بني العباس فتم له الأمر (يوم الجمعة 4 رمضان 142) فجمع جيشاً كثيفاً وخرج به غازياً فبلغ بلاد تادله (قرب فاس) ففتح معاقلها وعاد إلى وريري، ثم غزا تلمسان فبايع له صاحبها، وعظم أمر إدريس فاستمر إلى أن توفي مسموماً في وريري، وهو أول من دخل المغرب من الطالبيين، ومن نسله الباقين إلى الآن في المغرب: شرفا العَلَم (العَلَميون) والشرفاء الوزانيون والريسيون والشبيهيون، والطاهريون الجوطيون، والعمرانيون والتونسيون (أهل دار القيطون) والطالبيون والغالبيون والدباغيون والكتانيون والشفشاويون والودغيريون والدرقاويون والزكاريون، انتهى بلفظه من (الأعلام) 1/279، وقد توفي إدريس بحسب المصدر في 147هـ، ولم يذكر تأريخ ولادته.