والحجة على هذا: هو أن المقصود: الوتر. وقد خير رسول اللّه في حديث أبي أيوب بين أن يوتر الرجل بثلاث أو عشر(1). وفي هذا دلالة على أن أقله ركعة واحدة لأنها أقل الأوتار.
والمختار: ما قاله أئمة العترة: من كون الوتر عدته ثلاث ركعات.
وحجتهم: ما ذكرناه.
ونزيد هاهنا وهو ما روي عن الرسول : أنه نهى عن البتراء وهو أن يوتر الرجل بركعة واحدة.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه. ولا شك أن الأحاديث التي رويناها في عدد ركعات الوتر هي أكثر وأشهر وأصرح بالمراد، فلهذا وجب التعويل عليها.
الحكم الثالث: في وقت التسليم في الوتر. وفيه مذاهب ثلاثة:
المذهب الأول: أنه يسلم بعد الركعة الثالثة من الوتر. وهذا هو: رأي الهادي والقاسم والناصر والمؤيد بالله، وهو محكي عن أبي حنيفة، قال أبو حنيفة: يوتر بثلاث لا تجوز الزيادة عليها ولا النقصان منها يسلم في آخرهن. كما روى زيد بن علي عن علي عن الرسول : أنه كان يوتر بثلاث يسلم في آخرهن(2).
وهكذا فإنه روي عن عائشة وأم سلمة.
__________
(1) قوله: أو عشر. فيه نظر؛ لأن العشر شفع وليست وتراً، والوتر كما تعاضدت الأخبار فيه ما بين ثلاث وخمس وسبع وتسع وإحدى عشرة، وأضاف البعض واحدة، وقد ثبت لدى أكثر أئمة علماء الزيدية أنه ثلاث، وقد تسبقه ركعتان وأربع وست وثمان، ولهم على ذلك أدلة منها: أن الرسول كان يقرأ في الأولى بسورة الفاتحة والأعلى، وفي الثانية بالفاتحة والكافرون، وفي الثالثة بالفاتحة والصمد والمعوذتين، كما رواه الإمام زيد بسنده عن علي عليه السلام، وكما جاء في (بلوغ المرام) لابن حجر، وفي بعض الصحاح والسنن، فليراجع هنالك، والله أعلم.
(2) تقدم.
المذهب الثاني: أنه يسلم بعد الركعة الثانية ثم يقوم فيأتي بركعة ثالثة ويسلم بعدها، وهذا هو المحكي عن علي بن الحسين والباقر والصادق، ورواية أخرى عن مالك بمثل ذلك غير ما رويناه عنه من قبل، لما روى ابن عمر أن الرسول كان يفصل بين الشفع والوتر، وروي عن ابن عمر: أنه كان يسلم بين الركعة والركعتين حتى يأمر بحاجته فإن لم تكن حاجة قال: يا جارية اعلفي الناضح.
المذهب الثالث: ما روي عن الشافعي، وعنه في الأفضل أربعة أقوال:
أولها: أن يفصل بين الشفع والوتر بالتسليم.
وثانيها: أن الأفضل أن يجمع بين الثلاث بتسليمة واحدة كما هو رأي الأئمة.
وثالثها: أن الأفضل أن يجمع بينها بتسليمة واحدة إلا أن تكون ركعتان لصلاة نافلة وركعة للوتر فالأفضل أن يفصل الركعة وحدها.
ورابعها: أن الأفضل أنه إن كان يصلي جماعة فالأفضل أن لا يفصل خشية الفتنة والفرقة بين الناس، وإن كان يصلي وحده فالأفضل أن يفصل. وهذه الأقوال كلها نقلها المسعودي من أصحاب الشافعي.
والمختار: أنها ثلاث بتسليمة واحدة.
وحجتنا: ما تظاهر من الأخبار على ذلك فلهذا وجب التعويل عليها.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: وردت أحاديث تدل على ما ذكرناه فيجب قبولها.
قلنا: إن الإحاديث التي رويتموها لا تعارض ما ذكرناه لكثرة أخبارنا وقوتها، والعمل عليه أقوى لا محالة.
الحكم الرابع: في وقت الوتر.
واعلم أن وقت الوتر عند أئمة العترة، وهو رأي الشافعي وأصحابه، ومحكي عن أبي حنيفة وأصحابه، من بعد صلاة العشاء إلى طلوع الفجر الصادق دون الكاذب، لما روي عن الرسول أنه قال: ((إن الله زادكم صلاة وهي الوتر فصلوها من صلاة العشاء إلى طلوع الفجر))(1).
__________
(1) تقدم.
وإذا كان ممن لا يتهجد، والتهجد هو مجانبة النوم بالصلاة، فالأفضل له أن يوتر بعد صلاة العشاء، وإن كان له تهجد فالأفضل أن يوتر بعد التهجد، لما روى جابر عن الرسول أنه قال: ((من خاف منكم أن لا يستيقظ من آخر الليل فليوتر من أول الليل ثم ليرقد ومن طمع منكم أن يقوم من آخر الليل فليوتر آخر الليل))(1).
وروي أن الرسول قال لأبي بكر: ((متى توتر ))؟ قال: أوتر ثم أنام ثم أقوم. فقال له: ((أخذت بالحزم)). وقال لعمر: ((متى توتر))؟ فقال: أنام ثم أقوم ثم أوتر. فقال: ((أخذ هذا بالقوة وهذا أفضل))(2).
فإن أوتر في أول الليل ثم نام ثم قام للتهجد فإنه لا ينتقض وتره، وحكي عن علي وابن عمر: أنه ينتقض الوتر فيلزمه أن يوتر وتراً ثانياً.
والحجة على أنه لا ينتقض وتره: ما روي عن الرسول أنه قال: ((لا وتران في ليلة ))(3).
فإن اعتقد أنه صلى العشاء فأوتر ثم ذكر أنه لم يكن صلاها لم يعتد بالوتر الأول، وهو محكي عن الشافعي وأبي يوسف ومحمد، وحكي عن أبي حنيفة: أنه يعتد بما أوتر.
والحجة على ما قلناه: هو أن وقت فعله بعد العشاء فإذا فعله قبلها لم يجزه كما لو ظن أن وقت الفريضة قد دخل فصلاها ثم بان أنه لم يدخل.
الحكم الخامس: في بيان ما يقرأ في الوتر. ولا خلاف [في] أن القرآن كله مجزئ ولكن الخلاف في الأفضل فيما يقرأ في الركعات الثلاث، وفيه أقوال سبعة:
__________
(1) أخرجه ابن خزيمة في صحيحه 2/146 والبيهقي في (الكبرى) 3/35، وابن ماجة 1/375، وعبد الرزاق 3/16، وأحمد 3/389.
(2) رواه ابن خزيمة في صحيحه 2/145 وأبو داود 2/66.
(3) روي الحديث عن طلق بن علي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله يقول: ((لا وتران في ليلة)) رواه أحمد والثلاثة وصححه ابن حبان.
القول الأول: محكي عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه، أن الأفضل أن يقرأ تسع سور مختلفات ففي الركعة الأولى {إنا أنزلناه} و{ألهاكم} و{إذا زلزلت الأرض زلزالها}، وفي الثانية: {العصر} و{الكوثر} و{قل يا أيها الكافرون}، وفي الثالثة: {إذا جاء نصر الله والفتح} و{تبت} وسورة {الإخلاص}.
القول الثاني: محكي عن زيد بن علي أنه كان يقرأ في الأولى والثانية بـ(المعوذتين)، ويقرأ في الثالثة بـ{قل هو الله أحد}.
القول الثالث: محكي عن الصادق والباقر: أنهما [كانا] يقرآن في وترهما تسع مرات سورة {الإخلاص} في كل ركعة ثلاث مرات.
القول الرابع: مأثور عن الناصر: أنه كان يقرأ في وتره إحدى عشرة مرة سورة {الإخلاص} ثلاثاً بعد الفاتحة في الركعة الأولى، وثلاثاً بعد الفاتحة في الركعة الثانية، وخمساً بعد [الفاتحة في] الركعة الثالثة.
القول الخامس: محكي عن الهادي: أنه يقرأ في وتره بسورة {سبح}(1)
في الأولى، وفي الركعة الثانية: بسورة (الكافرون)، وفي الثالثة: بـ{قل هو الله أحد}.
القول السادس: محكي عن الشافعي، والأفضل عنده أن يقرأ في الأولى بعد الفاتحة بسورة (سبح)، وفي الثانية: بعد الفاتحة بـ(الكافرون). وفي الثالثة بعد الفاتحة بسورة (الإخلاص) و(المعوذتين).
القول السابع: محكي عن أبي حنيفة: أنه لا يقرأ بـ(المعوذتين) ولكن يقتصر على سورة (الإخلاص)، وذكر الكرخي من أصحاب أبي حنيفة، أنه قال: لا تقدير ولا تعيين في القراءة بعد الفاتحة لأصحابنا، والفاتحة لا تتعين أيضاً لكنه يستحب أن يقرأ في الأولى بعد الفاتحة بمقدار (سبح اسم ربك الأعلى)، وفي الثانية: بعدها بمقدار سورة (الكافرون)، وفي الثالثة: بعدها بمقدار سورة (الإخلاص).
__________
(1) سورة الأعلى.
والمختار: ما أثر عن رسول اللّه واختاره الهادي وهو قراءة (الفاتحة) في الأولى وسورة (سبح)، وفي الثانية: بعد الفاتحة بسورة (الكافرون)، وفي الثالثة: بعد الفاتحة بسورة (الإخلاص). وإنما اخترناه لما كان مأثوراً عن صاحب الشريعة صلوات الله عليه لأنه أحق بالمتابعة وأحق بقبول القول وبه الأسوة وعليه الإعتماد في أقواله وأفعاله فلا يعدل بقوله قول ولا يماثل باختياره اختيار.
الحكم السادس: في القنوت في الوتر. فهل يستحب القنوت في الوتر أم لا؟ فيه مذاهب ثلاثة:
المذهب الأول: أنه يستحب في جميع السَّنَةِ كلها، وهذا هو قول أئمة العترة الهادي والقاسم والناصر والمؤيد بالله، وهو محكي عن أبي حنيفة وأصحابه.
والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أنه كان يقنت في الوتر في السَّنَةِ كلها.
المذهب الثاني: أنه لا يستحب القنوت في الوتر إلا في النصف الآخر من رمضان، وهذا هو رأي الشافعي، وحكي عنه قول آخر أنه يقنت في جميع الشهر. والصحيح هو الأول.
والحجة على هذا: ما روي عن عمر، أنه قال: السُّنَّةُ إذا انتصف الشهر من رمضان قنت في الوتر بعدما تقول: سمع الله لمن حمده. وروي ذلك عن أُبَيِّ بن كعب أنه كان لا يقنت إلا في النصف الآخر من رمضان.
المذهب الثالث: محكي عن موسى بن جعفر أنه غير مسنون في شهر رمضان ولا في غيره، وروي عنه أنه قال لرجلٍ: لا تقنت وما أصابك ففي رقبتي.
والمختار: ما عليه أئمة العترة من استحباب القنوت في الوتر في جميع السَّنَةِ.
وحجتهم: ما ذكرناه.
ونزيد هاهنا: وهو ما روي عن الرسول : أنه عَلَّمَ ولدَهُ الحسن بن علي القنوت في الوتر بقوله: ((اللهم اهدني )).. إلى آخره، وفي هذا دلالة على كونه مشروعاً في كل السَّنَةِ.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: روي عن عمر وأُبَيّ بن كعب أنهما قالا: إن القنوت في نصف شهر رمضان الآخر.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن هذا مذهب لهما فلا يلزمنا قبوله.
وأما ثانياً: فلأن هذا معارض بما روينا من حديث الرسول ، فلا يكون مقبولاً كما حكي عن الشافعي(1).
قالوا: روي عن موسى بن جعفر أنه لا سُنَّةَ في القنوت.
قلنا: هذا مذهب لموسى فلا يلزمنا قبوله، وكل مجتهد مصيب في المسائل الفقهية والمضطربات الاجتهادية.
والحجة التي يلزم قبولها: ما كان عن الله تعالى، أو عن رسوله .
الحكم السابع: في الذكر المشروع في قنوت الوتر وفيه أقوال ستة:
القول الأول: محكي عن أئمة العترة، الباقر والصادق والقاسم والناصر والمؤيد بالله، وهو أن المستحب فيه ما علمه رسول اللّه الحسن بن علي وهو أن يقول: ((اللهم اهدني فيمن هديت ، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت إنك تقضي ولا يُقضى عليك إنه لا يعز من عاديت ولا يذل من واليت سبحانك وحنانيك تباركت ربنا وتعاليت)). ثم قال: ((إجعله في وترك))(2).
القول الثاني: محكي عن الناصر أنه يستحب أن يقول في القنوت: لا إله إلا الله الحليم الكريم لا إله إلا الله العلي العظيم رب السموات السبع ومن فيهن، ورب الأرضين السبع وما فيهن وما بينهن، ورب العرش العظيم. ثم يقول في آخره: ما أثر عن الحسن بن علي في قنوته.
القول الثالث: مأثور عن الهادي، وهو أن المستحب أن لا يتجاوز في القنوت آي القرآن كقوله تعالى: {رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا }[آل عمران:8].. إلى آخرها، وقوله تعالى: {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا }[البقرة:286].. إلى آخرها، وهو محكي عن أبي حنيفة وأصحابه.
__________
(1) أي: فلا يكون مقبولاً ما حُكي عن الشافعي.
(2) أخرجه الترمذي 2/328 وأبو داود 12/63، والنسائي 3/248، وفي مجموع الإمام زيد بن علي ما رواه بسنده عن علي قال: كلمات علمهن جبريل رسول الله يقولهن في قنوت الوتر: ((اللهم اهدني فيمن هديت... إلخ)).
القول الرابع: محكي عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه أنه كان يقول في قنوت الوتر في أيام حربه لمعاوية قبل الركوع: اللهم إليك رفعت الأبصار، وبسطت الأيدي، وتحركت الألسنة بالأعمال الصالحات، اللهم افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين، نشكوا إليك غيبة نبينا وكثرة عدونا، اللهم وقلة أنصارنا وتظاهر الفتن وشدة الزمان علينا، اللهم فأعنا بفتح تعجله ونصر تعز به أولياءك وتذل به أعداءك وسلطان حق تظهره إله الحق آمين(1).
القول الخامس: محكي عن عمر رضي الله عنه، أنه كان يقول في قنوته: اللهم قاتل الكفرة. وقد حكيناه بألفاظه في قنوت الفجر فأغنى عن الإعادة.
القول السادس: ما روى أمير المؤمنين كرم الله وجهه، عن الرسول أنه كان يقول في قنوت الوتر: ((اللهم إني أعوذ برضاك من غضبك " ، وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك أنت كما أثنيت على نفسك لا نحصي ثناء عليك تباركت ربنا وتعاليت، سبحان الله الملك القدوس رب الملائكة والروح)) (2).
كان يقولها ثلاثاً بعد فراغه من قنوته ويمد بها صوته فإذا فرغ مسح وجهه بيديه.
الحكم الثامن: في محل القنوت. وهل يكون قبل الركوع أو بعده؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أن محله بعد الركوع وهذا هو رأي أئمة العترة القاسم والهادي والناصر والمؤيد بالله، ومحكي عن الشافعي.
والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أنه قنت في الوتر بعد الركوع بعد الركعة الثالثة.
المذهب الثاني: أن القنوت قبل الركوع. وهذا هو رأي زيد بن علي ومالك وابن أبي ليلى وأبي حنيفة.
والحجة على هذا: ما روي عن الرسول : أنه قنت في الصبح قبل الركوع فيجب في الوتر مثله(3).
__________
(1) رواه الإمام زيد في مجموعه.
(2) أخرجه الترمذيي 5/561 والدارقطني 143 وابن ماجة 1/373، وهو في السنن الكبرى للبيهقي 4/414-6/222 وفي مسند أحمد 1/118.
(3) أخرجه البيهقي في (الكبرى) 2/206، وفي (الصغرى) 1/275، بلفظ: أنه قنت في الصبح قبل الركوع أو بعده بيسير.
والمختار: جوازهما جميعاً، لأنه قد ورد الشرع بهما جميعاً فأيهما فعل أجزأه في السُّنَّةِ، فإذا قنت بعد الركوع كان الركوع فاصلاً بين القنوت والقراءة، وإذا قنت قبل الركوع فإنه يكبر تكبيرة واحدة لتكون فاصلة بين القراءة والقنوت، وهو مروي عن أمير المؤمنين وعمر وابن مسعود، أنهم كانوا يكبرون إذا فرغوا من القراءة قبل القنوت ثم يقنتون، وهو محكي عن أبي حنيفة أيضاً أعني: التكبير من أجل الفصل.
الانتصار هاهنا على من خالف في كون القنوت مشروعاً(1)؛
فأما من أقر بكونه مشروعاً وخالف في محله فقد جوزنا الأمرين جميعاً.
الحكم التاسع: هل يرفع يديه عند دعاء القنوت أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: الجواز. وهذا هو رأي الناصر والفريقين الحنفية والشافعية.
والحجة على هذا: ما روي عن علي أنه قال: إذا دعوتم الله فارفعوا أيديكم وأصواتكم بالدعاء.
المذهب الثاني: المنع من ذلك. وهذا هو رأي الهادي، ومحكي عن مالك.
والحجة على هذا: ما ذكرناه في المنع من التكبير في الصلاة في أنه لا يجوز فيه رفع الأيدي وقد قدمنا ما فيه من الدلالة على المنع.
والمختار: جواز ذلك؛ لما روي عن الرسول أنه قال: ((إن الله يستحيي إذا رفع العبد يديه في الدعاء أن يردهما صفراً))(2).
ولم يفصل بين أن يكون في الصلاة أو في غير الصلاة، ولأن الرسول رفع يديه في صلاة الاستسقاء حتى رُؤيَ بياض إبطيه وهو الإبتهال.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا: ما دللنا عليه في المنع من رفع الأيدي في تكبير الصلاة فهو بعينه دال هاهنا على المنع من رفع الأيدي عند الدعاء في القنوت.
__________
(1) لم يذكر المؤلف في هذا الانتصار شيئاً، ولعله قد استغنى بما تقدم من الانتصار في الحكم السادس قبل هذا، والله أعلم.
(2) رواه ابن حبان في صحيحة 3/160، والترمذي 5/556، وأبو داود 2/78، وهو في سنن البيهقي (الكبرى) 2/211، ومصنف عبد الرزاق 2/251.
قلنا: قد أوضحنا الكلام هناك وذكرنا المختار والانتصار له فأغنى عن تكريره.
الحكم العاشر: وإذا قلنا: بجواز رفع الأيدي في حال القنوت(1)
متى يكون الإرسال؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أن يكون الرفع مستمراً حتى يفرغ من الدعاء، وهذا هو رأي الناصر والشافعي وأبي يوسف.
والحجة على هذا: هو أن الرفع كيفية في الدعاء فلهذا كان مستمراً حتى يفرغ من الدعاء.
المذهب الثاني: أنه يرسل قبل الفراغ، وهذا هو رأي أبي حنيفة ومحمد.
والحجة على هذا: هو أن الرفع إنما يحتاج إليه في إبتداء الدعاء ليكون فيه دلالة على التضرع ولا حاجة إلى استصحابه إلى آخر الدعاء.
والمختار: جواز الأمرين جميعاً فأيهما فعل أجزأه، فهذا ما أردنا ذكره في أحكام القنوت. ونرجع إلى التفريع.
الفرع الثاني: وآكد هذه السنن الوتر لأمرين:
أما أولاً: فلأنها أوجبت على الرسول لقوله : ((ثلاث أوجبت عليَّ ولم توجب عليكم : الوتر، والأضحية، والتهجد في آخر الليل)). وفي هذا دلالة على عظم إعتناء الشرع فيها واهتمامه بها.
وأما ثانياً: فلأن من العلماء من قال بوجوبها. كما رويناه من قبل وفي هذا دلالة على كونها أكثر من غيرها من السنن تأكيداً.
وهل تكون آكد أو ركعتا الفجر؟ فيه تردد. وللشافعي قول: إن ركعتي الفجر آكد من الوتر.
والمختار: هو قوله الجديد: أن [صلاة] الوتر آكد منهما لما ذكرناه من ترجيحها على غيرها وبعدها في التأكيد ركعتا الفجر لما ورد فيهما من الأحاديث الدالة على توكيدهما واهتمام الرسول بفعلهما كما أوضحناه من قبل.
وحكي عن الشافعي في (الفروع): أنهما سواء في التأكيد.
__________
(1) جملة: (في حال القنوت) زيادة في نسخة الذارحي وليست في نسخة وهاس.
والمختار: ما ذكرناه من تأكيد الوتر وبعده في التأكيد والاستحباب ركعتا الفجر، وقد روي عن الرسول : ((ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها ))(1).
ويليهما في الاستحباب ركعتا المغرب والظهر.
وأيهما يكون آكد وأدخل في الاستحباب والسُّنَّة؟.
قال السيد المؤيد بالله: ركعتا الفجر آكد النوافل ثم ركعتا المغرب وركعتا الظهر، وركعتا العتمة دون الجميع في الاستحباب، والوتر آكد من جميع ذلك كله، وظاهر كلامه هذا دال على استواء ركعتي المغرب وركعتي الظهر في الاستحباب لأنه لم يرد فيهما شيء مما يدل على فضل إحداهما على الأخرى، وليس فيهما إلا المواظبة من جهته على فعلهما فلهذا كانتا مستويتين في الفضل، ويحتمل أن ركعتي الظهر آكد في الاستحباب لحديث أم سلمة أنه قضاهما بعد العصر. وفي هذا دلالة على تأكيدهما ولم يرد مثله في ركعتي المغرب. فأما ركعتا العتمة فالإجماع منعقد على أنهما أضعف السنن لأن الرسول لم يواظب على فعلهما كمواظبته على السنن الرواتب التي ذكرناها.
الفرع الثالث: ومن فاته شيء من هذه السنن الراتبة في وقتها، فهل يقضي أم لا؟ فيه قولان:
القول الأول: أنها لا يستحب قضاؤها، وهذا هو المحكي عن مالك وأبي حنيفة.
والحجة على هذا: هو أنها صلاة نفل فإذا فات وقتها لم يستحب قضاؤها كصلاة الكسوف والاستسقاء وعلى هذا إذا صلاها في غير وقتها لم تكن سنة راتبة، وإن نوى أن تكون سنة، لا سبب لها ولا يجوز فعلها في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها.
القول الثاني: أنه يستحب قضاؤها. وهذا هو الذي ذكره الهادي والقاسم في مصنفاتهما واختاره السيد أبو طالب، وهو الصحيح من مذهب الشافعي.
__________
(1) رواه مسلم 1/501 وهو في صحيح ابن خزيمة 2/160 بلفظ: ((ثم ركعتا الفجر خير من الدنيا جميعاً)) وفي سنن الترمذي 2/275 ومسند أحمد 6/265.