وإن كان الحدث في الركعة الأولى، نظرت فإن استخلف من أحرم معه في الصلاة قبل الحدث، جاز ذلك سواء سمع الخطبة أو لم يسمعها، وسواء كان قبل الركوع أو بعده؛ لأنه قد صار من أهل الجمعة ولا يجوز [أن يستخلف] من لم يكن دخل معه في الصلاة لأنه يكون مبتدئاً بالجمعة، ولا يجوز دخول جمعة على جمعة بخلاف من قد دخل معه في الجمعة فإنه متبع وليس مبتدئاً. فأما جواز الاستخلاف في غير الجمعة فقد قررنا ما فيه في صلاة الجماعة فأغنى عن تكريره.
فهذا ما أردنا ذكره في إختلال الشرائط في الجمعة وبتمامه يتم الكلام في صلاة الجمعة والله الموفق.
القسم الأول: السنن التابعة للفرائض
وإنما بدأنا بهذا القسم [من السنن] لأمرين:
أما أولاً: فلأنها تابعة للفرائض. فكما بدأنا بالفرائض ألحقنا بها ما يتبعها، وفي هذا دلالة على تأكيدها من جهة الشرع.
وأما ثانياً: فلأنها تتكرر بتكرار الأيام والليالي كما تتكرر الفرائض.
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول: في أعدادها. وجملتها سنن أربع:
السنة الأولى: سنة الفجر ركعتان. وهما مؤكدتان لما روي عن الرسول أنه قال: ((حافظوا على ركعتي الفجر ولو طردتكم الخيل طرداً ))(1).
وفي حديث آخر: ((حافظوا على ركعتي الفجر فإن فيهما رغب الدهر))(2).
وروت عائشة قالت: ما كان الرسول يعاهد على شيء من النوافل أشد من معاهدته على ركعتين قبل الصبح(3).
وروى زيد بن علي عن علي أنه قال له الرسول : ((لا تدعن صلاة ركعتين بعد طلوع الفجر قبل أن تصلي الفريضة في سفر ولا حضر فهو قول الله عز وجل: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ }[الطور:49]. وروت عائشة أن الرسول كان يصلي بين أذان الفجر وإقامته ركعتين(4).
__________
(1) رواه الشوكاني في نيل الأوطار 3/23، وهو في الترغيب والترهيب 1/224، وفي شرح معاني الآثار 1/299 بلفظ: ((لا تتركوا ركعتي الفجر ولو طردتكم الخيل طرداً)) وفي المصدرين الأولين: ((لا تدعوا... إلخ)).
(2) جاء في مجمع الزوائد 2/234 بلفظ: ((... فإن فيهما رغائب الدهر)) وفي مصنف ابن أبي شيبة 2/49 بلفظ: ((فإن فيهما الخير والرغائب)) وفي مصنف عبد الرزاق 3/57 بلفظه.
(3) قبل صلاة الفجر، أخرجه البخاري 1/393، ومسلم 1/501 عن محمد بن المثنى، وأخرجه البيهقي في (الكبرى) 2/470 عن أبي عبد الله الحافظ، وأبو داؤود في سننه 2/19 عن مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر.
(4) أخرجه أبو داود في سننه 2/39 وهو في شرح معاني الآثار 1/281.
والمستحب: أن يقرأ فيهما بسورة ((الكافرون)) وسورة ((الإخلاص)) لما روي [عن] عبدالله بن مسعود أنه قال: ما أحصي ما سمعت رسول اللّه يقرأ في الركعتين قبل الفجر بـ{قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ }[الكافرون:1] و{قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ }[الإخلاص:1](1).
ويستحب في فعلهما: التخفيف، لما روي أن الرسول كان إذا صلاهما كأنه لم يصلهما لسرعته في صلاتهما(2).
ويستحب فيهما: التغليس، لما روي عن الرسول أنه قال: ((أحشوهما في الليل حشواً)).
السنة الثانية: ركعتا المغرب. ولا خلاف في كونهما سنة وفي كونهما مشروعتين وفي استحباب فعلهما، لما روى زيد بن علي عن علي أنه قال له الرسول : ((لا تدعن ركعتين بعد المغرب في سفر ولا حضر فإنها قوله تعالى: {وَأَدْبَارَ السُّجُودِ}[ق:40].
ويستحب أن يقرأ فيهما بسورة ((الإخلاص)) وسورة ((الكافرون))، لما روي [عن] ابن عمر أنه قال: سمعت رسول اللّه أربعاً وعشرين مرة أو خمساً وعشرين مرة يقرأ في ركعتي المغرب بـ{قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ}[الكافرون:1] و{قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ}[الإخلاص:1]. (3)
__________
(1) رواه الترمذي في سننه 2/296، وأبو يعلى في مسنده 8/463.
(2) روت عائشة قالت: كان النبي يخفف الركعتين اللتين قبل صلاة الصبح حتى إني أقول: أقرأ بأم الكتاب؟. متفق عليه، توضيح الأحكام شرح بلوغ المرام 2/185 الطبعة الثالثة.
(3) روى الحديث أحمد في مسنده 2/58 والطبراني في (الكبير) 12/434 وهو في شرح معاني الآثار1/298.
وهل يُصلَّى قبل المغرب نافلة أم لا؟ فيه تردد، ولم أعلم أن أحداً من أهل البيت ذكر أنها سنة ولا فعلها، وروى عبدالله المزني(1)
عن رسول اللّه أنه قال: ((صلوا قبل المغرب ركعتين لمن شاء ))(2).
خشية أن يتخذها الناس سنة، وروي عن الرسول أنه قال: ((بين كل أذان وإقامة صلاة ))(3).
وعن ابن عمر: أنه كان يصليهما(4)،
وروي عن أنس بن مالك أنه قال: صليت الركعتين قبل المغرب على عهد رسول اللّه . قيل لأنس: هل رآكم رسول اللّه ؟ قال: نعم. رآنا فلم يأمرنا ولا نهانا(5).
__________
(1) جاء في (الكنى والأسماء)1/104 بالرقم 1227: أبو زياد عبد الله بن مغفل المزني، ويقال: أبو سعيد، له صحبة، وفي (الثقات) 3/236 بالرقم 761 قال عنه: عبد الله بن مغفل المزني، له صحبة، نزل البصرة، وهو المغفل بن عبد نهم بن عفيف بن أسحم، كنيته: أبو زياد، وقد قيل: أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو سعيد، من مزينة مضر، مات سنة 59 في ولاية عبيد الله بن زياد، وأمر أن لا يصلي عليه ابن زياد، وأمر أن يصلي عليه أبو برزة الأسلمي، ويقال: مات سنة 61 وصلى عليه أبو برزة الأسلمي، وقد قيل: عائذ بن عمرو هو الذي صلى عليه. اهـ
(2) رواه البخاري 1/396 وجاء في شرح بلوغ المرام للبسام 2/183 -ط3، عن عبد الله بن مغفل المزني: ((صلوا قبل المغرب، صلوا قبل المغرب)) ثم قال في الثالثة: ((لمن شاء)) كراهية أن يتخذها الناس سنة.
(3) روى الحديث عبد الله بن المغفل المزني قال: قال رسول الله : ((بين كل أذانين صلاة، بين كل أذانين صلاة، بين كل أذانين صلاة)) قال في الثالثة: ((لمن شاء)) أورده في (جواهر الأخبار - تخريج أحاديث البحر) 1/189، وقال: أخرجه الستة إلا الموطأ، ولا تكرار عند الترمذي، وعند أبي داود مرتين. وقد تقدم الحديث في الأذان والإقامة.
(4) أخرجه مسلم 1/573.
(5) أخرجه مسلم 1/573 والبيهقي والدارقطني وأبو داود.
وعن طاووس أنه قال: سئل ابن عمر عن الركعتين قبل المغرب؟ فقال: ما رأيت أحداً صلاهما على عهد رسول اللّه ، وكان يصليهما(1).
السنة الثالثة: ركعتان بعد الظهر. وهما سنتان مؤكدتان واضب على فعلهما الرسول بعد صلاة الظهر. وعن أم سلمة زوج الرسول أنها قالت: صلى رسول اللّه في بيتي ركعتين بعد العصر، فقلت: ما هاتان الركعتان؟ فقال: ((هما ركعتان كنت أصليهما بعد الظهر فشغلني مال فصليتهما الآن ))(2).
فلما واضب رسول اللّه على قضائهما بعد فوات وقتهما دل على تأكدهما.
فأما العصر والعشاء الآخرة فليس لهما سنة مؤكدة مواضب عليها من جهة الرسول لا قبلهما ولا بعدهما إلا الوتر للعشاء الآخرة.
السنة الرابعة: الوتر، وهو مشتمل على أحكام عشرة:
الحكم الأول: ولا خلاف في كونه مشروعاً بعد العشاء، ولكن هل يكون سنة أم لا؟ فيه ثلاثة مذاهب:
المذهب الأول: أنه سنة مؤكدة. وهذا هو رأي أئمة العترة زيد بن علي والقاسم والهادي والمؤيد بالله ومحكي عن الشافعي ومالك وأبي يوسف ومحمد.
والحجة على هذا: قوله تعالى: {حَافِظُوا على الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاَةِ الْوُسْطَى }[البقرة:238]. والصلاة الوسطى إنما تكون في الوتر، فلو كانت الوتر واجبة لم تكن وسطى، وفي هذا دلالة على أنها غير واجبة.
الحجة الثانية: ما روي أن ضمام بن ثعلبة وصل وافداً على الرسول فسأله عن شرائع الإسلام واحدة واحدة فسأله عن الصلاة المفروضة؟ فقال: ((خمس في اليوم والليلة إلا أن تطوع)). فلو كان الوتر فرضاً لذكره.
__________
(1) أخرجه البيهقي في (الكبرى) 2/476، وأبو داود في سننه 2/26، وهو في فتح الباري 2/108.
(2) رواه ابن حجر في بلوغ المرام ص 37 بزيادة، فقلت: أفنقضيهما إذا فاتتا؟ قال : ((لا)) أخرجه أحمد، ولأبي داود عن عائشة بمعناه، وجاء في صحيح ابن حبان 6/377 وفي مراجع أخر.
الحجة الثالثة: ما روى عبادة بن الصامت عن رسول اللّه أنه قال: ((خمس صلوات كتبهن الله على عباده فمن جاء بهن لا يضيع منهن شيئاً إستخفافاً بحقهن كن له عند الله عهداً أن يدخله الجنة، ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء أدخله الجنة)).
المذهب الثاني: محكي عن أبي حنيفة، وله فيه ثلاث روايات:
الرواية الأولى: أنه واجب. وهو قول: الحسن بن زياد من أصحابه.
الرواية الثانية: أنه فرض. وهو قول: زفر.
الرواية الثالثة: أنه سنة مؤكدة. وهو قول: أبي يوسف ومحمد.
فنقول: أما ما رواه أبو يوسف ومحمد فهو موافق لما قلناه.
والحجة فيه: ما أسلفناه.
والحجة على ما قالوه من كونه فرضاً واجباً: ماروي عن الرسول أنه قال: ((إن الله قد زادكم صلاةً هي خير لكم من حمر النعم ألا وهي الوتر ألا فصلوها ))(1).
وظاهر الأمر للوجوب.
الحجة الثانية: قوله : ((أوتروا يا أهل القرآن ))(2).
والأمر للوجوب. وإذا ثبت الوتر بالأمر على أهل القرآن للوجوب ثبت على غيرهم لأن المقصود: يامن أُمر بالقرآن.
__________
(1) قال ابن بهران رحمه الله: الخبر لفظه عن خارجة بن حذافة قال: خرج علينا رسول الله يوماً فقال: ((قد أمدكم الله بصلاة هي خير لكم من حمر النعم وهي الوتر فجعلها لكم فيما بين العشاء الآخرة إلى طلوع الفجر)) أخرجه أبو داود والترمذي. اهـ جواهر 2/130.
(2) عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال رسول الله : ((أوتروا يا أهل القرآن فإن الله وتر يحب الوتر)) رواه الخمسة، وصححه ابن خزيمة، اهـ. توضيح الأحكام للبسام 2/212.
الحجة الثالثة: ماروى أبو أيوب الأنصاري عن الرسول أنه قال: ((الوتر حق واجب ))(1).
المذهب الثالث: ما حكي عن الناصر وعنه روايتان:
الرواية الأولى: أنه سنة مؤكدة وهو المروي عنه في كتابه (الكبير).
الرواية الثانية: ماذكره في (الألفاظ) أن الوتر عندنا لا يجوز تركه تشبيهاً لفريضة.
والحجة له على هذه الرواية: ماذكرناه عن أبي حنيفة.
ونزيد هاهنا، وهو أنها صلاة مشروعة على الوتر فأشبهت المغرب.
ومن وجه أخر: وهو أنه أحد زمانين فوجب أن يكون الواجب فيه عشراً كالنهار(2).
والمختار: أنها سنة مؤكدة كما حكي عمن ذكرناه من أئمة العترة وغيرهم.
وحجتهم: ماذكرناه.
ونزيد هاهنا، وهو ماروى عاصم (3)
عن علي أنه قال: الوتر ليس فريضة كالصلاة المكتوبة إنما هي سنة سنها رسول اللّه (4).
__________
(1) لفظ الحديث في (جواهر الأخبار): ((الوتر حق على كل مسلم، فمن أحب أن يوتر بخمس فليفعل ومن أحب أن يوتر بثلاث فليفعل ومن أحب أن يوتر بواحدة فليفعل)) أخرجه أبو داود والنسائي. اهـ 2/30، وهو في سنن الدارقطني 2/22، وشرح سنن ابن ماجة 1/82 بألفاظ متقاربة.
(2) أي: كما أنها عشر ركعات في النهار فإن الصلاة في الليل تكون عشر ركعات، وهو ما قصده المؤلف من قوله: إنه أحد زمانين أي الليل، والزمان الآخر النهار.
(3) هو عاصم بن ضمرة السلولي، صاحب علي رضي الله عنه وروى عنه، وعنه: أبو إسحاق الهمداني والحكم وعدة، وثقه ابن المديني ويحيى بن معين، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال أحمد: هو أعلى من الحارث، مات سنة 74هـ، انظر: الجرح والتعديل 6/345، الكاشف 1/519.
(4) تتمته: فقال : ((إن الله وتر يحب الوتر فأوتروا يا أهل القرآن)) أخرجه الترمذي وأبو داود والنسائي بألفاظ فيها بعض الاختلاف، وأخرجه البيهقي في (الكبرى) 2/8 وعبد الرزاق في (المصنف) 3/3 والطبراني في (الأوسط) 5/181 وغيرهم.
وهذا نص في موضع الخلاف، ومثل هذا لا يقوله إلا عن توقيف كما صرح به في كلامه هذا.
الحجة الثانية: ما روى ابن عمر أن الرسول كان يوتر على الراحلة، ولو كانت فرضاً لم يجز أداؤها على الراحلة لقوله : ((إذا كانت المكتوبة فالقرار ))(1).
الحجة الثالثة: ما روى زيد بن علي عن علي" أنه قال: ((الوتر سنة وليست حتماً كالفريضة))(2).
فهذه الأدلة كلها متفقة في الدلالة على أنها ليست واجبة.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: روي عن الرسول [أنه قال]: ((إن الله زادكم صلاة هي خيرٌ لكم من حمر النعم ألا فصلوها)). والأمر للوجوب.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلا نسلم أن الأمر للوجوب وإنما هو نص في الطلب، فأما الوجوب فإنما يكون بدلالة خارجة عن ظاهره، وإنما هو هاهنا للندب والإرشاد إلى الفضل والأجر والثواب.
وأما ثانياً: فلأن هذا معارض بما ذكرناه من الأخبار الدالة على كونه سنة، وإذا حصل التعارض وجب الترجيح ولا شك أن الأخبار التي رويناها صريحة في كونه سنة فيجب العمل عليها.
قالوا: قوله : ((أوتروا يا أهل القرآن)). والأمر للوجوب.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأنه لو كان واجباً لم يخص به أهل القرآن كما فعل في الصلوات المكتوبة فإنه لم يخص بها أحداً دون أحد.
وأما ثانياً: فلأن الأمر للندب كما قررناه فلا حجة لهم في ذلك.
__________
(1) جاء في (الاعتصام) 2/111: وفي أمالي أحمد بن عيسى×، قال محمد: حدثني أحمد بن عيسى عن حسين عن أبي خالد عن زيد بن علي عن آبائه عن علي"، أن رجلاً سأل النبي فقال: يا رسول الله هل تصلي على ظهر بعيرك؟ قال: ((نعم حيث توجه بك بعيرك إيماءً يكون سجودك أخفض من ركوعك صلاة التطوع، فإذا كانت المكتوبة فالقرار)) وهذا الخبر في (الشفاء). انتهى بلفظه، وفي رواية أخرى بزيادة: أقبل رسول الله في أول عمرة اعتمرها فأتاه رجل فقال: يا رسول الله أتصلي على ظهر بعيرك... الحديث.
(2) تقدم من حديث عاصم عن علي .
قالوا: روى أبو أيوب الأنصاري عن الرسول أنه قال: ((الوتر حق واجب )).
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأنه في آخر الخبر: ((فمن شاء أن يوتر بثلاث أو خمس أو تسع )). ولو كان واجباً لم يكله إلى المشيئة كما في سائر الواجبات لأنها حتم وقطع.
وأما ثانياً: فلأن قوله: ((الوتر حق)). أنه مشروع من جهة الله لا باطل فيه، وأما الوجوب فالغرض به: وجوب اختيار بحت من جهة الداعي إليه وهو الثواب والأجر لا وجوب إلزام وحتم يستحق على تركه العقاب.
قالوا: إنها صلاة مشروعة على الوتر فأشبهت المغرب في الوجوب كما حكي عن الناصر.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأنه لا مجرى للأقيسة في العبادات فإنها أمور غيبية متلقاة من جهة الله ومن جهة رسوله.
وأما ثانياً: فلأن هذا معارض بقياس مثله وهو أن نقول: صلاة تؤدى في الليل فتكون نافلة كنوافل الليل. والأحق الإعراض عن هذه الأقيسة الطردية التي لا حظ لها في اقتباس الأحكام الشرعية وتقريرها، وهي من الطرد المهجور التي لا يعرج عليها محصل، وإنما تورد معارضة للفاسد بالفاسد.
الحكم الثاني: في بيان عددها(1).
فيه مذاهب ثلاثة:
المذهب الأول: أن عدتها ثلاث ركعات، وهذا هو رأي زيد بن علي والهادي والقاسم والناصر والمؤيد بالله، ومحكي عن أبي حنيفة وزين العابدين علي بن الحسين والصادق والباقر.
__________
(1) يلاحظ أن المؤلف يعبر عن الوتر بالتأنيث على اعتبار أنه يقصد صلاة الوتر.
والحجة على ذلك: ما روى زيد بن علي عن علي قال: كان رسول الله يوتر بثلاث. وروى ابن مسعود عن رسول اللّه : أنه كان يوتر بثلاث. وروت عائشة وأم سلمة عن الرسول : أنه كان يوتر بثلاث ركعات(1).
المذهب الثاني: أن أقله ركعة واحدة، وأكثره إحدى عشرة ركعة، وأدنى الكمال فيه ثلاث ركعات. وهذا هو رأي الشافعي.
والحجة على ذلك: ما روت عائشة عن رسول اللّه : أنه كان يوتر بإحدى عشرة ركعة(2).
وعن أبي أيوب الأنصاري عن رسول اللّه أنه قال: ((الوتر حق مسنون وليس بواجب فمن أحب أن يوتر بخمس فليفعل، ومن أحب أن يوتر بثلاث فليفعل)).
المذهب الثالث: أن أقل الوتر ركعة واحدة. وهذا هو المحكي عن مالك.
__________
(1) جاءت هذه الروايات الثلاث بلفظ واحد وهو أن رسول الله كان يوتر بثلاث ركعات، وتتمة هذه الروايات كما في (جواهر الأخبار): لا يسلم إلاَّ في حق آخرتهن، يقرأ في الأولى بـ{سبح اسم ربك الأعلى} وفي الثانية بـ: {قل يا أيها الكافرون} وفي الثالثة بـ: {قل هو الله أحد} كما في رواية زيد بن علي، وبها والمعوذتين كما في رواية عائشة وأم سلمة، قال ابن بهران عن الحديث الأخير: أخرجه أبو داود والترمذي عن عائشة، وللنسائي مثله من رواية غيرها. اهـ 2/31.
(2) أورده مسلم في صحيحه 1/508، والترمذي في سننه 2/303، والبيهقي في (الكبرى) 3/23، والنسائي في سننه 3/234، وأحمد في المسند 6/35.