والحجة على هذا: قوله : ((من أدركني فليكن على الحالة التي أنا عليها)) فمهما لم يسلم الإمام فهو مدرك للصلاة معه.
القول الثالث: محكي عن أبي حنيفة، وهو أنه إذا أحرم خلف الإمام في التشهد فإنه يكون مدركاً للجمعة، وهكذا لو أحرم خلف الإمام وهو في سجدتي السهو بعد السلام فإنه يكون مدركاً للجمعة.
والحجة على هذا: هو أن الإمام مهما كان في الصلاة أو فيما يكون تتمة للصلاة فإنه يتمها جمعة خلف الإمام.
القول الرابع: أنه لا يكون مدركاً للجمعة حتى يدرك الخطبة أو بعضاً منها، وهذا هو رأي الهادي ومحكي عن عمر، وقد ذكرناه من قبل فأغنى عن الإعادة.
والمختار: هو القول الأول، لأن الجمعة إنما تكون واجبة بتمام شروطها فإذا بطل شرط منها رجع إلى الظهر لأنه هو الأصل كما مر تقريره.
فإن أدرك المأموم مع الإمام ركعة من الجمعة فلما جلس الإمام للتشهد ذكر المأموم أنه ترك سجدة فإنه يسجدها ويتابع الإمام في التشهد فإذا سلم الإمام أتى بركعة وعلى هذا يكون مدركاً للجمعة.
فإن صلى الإمام الجمعة ثلاث ركعات ساهياً فدخل المأموم معه في الركعة الثالثة ولم يعلم أنها ثالثة فصلاها معه فإنه لا يكون مدركاً للجمعة لأن هذه الركعة ليست من الجمعة في شيء، وعلى هذا يقوم المأموم ويأتي بثلاث ركعات.
وإن أدرك المأموم الإمام راكعاً في الثانية ثم رفع الإمام رأسه من الركوع وشك المأموم هل أدرك معه الركوع الجائز(1)
أم لا. فإنه لا يكون مدركاً للجمعة بل يجب عليه أن يصلي الظهر أربعاً لأن الأصل هو عدم الإدراك.
وإن دخل المأموم مع الإمام ولم يدر أجمعة هي أم ظهراً فصلى معه ركعتين ونوى بما يصليه الإمام، فهل يجزيه ذلك أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه يجزيه ذلك؛ لأن الجمعة والظهر تختصان بوجه واحد، فإذا علق نيته بنية الإمام أجزأه ذلك، وهذا هو رأي المؤيد بالله، ومحكي عن أبي حنيفة.
__________
(1) يقصد: الواجب.

وثانيهما: أنه لا يجزيه لا عن الجمعة ولا عن الظهر، وهذا هو المحكي عن الشافعي.
والمختار: هو الأول لما ذكرناه.
الفرع العاشر: وإذا وقع الازدحام في يوم الجمعة لكثرة الناس وازدحم المأموم عن السجود نظرت، فإن أمكنه السجود ففيه أقوال ثلاثة:
القول الأول: أنه يجوز له السجود على ظهر إنسان أو رأسه أو رجليه بحيث إذا سجد كان على هيئة الساجدين بأن يكون رأسه منخفضاً، وهذا هو الظاهر من المذهب، وهو قول الشافعي في الجديد، وبه قال أبو حنيفة وأبو ثور وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه.
والحجة على هذا: ما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: إذا اشتد الزحام فليسجد أحدكم على ظهر أخيه. ولا مخالف له في الصحابة، فجرى ذلك مجرى الإجماع في التصويب.
القول الثاني: أنه يكون بالخيار إن شاء سجد على ظهر إنسان أو على رأسه(1)
أو قدمه، وإن شاء صبر حتى يزول الزحام ثم يسجد على الأرض، وهذا هو قول الشافعي في القديم، ومحكي عن الحسن البصري.
والحجة على هذا: هو أن هذه الحالة حالة ضرورة لأجل الازدحام فلهذا رددنا الأمر إلى خيرته، فإن سجد على ظهر إنسان فهو معذور، وإن صبر حتى يمكنه السجود على الأرض فهو معذور في التأخر عن الإمام.
القول الثالث: أنه لا يجوز له السجود على ظهر إنسان ولا على قدميه بل يصبر حتى يسجد على الأرض وهذا هو قول مالك وعطاء والزهري.
والحجة على هذا: هو أن السجود على الأرض هو الواجب فلا يجوز تركه مع إمكانه لقوله : ((إذا أمرتم بأمر فأتوا به ما استطعتم)). والإستطاعة هاهنا حاصلة بالصبر وليس فيه إلا التأخر عن الإمام وهو مغتفر للضرورة في الازدحام، وهو محكي عن الطبري من أصحاب الشافعي.
__________
(1) لا يبدو أن الازدحام يؤدي إلى أن يسجد الرجل على رأس مصلٍ آخر أمامه أو بجانبه.

وهذا هو المختار، ويدل عليه: أن متابعة الإمام واجبة، والسجود على الأرض واجب، فإذا انتظر بالسجود حتى يفرغ المكان بقيام الناس إلى الركعة الثانية ويقوم ويدرك الإمام في حال قيامه كان قد أتى بالأمرين جميعاً ووفَّى حق الفرضين، هذا كله إذا كان السجود ممكناً له، فإن كان لا يمكنه السجود على حالة أصلاً فإنه ينتظر زوال الزحام بكل حال، فإن زال وقد صار الإمام قائماً في الركعة الثانية فإن المأموم يسجد على الأرض ويتابع الإمام لأنه الواجب عليه لقوله : ((إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا قام فقوموا وإذا قعد فاقعدوا)).
ويستحب للإمام: أن يرتل القرآءة ويطولها ليتبعه المزحوم في صلاته فإذا فرغ المزحوم من السجود وأدرك الإمام قائماً في الركعة الثانية تبعه، ولا كلام في هذا، وإن أدركه راكعاً في الثانية لزمه أن يركع مع الإمام ويمضي معه في تمام صلاته.
الفرع الحادي عشر: ويكره الدق بالسيف عند صعود الإمام على المنبر وهو بدعة لم ترد به السنة ولا فعله أحد من الخلفاء الراشدين ولا الأئمة السابقين، ولكن أخذ به المتأخرون بدعة وضلالة.
ويستحب الدعاء عند صعود المنبر وأن يقول عند صعوده: بسم الله الرحمن الرحيم اللهم صل على محمد وآل محمد، اللهم ارفع درجاتنا عندك يا أكرم الأكرمين. وبأي دعاء أحب أن يدعو دعا.
ويستحب للإمام أن يبسط كفيه عند الدعاء على المنبر لما روي عن الرسول أنه قال: ((سلوا الله ببطون أكفكم واستعيذوه بظهورها فإذا فرغتم من الدعاء فامسحوا بها وجوهكم فإن الله يتعالى إذا بسطتموها أن يردها صفراً)) (1).
ويكره رفع اليدين حتى يحاذيا الصدر لأن ذلك هو الإبتهال ولم يفعله الرسول إلا عند الاستسقاء.
والمستحب أن يبسط يديه على فخذيه، والتضرع أن يرفعهما قليلاً، والإبتهال أن يرفعهما حتى يحاذيا صدره.
__________
(1) رواه الحاكم في (المستدرك)1/719، وأبو داود2/78، وابن أبي شيبة في (المصنف)6/52.

ويستحب للإمام إذا فرغ من صلاة الجمعة، أن يتجوز بركعتين، واختلف العلماء في الصلاة قبل الجمعة وبعدها على أقوال خمسة حكاها الترمذي في صحيحه.
القول الأول: محكي عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه: أنه أمر أن يصلي قبل الجمعة ركعتين وبعدها أربعاً، وهذا لا يقوله إلا عن توقيف من جهة الرسول لأن الباب باب عبادة فلا مساغ للإجتهاد فيه.
القول الثاني: حكاه ابن عمر، أن الرسول كان إذا انصرف من الجمعة صلى ركعتين في بيته، وبه يقول الشافعي وأحمد بن حنبل.
القول الثالث: محكي عن سالم عن عمر بن الخطاب قال: كان الرسول يصلي بعد الجمعة ركعتين ولم يذكر أنهما تكونان في البيت.
القول الرابع: عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه : ((من كان منكم مصلياً بعد الجمعة فليصل أربعاً))(1).
القول الخامس: عن ابن مسعود قال: كان رسول اللّه يصلي قبل الجمعة أربعاً وبعدها أربعاً. فهذه الأقوال كلها حكاها الترمذي. قال: إنها صحيحة حسنة وكل واحد من هذه الأقوال قد ذهب [إليه] من ذهب من علماء التابعين واستقواه، وكلها معمول عليها.
وقد تم غرضنا من باب هيئة الجمعة وما يستحب فيها وما يكره والحمد لله رب العالمين
__________
(1) رواه الجماعة إلاَّ البخاري بلفظ: ((إذا صلى أحدكم الجمعة فليصل بعدها أربع ركعات)) وجاء الحديث كما أورده المؤلف في رواية مسلم.

---
الفصل الرابع في حكم صلاة الجمعة إذا اختل شرط من شروطها
اعلم أنا قد ذكرنا أن صلاة الجمعة مشروطة بأمور قد ذكرناها وأشرنا إلى أن الجمعة لا تصح إلا بها وبفعلها كالإمام والوقت والعدد والخطبتين، فإذا عرض في أحد هذه الشرائط ما يبطلها فهل تكون جمعة أو ظهراً؟ ف
يه تردد وخلاف. ونحن نشير إلى كل واحد من هذه الأمور بكلام مفرد بمعونة الله تعالى.
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول: وإذا نعي الإمام إلى الخاطب وقد ابتدأ الخطبة في يوم الجمعة أو كان بعد فراغه من الخطبة، فإنه يتمها جمعة على رأي أئمة العترة في إشتراط الإمام في إنعقادها وصحتها. فأما من لا يشترط الإمام الأعظم في إنعقادها فإنها غير مشروطة بالإمام في الإبتداء فلا تكون مشروطة في التمام.
والحجة على ما قلناه من أنها جمعة: هو أن الإجماع منعقد على إتمامها جمعة.
ووجهه: هو أن الإمام إنما كان شرطاً في انعقادها، عند القائلين بكونه شرطاً، لا في تمامها وكمالها، فإذا انعقدت على الصحة لم تبطل بموته ولأن الخطبتين بمنزلة الصلاة، فإذا ابتدأها والإمام حي فقد انعقدت على الصحة كما لو نعي الإمام بعد دخوله في الصلاة وشروعه فيها.
ووجه آخر وهو: أنها قد انعقدت في مبدأ الأمر على نعت الصحة فعروض الموت لا يبطلها كما لو لم يمت الإمام.
الفرع الثاني: وإن مات الخطيب والإمام باقٍ على الحياة فهل يجوز الاستخلاف أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه لا يجوز الاستخلاف، وهذا هو رأي الشافعي في القديم.
والحجة على ذلك: ما روي عن الرسول÷: أنه أحرم بأصحابه في الصلاة ثم ذكر أنه جنب فقال: ((على رسلكم)). فذهب فاغتسل وجاء ورأسه يقطر ماءً فأحرم بهم وصلى. فلو كان الاستخلاف جائزاً في الصلاة لاستخلف من يصلي بهم، ولأن حكم الإمام مخالف لحكم المأموم فلو جوزنا الاستخلاف لأدى إلى أن يكون المأموم إماماً وهو متناقض.

المذهب الثاني: جواز الاستخلاف. وهذا هو رأي أئمة العترة، وهو قول الشافعي في الجديد.
والحجة على هذا: ما روي أن الرسول÷ استخلف أبا بكر ليصلي بالناس في مرضه الذي مات فيه فأقام سبعة عشر يوماً يصلي بالناس فوجد رسول اللّه÷ يوماً من نفسه خِفَّة فخرج يتهادى بين العباس(1)
وأمير المؤمنين كرم الله وجهه فقام على يسار أبي بكر وصلى بالناس فصار أبو بكر والناس مؤتمين برسول اللّه÷ بعد أن كان الناس مؤتمين بأبي بكر، وهذا هو حقيقة الاستخلاف.
والمختار: ما قاله أئمة العترة[من جواز الاستخلاف]، وهو محكي عن مالك وأبي حنيفة.
وحجتهم: ما ذكرناه.
ونزيد هاهنا: وهو ما روي أن الرسول÷ خرج ليصلح بين بني عمرو بن عوف فأقيمت الصلاة فتقدم أبو بكر رضي الله عنه فصلى بالناس بعض الصلاة فجاء رسول اللّه÷ فلما رآه الناس أكثروا التصفيق، وكان أبو بكر لا يلتفت في الصلاة فلما أكثروا التصفيق التفت فرأى رسول اللّه÷ فتأخر فقال له الرسول÷: ((أثبت مكانك)). وتقدم الرسول÷ فصلى بهم(2)،
في هذا دلالة على الاستخلاف وجوازه.
الانتصار: يكن بالجواب عما ذكروه.
قالوا: روي عن الرسول÷: أنه صلى بهم وهو جنب ثم قال: ((على رسلكم)). فاغتسل ولم يستخلف، فدل على منعه.
قلنا: إنما لم يستخلف ليدل على أن الاستخلاف ليس أمراً حتماً واجباً، وإنما هو على سبيل الجواز، فإن رأى الإمام أن يستخلف فلا بأس، وإن لم يستخلف صلوا وِحْدَاناً وبنوا على صلاتهم.
قالوا: لو جاز الاستخلاف لصار المأموم إماماً، وفي ذلك نوع من المناقضة.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن الشرع قد دل على ذلك فلا وجه يمنع منه، وتحكمات الشرع كثيرة فلا وجه لإنكارها.
__________
(1) المعروف أنه الفضل.
(2) تقدم، وهو في صحيح البخاري 1/242، وفي (التمهيد) لابن عبد البر 21/102.

وأما ثانياً: فلأن الوجه متغاير فلا معنى للمناقضة لأنه كان مأموماً فيما مضى من الصلاة وصار إماماً فيما بقي منها بعد حصول الحدث فبطلت المناقضة.
وإذا جوزنا الاستخلاف كما مر بيانه، فهل يبني على ما مضى من خطبته أو يستأنفها؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه يستأنفها سواء كان قد أتى ببعض الخطبة الأولى أو أتى بكمالها، فإن أتى ببعضها استأنفها، وإن كان قد أكملها استأنفها لأنه عرض ما يمنع من إتمامها فوجب الإستئناف كما لو أحدث.
وثانيهما: أنه يبني على ما فعله ولا يلزمه الإستئناف لقوله تعالى: {وَلاَ تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ}[محمد:33]. فلو حكمنا عليه باستئناف الخطبة لكان ذلك إبطالاً لما فعله أولاً.
الفرع الثالث: في نفورهم عن الإمام.
اعلم أن نفارهم عنه له ثلاثة أحوال:
الحالة الأول: أن يكون نفارهم في حالة الخطبة، فإن عادوا على القرب أو خلف عوضهم آخرون، مضى في خطبته وبنى عليها، وإن مضى ركن من أركان الخطبة كالحمد والصلاة على الرسول÷ من غير حضور العدد ثم حضروا أعاد الخطبة لأنه لا فائدة فيها من غير سماع العدد، وإن نفروا بعد سماع الأركان الأربعة وقبل الدعاء للإمام المخطوب له فقد تمت الخطبة لأن ما هذا حاله فليس شرطاً في صحة الصلاة.
الحالة الثانية: أن يكون نفورهم بعد كمال الخطبة وقبل الصلاة، فإن طال الزمان أعاد الخطبة لأن الموالاة بين الخطبة والصلاة واجبة خاصة على رأي من يجعل الخطبتين بمنزلة الركعتين، وإن قصر الزمان فلا حاجة إلى إعادة الخطبة هذا كله مع عودتهم، فإن لم يعد الخطيب الخطبة مع طول الفصل فقد أثم النافرون لأنهم أخلوا بما وجب عليهم من الوقوف للسماع، وهل يأثم الخطيب أم لا؟ فيه تردد.
فيحتمل أن يقال: إنه يأثم لأنه تمكن من الإعادة فلم يعد.
ويحتمل أنه يزول عنه الإثم لأنه قد أدَّى ما وجب عليه.
الحالة الثالثة: أن يكون نفورهم في أثناء الصلاة. وفيه أقوال خمسة:

القول الأول: أنه إذا نقص العدد المعتبر في صحة الجمعة في حال الصلاة لم تصح الصلاة، وهذا هو رأي أبي العباس وأحد أقوال الشافعي.
ووجهه: أن العدد شرط في إبتداء الصلاة فكان شرطاً في استدامتها كالوقت والمكان.
القول الثاني: أنه إن بقي واحدٌ أو اثنان أَتَمَّ الجمعة، وهذا هو الذي حصله السيد المؤيد بالله لمذهب الهادي، وهو أحد أقوال الشافعي.
ووجهه: هو أن العدد لا يمكن ضبطه في الإستمرار فوجب أن يكون شرطاً في الإنعقاد والإبتداء دون البناء والكمال.
القول الثالث: أنه إن بقي واحد أَتَمَّ الجمعة لأنه مع الإمام يحصل لهما فضل الجمعة لقوله÷: ((الإثنان فما فوقهما جماعة))(1).
وهذا هو أحد أقوال الشافعي.
القول الرابع: أنهم إن نفروا بعد أن صلى بهم ركعة، أتمها جمعة. وإن كان قبل أن يصلي بهم ركعة، أتمها ظهراً، وهذا هو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد، ومحكي عن المزني من أصحاب الشافعي، وبه قال مالك.
ووجهه: هو أنه قد تلبس بالجمعة وأتى ببعضها فوجب إكمالها.
القول الخامس: أنهم إذا نفروا بعد الإحرام بالجمعة وبقي وحده جاز أن يقيمها جمعة، وهذا هو رأي المزني حصله لمذهب الشافعي.
والمختار من هذه الأقوال: ما قاله المؤيد بالله.
ووجهه: هو أن الله تعالى قال: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِماً}[الجمعة:11]. فالظاهر أن نفورهم إنما كان بعد دخولهم في الصلاة، ولهذا قال: {وَتَرَكُوكَ قَائِماً}. فليس القيام إلا في حال الصلاة(2)
__________
(1) سبق في صلاة الجماعة، وقد أخرجه الحاكم في (المستدرك) 4/371، والدار قطني في (السنن)1/280.
(2) وكذلك يكون في حال الخطبة. فقد ورد الأثر بهما، فعن جابر قال: بينما كنا نصلي مع رسول الله÷ إذ أقبلت عير تحمل طعاماً فالتفوا إليها حتى ما بقي مع النبي إلإ اثنا عشر رجلاً، فنزلت هذه الآية.
وفي رواية أن النبي÷ كان يخطب قائماً فجاءت عير من الشام، وذكر نحوه، أخرجه البخاري ومسلم والترمذي.

ولم يوبخهم الله تعالى على نفارهم ولا أَثَّمهم به وإنما دعاهم إلى الخير، وفي هذا دلالة على أن الرسول÷ أتمها جمعة، ولو خرموا الجمعة بالنفار لوبخهم الله تعالى وأَثَّمهم، فدل ذلك على ما قلناه من إتمامها جمعة بعد الشروع فيها وهو المطلوب.
الفرع الرابع: وإذا دخل وقت العصر والإمام في صلاة الجمعة، فهل تكون جمعة أو يتمها ظهراً؟ فيه مذاهب أربعة:
المذهب الأول: أنه مهما بقي وقت للاشتراك بين الظهر والعصر فهي جمعة لأنه وقت لهما جميعاً، وإن خرج وقت الإشتراك بدخول وقت الاختيار المحض فهي ظهر وبنى عليها، وهذا هو الذي حصله السيد أبو طالب للمذهب، وهو رأي الشافعي.
ووجهه: أن وقت الإشتراك وقت للجمعة كما هو وقت للظهر، فلهذا كانت جمعة ببقائه، فإذا خرج فقد خرج وقتها وبطل شرط أدائها فيضيف إليها ركعتين حتى تكون ظهراً لأنه هو الأصل فإذا بطل شرط الجمعة ببطلان وقتها عاد إلى الأصل وهو الظهر.
المذهب الثاني: أنه إذا ابتدأها في وقت الظهر وامتدت إلى وقت العصر فإنه يتمها جمعة، وهذا هو رأي السيد المؤيد بالله.
ووجهه: أنها قد انعقدت على الصحة فلا تبطل بعد صحتها.
المذهب الثالث: أنه إذا دخل وقت العصر بطلت الجمعة لبطلان وقتها ووجب استئناف الظهر لأنه هو الأصل في الفرض عند بطلان الجمعة، وهذا هو رأي أبي حنيفة.
المذهب الرابع: أن وقت الجمعة ممتدٌ إلى غروب الشمس، وهذا هو المحكي عن مالك.
وأقول: إن قول مالك لا غبار عليه، ويدل على ما قاله: حجج:
الحجة الأولى: قوله تعالى: {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ}[الجمعة:9].
ووجه الحجة من الآية: هو أن الله تعالى أوجب السعي إلى الجمعة ولم يفصل بين وقت ووقت فلهذا كانت مجزية إلى قبل غروب الشمس بما يتسع لصلاة العصر.

الحجة الثانية: قوله÷: ((إن الله افترض عليكم الجمعة في مقامي هذا في شهري هذا في عامي هذا)). ولم يفصل بين وقت ووقت، فدل ذلك على إجزائها، وقوله÷: ((الجمعة واجبة على كل مسلم)). ولم يفصل. وقوله÷: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فعليه الجمعة)). ولم يفصل، وقوله÷: ((من ترك الجمعة ثلاثة أسابيع من غير عذر طبع الله على قلبه)). فهذه الأخبار وغيرها كلها دالة على ما قلناه من اتساع وقتها.
الحجة الثالثة: هو أن الأصل هو الظهر وهي بدل عنه ووقت البدل مثل وقت المبدل منه لأنه قائم مقامه كما نقوله في سائر الأبدال والمبدلات، ولا شك أن وقت الظهر ممتد إلى قبل غروب الشمس بما يتسع لصلاة العصر فيجب مثله في وقت الجمعة من غير فرق بينهما فصار وقتها كوقت الظهر. فالأفضلية للوقت في حق الجمعة هو أول الزوال، ووقت الاختيار لها من بعد ما يتسع لها إلى أول وقت العصر، ووقت الجواز إلى أن يصير ظل كل شيء مثله، ووقت الكراهة من بعد ذلك إلى غروب الشمس بما يتسع لصلاة العصر، كالظهر سواء.
الفرع الخامس: ولو أحدث الإمام في صلاة الجمعة نظرت، فإن كان الحدث في الخطبة فقد قدمنا أن الطهارة شرط فيهما. فهل يجوز الاستخلاف فيهما أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: جواز الاستخلاف لأنهما بمنزلة الركعتين فلما جاز الاستخلاف في الركعتين جاز الاستخلاف في الخطبتين، وهذا هو الذي يأتي كلام الهادي، وهو أحد قولي الشافعي.
وثانيهما: أنه لا يجوز الاستخلاف فيهما؛ لأنهما ذكر يتقدم الصلاة فلم يجز الاستخلاف فيهما كالأذان، وهذا هو الذي يأتي على كلام المؤيد بالله.
وإن كان الحدث بعد الفراغ من الخطبتين وقبل الإحرام للصلاة، جاز استخلاف من سمع الواجبات من الخطبتين لأنهما بمنزلة الصلاة، ولا يجوز استخلاف من لم يسمع ذلك.

242 / 279
ع
En
A+
A-