وإن اغتسل عن الجنابة في يوم الجمعة ولم ينو الجمعة أجزأ عن الجنابة. وهل يجزيه عن الجمعة؟ فيه تردد.
والمختار: أنه لا يجزيه لأنه لم ينوه. والأعمال بالنيات.
وإن اغتسل ونوى الغسل للجمعة ولم ينو الجنابة التي عليه لم يجزه عن الجنابة لأنه لم ينوه. وهل يجزيه عن الجمعة؟ فيه تردد.
والمختار: أنه لا يجزيه لأن غسل يوم الجمعة غير واقع مع تحقق الجنابة.
وإن اغتسل بنية الجمعة وكان يوم عيد حصل له غسل العيد والجمعة جميعاً، وإن إغتسل بنية العيد وكان يوم جمعة حصل له العيد والجمعة معاً، لأنهما غسلان للنفل فتداخلا بخلاف الجمعة والجنابة فإنهما لا يتداخلان.
فحصل من مجموع ما ذكرناه هاهنا: أن الغسلين من الفرض يتداخلان في النية كما لو كان على المرأة غسل حيض وغسل جنابة فإن نية أحدهما تجزي عن نية الآخر وإن لم ينوه؛ لأن الفرضية تجمعهما. وأن الغسلين من النفل يتداخلان أيضاً كما لو غسل عن العيد في يوم الجمعة أجزأه عن الجمعة وإن لم ينوه. أو غسل عن الجمعة في يوم العيد أجزأه عن العيد وإن لم ينوه، لأن النفلية تجمعهما، فلهذا كان مجزياً.
فأما الفرض فلا يدخل تحت النفل كما لو غسل بنية الجمعة لم يجزه عن الجنابة، وهكذا فإن النفل لا يدخل في الفرض كما لو غسل عن الجنابة لم يجزه عن الجمعة لإختلافهما.
الفرع الثالث: ويستحب مع الغسل يوم الجمعة أن يفعل أموراً ثمانية:
أولها: إزالة الشعور: حلق العانة ونتف الإبط.
وثانيها: تقليم الأظفار. وفي الحديث: ((يطلب أحدكم خبر السماء وأظفاره كمخالب الطير )) (1).
وأراد بخبر السماء: إدراك العلوم الدينية فإنها من أخبار السماء. ولم يرد من جهته وقت في تقليمها مخصوص، ولا ورد كيفية تقليمها لا من جهة الله تعالى ولا من جهة رسوله، ولكن المقصود إزالتها على أي وجه كان.
__________
(1) رواه أحمد في (المسند) 5/414، وهو في (مجمع الزوائد) 5/168.

وثالثها: السواك. فقد ورد فيه من الفضل ما أوردناه في الطهارات فأغنى عن الإعادة.
ورابعها: إزالة الروائح الكريهة باحتمال الطيب.
وخامسها: لبس أحسن ثيابه إذا وجدها.
وسادسها: ألا يتخطى رقاب الناس لما فيه من الأذية للمسلمين الحاضرين للجمعة.
وسابعها: أن يركع ركعتين تحية المسجد.
وثامنها: الإنصات. لما روي عن الرسول أنه قال: ((من اغتسل يوم الجمعة واستن - وعنى بالإستنان: إزالة الشعور- واستاك ولبس أحسن ما يجد من ثيابه وخرج ولم يتخط رقاب الناس وركع ما شاء الله أن يركع وأنصت إذا خرج الإمام كانت كفارة لما بين تلك الجمعة إلى الجمعة قبلها))(1).
قال أبو هريرة: وزيادة ثلاثة أيام لأن الله تعالى يقول: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا}[الأنعام:160]. وروي عن الرسول أنه قال في يوم الجمعة: ((يا معاشر المسلمين إن هذا اليوم جعله الله عيداً لجميع المسلمين فاغتسلوا ومن كان عنده طيب فلا يضره أن يمسه)) (2).
وفي حديث آخر: ((ومن لا يجد طيباً يلتمس من قارورة أهله)). وفي حديث آخر: ((إذا عرض على أحدكم الطيب فليحتمله فإنه خفيف المؤنة طيب الرائحة)) (3).
__________
(1) وعن سلمان قال: قال رسول الله : ((لا يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهر ما استطاع من الطهور ويدهن من دهن ويمس من طيب بيته، ثم يخرج ولا يفرق بين اثنين ثم يصلي ما كتب له، ثم ينصت إذا تكلم الإمام، إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى)) أخرجه البخاري، وللنسائي نحوه أو قريب منه. اهـ. من (تخريج أحاديث البحر) 2/21.
(2) رواه ابو هريرة وأخرجه البيهقي في (الكبرى) 3/243، والشافعي في مسنده 1/63، وهو في موطأ مالك 1/65، ومصنف ابن أبي شيبة 1/435، ومصنف عبد الرزاق 3/197.
(3) رواه أبو هريرة بلفظ: ((من عُرض عليه طيب فلا يرده فإنه خفيف المحمل طيب الرائحة)) رواه أحمد ومسلم والنسائي وأبو داود. هكذا أورده الشوكاني في (نيل الأوطار) 1/148.

الفرع الرابع: ويستحب ذلك للعبيد والصبيان إذا أرادوا حضور الجمعة، ويستحب للنساء التنظف بالغسل ونحو ذلك، ويكره لهن لباس الشهرة من الثياب والطيب لأن ذلك يؤدي إلى الإفتتان بهن هذا إذا سوغنا لهن حضور الجمعة، فأما إذا منعناهن لأجل الفتنة بهن فلا وجه لذلك.
ويستحب أن يلبس من الثياب البيض لقوله : ((البسوا البياض فإنه خير ثيابكم ))(1).
لأن البياض كان أكثر لباس رسول اللّه وكُفِّنَ في ثلاثة أثواب[بيض] (2)،
ولم ينقل أنه لبس السواد إلا في فتح مكة فإنه دخلها وعليه عمامة سوداء. فإن لم يجد البياض فعصب اليمن. وعصب اليمن: هي هذه الأبراد التي فيها الخطوط التي يصبغ غزلها ثم ينسج، والغزل: هو العصب بالعين والصاد المهملتين. والغَزَّال: هو العصاب الذي ينسج العصب ويبيعه.
ويكره لبس الثياب المصبوغة بالورس والزعفران والعصفر، لما روي أن الرسول رأى رجلاً عليه ثوب مصبوغ بالحمرة فقال له: ((لو وضعت هذا في تنور أهلك لكان خيراً لك)) لأنها من ثياب النساء. ولا يكره ما صبغ بالزرقة والفَّوة والنقم لأنه لا زينة فيها، وقد شرحناه في لباس المصلي.
ويستحب أن يرتدي ويعتم لأن الرسول كان يفعل ذاك، وروي عن الرسول أنه قال: ((العمائم تيجان العرب ))(3).
__________
(1) رواه ابن عباس، واخرجه أبو داود والترمذي. وعن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله : ((البسوا البياض فإنها أطهر وأطيب وكفنوا فيها موتاكم)) أخرجه الترمذي والنسائي. اهـ (تخريج أحاديث البحر) 2/22.
(2) وهو في الصحيحين كما جاء في حاشية الأصل.
(3) ذكره في (مسند الشهاب) 1/75، و(تحفة الأحوذي) 5/339، و(فيض القدير) 4/392، وجاء في (الجواهر)2/22: عن أبي المليح قال: قال رسول الله : ((اعتموا تزدادوا حلماً)) وقال: قال لي علي : (العمائم تيجان العرب)) أخرجه أبو داود.

لأن لبس التاج من عادة ملوك العجم، وروي عن الرسول أنه قال: ((اعتموا تزدادوا حلماً ))(1).
وعن الرسول : أن الملائكة تكتب أصحاب العمائم.
ويستحب للإمام من هذه الأمور أكثر مما يستحب لغيره لأنه القدوة وعليه العمدة في الإقتداء.
الفرع الخامس: يستحب التبكير إلى الجمعة لما روى أبو هريرة عن الرسول أنه قال: ((من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب شاة)) وفي حديث آخر: ((كبشاً أقرن)) ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر)) (2).
وروى أبو هريرة عن الرسول أنه قال: ((إذا كان يوم الجمعة كان على كل باب من أبواب المسجد ملائكة يكتبون الناس على منازلهم الأول فالأول فإذا خرج الإمام طويت الصحف)) (3).
ومن أين يكون تعيين هذه الساعات؟ فيه تردد.
والمختار: أن تعيينها يكون من طلوع الفجر لأنه أول اليوم، لأن اليوم والليلة أربع وعشرون ساعة، اليوم إثنتا عشرة ساعة، والليلة إثنتا عشرة ساعة.
سؤال: أمر الله بالسعي بعد النداء بقوله: {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا}[الجمعة:9]. وهو بعد الزوال فكيف ورد الاستحباب بالسعي قبل الزوال؟
وجوابه: أن السعي المأمور به بعد الزوال هو الواجب، وذلك لا يمنع استحباب السعي قبل الزوال لأن الوجوب لا يضاد الاستحباب.
__________
(1) أخرجه الحاكم في (المستدرك) 4/214، وهو في (مجمع الزوائد) 5/119، وفي (المعجم الكبير) 1/194، و(فتح الباري) 10/273.
(2) رواه الجماعة إلاَّ ابن ماجة.
(3) رواه البخاري ومسلم وابن ماجة في سننه 1/347، والنسائي 3/98، والبيهقي في (الكبرى) 3/226. وقال في (الجواهر): أخرجه الستة بروايات متقاربة. اهـ 2/22.

ويستحب: أن يمشي إلى الجمعة وعليه السكينة والوقار، ولا يركب من غير عذر، لما روى أوس بن أوس " (1)
عن الرسول أنه قال: ((من غَسَّلَ واغتسل يوم الجمعة وبكر وابتكر ومشى ولم يركب ودنى من الإمام فاستمع ولم يلغُ كان له بكل خطوة أجر عمل سنة صيامها وقيامها)) (2).
فإن كان عاجزاً عن المشي لم يكره له الركوب لأنه معذور في الركوب كما عذر في ترك القيام في الصلاة فهاهنا أحق وأولى.
ويستحب إذا بلغ باب المسجد، أن يصلي على الرسول ويقول: اللهم اجعلني من أوجه من توجه إليك وأقرب من تقرب إليك وألحح من طلب إليك.
الفرع السادس: ويكره التخطي لرقاب الناس في يوم الجمعة إلا للإمام لأنه معذور لأنه لا بد له من المحراب والمنبر الذي يصعد فوقه، ولما روي عن الرسول : أنه خرج يتهادى بين اثنين من مرضه حتى دخل المحراب.
وإن جلس رجل في موضع لم يجز لغيره أن يقيمه منه، لما روي عن الرسول أنه قال: ((لا يقيم الرجل الرجل من مجلسه ثم يجلس فيه ولكن يقول: تفسحوا وتوسعوا)) (3).
__________
(1) أوس بن أوس الثقفي الصحابي، له تراجم في (الجرح والتعديل) 2/303 و(تهذيب التهذيب) 1/333، و(الإصابة) 1/143 وغيرها، وملخصها: روى عنه النعمان بن سالم وغيره، روى عن النبي في فضل الاغتسال يوم الجمعة، وعنه أبو الأشعث الصنعاني، وأبو أسماء الرحبي وجماعة، روى له أصحاب السنن الأربعة أحاديث صحيحة، سكن دمشق ومات بها.
(2) أخرجه الحاكم في (المستدرك) 1/418، وأبو داود 1/95، والنسائي 3/95، وابن ماجة 1/346، واحمد في (المسند) 4/9.
(3) رواه أحمد 2/16، ومسلم 4/1414، عن جابر بلفظ: ((لا يقيمنَّ أحدكم أخاه يوم الجمعة ثم ليخالف إلى مقعده فيقعد فيه ولكن يقول: افسحوا)) وفي رواية: ((... ثم يخالفه إلى مقعده)).

فإن قام الجالس وأجلس غيره لم يكره له أن يجلس فيه، فأما القائم عنه فإن تقدم إلى موضع أقرب إلى الإمام لم يكره له ذلك، وإن كان أبعد من الإمام كره له ذلك، لأنه آثر غيره بالقربة دون نفسه.
وإن أمر غلامه أن يحوز له موضعاً يوم الجمعة فإذا جاء السيد تنحى الغلام عنه جاز ذلك، لما روي أن ابن سيرين كان يفعل ذلك.
وإن وجد ثوباً مفروشاً للصلاة لرجل في المسجد لم يجز له أن يجلس عليه، لأنه لا يجوز الإنتفاع بمال الغير من غير إذنه من غير ضرورة، ولا يرفعه عن مكانه لئلا يلزمه ضمانه، لكن ينحيه.
ويستحب إذا غشيه النعاس أن يقوم من موضعه إلى موضع آخر، لما روي عن رسول اللّه أنه قال: ((إذا نعس أحدكم في مجلسه فليتحول إلى غيره ))(1).
ولا يشبك بين أصابعه لأن ذلك مكروه في الصلاة، وما دام ينتظر الصلاة في الجمعة فهو في الصلاة، فلهذا كره الشبك في الجمعة.
ويستحب أن يقرأ سورة الكهف، لما روي عن الرسول أنه قال: ((من قرأ سورة الكهف ليلة الجمعة أو يومها وُقِيَ فتنة الدجال)). وفي حديث آخر: ((من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة غفر الله له ما بين الجمعة إلى الجمعة ))(2).
__________
(1) رواه أحمد والترمذي عن ابن عمر وصححه، وأبو داود وابن حبان في صحيحه عن إسحاق.
(2) وفي (الجواهر) 2/24: عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله قال: ((من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين)) رواه النسائي والبيهقي مرفوعاً، والحاكم مرفوعاً وموقوفاً، ورواه الدارمي موقوفاً على أبي سعيد ولفظه: ((من قرأ سورة الكهف ليلة الجمعة أضاء له من النور ما بينه وبين البيت العتيق)).

ويستحب أن يكثر من الصلاة على الرسول في يوم الجمعة وليلتها، لما روي عن الرسول أنه قال: ((أكثروا من الصلاة عليَّ يوم الجمعة فإني أسمع وأبلغ ))(1).
وفي حديث آخر: ((إن أقربكم إليَّ في الجنة أكثركم عليَّ صلاة فأكثروا من الصلاة عليَّ في الليلة الغراء واليوم الأزهر)) (2). يعني: ليلة الجمعة ويومها.
وتكره الحُبوة(3) والإمام يخطب في الجمعة، لما روى سهل بن معاذ (4)
عن أبيه عن رسول اللّه : أنه نهى عن الحُبوة في يوم الجمعة والإمام يخطب(5).
رواه الترمذي واستحسنه، وروي عن ابن عمر: جواز الحُبوة. والأول أقوى لما ذكرنا من الحديث.
__________
(1) في الحديث روايات إحداها عن أوس بن أوس قال: قال رسول الله : ((إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة فاكثروا علي من الصلاة فيه فإن صلاتكم معروضة علي)) فقالوا: يا رسول الله، كيف تُعرض صلاتنا عليك وقد أرمت؟ قال: يقول: بليت، قال : ((إن الله حرم على الأرض أجساد الأنبياء)) ذكره النووي في (الأذكار) ونسبه إلى سنن أبي داود والنسائي وابن ماجة.
(2) ذكره في (شعب الإيمان) 3/111 و(لسان الميزان) 4/456، و(الأم) للشافعي 1/208.
(3) جاء في (لسان العرب) ما لفظه: وقد احتبى بثوبه احتباءً، والإحتباء بالثوب: الاشتمال، والاسم: الحِبْوة والحُبْوة والحِبْيَة. اهـ 14/160.
(4) سهل بن معاذ بن أنس الجهني، روى عن أبيه، وعنه: الليث ويزيد بن أبي حبيب وفروة بن مجاهد، وصفه بعض رجال الحديث بالضعف (الجرح والتعديل) 4/203، وقال فيه آخرون بأنه من خيار أهل مصر، وكان ثبتاً، وإنما وقعت المناكير في أخباره من جهة زبان بن فائد (مشاهير علماء الأمصار) 1/140، وذكره ابن حبان في الثقات. (تهذيب التهذيب) 4/227.
(5) أخرجه أبو داود 1/290، والترمذي 2/390 في باب ما جاء في كراهية الاحتباء والإمام يخطب، وأحمد في (المسند) 3/439.

الفرع السابع: ويستحب: أن يصلي بعد الجمعة وقبلها ما كان يصلي في الظهر قبله وبعده لأنها عوض عن الظهر إذا تكاملت شروطها، ويجوز الكلام الخفيف إذا قعد الإمام بين الخطبتين كما لا يكره قبل خروجه للصلاة وعند نزوله عن المنبر قبل إنتهائه إلى المحراب كما ذكرناه من قبل.
وإن سلم رجل والإمام يخطب فهل يُرد السلام عليه أم لا؟ فيه تردد.
والمختار: أنه لا يسلم عليه لأن الرجل سلم في غير موضع سلام فلهذا لم يكن الجواب متوجهاً كما لو دخل وهم في الصلاة.
وإذا عرض ذكر الله تعالى بالتحميد والتعظيم وذكر صفاته الحسنى وذكر الرسول فإنه يكره أن يكثر اللغط بالتسبيح والتهليل لله تعالى، وذكر الصلاة على الرسول لأن ذلك كله يشغل الإمام عن الخطبة ويشغل المستمعين عن الإصغاء للسماع.
والمستحب أن يقولوا ذلك سراً من غير علو الأصوات به لما ذكرناه.
ويكره الحصب بالحصى لمن يتكلم في أثناء الخطبة لأنه ليس معهوداً، وروي عن ابن عمر أنه كان يحصب بالحصى من تكلم في الخطبة، ولا بأس بالإشارة بالسكوت إليه لأن الصحابة رضي الله عنهم أشاروا إلى الرجل الذي سأل عن الساعة، ولم ينكر الرسول إشارتهم.
ويستحب إذا شم رائحة من الطيب في امرأة ممن يجوز لها حضور الجمعة كالعجائز ومن لا رغبة للرجال فيهن، أن ينكر عليها، لما روي أن أبا هريرة رأى امرأة تفوح منها رائحة المسك، فقال لها: تطيبت للجمعة؟ فقالت: نعم. فقال لها: سمعت رسول اللّه يقول: ((أيما امرأة تطيبت للجمعة لم يقبل الله صلاتها حتى ترجع إلى بيتها فتغتسل غسلها من الجنابة))(1).
الفرع الثامن: ومن دخل والإمام في صلاة الجمعة نظرت، فإن أدرك شيئاً من الخطبة ولو مقدار آية كان مدركاً للجمعة، عند أئمة العترة والفقهاء.
__________
(1) رواه أبو داود 4/79، والحميدي في مسنده 2/429.

والحجة على ذلك: هو أن الخطبتين بمنزلة الركعتين، فإذا أدرك شيئاً منها صار كأنه أدرك ركعة ولا خلاف فيه، فإن لم يدرك شيئاً من الخطبة فهل تكون جمعة له بإدراك ركعة من الصلاة، أو يكون ظهراً في حقه؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه إذا لم يدرك شيئاً من الخطبة صلاها ظهراً، وهذا هو رأي الهادي، ومحكي عن عمر بن الخطاب وعطاء وطاووس ومجاهد.
والحجة على هذا: ما روي عن عمر بن الخطاب أنه قال: إنما جعلت الخطبتان مكان الركعتين فمن لم يدرك الخطبة صلاها أربعاً. ولم يرو خلافه عن أحد من الصحابة فجرى مجرى الإجماع في كونه حجة.
الحجة الثانية: هو أن المصلي لم يلحق شرطاً من شروطها فكان فرضه أن يصلي أربعاً كما لو لم يلحق الوقت أو لم يلحق الركعة الثانية من الجمعة.
المذهب الثاني: أنه يكون مدركاً، وإن لم يدرك شيئاً من الخطبة إذا أدرك ركعة منها ويتمها جمعة، وهذا هو رأي زيد بن علي، ومحكي عن ابن عمر وابن مسعود وأنس بن مالك من الصحابة رضي الله عنهم، والأوزاعي ومالك وأحمد بن حنبل والثوري، وهو رأي أبي حنيفة وأصحابه والشافعي وأصحابه.
والحجة على هذا: ما روى أبو هريرة عن الرسول أنه قال: ((من أدرك ركعة من الجمعة فليصل إليها أخرى ))(1).
الحجة الثانية: ما روي عن الرسول أنه قال: ((من أدرك ركعة من الجمعة فقد أدركها ، ومن أدرك دون الركعة صلاها ظهراً)) .
والمختار: ما قاله الإمام زيد بن علي ومن تابعه.
وحجتهم: ما ذكرناه.
ونزيد هاهنا: وهو أن المقصود من الجمعة إنما هو الصلاة فمن أدرك شيئاً منها فقد أدرك المقصود لأنها صلاة مفروضة فمن أدرك شيئاً منها فقد أدركها كالصلوات المفروضة.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: الخطبتان بمنزلة الركعتين كما حكي عن عمر، ولا مخالف له من الصحابة.
قلنا: عن هذا جوابان:
__________
(1) رواه النسائي وابن ماجة والدار قطني، واللفظ له عن ابن عمر رضي الله عنهما بزيادة: ((... وقد تمت صلاته)).

أما أولاً: فلأن هذا مذهب لعمر فلا حجة فيه لأنه كسائر المجتهدين، وإنما الحجة ما كان عن الله أو عن رسول اللّه .
وأما ثانياً: فلأن هذا معارض بما رويناه من الأخبار الدالة بصرائحها على ما ذهبنا إليه، فلا يمكن أن تعارض بمذاهب المجتهدين ولا بشيء من أنواع الأقيسة فلهذا وجب الإعتماد عليها.
قالوا: المصلي لم يلحق شرطاً من شروط الجمعة فكان فرضه أن يصلي أربعاً كما لو لم يلحق الوقت.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن هذا غير مقبول في مقابلة الأخبار الصريحة التي رويناها.
وأما ثانياً: فإنا نعارض هذه القياس بمثله فنقول: أدرك جزءاً من الصلاة فكان مدركاً لها كما لو أدرك ركعة من الظهر.
أو نقول: ذكر يتقدم الصلاة فلم يكن إدراكه إدراكاً للصلاة كالأذان.
أو نقول: ذكر يتقدم الصلاة فلم يكن فواته مخلاً بالصلاة كافتتاح الصلاة على رأي الهادي.
قالوا: المأموم ممن تنعقد به صلاة الجمعة فوجب أن يكون إدراك الخطبة شرطاً في حقه كالإمام.
قلنا: المعنى في الأصل: كون الإمام هو الخاطب بخلاف المأموم فإنه ليس خاطباً فلا جرم افترقا.
الفرع التاسع: ومن أدرك مع الإمام الركوع في الركعة الثانية فقد أدرك معه الجمعة، فإذا سلم الإمام قام المأموم وأضاف إليها ركعة أخرى وسلم، وإن أدركه بعد الركوع في الثانية فقد فاتته الجمعة، وما الذي يتوجه عليه في هذه الحالة؟ فيه أقوال أربعة:
القول الأول: أنه ينوي الظهر لأنه فرضه بعد بطلان جمعته، وهذا هو مذهب أئمة العترة، وأحد قولي الشافعي.
والحجة على هذا: قوله : ((من أدرك ركعة من الجمعة فقد أدركها، ومن أدرك دون الركعة صلاها ظهراً)). فهذا نص فيما ذهبنا إليه.
القول الثاني: أنه يلزمه أن ينوي الجمعة لأن الإمام لم يسلم فلهذا كان لاحقاً به، وهذا أحد قولي الشافعي، ومحكي عن ابن عمر وابن مسعود وأنس بن مالك ومالك والأوزاعي.

241 / 279
ع
En
A+
A-