ويستحب: أن يعتمد عند اشتغاله بالخطبة على قوس أو سيف أو عكاز أو عصى، لما روى الحكم بن حزن(1)
أن الرسول اعتمد على قوس في خطبته(2)،
ولأنه أسكن لجأشِهِ وأثبت لقلبه عن الإنزعاج والفشل والطيش، فإن لم يكن له شيء من ذلك سكن نفسه إما بأن يضع يمينه على شماله، وإما بأن يرسل يديه لئلا يعبث بهما في تنقية أنفه ومسح لحيته، وإما بأن يضع يديه على جانبي المنبر ويخطب خطبتين على ما مضى تقريره.
الحكم الثامن: ويستحب أن يقبل على الناس بوجهه ولا يستدبرهم، فإن خالف واستقبل القبلة مستدبراً للناس لم يكن مجزياً، لأن الغرض هو خطابهم بالخطبة، وهذا إنما يتأتى مع الإستقبال دون الاستدبار.
وحكي عن الشافعي: جواز ذلك. لكنه يكون مخالفاً للسنة.
وهل يحول وجهه في أثناء الخطبة يميناً وشمالاً أم لا؟ فيه وجهان:
__________
(1) قال ابن حجر في (تهذيب التهذيب)2/365: الحكم بن حزن الكلفي. حزن في (التقريب) بفتح [الحاء] المهملة وسكون الزاي، والكلفي في (لب اللباب) بضم الكاف وفتح اللام ثم فاء، بطن من تميم.
قال البخاري يقال: كلفة. من تميم، وفد على النبي ، روى عنه شعيب بن رزيق الطائفي، له عند أبي داود حديث واحد في خطبة الجمعة.
قلت: وقال الحازمي: الصحيح أنه منسوب إلى كلفة بن عوف بن نصر بن معاوية يعني ابن بكر بن هوازن، كذا ذكره غير واحد.
قلت: منهم خليفة وأبو عبيد والبرقي. وقال مسلم في (الوحدان): تفرد عنه شعيب.
(2) عن الحكم بن حزن -بفتح الحاء المهملة وسكون الزاي ثم نون- الكُلَفي-بضم الكاف وفتح اللام ثم فاء- قال: وفدت إلى رسول الله سابع سبعة أو تاسع تسعة، فدخلنا عليه فقلنا: يا رسول الله زرناك فادع الله لنا بخير، إلى أن قال: وشهدنا معه الجمعة فقام متوكئاً على عصا أو قوس... إلى آخره، اخرجه أبو داود وأورده ابن بهران في (تخريج البحر) 2/18 وابن حجر في (بلوغ المرام) صفحة 81 بالرقم 376، وهو في (نيل الأوطار)1/268.
أحدهما: المنع من ذلك. وهذا هو المحكي عن الشافعي.
ووجهه: أن المقصود هو سماع الناس وهذا يحصل مع استقبالهم بوجهه فلا وجه للتحويل.
وثانيهما: استحباب ذلك. كالأذان، وهذا هو المحكي عن أبي حنيفة.
والمختار: ما قاله أبو حنيفة، لأن المقصود إعلامهم، فلهذا استحب التحويل ليكون الإعلام شاملاً للجانبين.
وإن ارتج على الإمام في الخطبة فتعذر عليه الكلام؛ فالمستحب تلقينه والفتح عليه، لما روي عن الرسول أنه قرأ سورة هود في الصلاة فالتبس عليه آية فركع فلما فرغ قال: ((أليس فيكم أُبيٌّ))؟ قالوا: بلى. فقال: ((هلا رددت عليَّ))(1).
قال: إني ما كان الله ليراني وأنا أردُّ على رسول اللّه ، وروي عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه أنه قال: إذا استطعمكم الإمام فأطعموه. أراد: يفتح عليه.
الحكم التاسع: وهل يجوز شرب الماء البارد في حال الخطبة لتسكين العطش أو للتبرد؟
فحكي عن الشافعي: جوازه.
وقال مالك والأوزاعي وأحمد بن حنبل: لا يجوز ذلك. حتى قال الأوزاعي: إن فعل ذلك بطلت جمعته.
والمختار: جوازه.
والحجة على ذلك: هو أن الكلام غير مبطل لها فهكذا شرب الماء. والجامع بينهما: أنه فعل مباح فإذا لم يكن الكلام مبطلاً لها فهكذا شرب الماء.
فإن قرأ سجدة في خطبته فنزل فسجد جاز ذلك، لما روي عن عمر أنه فعل ذلك، وإن تركها جاز ذلك أيضاً لما روي أن عمر قرأ السجدة في الجمعة الثانية فتهيأ الناس للسجود فقال: أيها الناس على رسلكم فإن الله لم يكتبها علينا. ولم يسجد.
والقعدة التي بين الخطبتين تكون مقدار قدر سورة الإخلاص.
فإذا فرغ من الخطبة الثانية نزل وابتدأ المؤذن الإقامة بحيث يوافق بلوغه المحراب الفراغ من الإقامة.
__________
(1) صحيح ابن حبان 6/13، وسنن البيهقي الكبرى 3/212.
الحكم العاشر: ويباح الكلام بعد خروج الإمام قبل أن يبتدئ بالخطبة على ظاهر المذهب، وهو محكي عن الشافعي ومالك وأبي يوسف، ومحمد. لأن هذا الوقت ليس فيه شغل عن سماع الموعظة فلهذا كان مباحاً.
وهل يجوز الكلام ما بين الخطبة والصلاة أم لا؟
فالظاهر على المذهب: جوازه لما روي عن الرسول : أنه كان إذا نزل عن المنبر والمؤذن يقيم للصلاة فيقوم له الرجل فيحدثه ثم يجيبه ثم يتقدم للصلاة. فلو كان مكروهاً لم يفعله.
وحكي عن أبي حنيفة: كراهة ذلك.
والحجة على هذا: ما روي أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يركعون حتى يصعد الرسول المنبر، فإذا صعد المنبر قطعوا الركوع، وكانوا يتكلمون حتى يبتدئ بالخطبة، فإذا ابتدأ بها قطعوا الكلام، ففيما فعلوه دلالة على ما قلناه من إباحة الكلام في الحالين اللذين ذكرناهما.
الحكم الحادي عشر: فإذا شرع الإمام في الخطبة فهل يجب الإنصات ويحرم الكلام أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه يجب الإنصات ويحرم الكلام، وهذا هو المحكي عن الهادي والناصر وهو قول أبي حنيفة ومالك وأحمد بن حنبل، والقول القديم للشافعي.
والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أن رجلاً تكلم في حال الخطبة فقال الرسول : ((لا جمعة لك)) (1).
والحجة الثانية: روي أن رجلاً سأل أُبَيَّاً: متى نزلت هذه الآية؟ والإمام يخطب فقال له أُبَيُّ: ليس لك من صلاتك إلا ما لغوت. ثم سأل الرسول عن ذلك فقال: ((صدق أُبَيُّ)) (2).
المذهب الثاني: جواز الكلام الخفيف الذي لا يشغل عن سماع الخطبة، وهذا هو رأي القاسم ومحمد بن القاسم ومحمد بن يحيى، والقول الجديد للشافعي.
__________
(1) حكاه في (مجمع الزوائد) 2/185، ومصنف ابن أبي شيبة 1/458.
(2) رواه في (نيل الأوطار) 3/272 عن أبي الدرداء، وهو في (مجمع الزائد) 2/186، وسنن ابن ماجة 1/352، ومسند أحمد 2/393.
والحجة على هذا: ما روى أنس بن مالك: أن رجلاً دخل ورسول الله على المنبر يوم الجمعة فقال: يا رسول الله متى تكون الساعة؟ فأشار الناس إليه أن اسكت. فقال له رسول اللّه عند الثالثة: ((ويحك ما أعددت لها))؟ فقال: ما أعددت لها شيئاً ولكني أحب الله ورسوله. فقال الرسول : ((أنت مع من أحببت))(1).
لو كان الكلام محرماً لأنكره الرسول ، فلما أجابه دل على جواز ذلك.
والمختار: ما قاله الهادي والناصر ومن تابعهما من منع الكلام وحظره في حال الخطبة، قليله وكثيره.
وحجتهم: ما ذكرناه.
ونزيد هاهنا وهو قوله : ((إذا قلت أنصت والإمام يخطب فقد لغوت)). فظاهر هذا الخبر دال على المنع من الكلام قليله وكثيره.
الحجة الثانية: قوله تعالى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا}[الأعراف:204]. فأمر بالاستماع والإنصات ولا شك أن الكلام يبطل الاستماع والإنصات فلهذا كان ممنوعاً محرماً. وبه قال ابن عباس وابن مسعود وأبي بن كعب وابن عمر، وروي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: من رأيته يتكلم والإمام يخطب فاقرع رأسه بالعصى.
الحجة الثالثة: ولأنه ذكر جعل شرطاً في صحة الصلاة للجمعة فيجب أن يكون الكلام محرماً منهياً عنه كالإفتتاح والقراءة.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: روى أنس بن مالك أن رجلاً سأله في حال الخطبة: متى الساعة؟ فأجابه، فلو كان محظوراً لأنكره عليه.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلعله كان يخطب في غير الجمعة، أو كان قبل الشروع في الخطبة، أو كان بعد الفراغ منها.
__________
(1) أخرجه ابن خزيمة في صحيحه 3/149، والبيهقي في (الكبرى) 3/221، وأحمد في مسنده 3/202.
وأما ثانياً: فلأن هذا الخبر يعارضه ما ذكرناه من الأخبار الدالة على المنع من الكلام وإذا تعارضا وجب الترجيح، ولا شك أن أخبارنا أقوى وأشهر، ولأنها دالة على الخطر، وهذا الخبر يدل على الإباحة، وما دل على الحظر أحق بالقبول لما فيه من الإحتياط للدين.
ومن وجه آخر: وهو أن الإجماع منعقد على تحريم الكلام الكثير والمنع منه لأنه يضاد الاستماع والإنصات اللذين أمر بهما فيجب أن يكون ممنوعاً، ولا شك أن الكلام اليسير يدعو إلى الكثير وليس هناك مانع فلو سوغنا الكلام القليل لدعا إلى الكثير خاصة والنفوس مولعة بكثرة الكلام في أكثر الأحوال، ولكان في ذلك إبطال الغرض من سماع الموعظة والذكر، فلهذا كان المنع منه هو الأوجه ليقع الإنتفاع بسماع الخطبة والإقبال إليها.
ومن وجه آخر: وهو أن الكلام الخفي الذي لا يدرك يشغل عن سماع الخطبة فكيف حال الكلام الخفيف الذي يدرك؟ هو لا محالة اشغل للقلب وأبعد عن سماع الوعظ والتذكير كما قررناه.
وقد نجز غرضنا من الكلام في الأحكام المتعلقة بالخطبة ونرجع الآن إلى التفريع.
الفرع الخامس: فإذا فرغ الإمام من الخطبة نزل وصلى الجمعة ركعتين. ولا خلاف أن فرض الجمعة ركعتين مع الخطبتين وهو نقل الخلف عن السلف وفعله الخلفاء الراشدون والأئمة السابقون، واختلف العلماء فيما [هو] المستحب من القرآءة فيهما على أقوال أربعة:
القول الأول: أن المستحب أن يقرأ في الركعة الأولى بسورة ((الجمعة))، وفي الثانية بسورة ((المنافقون))، وهذا هو المحكي عن القاسم والهادي والناصر والشافعي، لما روى ابن عباس رضي الله عنه أن الرسول كان يقرأ بهما في صلاة الجمعة، وعن أمير المؤمنين كرم الله وجهه: أنه كان يقرأ بهما في صلاة الجمعة.
القول الثاني: محكي عن مالك: أنه يقرأ في الأولى بسورة ((الجمعة))، وفي الثانية بسورة ((الغاشية)).
القول الثالث: مروي عن أبي حنيفة وأصحابه: أنه يقرأ بما شاء من القرآن ولا تعيين هناك.
القول الرابع: محكي عن زيد بن علي: أنه يقرأ في الأولى بـ((حم السجدة)) وفي الثانية بـ((هل أتى على الإنسان)).
والمختار: أن الجواز حاصل في جميع القرآن، ولكن الكلام إنما هو في الأفضل، فالأفضل ما فعله الرسول وأمير المؤمنين كرم الله وجهه، فإن قرأ غيرهما من القرآن أجزأ، لما روى سمرة بن جندب: أن الرسول قرأ في الأولى بـ((سبح اسم ربك الأعلى))، وفي الثانية بسورة ((الغاشية))، وفي هذا دلالة على الجواز كما ذكرناه.
والجهر بالقرآءة في صلاة الجمعة هو السنة، وهذا هو رأي أئمة العترة وفقهاء الأمة، وهو معمول عليه عند السلف والخلف.
وروي عن بعض التابعين أنها تكون سراراً محتجاً بما روي عن الرسول أنه قال: ((صلاة النهار عَجْماء))(1).
فإن ظاهره غير معمول عليه لأن صلاة الفجر من صلاة النهار وهي مجهور بها، وإنما أراد أن الأكثر من صلاة النهار عَجماء.
فهذا ما أردنا ذكره في شروط الجمعة.
__________
(1) تقدم في الصلاة، وقد رواه عبد الرزاق في المصنف 2/493، وابن أبي شيبة في مصنفه 1/320، وابن عبد البر في (التمهيد) 3/310.
---
الفصل الثالث في بيان هيئة الجمعة
وهي من جملة الصلوات المفروضة لكنها تختص بسنن وآداب نفصلها ونشرحها كالغسل واللباس والتزيُّن وغير ذلك من السنن.
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول: الغسل سنة ومشروع.
والحجة على هذا: قوله : ((من توضأ يوم الجمعة فبِهَا ونعمت ومن اغتسل فالغسل أفضل. ))(1).
فجعل الغسل في يوم الجمعة أفضل، فدل على أنه غير واجب، ومعنى قوله: ((فبها ونعمت)). أي: فبالفريضة أخذ ونعمت الخلَّة الفريضة.
وحكي عن أبي عبيد الهروي عن الأصمعي أنه قال: فبالسنة أخذ ونعمت الفضيلة السنة.
وقال بعضهم: فبالرخصة أخذ ونعمت. لما فيها من تخفيف التكليف.
الحجة الثانية: ما روى عثمان بن عفان: أنه دخل المسجد وعمر يخطب على المنبر فقال: أي ساعة هذه؟ فقال عثمان: كنت في السوق فلم أشعر أن سمعت النداء فما زدت على أن توضأت وجئت. فقال عمر: والوضوء أيضاً. وقد علمت أن رسول اللّه كان يأمر بالغسل. فأقره عمر على ترك الغسل بمحضر من الصحابة، ولو كان واجباً لم يجز تركه، ولم يُقره عليه.
وهل يكون واجباً أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه غير واجب، وهذا هو رأي أئمة العترة القاسمية والناصرية، وهو محكي عن أكثر الفقهاء.
والحجة على هذا: قوله : ((من غَسَّل واغتسل وبكَّر وابتكر ولم يرفث خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه)) (2).
__________
(1) أخرجه الترمذي 2/369، والبيهقي في (الكبرى)1/295، وأبو داود1/97، والنسائي3/94.
(2) رواه البيهقي في (السنن الصغرى) 1/379، وعبد الرزاق في (المصنف) 3/260، والطبراني في (الكبير) 1/214.
ومعنى قوله: بكَّر إلى صلاة الصبح، وابتكر: راح إلى الجمعة في الساعة الأولى لما فيه من الفضل كما سنقرره، وإنما قال: ((ابتكر)). مبالغة في اللفظ لما فيه من أعمال الجوارح في المسير إلى الجامع أو إلى الجبان بخلاف قوله: ((بكر)). فإنه ليس فيه مشقة في الخروج للصلاة، وإليه الإشارة بقوله تعالى: {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ }[البقرة:286]. فظاهره دال: على أن الله يجزي على الفعل الخير بأدنى ملابسة، ولا يجزي على الشر إلا بأعمال الجوارح وإتعابها في المعصية، ومعنى قوله: ((غَسَّل واغتسل)). ففي قوله: ((غَسَّل)). روايتان:
الأولى: بالتخفيف. ومعناه: غَسَلَ أعضاء الوضوء وغسل جميع البدن.
الثانية: بالتثقيل. ومعناه: غَسَّل غيره واغتسل، وفيه إشارة إلى استحباب الوطء في يوم الجمعة؛ لما فيه من إيجاب الغسل على الغير.
المذهب الثاني: أن الغسل واجب، وهذا هو المحكي عن الحسن البصري، وداود وطبقته من أهل الظاهر.
والحجة على هذا: ما روي عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم)) (1).
وقوله : ((حق على كل مسلم أن يغتسل في كل ثمانية أيام يوماً)) (2).
والمختار: ما عليه علماء العترة ومن تابعهم من علماء الأمة [من أن الغسل غير واجب].
وحجتهم: ما ذكرناه.
__________
(1) أخرجه البخاري 1/300،305، وابن حبان 4/28،29، والبيهقي في (الكبرى) 1/293، وأبو داود في سننه 1/94، والنسائي في (المجتبى) 3/93.
(2) أخرجه البخاري 1/305، وابن حبان 4/33،35، ومسلم2/582، والبيهقي في (الكبرى) 3/188، وكلها بلفظ: ((...في كل سبعة أيام...)).
ونزيد هاهنا: وهو ما رواه أبو هريرة، وأبو سعيد الخدري، عن الرسول أنه قال: ((من اغتسل يوم الجمعة واستن واستاك ولبس أجدَّ ما يجد من الثياب وخرج ولم يتخط رقاب الناس وركع ما شاء الله أن يركع وأنصت إذا خرج الإمام كان كفارة ما بين تلك الجمعة إلى الجمعة قبلها))(1).
ووجه الدلالة في الخبر: وهو أنه عطف على الغسل هذه الأشياء المسنونة ومن حق المعطوف أن يشارك المعطوف عليه في حكمه، فإذا كان المعطوف مسنوناً كان المعطوف عليه مثله في السنة حتى يتسق الكلام ويتناسب.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: روي عن الرسول أنه قال: ((حق على كل مسلم أن يغتسل في كل ثمانية أيام يوماً )).
قلنا: ليس في الخبر إلا ذكر الحق، والحق كما يكون واجباً فقد يكون سنة. فإذن لا دلالة في ظاهر الخبر.
قالو: روي عن الرسول أنه قال: ((غسل الجمعة واجب على كل مسلم )).
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن الواجب لفظ مشترك بين وجوب الاختيار ووجوب الإلزام.
ونعني بوجوب الاختيار: أن الفعل واجب عند توفر الداعية إليه لا يجوز تخلفه.
ونعني بالإلزام: أنه يستحق الذم على تركه إما بالعقل، وإما بالشرع، فلعل الرسول أراد وجوب الاختيار لا وجوب الإلزام.
وأما ثانياً: فلأنا نعارض ما ذكروه بالأخبار التي رويناها، وإذا تعارضا فلا بد من الترجيح، ولا شك أن أخبارنا مشهورة ظاهرة، فلهذا كان العمل عليها أرجح.
الفرع الثاني: الغسل يوم الجمعة، هل يسن لليوم أو للصلاة؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه يسن للصلاة لقوله : ((من جاء منكم فليغتسل ))(2).
فعلى هذا لا يسن الغسل لمن لا يأتي الجمعة لعذر أو لغير عذر.
__________
(1) روي الحديث عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري، أخرجه ابن حبان في صحيحه 7/14، والحاكم في (المستدرك) 1/419، والبيهقي في (الكبرى) 3/243، وفي (الصغرى) 1/379.
(2) أخرجه الستة عن ابن عمر بلفظ: ((من جاء منكم إلى الجمعة فليغتسل)).
وثانيهما: أنه يسن لليوم لقوله : ((غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم )). فعلقه باليوم، وعلى هذا يسن لمن يحضر الصلاة ولمن لا يحضرها.
والمختار: أنه يسن لهما جميعاً ونجمع بين الأخبار في الدلالة ثم نحتمل أن يكون كل واحد منهما مقصوداً، فإن اغتسل يوم الجمعة ولم يصلّ كان موافقاً للسنة، وإن اغتسل قبل طلوع الفجر للصلاة كان موافقاً للسنة، وإن اغتسل يوم الجمعة للصلاة كان مطابقاً للسنة.
ويجوز أن يكون أحدهما مقصوداً والآخر تابعاً، فيحتمل أن يكون المقصود هو الصلاة واليوم تابع، ويحتمل أن يكون المقصود هو اليوم والصلاة تابعة.
والحجة على هذا: هو أن الأخبار قد دلت على تعليق السنة باليوم تارة وبالصلاة مرةً أخرى فلا جرم جمعنا بين الأخبار، وقلنا: إن السنة متعلقة بهما جميعاً على هذا التنزيل الذي ذكرناه والاحتمال الذي وجهناه، فإن اغتسل بعد الفجر وراح إلى الجمعة عقيبه فقد أتى بالأفضل، وإن لم يرح عقيبه أجزأه ذلك.
وحكي عن مالك: أنه لا يجزيه.
والحجة على ذلك: قوله : ((من توضأ يوم الجمعة فبِهَا ونعمت ، ومن اغتسل فالغسل أفضل)). ولم يفرق بين أن يروح عقيبه أو لا يروح.
وإن كان جنباً يوم الجمعة فاغتسل غسلين غسلاً من الجنابة وغسلاً ليوم الجمعة فقد أتى بالأفضل لما روي عن الرسول أنه طاف على نسائه في ليلة واحدة فاغتسل لكل وطءٍ غسلاً فقيل له: ألم يكن غسل واحد كافياً؟ قال: ((بلى. ولكن هذا أطيب وأطهر ))(1).
فإذا كانت الغسلات الواجبة مع اتفاقها في الوجوب لم تتداخل فهكذا حال الفرض والسنة لا يتداخلان أحق وأولى لاختلافهما.
وإن اغتسل غسلاً واحداً عنهما أجزأه إذا نواه عنهما، لما روى نافع عن ابن عمر أنه كان يغتسل يوم الجمعة غسلاً واحداً عن الجنابة والجمعة، ولأنهما غسلان ترادفا فأجزأه عنهما غسل واحد كما لو كان على المرأة غسل جنابة وغسل حيض.
__________
(1) رواه البيهقي في (الكبرى) 1/204، وابن ماجة 1/194، وأحمد 6/391.