---
القول في المكان
ولا بد من مراعاته، وهل يجب أن يكون مصراً أو قرية أو محلة أو درباً؟ فيه التردد الذي ذكرناه بين الأئمة والفقهاء فإنه قد مر الخلاف فيه وذكرنا من قبل أن القاسمية يذهبون إلى أن المصر غير معتبر وأنها كما تقام في المصر فإنها تقام في المحلة والدرب مما يكون مستوطناً لأهله. وأخرجنا من كان من أهل الخيام الذين يظعنون بالمواشي ولا يكون لهم قرار في موضع دون موضع. وهو رأي مالك، ومحكي عن الشافعي والناصر.
فأما زيد بن علي والباقر والمؤيد بالله وأبو حنيفة فيذهبون إلى أن الجمعة لا تقام إلا في الأمصار والمدن. وقد مضى الكلام في الأدلة للفريقين، وذكر المختار والانتصار له فأغنى عن الإعادة.

---
القول في الخطبتين
والخطبتان مشروعتان لما روي عن الرسول أنه كان يخطب في الجمعة خطبتين يقعد بينهما، ولا خلاف في كونهما مشروعتين. وهل تكونان واجبتين أم لا؟ فيه مذاهب ثلاثة:
المذهب الأول: أنهما واجبتان وهذا هو رأي أئمة العترة القاسمية والناصرية، ومحكي عن الشافعي ومالك.
والحجة على هذا: هو أن الرسول لم يصل الجمعة إلا بخطبتين وقد قال: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)).
المذهب الثاني: أن الخطبتين مستحبتان، وهذا هو المحكي عن الحسن البصري وعبدالملك الجويني وداود من أهل الظاهر.
والحجة على هذا: هو أن الرسول فعلهما والفعل ليس فيه دلالة على الوجوب وإنما يحمل فعله على الاستحباب.
المذهب الثالث: أن الخطبة الواحدة كافية في الوجوب. وهذا شيء يحكى عن أبي حنيفة.
والحجة على هذا: هو أن المقصود بالخطبة إنما هو التعريف بفضل الجمعة والحث عليها وتذكير الناس بالوعظ والخوف، وهذا حاصل بالخطبة الواحدة فلهذا كانت كافية.
والمختار: ما عليه أئمة العترة وأكثر الفقهاء من القول بوجوبهما.
وحجتهم: ما ذكرناه.
ونزيد هاهنا: وهو قوله تعالى: {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا}[الجمعة:9]. وظاهر الأمر للوجوب، وأحوال الجمعة مجملة وهي موكولة إلى بيانه، وقد قال : ((صلوا كما رأيتموني أصلي)). ولم يكن يصلي الجمعة إلا بالخطبتين فلهذا قضينا بوجوبهما، ولأنهما خلف عن الركعتين، قال عمر رضي الله عنه: إنما قصرت الصلاة لأجل الخطبتين.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: الفعل لا يدل على الوجوب.
قلنا: إنا لم نقل إن الفعل دلالة على الوجوب وإنما الفعل بيان لما أجمل في الجمعة ودلالة الوجوب هي قوله تعالى: {فَاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ}[الجمعة:9]. وقوله : ((صلوا كما رأيتموني أصلي)). فهاذان أمران، والأمر ظاهره يدل على الوجوب إلا لدلالة تدل على كونه ندباً.
قالوا: الخطبة الواحدة كافية كما حكي عن أبي حنيفة.

قلنا: الذي دل على وجوب الخطبة هو بعينه دال على كونهما خطبتين وهو الأمر بقوله : ((صلوا كما رأيتموني أصلي)).
قالوا: روي عن عمار أنه خطب فأوجز. وفي هذا دلالة على أن الذكر القليل من الخطبة فيه كفاية فلهذا قلنا: بأن الواجب واحدة.
قلنا: الإيجاز لا يدل على عدم الوجوب فالواجب خطبتان، ويستحب إيجازهما.
قالوا: روي أن عثمان ارتج عليه على المنبر في الخطبة فقال: أيها الناس إن أبا بكر وعمر كانا يعدان لهذا المقام مقالاً وإنكم إلى إمام فعَّال أحوج منكم إلى إمام قوال وأنا أستغفر الله لي ولكم. ونزل عن المنبر، وفي هذا دلالة على أن الذكر القليل كاف فلهذا قدر بالخطبة الواحدة.
قلنا: عن هذا أجوبة:
أما أولاً: فأكثر ما في هذا أن هذا مذهب لعثمان واجتهاد له فلا يلزمنا قبوله.
وأما ثانياً: فلعله ارتج عليه بعدما أتى بالقدر الواجب الذي نذكره في الخطبتين.
وأما ثالثاً: فلعل هذا الكلام إنما كان في الخطبة الثانية بعد ذكر الواجب منها وإذا كان ما قلناه محتملاً بطل ما ذكروه.
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول: الطهارة من الحدث والنجاسة وستر العورة مشروعة في الخطبتين لأن الرسول كان يخطب على هذه الصفة، وقد قال: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)). ولأن الخلفاء الراشدين والأئمة السابقين كانوا يفعلون ذلك، وقد قال : ((ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن)).
وهل تكون الطهارة من الحدث والنجس واجبة أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أن ذلك واجب، وهذا هو الذي ذكره السيد أبو العباس وأبو طالب، وهو قول الشافعي في الجديد.
والحجة على هذا: هو أنه ذكر في الصلاة فاشترط فيه الطهارة، دليله: تكبيرة الإحرام للصلاة.
المذهب الثاني: أنه غير واجب، وهذا هو قول مالك، ومحكي عن أبي حنيفة، وهو قول الشافعي في القديم.
والحجة على هذا: هو أنه ذكر يتقدم الصلاة فلم تشترط فيه الطهارة كالأذان.
والمختار: ما قاله السيد أبو طالب وأبو العباس ومن تابعهما.

وحجتهم: ما ذكرناه.
ونزيد هاهنا: وهو قوله : ((صلوا كما رأيتموني أصلي)).
وستر العورة واجب بالأدلة التي قدمناها في الصلاة على الوجوب. وهو أحد قولي الشافعي، وقوله القديم: أنه غير واجب في الخطبة.
فإن أحدث في خطبته مسبوقاً أو متعمداً بطلت وعليه أن يستأنفها لأن الخطبتين بمنزلة الركعتين اللتين أُسقطتا من الصلاة.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا: ذكر يتقدم الصلاة فلم تجب [فيه الطهارة] كالأذان.
قلنا: المعنى في الأصل: أنه ليس شرطاً في الصلاة بخلاف ما ذكرنا في الخطبتين فإنهما شرط في صحة صلاة الجمعة فافترقا.
الفرع الثاني: والقيام مشروع في الخطبة لما جرت عليه عادة الرسول ومن بعده أنهم كانوا يخطبون قياماً. وهل يكون واجباً أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه ليس واجباً، وهذا هو الذي ذكره أبو العباس، ومحكي عن أبي حنيفة وأحمد بن حنبل.
والحجة على هذا: هو أن الوجوب لا بد من دلالة عليه. ومطلق الفعل لا يدل على الوجوب لأنه لا ظاهر للفعل، والذي يقطع من الفعل على كونه مباحاً، فأما دلالته على الوجوب والندب فلا بد من دلالة خارجة.
المذهب الثاني: أنه واجب وهذا هو رأي الشافعي.
والحجة على هذا: ما روى جابر بن سَمُرة أنه قال: كان الرسول يخطب الخطبتين وهو قائم ثم يجلس ثم يقوم. فمن حدثك أنه كان يخطب قاعداً فقد كذب فقد صليت خلفه أكثر من ألف صلاة وقد قال : ((صلوا كما رأيتموني أصلي)).
فإن قعد لعذر أو مرض أجزأه كما جاز ذلك في الصلاة.
والمختار: هو الوجوب كما قاله الشافعي.
والحجة على ذلك: هو أن المعلوم من حال الرسول وحال الخلفاء بعده وحال الأئمة أنهم ما كانوا يخطبون إلا قياماً، ولم يحك عن أحدٍ منهم أنه خطب قاعداً فلو كان جائزاً لفعل على ممر الدهور وتكرر الأعصار وفي هذا دلالة على الوجوب.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.

قالوا: الفعل لا دلالة فيه على الوجوب بمطلقه بل لا بد من دلالة غير مطلقة ولا دلالة فلهذا قضينا بالاستحباب فيه لفعل الرسول .
قلنا: تكرر العادات من جهة الرسول وعادة الخلفاء والأئمة دلالة زائدة على مطلق الفعل، فلأنه لو كان مستحباً لجاز تركه على العادات المتكررة.
الفرع الثالث: القعود بين الخطبتين مشروع لفعل الرسول . وهل هي(1)
اجبة أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنها سنة مستحبة وهذا هو الذي ذكره السيدان أبو طالب وأبو العباس، وهو محكي عن أبي حنيفة ومالك وأحمد بن حنبل.
والحجة على هذا: هو أنا لم نأخذ الدلالة عليها إلا من جهة فعل الرسول ، ومطلق الفعل ليس فيه دلالة على الوجوب وإنما دليل على كونها سنة مستحبة.
المذهب الثاني: أنها واجبة وهذا هو المحكي عن الشافعي.
والحجة على هذا: ما روى جابر بن سمرة أن الرسول كان يفصل بين الخطبتين بجلسة.
فإن خطب قاعداً لأجل العجز والمرض، فصل بينهما بسكتة. وإن كان لا يقدر على القعود فصل بينهما بسكتة أيضاً.
والمختار: هو الوجوب.
والحجة عليه: هو أن الذي دل على وجوب القيام في الخطبتين هو بعينه دال على وجوب القعدة بينهما فلا وجه لتكريره.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا: الفعل لا دلالة فيه على الوجوب.
قلنا: قد أجبنا عن هذا في الدلالة على وجوب القيام فأغنى عن تكريره.
الفرع الرابع: في الذكر الذي تشتمل عليه الخطبتان.
ويشتمل على أحكام(2) نفصلها.
والذكر مشروع في الخطبتين لا خلاف فيه، وإنما الخلاف فيما يكون واجباً وما يكون مسنوناً.
الحكم الأول: المشروع من الذكر في الخطبة الأولى أمور أربعة:
أولها: حمدالله تعالى.
وثانيها: الصلاة على الرسول .
وثالثها: الموعظة لمن حضر من المسلمين وتعريفهم فضل الجمعة وحثهم على فروضها وسننها.
ورابعها: قرآة سورة من المفصل أو ثلاث آيات.
__________
(1) ربما أراد الجلسة أو القعدة فأنث الضمير وهو هنا عائد على القعود.
(2) أحد عشر حكماً.

والمشروع في الخطبة الثانية أمور أربعة:
أولها: حمدالله تعالى.
وثانيها: الصلاة على الرسول .
وثالثها: الدعاء للإمام المخطوب له بالإعانة له على ما يحمله من أمور المسلمين، وإن خاف من ذكره كنى عنه.
ورابعها: الدعاء للمسلمين والمسلمات.
فهذه الأمور كلها مشروعة لأنه قد جرى عمل المسلمين على فعلها والمواضبة عليها.
الحكم الثاني: قرآة سورة من المفصل أو ثلاث آيات، وهل تكون واجبة أم لا؟
فالظاهر من المذهب وجوبها على ما ذكره السيد أبو طالب وهو رأي الشافعي.
والحجة على هذا: ما روى سمرة بن جندب عن الرسول أنه كان يخطب قائماً ويقرأ آيات(1). وحكي عن الشافعي أنه ذكر في (الإملاء) أنها غير واجبة، والصحيح من مذهبه ما ذكره في (الأم) من وجوبها.
وفي محل القرآة ثلاثة أقوال:
القول الأول: أن محلها هو آخر الخطبة الأولى دون الثانية، وهذا هو المحكي عن السيد أبي طالب، وهو المذكور في (الإيضاح) عن الشافعي.
القول الثاني: أن محلها في كل واحدةٍ من الخطبتين لأن كل ما كان واجباً في إحدى الخطبتين فهو واجب في الأخرى، وهذا محكي عن بعض أصحاب الشافعي.
القول الثالث: أن محلها إحدى الخطبتين لا على جهة التعيين. وهذا أيضاً مذكور عن بعض أصحاب الشافعي.
والأمر في هذا قريب لكن الأولى ما قاله أبو طالب؛ لأن عمل الأئمة قد جرى عليه و((ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن)).
الحكم الثالث: الذكر للإمام المخطوب له مشروع، وهل يكون واجباً أم لا؟ فيه رأيان:
الرأي الأول: أنه واجب، ذكره السيد أبو طالب. فيذكره إما بالتصريح، وإما بالكناية لأن عمل المسلمين قد جرى بذلك.
والرأي الثاني: أنه غير واجب. وهذا هو الذي ذكره المؤيد بالله.
قال المؤيد بالله: فالتولية هي الواجبة، وأما ذكر الإمام المخطوب له فلا أراه شرطاً في صحتها ولا أرى له تأثيراً.
__________
(1) رواه النسائي 3/110، وابن ماجة 1/351، وأحمد 5/107 بلفظ: كان يخطب قائماً ثم يجلس ثم يقوم ويقرأ ...إلخ.

وسئل عطاء عن ذكر الإمام فقال: إنه محدث.
وأما الدعاء للمسلمين وللإمام فهل يكون واجباً أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه واجب، وهذا هو الذي ذكره السيد أبو طالب، وهو محكي عن المزني من أصحاب الشافعي.
وثانيهما: أنه غير واجب؛ لأنه لا يجب في غير الخطبة فلا يجب في الخطبة.
وإن خطب بالناس رجل وصلى بهم آخر، فهل يجوز أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه مجزي وهذا هو ظاهر المذهب، ومحكي عن أبي حنيفة والشافعي في الجديد.
ووجهه: أن الخطبة ذكر يتقدم الصلاة فأشبه الأذان وقد تقرر أنه يجوز أن يؤذن رجل ويصلي بالناس آخر.
وثانيهما: أن ذلك غير جائز وهو محكي عن الشافعي في القديم.
ووجهه: أن الخطبتين صارا عوضاً عن الركعتين فكما لا يجوز ذلك في الصلاة فهكذا الخطبتين.
والمختار: هو الأول، وإنما لم يجز ذلك في الصلاة لأن الشرط فيها الموالاة بخلاف الخطبة مع الصلاة.
الحكم الرابع: الحمد يتعين لفظه ولا يقوم غيره مقامه، والصلاة على النبي تتعين ولا يقوم غيرها مقامها، وأما الوعظ والتذكير فلا يتعين لفظهما لأن المقصود هو التخويف والتحذير. وأبواب المواعظ وإن اتسعت مسالكها فهي راجعة إلى الأمر بالطاعة والتحذير عن المعصية. والدعاء للمؤمنين والمؤمنات فلا يتعين لأن المقصود بالدعاء هو الفوز بالجنة والبعد عن النار. والمستحب ألا يقتصر في الدعاء على حظوظ الدنيا.
ويجب رفع الصوت بالخطبة لأن المقصود هو إسماع الحاضرين الوعظ والتذكير وسائر الأذكار ،وهذا لا يحصل بالإسرار فلهذا وجب اشتراط الجهر.
وأقل ما يجزي في الخطبة أن يقول الخطيب: الحمدلله والصلاة على رسول الله أطيعوا الله يرحمكم اللّه، ويقرأ آية.
وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: يجزيه، سبحان الله ولا إله إلا اللّه.
وعن أبي يوسف ومحمد: أنه لا يجزيه حتى يأتي بكلام يسمى خطبة في العادة.
وعن مالك روايتان:
إحداهما: أن كل من سبح أو هلل أعاد ما لم يصل.
والثانية: أنه لا يجزيه إلا ما تسميه العرب خطبة.

والمختار: ما قاله أصحابنا من تلك الأنواع الأربعة.
والحجة على ما قلناه: قوله تعالى: {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ}[الجمعة:9]. ولم يبين كيفية الذكر، وكيفيته مأخوذة من فعل الرسول وقد روي عن الرسول أنه كان يأتي في الخطبة بجميع ما ذكرناه.
الحكم الخامس: ويستحب أن تكون الخطبة قريبة من الأفهام، بليغة في الوعظ، خلية من غريب الكلام ووحشيه، مؤداة على ترتيل، مائلة إلى القصر. لما روى ابن عباس رضي الله عنه أن الرسول خطب يوماً فقال: ((الحمد لله نستعينه ونستنصره ونستهديه. ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعص الله ورسوله فقد غوى))(1).
وروي عن الرسول أنه خطب فقال: ((ألا إن الدنيا عرض حاضر يأكل منها البَرُّ والفاجر.، والآخرة وعد صادق يحكم فيها ملك قادر، ألا وإن الخير بحذافيره في الجنة، ألا وإن الشر بحذافيره في النار، ألا فاعملوا وكونوا من الله على حذر، واعلموا أنكم معروضون على أعمالكم من يعمل مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره)).
وروى جابر أن الرسول خطب يوم الجمعة فحمد الله تعالى وأثنى عليه ثم قال على إثر ذلك، وعلا صوته واشتد غضبه واحمرت وجنتاه كأنه منذر جيش: ((بعثت أنا والساعة كهاتين)) وأشار بالسبابة والوسطى ثم قال: ((إن أفضل الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد، شر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة من ترك مالاً فلأهله، ومن ترك ضياعاً أو عيالاً فإليَّ))(2)
__________
(1) أورده الشافعي في مسنده 1/67، وفي (الأم) 1/202.
(2) رواه مسلم، وللنسائي (زيادة): ((...وكل ضلالة في النار)).

والهدي بفتح الهاء وتسكين الدال: هي الطريقة. يقال: فلان حسن الهدي. أي: حسن الطرائق وحسن المذاهب. قاله الهروي في غريبه. والضياع بفتح الضاد: العيال. قال العتيبي: هو مصدر ضاع يضيع ضياعاً. فجاء بالمصدر نائباً عن الإسم كما جاء المصدر في قوله تعالى: {لاَ تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ}[المائدة:95] نائباً عن الإسم. فأما من رواه بالكسر في الضاد فهو محتمل لمعنيين:
أحدهما: أن يكون جمعاً لضائع كجائع وجياع.
وثانيهما: أن يكون جمعاً لضيعة كقولك: حربة وحراب.
فهذه خطب الرسول مشتملة على ما ذكرناه.
الحكم السادس: ويجب أن يأتي بالخطبة بالعربية لأن الرسول والخلفاء بعده كانوا يخطبون بالعربية وقد قال الرسول : ((صلوا كما رأيتموني أصلي)). فإن لم يوجد فيهم من يحسن العربية، أجزأهم ذلك لأجل العذر، ويجب أن يتعلم واحد منهم العربية.
ويستحب: تقصير الخطبة وتطويل الصلاة لما روي عن الرسول أنه قال: ((طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنَّة من فقهه))(1).
والمئنَّة: بهمزة ونون: القوة(2).
ويستحب: أن يخطب على شيء مرتفع كالمنبر والدرجة والحجر، لما روي عن الرسول أنه لما دخل المدينة خطب على جذع مستنداً إليه في المسجد ثم وُضع له منبر فصعده، وتحول إليه فحن الجذع حتى سمعه أهل المسجد فضمه فسكن(3)،
ولأنه أبلغ في الإعلام.
__________
(1) صحيح مسلم 2/594، وسنن البيهقي الكبرى 3/208.
(2) في هامش الأصل: المئنة: العلامة، قال الجوهري: وهم يروونها في الحديث والشعر بتشديد النون، وحقه عندي أن يقال: مئينة مثال معينة على فعيله، وكان أبو زيد يقول: مئتة بالتاء، أي مخلقة لذلك ومجدرة ومحرأة.
قال الأصمعي: سألني شعبة عن هذا؟ فقلت: مئنة، أي علامة لذلك وخليق لذاك. اهـ.
(3) أخرجه الترمذي 2/379، وابن أبي شيبة 6/319، وأحمد 1/249.

ويستحب: أن يكون المنبر ثلاث مراق من غير زيادة. ويكره أن يكون منيفاً عالياً لما روي أن منبره كان ثلاث مراق. وإنما كره علوه لمخالفته لمنبر رسول اللّه ، ولأن هذا دأب الظلمة وأهل الجور.
ويستحب: أن يكون المنبر عن يمين المحراب وهو الموضع الذي يكون عن يمين الإمام إذا توجه للقبلة لأن الرسول وضع منبره على هذه الصفة.
ويستحب للإمام، إذا دخل المسجد: أن يسلم على الناس عند دخوله فإذا بلغ المنبر صلى ركعتين تحية المسجد، لما روي عن الرسول أنه قال: ((لكل شيء تحية وتحية المسجد ركعتان))(1)
ثم يصعد فإذا بلغ الدرجة التي يستريح بالقعود عليها التفت إلى الناس، وهل يسلم عليهم أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه يسلم لما روي أن الرسول كان يسلم على من عند المنبر ثم يصعد فإذا استقبل الناس بوجهه سلم أيضاً.
وثانيهما: أنه لا يسلم ويكره السلام. وهذا هو المحكي عن مالك، وأبي حنيفة. لأنه قد سلم عند دخوله فلا معنى لإعادته.
الحكم السابع: والمختار: أنه إذا صعد المنبر التفت إلى الناس بوجهه ثم يقعد للإستراحة من طلوع المنبر من غير سلام ثم يؤذن المؤذن فإذا فرغ من أذانه قام للخطبة ثم يسلم على الناس قبل الخطبة لما روي عن الرسول أنه قال: ((السلام قبل الكلام))(2).
ولا يغنيه السلام الأول عند دخوله المسجد لما روي أن أصحاب رسول اللّه كانوا إذا مروا في طريق تَحُولُ بين بعضهم وبين بعضٍ شجرة سلم بعضهم على بعض، ولأن الأول سلام لأجل الملاقاة والمخالطة، والثاني سلام لأجل الكلام والمخاطبة، فأحدهما مخالف للآخر، ثم يؤذن المؤذن في حال قعوده فإذا فرغ من أذانه قام لخطبته.
ويستحب: أن يكون المؤذن واحداً لما روي عن الرسول أنه لم يكن يؤذن له يوم الجمعة إلا واحد.
__________
(1) تقدم.
(2) رواه الترمذي 5/59، وأبو يعلى في مسنده 4/48.

239 / 279
ع
En
A+
A-