وحكي عن الشافعي أنه ذكر في (الإملاء) أنها غير واجبة، والصحيح من مذهبه ما ذكره في (الأم): من وجوبها، وفي محل القرآة ثلاثة أقوال:
القول الأول: أن محلها هو آخر الخطبة الأولى دون الثانية، وهذا هو المحكي عن السيد أبي طالب، وهو المذكور في (الإيضاح) عن الشافعي.
القول الثاني: أن محلها في كل واحدةٍ من الخطبتين لأن كل ما كان واجباً في إحدى الخطبتين فهو واجب في الأخرى، وهذا محكي عن بعض أصحاب الشافعي.
القول الثالث: أن محلها إحدى الخطبتين لا على جهة التعيين وهذا أيضاً مذكور عن بعض أصحاب الشافعي، والأمر في هذا قريب لكن الأولى ما قاله أبو طالب لأن عمل الأئمة قد جرى عليه و((ما رآه المسلمون حسناً فهو عند اللّه حسن)).
الحكم الثالث: الذكر للإمام المخطوب له مشروع، وهل يكون واجباً أم لا؟ فيه رأيان:
الرأي الأول: أنه واجب، ذكره السيد أبو طالب فيذكره إما بالتصريح، وإما بالكناية لأن عمل المسلمين قد جرى بذلك.
والرأي الثاني: أنه غير واجب. وهذا هو الذي ذكره المؤيد بالله.
قال المؤيد بالله: فالتولية هي الواجبة، وأما ذكر الإمام المخطوب له فلا أراه شرطاً في صحتها ولا أرى له تأثيراً، وسئل عطاء عن ذكر الإمام فقال: إنه محدث.
وأما الدعاء للمسلمين وللإمام فهل يكون واجباً أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه واجب، وهذا هو الذي ذكره السيد أبو طالب، وهو محكي عن المزني من أصحاب الشافعي.
ثوانيهما: أنه غير واجب؛ لأنه لا يجب في غير الخطبة فلا يجب في الخطبة، وإن خطب بالناس رجل وصلى بهم آخر، فهل يجوز أم لا؟ فيه وجهان: يجزي وهذا هو ظاهر المذهب، ومحكي عن أبي حنيفة والشافعي في الجديد.
ووجهه: أن الخطبة ذكر يتقدم الصلاة فأشبه الأذان وقد تقرر أنه يجوز أن يؤذن رجل ويصلي بالناس آخر.
وثانيهما: أن ذلك غير جائز وهو محكي عن الشافعي في القديم.
ووجهه: أن الخطبتين صارا عوضاً عن الركعتين فكما لا يجوز ذلك في الصلاة فهكذا الخطبتين.
والمختار: هو الأول، وإنما لم يجز ذلك في الصلاة لأن الشرط فيها الموالاة بخلاف الخطبة مع الصلاة.
الحكم الرابع: الحمد يتعين لفظه ولا يقوم غيره مقامه، والصلاة على النبي تتعين ولا يقوم غيرها مقامها، وأما الوعظ والتذكير فلا يتعين لفظهما لأن المقصود هو التخويف والتحذير وأبواب المواعظ وإن اتسعت مسالكها فهي راجعة إلى الأمر بالطاعة والتحذير عن المعصية، والدعاء للمؤمنين والمؤمنات فلا يتعين لأن المقصود بالدعاء هو الفوز بالجنة والبعد عن النار، والمستحب ألا يقتصر على الدعاء على حظوظ الدنيا ويجب رفع الصوت بالخطبة لأن المقصود هو إسماع الحاضرين الوعظ والتذكير وسائر الأذكار وهذا لا يحصل بالإسرار فلهذا وجب اشتراط الجهر وأقل ما يجزي في الخطبة أن يقول الخطيب: الحمدلله والصلاة على رسول اللّه أطيعوا اللّه يرحمكم اللّه، ويقرأ آية، وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: يجزيه سبحان اللّه ولا إله إلا اللّه. وعن أبي يوسف ومحمد: أنه لا يجزيه حتى يأتي بكلام يسمي خطبته في العادة، وعن مالك روايتان:
إحداهما: أن كل من سبح أو هلل أعاد ما لم يصل.
والثانية: أنه لا يجزيه إلا ما يسميه العرب خطبة.
والمختار: ما قاله أصحابنا من تلك الأنواع الأربعة.
والحجة على ما قلناه: قوله تعالى: {إِذَا نُودِي لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ}[الجمعة:9]. ولم يبين كيفية الذكر، وكيفيته مأخوذة من فعل الرسول وقد روي عن الرسول أنه كان يأتي في الخطبتين بجميع ما ذكرناه.
الحكم الخامس: ويستحب أن تكون الخطبة قريبة من الأفهام بليغة في الوعظ خلية من غريب الكلام ووحشيه مؤداة على ترتيل مائلة إلى القصر لما روى ابن عباس رضي اللّه عنه أن الرسول خطب يوماً فقال: ((الحمد لله نستعينه ونستنصره ونستهديه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهد اللّه فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد ألا إله إلا اللّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، من يطع اللّه ورسوله فقد رشد ومن يعص اللّه ورسوله فقد غوى)) (1).
وروي عن الرسول أنه خطب فقال: ((ألا إن الدنيا عرض حاضر يأكل منها البَرُّ والفاجر، والآخرة وعد صادق يحكم فيها ملك قادر، ألا وإن الخير بحذافيره في الجنة، ألا وإن الشر بحذافيره في النار، ألا فاعملوا وكونوا من اللّه على حذر، واعلموا أنكم معرضون على أعمالكم من يعمل مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره)) (2).
وروى جابر أن الرسول خطب يوم الجمعة فحمد اللّه تعالى وأثنى عليه ثم قال على أثر ذلك: وعلا صوته واشتد غضبه واحمرت وجنتاه كأنه منذر جيش ((بعثت أنا والساعة كهاتين)) وأشار بالسبابة والوسطى ثم قال: ((إن أفضل الحديث كتاب اللّه وخير الهدي هدي محمد، شر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة من ترك مالاً فلأهله، ومن ترك ضياعاً أو عيالاً فإليَّ))(3)
ـ والهدى بفتح الهاء وتسكين الدال هي الطريقة يقال: فلان حسن الهدى. أي: حسن الطرائق وحسن المذاهب قاله الهروي في غريبه والضياع بفتح الضاد العيال. قال العتيبي هو مصدر ضاع يضيع ضياعاً فجاء بالمصدر نائباً عن الإسم كما جاء المصدر في قوله تعالى: {لاَ تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ}[المائدة:95] نائباً عن الإسم، فأما من رواه بالكسر في الضاد فهو محتمل لمعنيين:
__________
(1) أورده الشافعي في مسنده 1/67، وفي (الأم) 1/202.
(3) رواه مسلم، وللنسائي (زيادة): ((...وكل ضلالة في النار)).
أحدهما: أن يكون جمعاً لضائع كجائع وجياع.
وثانيهما: أن يكون جمعاً لضيعة كقولك: حربة وحراب، فهذه خطب الرسول مشتملة على ما ذكرناه.
الحكم السادس: ويجب أن يأتي بالخطبة بالعربية لأن الرسول والخلفاء بعده كانوا يخطبون بالعربية وقد قال الرسول : ((صلوا كما رأيتموني أصلي)). فإن لم يوجد فيهم من يحسن العربية أجزأهم ذلك لأجل العذر، ويجب أن يتعلم واحد منهم العربية.
ويستحب: تقصير الخطبة وتطويل الصلاة لما روي عن الرسول أنه قال: ((طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنَّة من فقهه2))(1).
والمئنَّة: بهمزة ونون: القوة(2).
ويستحب: أن يخطب على شيء مرتفع كالمنبر والدرجة والحجر لما روي عن الرسول أنه لما دخل المدينة خطب على جذع مستنداً إليه في المسجد ثم وضع له منبر فصعده، وتحول إليه فحن الجذع حتى سمعه أهل المسجد فضمه فسكن(3)،
لأنه أبلغ في الإعلام.
ويستحب: أن يكون المنبر ثلاث مراق من غير زيادة ويكره أن يكون منيفاً عالياً لما روي أن منبره كان ثلاث مراق وإنما كره علوه لمخالفته لمنبر رسول اللّه ، ولأن هذا دأب الظلمة وأهل الجور.
ويستحب: أن يكون المنبر عن يمين المحراب وهو الموضع الذي يكون عن يمين الإمام إذا توجه للقبلة لأن الرسول وضع منبره على هذه الصفة.
ويستحب للإمام: إذا دخل المسجد أن يسلم على الناس عند دخوله فإذا بلغ المنبر صلى ركعتين تحية المسجد، لما روي عن الرسول أنه قال: ((لكل شيء تحية وتحية المسجد ركعتان))(4)
__________
(1) صحيح مسلم 2/594، وسنن البيهقي الكبرى 3/208.
(2) في هامش الأصل: المئنة: العلامة، قال الجوهري: وهم يروونها في الحديث والشعر يتشديد النون، وحقه عندي أن يقال: مئينة مثل معينة فعلى فعيله، وكان أبو زيد يقول: مئتة بالتاء، أي مخلقة لذلك ومجدرة ومجرأة.
…قال الأصمعي: سألني شعبة عن هذا؟ فقلت: مئنة، أي علامة لذلك وخليق لذاك. اهـ.
(3) أخرجه الترمذي 2/379، وابن أبي شيبة 6/319، وأحمد 1/249.
(4) تقدم.
ثم يصعد فإذا بلغ الدرجة التي يستريح بالقعود عليها التفت إلى الناس، وهل يسلم عليهم أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه يسلم لما روي أن الرسول كان يسلم على من عند المنبر ثم يصعد فإذا استقبل الناس بوجهه سلم أيضاً.
وثانيهما: أنه لا يسلم ويكره السلام. وهذا هو المحكي عن مالك، وأبي حنيفة لأنه قد سلم عند دخوله فلا معنى لإعادته.
الحكم السابع: والمختار: أنه إذا صعد المنبر التفت إلى الناس بوجهه ثم يقعد للإستراحة من طلوع المنبر من غير سلام ثم يؤذن المؤذن فإذا فرغ من أذانه قام للخطبة ثم يسلم على الناس قبل الخطبة لما روي عن الرسول أنه قال: ((السلام قبل الكلام))(1).
ولا يغنيه السلام الأول عند دخوله المسجد لما روي أن أصحاب رسول اللّه كانوا إذا مروا في طريق تَحُولُ بين بعضهم وبين بعضٍ شجرة سلم بعضهم على بعض، ولأن الأول سلام لأجل الملاقاة والمخالطة، والثاني سلام لأجل الكلام والمخاطبة، فأحدهما مخالف للآخر، ثم يؤذن المؤذن في حال قعوده فإذا فرغ من أذانه قام لخطبته.
ويستحب: أن يكون المؤذن واحداً لما روي عن الرسول أنه لم يكن يؤذن له يوم الجمعة إلا واحد.
ويستحب: أن يعتمد عند أشتغاله بالخطبة على قوس أو سيف أو عكاز أو عصى، لما روى الحكم بن حرب(2)
أن الرسول اعتمد على قوس في خطبته، ولأنه أسكن لجاشِهِ وأثبت لقلبه عن الإنزعاج والفشل والطيش، فإن لم يكن له شيء من ذلك سكن نفسه إما بأن يضع يمينه على شماله، وإما بأن يرسل يديه لئلا يعبث بهما في تنقية أنفه ومسح لحيته، وإما بأن يضع يديه على جانبي المنبر ويخطب خطبتين على ما مضى تقريره.
__________
(1) رواه الترمذي 5/59، وأبو يعلى في مسنده 4/48.
الحكم الثامن: ويستحب أن يقبل على الناس بوجهه ولا يستدبرهم، فإن خالف واستقبل القبلة مستدبراً للناس لم يكن مجزياً، لأن الغرض هو خطابهم بالخطبة، وهذا إنما يتأتى مع الإستقبال دون الإستدبار، وحكي عن الشافعي: جواز ذلك. لكنه يكون مخالفاً للسنة.
وهل يحول وجهه في أثناء الخطبة يميناً وشمالاً أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: المنع من ذلك. وهذا هو المحكي عن الشافعي.
ووجهه: أن المقصود هو سماع الناس وهذا يحصل مع استقبالهم بوجهه فلا وجه للتحويل.
وثانيهما: استحباب ذلك. كالأذان، وهذا هو المحكي عن أبي حنيفة.
والمختار: ما قاله أبو حنيفة، لأن المقصود إعلامهم، فلهذا استحب التحويل ليكون الإعلام شاملاً للجانبين، وإن ارتج على الإمام في الخطبة فتعذر عليه الكلام؛ فالمستحب تلقينه والفتح عليه، لما روي عن الرسول أنه قرأ سورة هود في الصلاة فالتبس عليه آية فركع فلما فرغ قال: ((أليس فيكم أُبيٌّ))؟ قالوا: بلى. فقال: ((هلا رددت عليَّ))(1).
قال: إني ما كان اللّه ليراني وأنا أردُّ على رسول اللّه ، وروي عن أمير المؤمنين كرم اللّه وجهه أنه قال: إذا استطعمكم الإمام فأطعموه. أراد: يفتح عليه.
الحكم التاسع: وهل يجوز شرب الماء البارد في حال الخطبة لتسكين العطش أو للتبرد.
فحكي عن الشافعي: جوازه. وقال مالك والأوزاعي وأحمد بن حنبل: لا يجوز ذلك. حتى قال الأوزاعي: إن فعل ذلك بطلت جمعته.
والمختار: جوازه.
والحجة على ذلك: هو أن الكلام غير مبطل لها فهكذا شرب الماء والجامع بينهما أنه فعل مباح فإذا لم يكن الكلام مبطلاً لها فهكذا شرب الماء، فإن قرأ سجدة في خطبته فنزل فسجد جاز ذلك، لما روي عن عمر أنه فعل ذلك، وإن تركها جاز ذلك أيضاً لما روي أن عمر قرأ السجدة في الجمعة الثانية فتهيأ الناس للسجود فقال: أيها الناس على رسلكم فإن اللّه لم يكتبها علينا. ولم يسجد. والقعدة التي تكون بين الخطبتين تكون مقدار قدر سورة الإخلاص، فإذا فرغ من الخطبة الثانية نزل وابتدأ المؤذن الإقامة بحيث يوافق بلوغه المحراب الفراغ من الإقامة.
الحكم العاشر: ويباح الكلام بعد خروج الإمام قبل أن يبتدئ بالخطبة على ظاهر المذهب، وهو محكي عن الشافعي ومالك وأبي يوسف، ومحمد. لأن هذا الوقت ليس فيه شغل عن سماع الموعظة فلهذا كان مباحاً.
وهل يجوز الكلام ما بين الخطبة والصلاة أم لا؟ فالظاهر على المذهب: جوازه لما روي عن الرسول : أنه كان إذا نزل عن المنبر والمؤذن يقيم للصلاة فيقوم له الرجل فيحدثه ثم يجيبه ثم يتقدم للصلاة فلو كان مكروهاً لم يفعله، وحكي عن أبي حنيفة كراهة ذلك.
والحجة على هذا: ما روي أن الصحابة رضي اللّه عنهم كانوا يركعون حتى يصعد الرسول المنبر، فإذا صعد المنبر قطعوا الركوع، وكانوا يتكلمون حتى يبتدئ بالخطبة، فإذا ابتدأ بها قطعوا الكلام، ففيما فعلوه دلالة على ما قلناه من إباحة الكلام في الحالين اللذين ذكرناهما.
الحكم الحادي عشر: فإذا شرع الإمام في الخطبة فهل يجب الإنصات ويحرم الكلام أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه يجب الإنصات ويحرم الكلام، وهذا هو المحكي عن الهادي والناصر وهو قول أبي حنيفة ومالك وأحمد بن حنبل والقول القديم للشافعي.
والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أن رجلاً تكلم في حال الخطبة فقال الرسول : ((لا جمعة لك)) (1).
__________
(1) حكاه في (مجمع الزوائد) 2/185، ومصنف ابن أبي شيبة 1/458.
والحجة الثانية: روي أن رجلاً سأل أُبَيَّاً: متى نزلت هذه الآية؟ والإمام يخطب فقال له أُبَيُّ: ليس لك من صلاتك إلا ما لغوت. ثم سأل الرسول عن ذلك فقال: ((صدق أُبَيُّ)) (1).
المذهب الثاني: جواز الكلام الخفيف الذي لا يشغل عن سماع الخطبة، وهذا هو رأي القاسم ومحمد بن القاسم(2)
ومحمد بن يحيى والقول الجديد للشافعي.
والحجة على هذا: ما روى أنس بن مالك: أن رجلاً دخل ورسول الله على المنبر يوم الجمعة فقال: يا رسول اللّه متى تكون الساعة؟ فأشار الناس إليه أن اسكت. فقال له رسول اللّه : عند الثالثة، ((ويحك ما أعددت لها))؟ فقال: ما أعددت لها شيئاً ولكني أحب اللّه ورسوله. فقال الرسول : ((أنت مع من أحببت))(3).
فلو كان الكلام محرماً لأنكره الرسول ، فلما أجابه دل على جواز ذلك.
والمختار: ما قاله الهادي والناصر ومن تابعهما من منع الكلام وحظره في حال الخطبة قليله وكثيره.
وحجتهم: ما ذكرناه.
ونزيد هاهنا وهو قوله : ((إذا قلت أنصت والإمام يخطب فقد لغوت))(4).
ظاهر هذا الخبر دال على المنع من الكلام قليله وكثيرة.
الحجة الثانية: قوله تعالى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا}[الأعراف:204]. فأمر بالإستماع والإنصات ولا شك أن الكلام يبطل الإستماع والإنصات فلهذا كان ممنوعاً محرماً وبه قال ابن عباس وابن مسعود وأبي بن كعب وابن عمر، وروي عن ابن عباس رضي اللّه عنه أنه قال: من رأيته يتكلم والإمام يخطب فاقرع رأسه بالعصى.
الحجة الثالثة: ولأنه ذكر جعل شرطاً في صحة الصلاة للجمعة فيجب أن يكون الكلام محرماً منهياً عنه كالإفتتاح والقراءة.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
__________
(1) رواه في (نيل الأوطار) 3/272 عن أبي الدرداء، وهو في (مجمع الزائد) 2/186، وسنن ابن ماجة 1/352، ومسند أحمد 2/393.
(3) أخرجه ابن خزيمة في صحيحه 3/149، والبيهقي في (الكبرى) 3/221، وأحمد في مسنده 3/202.
قالوا: روى أنس بن مالك أن رجلاً سأله في حال الخطبة متى الساعة؟ فأجابه، فلو كان محظوراً لأنكره عليه.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلعله كان يخطب في غير الجمعة، أو كان قبل الشروع في الخطبة، أو كان بعد الفراغ منها.
وأما ثانياً: فلأن هذا الخبر يعارضه ما ذكرناه من الأخبار الدالة على المنع من الكلام وإذا تعارضا وجب الترجيح، ولا شك أن أخبارنا أقوى وأشهر ولأنها دالة على الخطر، وهذا الخبر يدل على الإباحة وما دل على الحظر أحق بالقبول لما فيه من الإحتياط للدين.
ومن وجه آخر: وهو أن الإجماع منعقد على تحريم الكلام الكثير والمنع منه لأنه يضاد الإستماع والإنصات اللذين أمر بهما فيجب أن يكون ممنوعاً، ولا شك أن الكلام اليسير يدعو إلى الكثير وليس هناك مانع فلو سوغنا الكلام القليل لدعا إلى الكثير خاصة والنفوس مولعة بكثرة الكلام في أكثر الأحوال، ولكان في ذلك إبطال الغرض من سماع الموعظة والذكر فلهذا كان المنع منه هو الأوجه ليقع الإنتفاع بسماع الخطبة والإقبال إليها.
ومن وجه آخر: وهو أن الكلام الخفي يشغل عن سماع الخطبة الذي لا يدرك فكيف حال الكلام الخفيف الذي يدرك هو لا محالة اشغل للقلب وأبعد عن سماع الوعظ والتذكير كما قررناه. وقد نجز غرضنا من الكلام في الأحكام المتعلقة بالخطبة ونرجع الآن إلى التفريع.
الفرع الخامس: فإذا فرغ الإمام من الخطبة نزل وصلى الجمعة ركعتين ولا خلاف أن فرض الجمعة ركعتين مع الخطبتين وهو نقل الخلف عن السلف وفعله الخلفاء الراشدون والأئمة السابقون، واختلف العلماء فيما المستحب من القرآءة فيهما على أقوال أربعة:
القول الأول: أن المستحب أن يقرأ في الركعة الأولى بسورة الجمعة، وفي الثانية بسورة ((المنافقون))، وهذا هو المحكي عن: القاسم والهادي والناصر والشافعي، لما روى ابن عباس رضي اللّه عنه أن الرسول كان يقرأ بهما في صلاة الجمعة، وعن أمير المؤمنين كرم اللّه وجهه: أنه كان يقرأ بهما في صلاة الجمعة.
القول الثاني: محكي عن مالك: أنه يقرأ في الأولى بسورة ((الجمعة))، وفي الثانية بسورة ((الغاشية)).
القول الثالث: مروي عن أبي حنيفة وأصحابه أنه يقرأ بما شاء من القرآن ولا تعيين هناك.
القول الرابع: محكي عن زيد بن علي أنه يقرأ في الأولى ((بحم السجدة)) وفي الثانية بـ((هل أتى على الإنسان)).
والمختار: أن الجواز حاصل في جميع القرآن، ولكن الكلام إنما هو في الأفضل، فالأفضل ما فعله الرسول وأمير المؤمنين كرم اللّه وجهه، فإن قرأ غيرهما من القرآن أجزأ لما روي سمرة بن جندب أن الرسول قرأ في الأولى بسبح اسم ربك الأعلى، وفي الثانية بسورة الغاشية، وفي هذا دلالة على الجواز كما ذكرناه، والجهر بالقرآءة في صلاة الجمعة هو السنة، وهذا هو رأي أئمة العترة وفقهاء الأمة، وهو معمول عليه عند السلف والخلف، وروي عن بعض التابعين أنها تكون سراراً محتجاً بما روي عن الرسول أنه قال: ((صلاة النهار عَجْماء))(1).
فإن ظاهره غير معمول عليه لأن صلاة الفجر من صلاة النهار وهي مجهور بها، وإنما أراد أن الأكثر من صلاة النهار عَجماء، فهذا ما أردنا ذكره في شروط الجمعة.
__________
(1) تقدم في الصلاة، وقد رواه عبد الرزاق في المصنف 2/493، وابن أبي شيبة في مصنفه 1/320، وابن عبد البر في (التمهيد) 3/310.