فإذا تقرر هذا فإنما يشترط حضور العدد عند الواجبات من الذكر في الخطبة على ما يأتي في تقريره، دون ما سواها فلا عبرة به.
فإن انفضوا بعد فراغه من الواجبات، فإن عادوا قبل تطاول الفصل بنى الإمام على الخطبة وأحرم بهم للجمعة وصحت الجمعة، وإن رجعوا بعد تطاول الفصل. وحدُّ التطاول: ما يكون في تعارف الناس تطاولاً، وجب على الإمام أن يعيد الخطبة ثم يصلي بهم الجمعة.
وكمال العدد شرط في ابتداء الصلاة، وشرط في إستدامتها كالوقت والمكان.
فإن نفر الناس قبل شروعه في الخطبة نظرت فإن عادوا في وقت الجمعة فهي جمعة، وإن لم يعودوا إليها أتمها ظهراً، وإن كان نفورهم بعد شروعه في الصلاة فسيأتي تقرير الكلام في حكم الصلاة إذا [اختل] أحد شروطها المعتبرة فيها.
---
القول في الوقت للجمعة
أول وقت الخطبة وصلاة الجمعة زوال الشمس، وهذا هو رأي أئمة العترة، ومحكي عن أبي حنيفة وأصحابه، والشافعي وأصحابه.
والحجة على هذا: هو أن الرسول لم يصل الجمعة ولم يخطب لها إلا بعد الزوال، وقد قال : ((صلوا كما رأيتموني أصلي)). ولأنهما فرضا وقت فلهذا لم يختلف وقتهما كصلاة الحضر والسفر.
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول منها: وهل يكون لهما وقت آخر في الجواز غير هذا أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه يجوز فعلهما قبل الزوال، وهذا هو المحكي عن أحمد بن حنبل، ثم اختلف أصحابه في وقتهما فمنهم من قال: وقتهما أوله وقت صلاة العيد. ومنهم من قال: يجوز فعلهما في الساعة السادسة.
والحجة على هذا: قوله تعالى: {إِذَا نُودِي لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا}[الجمعة:9]. ولم يفصل بين وقت ووقت لكنا أخرجنا طلوع الشمس وعند قائم الظهيرة لما كانا وقتين لا تجوز فيهما الصلاة، وما بعد العصر فليس وقتاً لهما.
المذهب الثاني: أن الخطبة يجوز فعلها قبل الزوال، وأما صلاة الجمعة فلا يجوز فعلها إلا بعد الزوال، وهذا هو رأي مالك.
والحجة على هذا: هو أن الخطبة ذكر فجاز فعله قبل الزوال كسائر الأذكار.
والمختار: ما عول عليه أئمة العترة ومن تابعهم من الفقهاء.
وحجتهم: ما نقلناه.
ونزيد هاهنا: وهو ما روى أنس بن مالك عن الرسول : أنه كان يصلي الجمعة إذا مالت الشمس(1).
وقد قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}[الأحزاب:21]. ولأنها صلاة مفروضة فلا يجوز تأديتها قبل الزوال كالظهر ولأنها بدل عن الظهر فيجب أن يكون وقتهما واحداً كسائر الأبدال والمبدلات.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
__________
(1) رواه أحمد والبخاري وأبو داود والترمذي بلفظ: حين تميل الشمس.
قالوا: أول وقتها كصلاة العيد لقوله تعالى: {فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ}[الجمعة:9]. ولم يفصل، فيجب أن تكون مثل صلاة العيد وفي الساعة السادسة.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن قوله تعالى: {فاسعوا} أمر مجمل وقد أوضحه بفعله وقوله فلا يصح الإحتجاج بالأمور المجملة.
وأما ثانياً: فلأن تخصيصها بأن تفعل في هذين الوقتين لا دلالة عليه من جهة الشرع فيجب بطلانه.
قالوا: روى سلمة بن الأكوع(1)
أنه قال: كنا نصلي مع رسول اللّه صلاة الجمعة ثم ننصرف وليس للحيطان ظل(2).
في هذا دلالة على جواز فعلها قبل الزوال.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن هذا الحديث قد روي وليس للحيطان ظل يستظل به. وفي هذا دلالة على أنه أول الزوال.
وأما ثانياً: فلأن هذا معارض بما ذكرناه من فعله لها بعد الزوال، وإذا تعارضت وجب الترجيح ولا شك أن العمل على الفعل أرجح لأنه هو الأظهر والأشهر لأنه فعله طوال عمره فبطل ما قاله أحمد بن حنبل.
قالوا: الخطبة يجوز فعلها قبل الزوال لأنها ذكر فجاز فعله قبل الزوال كسائر الأذكار كما حكي عن مالك.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن المعلوم من حال الرسول طوال حياته: أنه كان لا يخطب إلا بعد الزوال.
وأما ثانياً: فلأن الخطبة ذكر مفروض فلم يجز فعله قبل الزوال كالصلاة.
ومن وجه آخر: وهو أن المعنى في الأصل أنه غير مفروض بخلاف الخطبة فافترقا.
الفرع الثاني: في آخر وقت الجمعة. وفيه مذاهب ثلاثة:
__________
(2) أخرجه البخاري 4/1526، والبيهقي في (الكبرى) 3/191، وأحمد 4/54.
المذهب الأول: أن آخر وقت الجمعة هو آخر وقت الظهر، وهذا هو رأي القاسمية والناصرية، فإذا صار ظل كل شيء مثله وهو في الجمعة فإنه يتمها جمعة، لأن وقتها وقت الظهر في الإشتراك مع العصر فلا تبطل الجمعة فإذا زاد قليلاً خرج وقت الجمعة، فهل يتمها جمعة أو يتمها ظهراً أو يبني؟ فيه تردد بين السيدين الأخوين نذكره في بيان ما يعرض للصلاة في البطلان.
قال الهادي في الأحكام: ولا ينبغي أن يبطيء بصلاة الجمعة أحد ولا أن يعجل بها قبل الزوال.
والحجة على هذا: هو ان الجمعة بدل عن الظهر فوقتها وقته كسائر الأبدال والمبدلات.
المذهب الثاني: أن آخر وقتها إذا صار ظل كل شيء مثله، وهذا هو رأي الشافعي، فإذا صار ظل كل شيء مثله وهو في الجمعة بنى عليها الظهر وصلى أربعاً، وهل يحتاج إلى نية كونها ظهراً أم لا؟ فيه وجهان.
والحجة على هذا: هو أن للجمعة وقتاً مضروباً وهو قبل أن يصير ظل كل شيء مثله فإذا دخل وقت العصر بالمثل بطلت الجمعة لبطلان وقتها، وإذا بطلت وجب الظهر لأنه هو الأصل فلهذا يبنى عليها الظهر.
المذهب الثالث: أن آخر وقتها إذا صار ظل كل شيء مثليه، وعند هذا يدخل وقت العصر، فتبطل الجمعة وعليه أن يستأنف الظهر أربعاً وهو قول أبي حنيفة وأصحابه.
والحجة على هذا: هو أن الجمعة مؤقتة بوقت مخصوص فإذا بطل وقتها بطلت ووجب الظهر من غير أن يبني عليها لأنهما فرضان مختلفان، فهذا تقرير المذاهب كما ترى.
والمختار: ما ذهب إليه أئمة العترة وهو مبني على ثبوت وقت المشاركة وهو أن وقتاً واحداً يجمعهما فلهذا كان آخر وقت الجمعة صيرورة ظل كل شيء مثله وإذا زاد على ذلك بطلت الجمعة لبطلان وقتها، وقد قررنا ثبوت وقت المشاركة في الأوقات فأغنى عن الإعادة.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
واعلم أن كلام الفريقين مبني على بطلان الإشتراك بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء في وقت واحد قد أوضحناه.
الفرع الثالث: وإن أحرم بالجمعة وشك وهو فيها هل خرج وقتها أم لا؟ ففيه وجهان:
أحدهما: أنه يتمها جمعة لأن الأصل بقاء الوقت، فلا يمكن الخروج عنه بالشك.
وثانيهما: أنه يتمها ظهراً لأن الأصل هو الظهر كما مر بيانه وإنما جوز فعل الجمعة بشروط فلا يجوز فعلها إلا بعد تحقق تلك الشروط والأول هو الوجه لأن الأصل وإن كان هو الظهر لكن الجمعة الظاهر هو حصول شروطها فلهذا كان العمل عليها هو الأولى.
وإن خرج من الصلاة ثم شك هل خرج الوقت وهو فيها أو بعد فراغه منها لم تجب عليه الإعادة لأن الظاهر هو أداؤها على الصحة فلا وجه للعمل على الشك.
والمسبوق بركعة إذا قام ليأتي بركعة ثم خرج الوقت، ففيه وجهان:
أحدهما: أنه يتمها ظهراً كالإمام والجماعة إذا خرج الوقت بعد إتيانهم بركعة.
وثانيهما: أنه يتمها جمعة لأن هذه الركعة تبنى على جمعة قد تمت لقوله : ((من أدرك ركعة من العصر قبل غروب الشمس فقد أدركها)). وهذا هو الوجه في الإتيان بها جمعة. وإن تشاغل المسلمون والإمام عن القيام بالجمعة حتى ضاق الوقت نظرت، فإن علم الإمام أنه إذا خطب أقل ما يجزي من الخطبتين وصلى أخف ما يكون من الركعتين فإنه يدخل العصر قبل الفراغ، فإنهم يصلونها ظهراً لأنهم قد تعذر عليهم تحصيل الجمعة فوجب عليهم الإتيان ببدلها وهو الظهر، وإن علم أنه يفرغ قبل دخول وقت العصر صلاها جمعة لأنها هي الفرض وقد تمكنوا من أدآئه وقد قال : ((إذا أمرتم بأمر فأتوا به ما استطعتم)).
القول في المكان: ولا بد من مراعاته، وهل يجب أن يكون مصراً أو قرية أو محلة أو درباً؟ فيه التردد الذي ذكرناه بين الأئمة والفقهاء فإنه قد مر الخلاف فيه وذكرنا من قبل أن القاسمية يذهبون إلى أن المصر غير معتبر وأنها كما تقام في المصر فإنها تقام في المحلة والدرب مما يكون مستوطناً لأهله وأخرجنا من كان من أهل الخيام الذين يظعنون بالمواشي ولا يكون لهم قرار في موضع دون موضع وهو رأي مالك، ومحكي عن الشافعي والناصر، فأما زيد بن علي والباقر والمؤيد بالله وأبو حنيفة فيذهبون إلى: أن الجمعة لا تقام إلا في الأمصار والمدن وقد مضى الكلام في الأدلة للفريقين، وذكر المختار والانتصار له فأغنى عن الإعادة.
القول في الخطبتين: والخطبتان مشروعتان لما روي عن الرسول أنه كان يخطب في الجمعة خطبتين يقعد بينهما ولا خلاف في كونهما مشروعتين. وهل تكونان واجبتين أم لا؟ فيه مذاهب ثلاثة:
المذهب الأول: أنهما واجبتان وهذا هو رأي أئمة العترة القاسمية والناصرية، ومحكي عن الشافعي ومالك.
والحجة على هذا: هو أن الرسول لم يصل الجمعة إلا بخطبتين وقد قال: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)).
المذهب الثاني: أن الخطبتين مستحبتان، وهذا هو المحكي عن الحسن البصري وعبدالملك الجويني وداود من أهل الظاهر.
والحجة على هذا: هو أن الرسول فعلهما والفعل ليس فيه دلالة على الوجوب وإنما يحمل فعله على الإستحباب.
المذهب الثالث: أن الخطبة الواحدة كافية في الوجوب وهذا شيء يحكى عن أبي حنيفة.
والحجة على هذا: هو أن المقصود بالخطبة إنما هو التعريف بفضل الجمعة والحث عليها وتذكير الناس بالوعظ والخوف، وهذا حاصل بالخطبة الواحدة فلهذا كانت كافية.
والمختار: ما عليه أئمة العترة وأكثر الفقهاء من القول بوجوبهما.
وحجتهم: ما ذكرناه.
ونزيد هاهنا: وهو قوله تعالى: {إِذَا نُودِي لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا}[الجمعة:9]. وظاهر الأمر للوجوب وأحوال الجمعة مجملة وهي موكولة إلى بيانه، وقد قال : ((صلوا كما رأيتموني أصلي)). ولم يكن يصلي الجمعة إلا بالخطبتين فلهذا قضينا بوجوبهما ولأنهما خلف عن الركعتين، قال عمر رضي اللّه عنه: إنما قصرت الصلاة لأجل الخطبتين.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: الفعل لا يدل على الوجوب.
قلنا: إنا لم نقل إن الفعل دلالة على الوجوب وإنما الفعل بيان لما أجمل في الجمعة ودلالة الوجوب هي قوله تعالى: {فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ}[الجمعة:9]. وقوله : ((صلوا كما رأيتموني أصلي)). فهاذان أمران، والأمر ظاهره يدل على الوجوب إلا لدلالة تدل على كونه ندباً.
قالوا: الخطبة الواحدة كافية كما حكي عن أبي حنيفة.
قلنا: الذي دل على وجوب الخطبة هو بعينه دال على كونهما خطبتين وهو الأمر بقوله : ((صلوا كما رأيتموني أصلي)).
قالوا: روي عن عمار أنه خطب فأوجز. وفي هذا دلالة على أن الذكر القليل من الخطبة فيه كفاية فلهذا قلنا: بأن الواجب واحدة.
قلنا: الإيجاز لا يدل على عدم الوجوب فالواجب خطبتان ويستحب إيجازهما.
قالوا: روي أن عثمان أرتج عليه على المنبر في الخطبة فقال: أيها الناس إن أبا بكر وعمر كانا يعدان لهذا المقام مقالاً وإنكم إلى إمام فعَّال أحوج منكم إلى إمام قوال وأنا أستغفر اللّه لي ولكم ونزل عن المنبر، وفي هذا دلالة على أن الذكر القليل كاف فلهذا قدرنا الخطبة الواحدة.
قلنا: عن هذا أجوبة:
أما أولاً: فأكثر ما في هذا أن هذا مذهب لعثمان واجتهاد له فلا يلزمنا قبوله.
وأما ثانياً: فلعله ارتج عليه بعدما أتى بالقدر الواجب الذي نذكره في الخطبتين.
وأما ثالثاً: فلعل هذا الكلام إنما كان في الخطبة الثانية بعد ذكر الواجب منها وإذا كان ما قلناه محتملاً بطل ما ذكروه.
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول: الطهارة من الحدث والنجاسة وستر العورة مشروعة في الخطبتين لأن الرسول كان يخطب على هذه الصفة، وقد قال: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)). ولأن الخلفاء الراشدين والأئمة السابقين كانوا يفعلون ذلك، وقد قال : ((ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن)). وهل تكون الطهارة من الحدث والنجس واجبة أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أن ذلك واجب، وهذا هو الذي ذكره السيد أبو العباس وأبو طالب، وهو قول الشافعي في الجديد.
والحجة على هذا: هو أنه ذكر في الصلاة فاشترط فيه الطهارة دليله تكبيرة الإحرام للصلاة.
المذهب الثاني: أنه غير واجب، وهذا هو قول مالك، ومحكي عن أبي حنيفة، وهو قول الشافعي في القديم.
والحجة على هذا: هو أنه ذكر يتقدم الصلاة فلم تشترط فيه الطهارة كالأذان.
والمختار: ما قاله السيد أبو طالب وأبو العباس ومن تابعهما.
وحجتهم: ما ذكرناه.
ونزيد هاهنا: وهو قوله : ((صلوا كما رأيتموني)).
وستر العورة واجب بالأدلة التي قدمناها في الصلاة على الوجوب وهو أحد قولي الشافعي، وقوله القديم: أنه غير واجب في الخطبة فإن أحدث في خطبته مسبوقاً أو متعمداً بطلت وعليه أن يستأنفها لأن الخطبتين بمنزلة الركعتين اللتين اسقطتا من الصلاة.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا: ذكر يتقدم الصلاة فلم يجب كالأذان.
قلنا: المعنى في الأصل أنه ليس شرطاً في الصلاة بخلاف ما ذكرنا في الخطبتين فإنهما شرط في صحة صلاة الجمعة فافترقا.
الفرع الثاني: والقيام مشروع في الخطبة لما جرت عليه عادة الرسول ومن بعده أنهم كانوا يخطبون قياماً وهل يكون واجباً أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه ليس واجباً، وهذا هو الذي ذكره أبو العباس، ومحكي عن أبي حنيفة وأحمد بن حنبل.
والحجة على هذا: هو أن الوجوب لا بد من دلالة عليه ومطلق الفعل لا يدل على الوجوب لأنه لا ظاهر للفعل والذي يقطع من الفعل على كونه مباحاً فأما دلالته على الوجوب والندب فلا بد من دلالة خارجة.
المذهب الثاني: أنه واجب وهذا هو رأي الشافعي.
والحجة على هذا: ما روى جابر بن سَمُرة أنه قال: كان الرسول يخطب الخطبتين وهو قائم ثم يجلس ثم يقوم فمن حدثك أنه كان يخطب قاعداً فقد كذب فقد صليت خلفه أكثر من ألف صلاة وقد قال : ((صلوا كما رأيتموني أصلي)). فإن قعد لعذر أو مرض أجزأه كما جاز ذلك في الصلاة.
والمختار: هو الوجوب كما قاله الشافعي.
والحجة على ذلك: هو أن المعلوم من حال الرسول وحال الخلفاء بعده وحال الأئمة أنهم ما كانوا يخطبون إلا قياماً، ولم يحك عن أحدٍ منهم أنه خطب قاعداً فلو كان جائزاً لفعل على ممر الدهور وتكرر الأعصار وفي هذا دلالة على الوجوب.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا: الفعل لا دلالة فيه على الوجوب بمطلقه بل لا بد من دلالة غير مطلقة ولا دلالة فلهذا قضينا بالإستحباب فيه لفعل الرسول .
قلنا: تكرر العادات من جهة الرسول وعادة الخلفاء والأئمة دلالة زائدة على مطلق الفعل، فلأنه لو كان مستحباً لجاز تركه على العادات المتكررة.
الفرع الثالث: القعود بين الخطبتين مشروع لفعل الرسول وهل هي(1)
واجبة أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنها سنة مستحبة وهذا هو الذي ذكره السيدان أبو طالب وأبو العباس، وهو محكي عن أبي حنيفة ومالك وأحمد بن حنبل.
والحجة على هذا: هو أنا لم نأخذ الدلالة عليها إلا من جهة فعل الرسول ، ومطلق الفعل ليس فيه دلالة على الوجوب وإنما دليل على كونها سنة مستحبة.
المذهب الثاني: أنها واجبة وهذا هو المحكي عن الشافعي.
__________
(1) ربما أراد الجلسة أو القعدة فأنث الضمير وهو هنا عائد على القعود.
والحجة على هذا: ما روى جابر بن سمرة أن الرسول كان يفصل بين الخطبتين بجلسة، فإن خطب قاعداً لأجل العجز والمرض فصل بينهما بسكتة، وإن كان لا يقدر على القعود فصل بينهما بسكتة أيضاً.
والمختار: هو الوجوب.
والحجة عليه: هو أن الذي دل على وجوب القيام في الخطبتين هو بعينه دال على وجوب القعدة بينهما فلا وجه لتكريره.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا: الفعل لا دلالة فيه على الوجوب.
قلنا: قد أجبنا عن هذا في الدلالة على وجوب القيام فأغنى عن تكريره.
الفرع الرابع: في الذكر الذي تشتمل عليه الخطبتان.
وتشتمل على أحكام(1)
نفصلها.
والذكر مشروع في الخطبتين لا خلاف فيه وإنما الخلاف فيما يكون واجباً وما يكون مسنوناً:
الحكم الأول: المشروع من الذكر في الخطبة الأولى أمور أربعة:
أولها: حمدالله تعالى.
وثانيها: الصلاة على الرسول .
وثالثها: الموعظة لمن حضر من المسلمين وتعريفهم فضل الجمعة وحثهم على فروضها وسننها.
ورابعها: قرآة سورة من المفصل أو ثلاث آيات.
والمشروع في الخطبة الثانية أمور أربعة:
أولها: حمدالله تعالى.
وثانيها: الصلاة على الرسول .
وثالثها: الدعاء للإمام المخطوب له بالإعانة له على ما يحمله من أمور المسلمين، وإن خاف من ذكره كنى عنه.
ورابعها: الدعاء للمسلمين والمسلمات.
فهذه الأمور كلها مشروعة لأنه قد جرى عمل المسلمين على فعلها والمواضبة عليها.
الحكم الثاني: قرآة سورة من المفصل أو ثلاث آيات، وهل تكون واجبة أم لا؟ فالظاهر من المذهب وجوبها على ما ذكره السيد أبو طالب وهو رأي الشافعي.
والحجة على هذا: ما روى سمرة بن جندب عن الرسول أنه كان يخطب قائماً ويقرأ آيات(2)،
__________
(1) أحد عشر حكماً.
(2) رواه النسائي 3/110، وابن ماجة 1/351، وأحمد 5/107 بلفظ: كان يخطب قائماً ثم يجلس ثم يقوم ويقرأ ...إلخ.