والمختار في ذلك: تفصيل نشير إليه، وهو أن الأمر في ذلك على ما يراه الإمام الأعظم أو من يقوم مقامه بأمره في الجمعة، فإن كان الإجتماع في مسجد واحدٍ ممكناً فلا حاجة إلى إقامتها في غيره لأن ذلك يؤدي إلى تفرق الكلمة وتشتت الشمل، وإن كان غير ممكن أو كان في الإجتماع مشقة على المسلمين في الإجتماع بالازدحام والتضايق، جاز إقامتها في مساجد لأجل الضرورة الداعية إلى ذلك لأن العذر إذا كان ظاهراً فمداخل الإحن والبغضاء منسدة لا يظنها ظان، وإذا لم يكن العذر ظاهراً تطرقت إليهم الإحن وأنواع العداوة.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: لم تقم الجمعة إلا في مسجد واحد في زمن الرسول÷، كما حكي عن الشافعي: المنع من ذلك. وعن أبي يوسف: الجواز إذا كان للبلدة جانبان كبغداد، أقيمت في مسجدين، والاستحسان: إقامتها في مسجدين كما حكي عن محمد. فأما أبو حنيفة، فرأيه في ذلك إما على ما قاله الشافعي، أو على ما قاله محمد.
قلنا: الجواب عن هذه المذاهب بحرف واحد: وهو تقرير الحال على ما تدعو إليه المصلحة في ذلك، ولا وجه للمنع مع دعاء الضرورة إليه، ولأن الأمر إذا إنتهى إلى مثل هذه الحالة فالأولى تحكيمها على ما يكون فيه مصلحة للمسلمين أو للصلاة، وذلك يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والحمد لله.
الفرع التاسع: في حكم الجمعتين إذا اجتمعتا.
وإن أقيمت جمعتان في البلدة الصغيرة التي لا يصح إقامتهما فيها؟ نظرت، فإن كان لإحداهما مزية على الأخرى بأن كان في إحداهما الإمام الأعظم فإن كان مع الأولى فهي الصحيحة لأنها الأولى ومعها الإمام الأعظم. وإن كان الإمام في الثانية فأيهما تكون أحق بالصحة؟ فيه تردد.
والمختار: الثانية هي الصحيحة لأنها جمعة الإمام، ولأنا لو حكمنا بصحة الأولى لكان في ذلك إعراض عن الإمام وتهاون بجمعته، فلأجل هذا كان الحكم بصحة الثانية هو الأحق والأولى.

وإن لم يكن لإحداهما مزية على الأخرى بأن أقيمتا بإذن الإمام فذلك يكون على خمسة أوجه:
الوجه الأول: أن تسبق إحداهما الأخرى، فالأولى السابقة هي الصحيحة، لأنها أقيمت بشرائطها فمنعت صحة الثانية والثانية باطلة. وهل يعتبر السبق في الأولى بالإحرام بالصلاة أو بالإبتداء بالخطبة؟ والأولى أن الإبتداء بالخطبة يعتبر به السبق لأنهما قائمتان مقام الركعتين.
الوجه الثاني: إذا أحرموا بهما جميعاً في حالة واحدة حُكم ببطلانهما جميعاً لأنه لا مزية لإحداهما على الأخرى فتكون مرجحة، ولا وجه للجمع بينهما لأن الفرض إنما هو واحدة، فإذا كان لا ترجيح بينهما وجب الحكم ببطلانهما جميعاً.
الوجه الثالث: إذا لم يُعلم هل سبقت إحداهما الأخرى أو كانتا في وقت واحدٍ، فإنه يحكم ببطلانهما جميعاً كما ذكرناه في الوجه الثاني، إذ لا مزية لإحداهما على الأخرى، ويجب عليهم أن يعيدوا الجمعة إذا كان الوقت واسعاً لأن فرضها لازم لهم فلا بد لهم من أدائه.
الوجه الرابع: إذا علم أن أحدهما سابق لكنه غير معلوم بعينه، ومثاله: أن يسمع تكبير أحد الإمامين بالإحرام بالصلاة - إذا قلنا: الإعتبار بالسبق بالإحرام- ثم كبر الثاني ولا يُعلم الذي كبر أولاً.
الوجه الخامس: إذا عُلِم عين السابقة من الصلاتين ثم نسيت، ومثاله: أن يعلم عين المكبر أولاً لكنه نسي. فالحكم في هذين الوجهين أعني الرابع والخامس واحد، وهو أن الجمعتين باطلتان، وإذا كان الأمر كما قلنا فالواجب على المسلمين قضاء الجمعة لأنا إذا حكمنا ببطلانهما معاً صار كأنه لم تقم في المصر جمعة فلهذا وجب عليهم إقامتها لأنا نعلم أن إحداهما باطلة والأخرى صحيحة، وإذا لم نعلم عين الصحيحة من الباطلة فالأصل بقاء الفرض في ذممهم فلهذا توجه عليهم الإعادة.

الفرع العاشر: والإمام إذا مر بمصر من الأمصار فصلى فيه الجمعة بأهله، فالذي يأتي على المذهب أن صلاة الإمام والمأمومين صحيحة مجزية، وهو محكي عن أبي حنيفة وأصحابه.
والحجة على هذا: هو أن الصفات المعتبرة في صحة الصلاة لهم جميعاً حاصلة فلأجل هذا قضينا بصحة الصلاة لهم جميعاً. وحكي عن زفر: أنها غير مجزية للإمام والمأمومين جميعاً.وإنما لم تصح صلاة المؤتمين لأنهم مقيمون والإمام مسافر، وقد قال÷: ((لا تختلفوا على إمامكم)). وإنما لم تصح صلاة الإمام لأنها لما بطلت في حقهم بطل العدد الذي هو شرط في صحة الصلاة فلأجل هذا بطل إجزاؤها في حق الإمام والمأمومين معاً.
والمختار: هو الأول لما ذكرناه من كمال الشرائط في حقه وحقهم. وما ذكره زفر فلا وجه له لأمرين:
أما أولاً: فلأنه لا خلاف في صحة الصلاة للمقيم خلف المسافر.
وأما ثانياً: فلأن الفرض في حق الإمام والمأموم متفق وهو فرض الجمعة لأنها ركعتان في حق المقيم والمسافر.
الفرع الحادي عشر: وإن صلى الإمام ثم ذكر أنه كان جنباً بطلت صلاته لبطلان طهارته وبطلت صلاة المؤتمين، ولا يقع هاهنا خلاف في بطلان صلاة المؤتمين كما وقع الخلاف في صلاة الجماعة كما قررناه، لأن الإمام هاهنا شرط في صحة صلاة الجمعة بخلاف صلاة الجماعة.
ولو صلى في صلاة الجمعة بجماعة ثم بان أنهم محدثون فإن صلاتهم باطلة لبطلان طهارتهم فتلزمهم الإعادة، فأما صلاة الإمام فهل يحكم بصحتها أم لا؟ فمن أصحاب الشافعي من حكم بصحة صلاة الإمام لأنه لم يكلف بالعلم بطهارة من خلفه من المؤتمين فلهذا حكمنا بصحة صلاته.
والمختار: بطلان صلاته لبطلان العدد لأنه شرط في صحة صلاة الجمعة كالإمام، وبالله التوفيق.

---
القول في العدد
وهو شرط في صحة الجمعة، ولا خلاف أن الجمعة لا تنعقد إلا بعدد لقوله تعالى: {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا}[الجمعة:9]. وهذا خطاب للمسلمين بخطاب الجمع.
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول: اختلف العلماء في أقل العدد الذي تنعقد به الجمعة على مذاهب ثمانية:
المذهب الأول: أن أقل ما تنعقد به الجمعة أربعة: الإمام وثلاثة مأمومين، وهذا هو الذي ارتضاه السيدان الأخوان المؤيد بالله وأبو طالب للمذهب، وهو محكي عن أبي حنيفة.
والحجة على هذا: هو أن قوله تعالى: {فَاسْعَوْا} إنما هو خطاب للجمع، وأقل الجمع: ثلاثة؛ لأن ما دون الثلاثة فليس جمعاً وما فوقها زائد على الجمع، فلهذا قلنا: إن أقله يكون ثلاثة غير الإمام لأن الخطاب للمسلمين، والسعي إنما هو إلى الإمام فلهذا كان مغايراً للساعين إليه.
المذهب الثاني: أن أقل ما تنعقد به: ثلاثة، إمام ومأمومان. وهذا هو الذي اختاره أبو العباس، وحصله لمذهب الهادي، وهو محكي عن أبي يوسف وأبي ثور والأوزاعي والثوري.
والحجة على هذا: هو أن قوله: {فَاسْعَوْا} إنما هو خطاب للإمام مع المأمومين ولا شك أنهم ثلاثة فيجب أن يكون الخطاب متوجهاً إليهم، ويمكن أن يقال: إن الخطاب للمأمومين لكن أقل الجمع إثنان عند جماعة من أهل اللغة.
المذهب الثالث: أنها لا تنعقد إلا بأربعين رجلاً ولا تنعقد بدون ذلك، وهذا هو رأي الشافعي، ومحكي عن عمر بن عبدالعزيز وغيره.
وهل يكون الإمام من جملة الأربعين أو يكون زائداً؟ فيه وجهان: أجودهما: أنه يكون من جملة الأربعين.

والحجة على هذا: ما روى عبدالرحمن بن كعب بن مالك.(1)
قال: كنت قائداً لأبي بعدما كف بصره فكان إذا سمع الجمعة ترحم على أسعد بن زرارة، فقلت له: إنك تترحم عليه في نداء كل جمعة؟ فقال: نعم.. كان أول من جَمَّع بنا في بني بياضه. قلت: كم كنتم؟ قال: أربعين رجلاً. وروي عن جابر بن عبدالله أنه قال: مضت السنَّة أن في كل أربعين فما فوقها جمعة.
المذهب الرابع: أنها تنعقد بإثني عشر رجلاً، محكي عن ربيعة.
وعن عكرمة: أنها تنعقد بتسعة.
وحكي عن الحسن البصري: أنها تنعقد بإمام ومأموم. وهو محكي عن داود.
وعن الحسن بن صالح: أنها تنعقد بالإمام وحده.
وعن مالك: أني لا أجد في ذلك حداً وإنما يعتبر في ذلك عدد يمكنهم المقام في قرية ويتمكنون فيها.
والمختار: ما ارتضاه الأخوان وحصَّلاه للمذهب، من أنها تنعقد بثلاثة مع الإمام.
وحجتهم: ما ذكرناه.
__________
(1) أبو الخطاب عبد الرحمن بن كعب بن مالك الأنصاري السلمي، روى عن أبيه وأخيه عبد الله بن كعب وأبي قتادة وجابر وعائشة وغيرهم، وعنه: ابنه كعب وأبو أمامة بن سهل والزهري وغيرهم، ولد على عهد النبي÷ ولم يرو عنه شيئاً، توفي في ولاية سليمان بن عبد الملك بن مروان، وقيل: في ولاية هشام. اهـ (تهذيب التهذيب) 6/233، وقال في (الإصابة): قال ابن سعد: كان ثقة وأكثر حديثاً من أخيه. اهـ. 5/47.

ونزيد هاهنا: وهو أن الروايات في الأخبار متعارضة، فروي عن أسعد بن زرارة أنه جَمَّعَ في أربعين، وروي عن مصعب بن عمير(1):
__________
(1) أبو عبد الله مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي، من جلة الصحابة ومشاهيرهم وفضلائهم، هاجر إلى الحبشة في الهجرة الأولى، شهد بدراً، وكان رسول الله÷ قد بعثه إلى المدينة قبل الهجرة بعد العقبة الثانية يقرئهم القرآن ويفقههم في الدين، وكان يدعى: القارئ المقرئ، ويقال: إنه أول من جمع الجمعة بالمدينة قبل الهجرة، ذكر في (الاستيعاب) عن الواقدي ما عُرف به مصعب بن عمير في مكة بأنه كان فتاها شباباً وجمالاً، وكانت أمه تكسوه أحسن ما يكون من الثياب، وكان رسول÷ يذكره ويقول: ((ما رأيت بمكة أحسن لمة ولا أرق حلة ولا أنعم نعمة من مصعب بن عمير)) ولما بلغه أن رسول الله يدعو إلى الإسلام في دار الأرقم جاءه وأسلم وظل يختلف إلى رسول الله سراً، فبصر به عثمان بن طلحة يصلي فأخبر به قومه وأمه، فأخذوه وحبسوه فلم يزل محبوساً إلى أن خرج مهاجراً إلى الحبشة، استشهد في أحد رحمه الله ورضي عنه، وكانت راية رسول الله معه يوم بدر ويوم أحد حتى استشهد فأخذها علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، راجع (الاستيعاب) 4/1473، و(الإصابة) 6/123.

أنه جَمَّعَ في اثني عشر رجلاً(1).
وروي: أنهم انفضوا حين دخلت العير ولم يبق منهم إلا ثمانية رجال إلى غير ذلك من الإختلافات، وإذا كانت الأخبار متعارضة وجب الرجوع إلى ما تدل عليه الآية بقوله تعالى: {فَاسْعَوْا} ولا شك أن أقل الجمع ثلاثة مع الإمام فيجب التعويل عليه، ولم أعثر في البخاري والترمذي على شيء يدل على العدد في الجمعة.
ومن وجه آخر: وهو أن التعويل على ما تدل عليه الآية وترشد إليه أحق من التعويل على هذه الأخبار المتعارضة، فإن الآية مقطوع بأصلها وظواهرها مظنونة فلهذا كان التعويل على ما تدل عليه أحق بالقبول لما ذكرناه.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: قوله تعالى: {فَاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ.}[الجمعة:9]. وهذا جمع، وأقل الجمع إثنان مع الإمام، كما حكي عن أبي العباس.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأنا لا نسلم أن أقل الجمع اثنان، ويدل على ذلك أن للتثنية صيغة في الأسماء الظاهرة فيقال: رجلان وفرسان. وللجمع صيغة فيقال: رجال وأفراس، وفي الأسماء المضمرة فيقال في التثنية: هما وضربا. ويقال في الجمع: هم وضربوا. وفي هذا دلالة على أن التثنية ليست جمعاً.
__________
(1) جاء في (جواهر الأخبار) 2/13: عن جابر، بينما نحن نصلي مع رسول الله÷ إذ أقبلت عير تحمل طعاماً فالتفوا إليها حتى ما بقي مع النبي÷ إلاَّ اثني عشر رجلاً، فنزلت هذه الآية: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِماً} [الجمعة:11] وفي رواية أن الرسول÷ كان يخطب قائماً فجاءت عير من الشام، وذكر نحوه، وقال: إلاَّ اثني عشر رجلاً فيهم أبو بكر وعمر، وفي أخرى: إلاَّ اثني عشر رجلاً أنا فيهم، أخرجه البخاري ومسلم والترمذي، قال: وقوله في الكتاب (يقصد: كتاب البحر): وبقي معه ثمانية، وقوله في (الانتصار) ولم يبق معه إلاَّ ثمانية مخالف لما ورد في الحديث المذكور، والله أعلم.

وأما ثانياً: فلأن التثنية إذا كانت جمعاً فيجب أن يكون واحد مع الإمام كافياً في إنعقاد الجمعة لأنهما إثنان.
قالوا: لا تنعقد الجمعة إلا بأربعين، كما حكي عن الشافعي اعتماداً على ما حكي عن أسعد بن زرارة.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن هذا مذهب لأسعد بن زرارة لأنه لم ينقله عن الرسول÷ فليس الحجة إلا في كلام الله وكلام رسوله÷، فأما مذاهب المجتهدين فلا تلزمنا.
وأما ثانياً: فإنه قد روي أن مصعب بن عمير أقام الجمعة في اثني عشر رجلاً، فما ذكروه معارض لهذا العدد فليس أحدهما أحق بالقبول من الآخر.
قالوا: روي: أنها لا تنعقد إلا باثني عشر رجلاً. كما روي عن ربيعة، وعن عكرمة: بتسعة رجال، وعن الحسن البصري: أنها تنعقد بالإمام مع واحدٍ. وعن الحسن بن صالح: أنها تنعقد بالإمام وحده. وعن مالك: أنه لا يجد في ذلك حداً بعدد مخصوص، وإنما الإعتبار بعدد يمكنهم المقام في قرية.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن هذه مذاهب مختلفة وآراء مضطربة لا تستند إلى دليل شرعي، ولا تتأيد بمسلك نقلي.
وأما ثانياً: فلأن هذه المقدرات أمور غيبية وعبادات شرعية لا يمكن إثباتها بطرق القياس، ولا بمسالك النظر، وإنما مستندها من جهة صاحب الشريعة صلوات الله عليه من قوله وفعله، ولا يمكن فيها تحكيم الآراء ولا تجري فيها الأقيسة باستنباط المعاني لانسدادها فيها، ولا يمكن تقريرها بطرق الأشباه لتعذرها فيها وبعدها عنها، وإنما التعويل في إثباتها على ما ذكرناه من ظواهر القرآن والسنة، والأقوى فيها ما ذكرناه فيجب الإعتماد عليه.
الفرع الثاني: في صفة العدد الذي تنعقد بهم الجمعة، وفيه مذهبان:
المذهب الأول: أنهم ضربان:

فالضرب الأول: [الذين] تنعقد بهم الجمعة ويجب عليهم فعلها. وهؤلاء هم الرجال البالغون الأحرار المسلمون، فمن جمع هذه الأوصاف فإنها تجب عليهم الجمعة وتنعقد بهم إذا حضروا، وهذا هو رأي أئمة العترة، ومحكي عن أبي حنيفة وأصحابه، والشافعي.
الضرب الثاني: الذين لا تجب عليهم الجمعة وتنعقد بهم إذا حضروا وهؤلاء هم العبيد والمرضى والمسافرون والصبيان والنساء فإن هؤلاء لا تجب عليهم الجمعة، وإذا حضروا انعقدت بهم الجمعة.
قيل للسيد أبي طالب رضي الله عنه: هل يجب أن يكون العدد [من] الذين يعتبرون في الجمعة أحراراً بالغين عقلاء؟ فقال: يجب أن يكونوا مكلفين.
قيل: فهل يعتبر أن يكونوا رجالاً أحراراً؟ فقال: بل لو كانوا نساء وعبيداً وجب أن تصح وتنعقد بهم الجمعة لأن عندنا أن هؤلاء إن حضروا أجزتهم الجمعة.
المذهب الثاني: أن العدد بالإضافة إلى انعقاد الجمعة وعدم انعقادها على ضروب أربعة:
الضرب الأول: تنعقد بهم الجمعة وتجب عليهم، وهؤلاء إذا كانوا رجالاً بالغين عاقلين مسلمين أحراراً، وكانت عدتهم أربعين رجلاً مقيمين لا يظعنون شتاء ولا صيفاً إلا لحاجة.
الضرب الثاني: الذين لا تجب عليهم الجمعة ولا تنعقد بهم وهؤلاء هم المسافرون والنساء والصبيان والخناثا والعبيد، فهؤلاء لو اجتمع من صنف واحد منهم أربعون رجلاً، أو من كل صنف منهم أربعون رجلاً لم تنعقد بهم الجمعة.
الضرب الثالث: الذين لا تجب عليهم الجمعة، وتنعقد بهم إذا حضروا وهؤلاء هم المرضى ومن في طريقه مطر ومن يخاف من حضور الجامع، فإن حضر هؤلاء انعقدت بهم الجمعة وتوجه عليهم وجوبها.
الضرب الرابع: تجب عليهم الجمعة، وفي انعقادها بهم وجهان. وهؤلاء هم المقيمون في المصر لدرس العلم والفقه، ولطلب التجارة والأرباح، فقيل: تنعقد بهم الجمعة لأن كل من وجبت عليه انعقدت به.

وقيل: إنها لا تنعقد بهم لأن الرسول÷ لم يقمها بعرفات بأهل مكة، وإن كانت دار إقامتهم لأنها ليست وطناً لهم. وهذا هو رأي الشافعي.
فهذا تقسيم العدد المعتبر في انعقاد الجمعة وصفاتهم. وقد مضى الخلاف فيما يجزي من هذه الصفات، وما يجب اعتباره وما لا يجب فأغنى عن تكريره.
الفرع الثالث: إذا كان العدد لا بد من اعتباره، فهل يكون شرطاً في ابتداء الخطبة أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أن العدد شرط في ابتداء الخطبة، وهذا هو الذي يأتي على رأي الهادي، وهو محكي عن الشافعي، لأن الخطبتين عنده بمنزلة الركعتين.
والحجة على هذا: قوله تعالى: {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ.}[الجمعة:9]. والذكر هاهنا هو الخطبة.
المذهب الثاني: أن العدد ليس شرطاً في ابتداء الخطبة، وهذا هو الذي يأتي على رأي المؤيد بالله، وهو إحدى الروايتين عن أبي حنيفة.
والحجة على هذا: هو أن المقصود هو الصلاة؛ والخطبتان ذكر يتقدم الصلاة فلم يكن العدد شرطاً في ابتداء الذكر كصلاة الجماعة، وعلى هذا لو خطب وحده وحضر العدد وصلى بهم الجمعة جاز ذلك وانعقدت الجمعة.
والمختار: ما ذكره الهادي، وارتضاه الشافعي، من أن العدد شرط في ابتداء الخطبة.
وحجتهم: ما ذكرناه.
ونزيد هاهنا: وهو أن المقصود بالخطبتين إنما هو الوعظ والتذكير وتعريف الحاضرين فضل الجمعة، وهذا لا يمكن ولا يتأتى إلا بسماعهم وحضورهم، فإذا كانوا غير حاضرين عند ابتداء الخطبة بطل الغرض بهم.
الانتصار: يكون بالجواب عما اعتمدوه.
قالوا: ذكر يتقدم الصلاة فلم يكن العدد شرطاً في الإبتداء كصلاة الجماعة.
قلنا: المعنى في الأصل: هو أن الجماعة ليست شرطاً في صحة انعقاد الجماعة بخلاف ما نحن فيه فإن الجماعة شرط في انعقاد الجمعة فافترقا، ولأنه ذكر يتقدم الصلاة شرط فيها فكان من شرطه حضور الجماعة، دليله: تكبيرة الإفتتاح في الجمعة.

236 / 279
ع
En
A+
A-