وأما ثانياً: فلأن المراد بقوله: ((عادل أو جائر)) في الباطن؛ لأن الظاهر إذا كان هو العدالة فلا حاجة إلى العلم بالباطن فإنه لا يطلع عليه إلا الله تعالى ولسنا مكلفين بعلم الله تعالى، وإنما نكلف بعلمنا وظننا.
الفرع الثالث: اعلم أنا قد أوضحنا فيما سبق انعقاد الإجماع من جهة أئمة العترة على كون الإمام شرطاً في إنعقاد الجمعة وصحتها، واشتراط عدالته وقررنا ذلك بأدلة شافية. والذي بقي علينا من ذلك هو البحث عن كون هذا الإجماع مقطوعاً أو مظنوناً؟ وهل يكون مانعاً من الاجتهاد أم لا؟ وهل يفسق مخالفه أم لا؟ فهذه أحكام ثلاثة لا بد من كشف الغطاء عنها وبها يظهر نور المسألة ويبدو رونقها.
الحكم الأول: في طريق هذا الإجماع هل يكون معلوماً أو مظنوناً.
فاعلم أن طريق الإجماع على وجهين:
أحدهما: أن يكون متواتراً نقله، ومتى كان على هذه الصفة كان موجباً للعلم. كما نقوله في مكة وبغداد، فإن طريقنا إلى العلم ليس بالمشاهدة فإنا لم نشاهدهما، ولكن طريقنا إلى العلم بهما إنما هو التواتر، وهكذا الحال في العلم بالرسول÷ وبالقرآن وأصول الشريعة فإنه لا طريق لنا إلى العلم إلا التواتر.
وثانيهما: أن يكون منقولاً بالآحاد ومتى كان على هذه الصفة فهو أمر ظني يعمل به في الأمور الظنية والأحكام العملية ولا يعمل به فيما كان مقطوعاً به.
فإذا عرفت هذا، فالإجماع المنقول على اشتراط الإمام في الجمعة واشتراط عدالته ليس منقولاً بطريق التواتر ولا هو مقطوع به وإنما نقله بطريق الآحاد، فلا جرم كان مثمراً للظن معمولاً به في الأمور العملية ومن جملة الأمور العملية اشتراط الإمام واشتراط عدالته في القيام بالجمعة.
فأما كون إجماعهم حجة فهو أصل من أصول الأدلة الشرعية وقد قررناه في الكتب الأصوليه ودفعنا عنه الأسئلة الواردة عليه، وهذه الأحكام الثلاثة كلها متفرعة عليه.
الحكم الثاني: هل يكون [الإجماع] مانعاً من الاجتهاد أم لا؟ إذا وقع في مسألة من مسائل الشريعة.
فنقول: متى كان منقولاً بالتواتر كان موجباً للعلم لا محالة وكان مانعاً من الاجتهاد كالنص فإنه مانع من الاجتهاد، وإنما منع لكونه مقطوعاً بظاهره. فأما إذا كان نصاً وليس مقطوعاً بأصله فإنه لا يكون مانعاً من الاجتهاد كما نقوله في أخبار الآحاد، فإنه وإن كان بعضها نصاً في المسألة فلا يكون هناك مانع من مخالفته، ومتى كان منقولاً بطريق الآحاد فإنه يكون مظنوناً ومتى كان مظنوناً لم يكن مانعاً من الاجتهاد كما نقوله في المسائل المأخوذة من جهة الأخبار فإنها معترك للظنون في مسائل التحليل والتحريم.
ويؤيد ما ذكرناه ويوضحه: أن هذا الإجماع في اشتراط الإمام في الجمعة لما كان مظنوناً من جهة نقله بطريق الآحاد لم يكن مانعاً من الاجتهاد، فإن المسألة خلافية بيننا وبين الفقهاء، ولو كان الإجماع مقطوعاً بطريقه لم يكن لخلافهم وجه كما لو خالفوا نصاً مقطوعاً به. فلما خالفوا من غير نكير دل على أن طريق الإجماع مظنون. فحصل من مجموع ما ذكرناه أن كل ما كان طريقه القطع بنص متواتر أو إجماع متواتر فإنه يكون مانعاً من الاجتهاد على خلافه.
الحكم الثالث: هل يفسق من خالف إجماع العترة أم لا؟
فنقول: المخالف لإجماع العترة لا يفسق سواء كان طريقه مظنوناً أو مقطوعاً، أما إذا كان مظنوناً فلا إشكال فإن الفسق لا يكون إلا بطريق معلوم، وأما إذا كان مقطوعاً فلم يرد الوعيد على مخالفته فلهذا لم نقطع بفسق من خالفه.
ويخالف إجماع الأمة، وإن اشتركا في كونهما قاطعين فيما تواترا فيهما، لمَّا ورد الوعيد على مخالفة إجماع الأمة فلا جرم قضينا بفسق من خالف إجماع الأمة دون من خالف إجماع العترة، لكن نقطع بخطئه لا غير لكونه قد خالف قاطعاً.
وقد نجز غرضنا من بيان هذه الأحكام التي ذكرناها ونرجع إلى التفريع.
الفرع الرابع: وإذا كان وجود الإمام شرطاً في انعقاد الجمعة وكان بعض المسلمين في بعض الأقاليم والأمصار قد بلغت دعوته إليه ولا يمكنه الوصول إليه، فهل يجوز له إقامة الجمعة من غير تولية له من جهة الإمام ولا إذن أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: جواز ذلك، وهذا هو الذي نصه الهادي في المنتخب، واختاره السيد أبو طالب رضي الله عنه.
والحجة على هذا: ما روي عن الرسول÷ أنه قال: ((ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن)). فإذا رأى هذا النائي عن الإمام، مع بلوغ دعوته إليه واستكمال الشرائط فيه، أن يقيم له الجمعة من غير ولاية إذا كان هناك مانع من الوصول إليه وأخذ الولاية منه، جاز له ذلك. لأن اختيار المسلمين له ورضاهم بإقامته للجمعة للإمام، قائم مقام ولاية الإمام له. ويؤيد ما ذكرناه: ما روي عن الرسول÷ لما خرج إلى بني عمرو بن عوف يصلح بينهم قدَّم المسلمون أبا بكر يصلي بهم ولم ينكره الرسول÷ وصوبه. وفي غزوة مؤتة لما جهزهم وأمَّر عليهم زيداً(1)
__________
(1) زيد بن حارثة بن شراحيل بن عبد العزى، مولى النبي÷ صحابي جليل من السابقين إلى الإسلام، تبناه رسول الله÷، وقال ابن عمر: ما كنا ندعوه إلاَّ زيد بن محمد حتى نزلت: {ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ} وكان اشتراه حكيم بن حزام من سوق عكاظ بأربعمائة درهم لعمته خديجة رضي الله عنها، فلما تزوجها رسول الله وهبت زيداً له، ونقل ابن سعد في (الإصابة) عن عبد الرزاق بسنده: ما نعلم أن أحداً أسلم قبل زيد بن حارثة، وكان يعرف بأنه حِبُّ رسول الله÷ كان قائد جيش رسول الله في مؤته، واستشهد فيها بعد أن أبلى فيها بلاءً عظيماً سنة 8 من الهجرة. اهـ. 2/895.
وقال: ((إن قتل زيد فجعفر، وإن قتل جعفر فعبدالله بن رواحة)). فلما قتلوا جميعاً اختار المسلمون خالد بن الوليد(1)
فأمَّروه عليهم ولم ينكر الرسول÷ ما فعلوه، وفي هذا دلالة على ما قلناه من الجواز، فإن كان النائي يمكنه الوصول لم يجز له إقامة الجمعة إلا بإذنه وتوليته.
المذهب الثاني: المنع من ذلك، وهذا هو رأي المؤيد بالله وتأول ما قاله الهادي في المنتخب على أن الإمام ولاه سراً.
والحجة على هذا: هو أن إقامة الجمعة عبادة من شرط صحتها الإمام، فوجب أن يعتبر في صحة إقامتها إذن الإمام كالحدود فإنه لا يجوز إقامتها من غير تولية الإمام وإذنه، وهكذا أخذ الزكاة وغير ذلك مما يكون أمره إلى الإمام فلا يجوز فعله إلا برضاه وأذنه.
والمختار: ما قاله [الهادي] في المنتخب، وارتضاه السيد أبو طالب، من جواز ذلك إذا كان هناك مانع يمنع من الوصول لأخذ الولاية، وهو محكي عن أصحاب أبي حنيفة، وحكي عن الكرخي: أنه لا تجوز الجمعة إلا بإذن الإمام وتوليته إلا أن يكون هناك مانع يمنع من الوصول إليه جاز ذلك. وهذا يؤيد ما قاله أبو طالب وذكره الهادي في المنتخب.
وحجتهم: ما ذكرناه.
__________
(1) أبو سليمان خالد بن الوليد بن المغيرة القرشي المخزومي، أسلم قبل الفتح بعد الحديبية، وكان أميراً على الجيش في أكثر من غزاة أثناء الفتوحات، و هو قائد محنك وفارس معروف، كان مع المشركين يوم أحد واستغل ومن معه نزول الرماة وانشغالهم بتعقب المشركين فالتف على جيش المسلمين وكان سبب هزيمتهم يوم أحد الناتج عن مخالفة الرماة لأمر رسول الله÷، كان في جيش المسلمين يوم مؤتة، وهو الذي تولى قيادة الجيش بعد استشهاد قادته الثلاثة زيد وابن رواحة وجعفر، وقفل بالجيش عائداً إلى المدينة، مات سنة 22 بحمص ودفن بها، انظر: (مشاهير علماء الأمصار) 1/31، و(تقريب التهذيب) 191، و(الاستيعاب) 2/427.
ونزيد هاهنا وهو قوله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا على الْبِرِّ وَالتَّقْوَى}[المائدة:2]. ومعلوم أن ما هذا حاله فهو من المعاونة على البر لأن ظهور جمعة الإمام والدعاء إلى طاعته وإشتهار أمره في تلك الناحية وذلك الأقليم، فيه أعظم المصالح لأن بظهور أمره يقوم الأمر بالمعروف وترتفع المنكرات ويضعف أمر الظلم ويخفى جانب الظلمة خوفاً من سطوة الإمام وتوقعاً لنكاله.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا: إقامة الجمعة عبادة من شرط صحتها الإمام فلا بد من اعتبار إذنه وولايته كالحدود وأخذ الأموال وأمور الجهاد.
قلنا: هذا مسلم إذا كان ممكناً لا يتعذر الوصول إلى الإمام ولكن إذا كان الوصول متعذراً لم يجز بطلان هذه المصلحة التي ذكرناها بإظهار شعار الإمام وتقوية أمره وإشتهار ولايته وبما يصلح في ذلك من المصالح الدينية والدنيوية.
قال الشافعي: ويستحب أن لا تقام الجمعة إلا بإذن الإمام لأن الجمعة لم تقم في عهد رسول اللّه÷ إلا بإذنه، ولا أقيمت في أيام الخلفاء إلا بإذنهم وولايتهم. وهو محكي عن مالك وأحمد بن حنبل وكثير من الفقهاء، وإنما قالوا بالاستحباب لما كان الإمام غير شرط في صحة الجمعة عنده.
وعن أبي حنيفة والأوزاعي: وجوب ذلك. كما مر بيانه.
الفرع الخامس: وإذا كان الإمام محبوساً، فهل يجوز إقامة الجمعة للمسلمين أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: المنع من ذلك، وهذا هو رأي أئمة العترة.
والحجة على هذا: هو أن وجود الإمام من شرط صحة الجمعة كما مر بيانه، فإذا كان محبوساً بطل تصرفه، وبطل وجوبها على المسلمين لبطلان الإمام وتصرفه.
المذهب الثاني: جواز ذلك، وهذا هو المحكي عن أبي حنيفة، وحكي عن محمد بن الحسن أنه قال: إذا مات الإمام جاز للمسلمين أن يقيموا من يصلي بهم الجمعة لأن هذا موضع ضرورة.
والحجة على هذا: هو أن الجمعة فرض عين، فإذا حبس الإمام أو مات جاز للمسلمين إقامتها لئلا يفوت عليهم هذا الفرض المتعين.
والمختار: ما قررناه أولاً من اشتراط وجود الإمام في إيجاب الجمعة لما قدمنا من الأدلة. فإذا مات أو حبس فقد بطل شرط إقامتها.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: الموت والحبس من جملة الأمور النادرة ومواضع الضرورة، فلهذا قلنا بجواز إقامتها من جهة المسلمين.
قلنا: إن كل ما كان شرطاً في صحة أمر وثبوته وقامت الدلالة [عليه] فإنه لا يجوز حصوله من دونه لأن صحته من دونه تؤذن بكونه شرطاً تقف صحته على وجوده وثبوته.
الفرع السادس: والإمام إذا اجتمع له صلاة جمعة والكسوف والاستسقاء والجنازة فإنه يبدأ بصلاة الجمعة لأمرين:
أما أولاً: فلأنها من فروض الأعيان وما عداها إما واجب على الكفاية كصلاة الجنازة، وإما سنة مؤكدة كصلاة الكسوف والاستسقاء.
وإن اجتمع صلاة الجنازة والكسوف والاستسقاء فإنه يبدأ بصلاة الجنازة لقوله÷: ((ثلاث لا ينبغي التأني فيهن: الجنازة إذا حان وقتها، والصلاة إذا حضر وقتها، والأيِّم إذا حضر كفؤها)) (1).
إلا أن يخشى فوات الكسوف بالانجلاء فالبداية به.
وإن حضر الكسوف والاستسقاء فهما سواء إلا أن يخاف فوات الكسوف بالانجلاء فهو أحق بالبداية.
ويستحب للإمام أن يأتي الجمعة راجلاً لما روي عن الرسول÷ أنه قال: ((بشر المشائين إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة))(2).
لأن الثواب بالمشي أكثر أجراً وأعظم ثواباً من الركوب.
ويستحب أن يأتيها حافياً غير منتعل لما روى زيد بن علي عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه أنه كان يأتي الجمعة حافياً، وهذا كله في الرواح في الجمعة فأما بعد الفراغ منها فيفعل ما شاء من الركوب والانتعال لأن الفضل إنما يكون في القصد إليها لا في المراح بعد انقضائها.
__________
(1) تقدم.
(2) وروي الحديث بزيادة: ((.... المشائين في الظلام)) و ((... في الظلم)) و((...في ظلم الليل)) أخرجه بهذه الزيادات ابن خزيمة في صحيحه 1/331، والترمذي 1/435، وأبو داود 1/154، وابن ماجة 1/257.
ولا يجوز الائتمام في صلاة الجمعة بالصبي لأنه غير مكلف بالصلاة، ويجوز عند الشافعي في أحد قوليه.
ويجوز الائتمام بالأعمى لما روي عن الرسول÷ أنه كان يستخلف ابن أم مكتوم يصلي بالناس في المدينة، ويجوز الائتمام بالعبد في صلاة الجمعة لأنها صلاة مفروضة فجاز الائتمام به كصلاة الظهر.
وحكي عن مالك: أنه لا يجوز أن يكون العبد إماماً لأن إمامة الصلاة فيها علو ورفعة والرق في غاية النزول والركة فلأجل هذا تناقض حكمهما.
والمختار: جواز ذلك لأنه مسلم تقي عاقل مكلف فجازت الصلاة به كالحر.
الفرع السابع: والإمام إذا كان من أهل الظلم والجور والفسق، والخطيب إذا كان متولياً من جهتهم ويخطب لهم ويدعو لهم على المنابر، فإذا كانوا على هذه الصفة تعلق بهم حكمان:
الحكم الأول: أنه لا يجوز حضور جُمَعِهم عند الأكابر من أئمة أهل البيت" ويأثم الحاضرون لها، وقد حكي عنهم روايات في المنع من ذلك والتشديد على من حضر والنكير، ونحن نذكرها ليتحقق الناظر ما خصهم الله به من الصلابة في ذات الله والتشدد في أمر الدين والبعد عن أهل الجور والظلم.
الرواية الأولى: مأثورة عن زيد بن علي، ومحمد بن عبدالله النفس الزكية: أن كل من حضر خطبهم فهو آثم.
الرواية الثانية: عن إبراهيم بن عبدالله أنه سئل عن الجمعة هل تجوز مع الإمام الجائر؟ فقال: إن علي بن الحسين، وكان سيد أهل البيت كان لا يعتد بها معهم ويُؤَثِّم من حضرها.
الرواية الثالثة: محكية عن جعفر الصادق أنه سئل عن ذلك فقال السائل: أصلي خلفه وأجعلها تطوعاً؟ فقال: لو قبل التطوع قبلت الفريضة.
الرواية الرابعة: عن القاسم بن إبراهيم أنه قال: من صلى معهم فقد أثم.
الرواية الخامسة: عن الناصر أنه قال لشالوس -وكان ممن يحضر جُمَعَ الظلمة وأهل الجور والفسق-: إنكم تحضرون الجمعة وهي فرض من فرائض الله مع الظلمة فيأتي خطيبهم فيقول: اللهم أصلح عبدك وخليفتك والقائم بأمرك وبالحق في عبادك، وهو في حال دعائه خِمِّير فاسق فيكذب مثل هذه الكذبات في خطبته التي هي نصف الصلاة فما أحد منكم يشري نفسه من الله فيكذبه في قوله وينكر عليه. فهذا كله تصريح بأنه لا يجوز لأحد من المسلمين حضور هذه الجمعة إذا كان الخطيب يخطب للظلمة.
الرواية السادسة: عن المؤيد بالله قال: يكره الحضور معهم فهذه الروايات كلها دالة على تأثيم الحاضرين.
الرواية السابعة: عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه أنه قال: من سوَّد علينا فقد شرَّك في دمائنا. ومعنى كلامه هذا: من كثر جماعة أعدائنا وزاد في سوادهم علينا. فكلامه هذا دال على أنه لا يجوز حضور جُمَعِهم. ويدل على البعد منهم والمجانبة لهم.
ومن كان له إلى الله أدنى وسيلة ووثاقة في الدين فإنه يعتمد على ما رويناه، ومصداق هذه المقالة ما روي عن الرسول÷ أنه قال: ((من دعا لظالم بالبقاء فقد أعان على هدم الإسلام)). وقوله÷: ((إذا مدح الفاسق اهتز العرش))(1).
قوله÷: ((من دعا لظالم بالبقاء فقد أحب أن يعصى الله في أرضه))(2).
__________
(1) رواه عن أنس بن مالك، أبو يعلى في معجمه 1/165 بلفظ: ((إذا مُدح الفاسق غضب الرب واهتز العرش)) وهو في (ميزان الاعتدال) بلفظه في الأصل 3/161، وكذا في (لسان الميزان) 3/2.
(2) ورد على أنه كلام بعض السلف، وقد ذكره ابن حنبل في (الورع) 1/97، وهو في (شعب الإيمان) 7/53.
الحكم الثاني: أنهم إذا صلوا وجبت عليهم الإعادة لأن الإمام شرط في إنعقاد الجمعة وصحتها، ولا شك أن إمامتهم باطلة فلهذا بطلت الجمعة ووجب عليهم إعادة الظهر، فأما على قول من قال: بأن المعاصي تكون ناقضة للوضوء. فإنه ينتقض وضوءه بكذبه وتعظيمه للظلمة وأهل الفسق، فلا جرم أوجبنا عليهم إعادة ما صلوا وهم على هذه الحالة.
وهل يجب القضاء بعد فوات الوقت؟ فيه تردد والقوي أنه لا يجب عليهم القضاء بعد فوات الوقت لأنها من المسائل الخلافية.
كما حكي عن شيوخ المعتزلة والحنفية، أنه لا يجوز التأخر عن الجمعة وإن كان الخطيب يخطب للأئمة والظلمة وأهل الفسق المتغلبين.
الفرع الثامن: والإمام إذا كان واقفاً في بلدة أو محلة متقاربة الأطراف، فهل يجوز أن تقام الجمعة في مسجد واحد أو في كل مسجد؟
فالذي عليه أئمة العترة وأكثر الفقهاء: على أنه لا يجوز أن تقام الجمعة فيها إلا في مسجد واحدٍ.
والحجة على هذا: قوله÷: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)). والمعلوم من حالهم في المدينة وحاله أنه ما صلى فيها إلا في مسجد واحدٍ، وهي بلدة كبيرة ومصر من الأمصار، فإذا كان هذا واقعاً في المدينة مع سعتها ففي المحلة والقرية أحق وأولى.
وحكي عن عطاء، وداود من أهل الظاهر: أنه يجوز إقامتها في كل مسجد كسائر الصلوات المفروضة.
وحجتهم: ما ذكرناه.
ونزيد هاهنا: وهو أن من شرط الجمعة الجماعة، واجتماع الناس في القرية والمحلة الصغيرة سهل فلهذا وجب اجتماعهم على صلاة واحدة.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا: إنها صلاة فجازت إقامتها في كل مسجد كالصلاة المكتوبة.
قلنا: إن المعنى في الأصل أن الإجتماع ليس شرطاً في الصلوات المكتوبة فلهذا جازت تأديتها في كل مسجد بخلاف الجمعة فإن من شرطها الجماعة فافترقا.
وإن كان مقام الإمام في مصر كبير متباعد الأطراف فهل يجوز أن تقام الجمعة فيه في مسجد واحدٍ أو أكثر من ذلك؟ فيه أقوال خمسة:
القول الأول: جواز ذلك وهذا هو الذي ذكره السيد أبو طالب للمذهب.
والحجة على هذا: هو أن المصر إذا كان متباعد الأطراف مثل بغداد أو البصرة فإن إجتماعهم في مكان واحدٍ تلحقهم به المشقة والحرج في التزاحم والضيق والله تعالى يقول: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج}[الحج:78]. فلهذا جاز فعلها في موضعين وثلاثة على قدر الحال في ذلك.
القول الثاني: المنع من ذلك، وهذا هو المحكي عن الشافعي فإنه قال: ولا يُجَمَّع في مصر وإن عظم وكثرت مساجده إلا في مسجد واحدٍ.
وحجته على هذا: هو أن الرسول÷ والخلفاء بعده ما أقاموا الجمعة إلا في موضع واحدٍ وقد قال÷: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)).
القول الثالث: محكي عن أبي يوسف، وهو أن البلدة إذا كان لها جانبان وفي وسطها نهر عظيم يجري مثل مدينة السلام -يعني بغداد وواسط-، جاز أن يُصلى في كل جانب منها جمعة. وهو محكي عن أبي الطيب من أصحاب الشافعي.
القول الرابع: محكي عن محمد بن الحسن، أن القياس: أنها لا تقام إلا في مسجد واحد لكنه يجوز إقامتها في البلد في مسجدين استحساناً، ولا يجوز إقامتها في ثلاثة مساجد.
القول الخامس: الذي يأتي على كلام أبي حنيفة، إذ ليس له في المسألة نص، فحكي: أن مذهبه مثل مذهب الشافعي، وقيل: إن مذهبه مثل قول محمد بن الحسن في الاستحسان.
واعلم أن الاستحسان وادٍ من أودية القياس لكنه أخص من القياس وأدخل في غلبات الظنون. والقياس: إقامتها في مسجد واحدٍ لأن ذلك هو الواجب، والذي دلت عليه أدلة الشرع. والاستحسان: إقامتها في مسجدين لأن الحاجة تدعو إلى ذلك من غير زيادة عليه فإذن لا حاجة إلى ثالث إذ لا دلالة لا من جهة القياس ولا من جهة الاستحسان.