ونزيد هاهنا: وهو أن الروايات في الأخبار متعارضة فروي عن أسعد بن زرارة أنه جَمَّعَ في أربعين، وروي عن مصعب بن عمير(1): أنه جَمَّعَ في اثني عشر رجلاً(2)
__________
(1) أبو عبد الله مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي، من جلة الصحابة ومشاهيرهم وفضلائهم، هاجر إلى الحبشة في الهجرة الأولى، شهد بدراً، وكان رسول الله÷ قد بعثه إلى المدينة قبل الهجرة بعد العقبة الثانية يقرئهم القرآن ويفقههم في الدين، وكان يدعى القارئ المقرئ، ويقال: إنه أول من جمع الجمعة بالمدينة قبل الهجرة، ذكر في (الاستيعاب) عن الواقدي ما عُرف به مصعب بن عمير في مكة بأنه كان فتاها شباباً وجمالاً، وكانت أمه تكسوه أحسن ما يكون من الثياب، وكان رسول÷ يذكره ويقول: ((ما رأيت بمكة أحسن لمة ولا أرق حلة ولا أنعم نعمة من مصعب بن عيمير)) ولما بلغه أن رسول الله يدعو إلى الإسلام في دار الأرقم جاءه وأسلم وظل يختلف إلى رسول الله سراً، فبصر به عثمان بن طلحة يصلي فأخبر به قومه وأمه، فأخذوه وحبسوه فلم يزل محبوساً إلى أن خرج مهاجراً إلى الحبشة، استشهد في أحد رحمه الله ورضي عنه، وكانت راية رسول الله معه يوم بدر ويوم أحد حتى استشهد فأخذها علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، راجع (الاستيعاب) 4/1473، و(الإصابة) 6/123.
(2) جاء في (جواهر الأخبار) 2/13: عن جابر، بينما نحن نصلي مع رسول الله إذ أقبلت عير تحمل طعاماً فالتفوا إليها حتى بقي مع النبي إلاَّ اثني عشر رجلاً، فنزلت هذه الآية: {وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها وتركوك قائماً} [الجمعة:11] وفي رواية أن الرسول÷ كان يخطب قائماً فجاءت عير من الشام، وذكر نحوه، وقال: إلاَّ اثني عشر رجلاً فيهم أبو بكر وعمر، وفي أخرى: إلاَّ اثني عشر رجلاً أنا فيهم، أخرجه البخاري ومسلم والترمذي، قال: وقوله في الكتاب: (يقصد: كتاب البحر): وبقي معه ثمانية، وقوله كذلك فقي (الانتصار) مخالف لما ورد في الحديث المذكور، والله أعلم.

،
وروي: أنهم انفضوا حين دخلت العير ولم يبق منهم إلا ثمانية رجال إلى غير ذلك من الإختلافات، وإذا كانت الأخبار متعارضة وجب الرجوع إلى ما تدل عليه الآية بقوله تعالى: {فاسعوا} ولا شك أن أقل الجمع ثلاثة مع الإمام فيجب التعويل عليه، ولم أعثر في البخاري والترمذي على شيء يدل على العدد في الجمعة.
ومن وجه آخر: وهو أن التعويل على ما تدل عليه الآية وترشد إليه أحق من التعويل على هذه الأخبار المتعارضة، فإن الآية مقطوع بأصلها وظواهرها مظنونة فلهذا كان التعويل على ما تدل عليه أحق بالقبول لما ذكرناه.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: قوله تعالى: {فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ}[الجمعة:9]. وهذا جمع، وأقل الجمع إثنان مع الإمام كما حكي عن أبي العباس.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأنا لا نسلم أن أقل الجمع إثنان، ويدل على ذلك أن للتثنية صبغة في الأسماء الظاهرة فيقال: رجلان وفرسان وللجمع صبغة فيقال: رجال وأفراس، وفي الأسماء المضمرة فيقال في التثنية: هما وضربا. ويقال في الجمع: هم وضربوا. وفي هذا دلالة على أن التثنية ليست جمعاً.
وأما ثانياً: فلأن التثنية إذا كانت جمعاً فيجب أن يكون واحد مع الإمام كافياً في إنعقاد الجمعة لأنهما إثنان.
قالوا: لا تنعقد الجمعة إلا بأربعين كما حكي عن الشافعي اعتماداً على ما حكي عن أسعد بن زرارة.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن هذا مذهب لأسعد بن زرارة لأنه لم ينقله عن الرسول÷ فليس الحجة إلا في كلام اللّه وكلام رسوله÷، فأما مذاهب المجتهدين فلا تلزمنا.
وأما ثانياً: فإنه قد روي أن مصعب بن عمير أقام الجمعة في اثني عشر رجلاً، فما ذكروه معارض لهذا العدد فليس أحدهما أحق بالقبول من الآخر.

قالوا: روي: أنها لا تنعقد إلا بأثني عشر رجلاً. كما روي عن ربيعة، وعن عكرمة: بتسعة رجال، وعن الحسن البصري: أنها تنعقد بالإمام مع واحدٍ. وعن الحسن بن صالح: أنها تنعقد بالإمام وحده. وعن مالك: أنه لا يجد في ذلك حداً بعدد مخصوص، وإنما الإعتبار بعدد يمكنهم المقام في قرية.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن هذه مذاهب مختلفة وآراء مضطربة لا تستند إلى دليل شرعي، ولا تتأيد بمسلك نقلي.
وأما ثانياً: فلأن هذه المقدرات أمور غيبية وعبادات شرعية لا يمكن إثباتها بطرق القياس، ولا بمسالك النظر، وإنما مستندها من جهة صاحب الشريعة صلوات اللّه عليه من قوله وفعله، ولا يمكن فيها تحكيم الآراء ولا تجري فيها الأقيسة باستنباط المعاني لإنسدادها فيها ولا يمكن تقريرها بطرق الأشباه لتعذرها فيها وبعدها عنها، وإنما التعويل في إثباتها على ما ذكرناه من ظواهر القرآن والسنة، والأقوى فيها ما ذكرناه فيجب الإعتماد عليه.
الفرع الثاني: في صفة العدد الذي تنعقد بهم الجمعة، وفيه مذهبان:
المذهب الأول: أنهم ضربان:
الضرب الأول: تنعقد بهم الجمعة ويجب فعلها وهؤلاء هم الرجال البالغون الأحرار المسلمون، فمن جمع هذه الأوصاف فإنها تجب عليهم الجمعة وتنعقد بهم إذا حضروا، وهذا هو رأي أئمة العترة، ومحكي عن أبي حنيفة وأصحابه، والشافعي.
الضرب الثاني: الذين لا تجب عليهم الجمعة وتنعقد بهم إذا حضروا وهؤلاء هم العبيد والمرضى والمسافرون والصبيان والنساء فإن هؤلاء لا تجب عليهم الجمعة، وإذا حضروا انعقدت بهم الجمعة.
قيل للسيد أبي طالب رضي اللّه عنه: هل يجب أن يكون العدد [من] الذين يعتبرون في الجمعة أحراراً بالغين عقلاء؟ فقال: يجب أن يكونوا مكلفين.
قيل: فهل يعتبر أن يكونوا رجالاً أحراراً؟ فقال: بل لو كانوا نساء وعبيداً وجب أن تصح وتنعقد بهم الجمعة لأن عندنا أن هؤلاء إن حضروا أجزتهم الجمعة.

المذهب الثاني: أن العدد بالإضافة إلى انعقاد الجمعة وعدم انعقادها على ضروب أربعة:
الضرب الأول: تنعقد بهم الجمعة وتجب عليهم، وهؤلاء إذا كانوا رجالاً بالغين عاقلين مسلمين أحراراً، وكانت عدتهم أربعين رجلاً مقيمين لا يظعنون شتاء ولا صيفاً إلا لحاجة.
الضرب الثاني: الذين لا تجب عليهم الجمعة ولا تنعقد بهم وهؤلاء هم المسافرون والنساء والصبيان والخناثا والعبيد، فهؤلاء لو اجتمع من صنف واحد منهم أربعون رجلاً أو من كل صنف منهم أربعون رجلاً لم تنعقد بهم الجمعة.
الضرب الثالث: الذي لا تجب عليهم الجمعة وتنعقد بهم إذا حضروا وهؤلاء هم المرضى ومن في طريقه مطر ومن يخاف من حضور الجامع فإن حضر هؤلاء انعقدت بهم الجمعة وتوجه عليهم وجوبها.
الضرب الرابع: تجب عليهم الجمعة وفي انعقادها بهم وجهان، وهؤلاء هم المقيمون في المصر لدرس العلم والفقه، ولطلب التجارة والأرباح، فقيل: تنعقد بهم الجمعة لأن كل من وجبت عليه انعقدت به. وقيل: إنها لا تنعقد بهم لأن الرسول÷ لم يقمها بعرفات بأهل مكة، وإن كانت دار إقامتهم لأنها ليست وطناً لهم. وهذا هو رأي الشافعي، فهذا تقسيم العدد المعتبر في من تنعقد الجمعة وصفاتهم وقد مضى الخلاف فيما يجزي من هذه الصفات، وما يجب اعتباره وما لا يجب فأغنى عن تكريره.
الفرع الثالث عشر: إذا كان العدد لا بد من اعتباره، فهل يكون شرطاً في إبتداء الخطبة أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أن العدد شرط في إبتداء الخطبة، وهذا هو الذي يأتي على رأي الهادي، وهو محكي عن الشافعي، لأن الخطبتين عنده بمنزلة الركعتين.
والحجة على هذا: قوله تعالى: {إِذَا نُودِي لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ}[الجمعة:9]. والذكر هاهنا هو الخطبة.
المذهب الثاني: أن العدد ليس شرطاً في إبتداء الخطبة، وهذا هو الذي يأتي على رأي المؤيد بالله، وهو إحدى الروايتين عن أبي حنيفة.

والحجة على هذا: هو أن المقصود هو الصلاة والخطبتان ذكر يتقدم الصلاة فلم يكن العدد شرطاً في إبتداء الذكر كصلاة الجماعة، وعلى هذا لو خطب وحده وحضر العدد وصلى بهم الجمعة جاز ذلك وانعقدت الجمعة.
والمختار: ما ذكره الهادي، وارتضاه الشافعي من أن العدد شرط في إبتداء الخطبة.
وحجتهم: ما ذكرناه.
ونزيد هاهنا: وهو أن المقصود بالخطبتين إنما هو الوعظ والتذكير وتعريف الحاضرين فضل الجمعة، وهذا لا يمكن ولا يتأتى إلا بسماعهم وحضورهم، فإذا كانوا غير حاضرين عند ابتداء الخطبة بطل الغرض بهم.
الانتصار: يكون بالجواب عما اعتمدوه.
قالوا: ذكر يتقدم الصلاة فلم يكن العدد شرطاً في الإبتداء كصلاة الجماعة.
قلنا: المعنى في الأصل هو أن الجماعة ليست شرطاً في صحة انعقاد الجماعة بخلاف ما نحن فيه فإن الجماعة شرط في انعقاد الجمعة فافترقا، ولأنه ذكر يتقدم الصلاة شرط فيها فكان من شرطه حضور الجماعة، دليله: تكبيرة الإفتتاح في الجمعة، فإذا تقرر هذا فإنما يشترط حضور العدد عند الواجبات من الذكر في الخطبة على ما يأتي في تقريره دون ما سواها فلا عبرة به، فإن انفضوا بعد فراغه من الواجبات، فإن عادوا قبل تطاول الفصل بنى الإمام على الخطبة وأحرم بهم للجمعة وصحت الجمعة، وإن رجعوا بعد تطاول الفصل وحدُّ التطاول ما يكون في تعارف الناس تطاولاً، وجب على الإمام أن يعيد الخطبة ثم يصلي بهم الجمعة، وكمال العدد شرط في ابتداء الصلاة، وشرط في إستدامتها كالوقت والمكان، فإن نفر الناس قبل شروعه في الخطبة نظرت فإن عادوا في وقت الجمعة فهي جمعة، وإن لم يعودوا إليها أتمها ظهراً، وإن كان نفورهم بعد شروعه في الصلاة فسيأتي تقرير الكلام في حكم الصلاة إذا اختل أحد شروطها المعتبرة فيها.

---
القول في الإمام
اعلم أنه لا خلاف في وجوب اعتبار إمام المحراب في صلاة الجمعة لأن الإجتماع شرط في صحتها وذلك لا يكون إلا بإمام يجمع شملهم، وإنما الخلاف في الإمام الأعظم هل هو شرط في صحتها وانعقادها أم لا كما سنوضح القول فيه.
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول: الإمام الإعظم قائم بأمر الله تعالى وبأمور المسلمين، هل يكون شرطاً في إنعقادها وصحتها أم لا؟ فيه مذاهب ثلاثة:
المذهب الأول: أنه شرط في صحة انعقادها ووجوبها، وهذا هو رأي أئمة العترة القاسمية والناصرية، واختاره الأخوان السيدان المؤيد بالله وأبو طالب، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه.
والحجة على هذا: قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا} [الجمعة:9]. ولا شك أن لفظ الصلاة مجمل يحتاج إلى بيان من معرفة صفتها وشروطها، وبيانها موكول إلى الرسول÷ لأن الشرع مأخوذ منه، وقد تقرر أنه÷ لم تقم الجمعة إلا به أو بمن يقوم مقامه والياً من جهته.
الحجة الثانية: ما روي عن الرسول÷ أنه قال: ((أربعة إلى الولاة الجمعة والحدود والفيء والصدقات))(1).
أراد بالولاة: من يلي أمر المسلمين في أمور الدين والدنيا وقسمة الغنائم والفيء والصدقات.
الحجة الثالثة: قياسية، وهو أنها عبادة لا يجوز أن ينفرد بها كل أحد في إقامتها، فيجب أن يكون الإمام شرطاً في إقامتها كإقامة الحدود.
المذهب الثاني: أن الإمام ليس شرطاً في صحة الجمعة وانعقادها، وتجوز إقامتها خلف من يكون إماماً في الصلاة المكتوبة، وهذا هو رأي الشافعي.
والحجة على هذا: ما روي أن أمير المؤمنين كرم الله وجهه أقام الجمعة وعثمان محصور في داره وكان الخليفة في ذلك الوقت، وفي هذا دلالة على أن الإمام ليس شرطاً.
__________
(1) وفي بعض الروايات: ((أربعة إلى الأئمة....)) أورده ابن أبي شيبة في (المصنف) 5/506، بلفظ: ((... الجمعة والحدود والزكاة والفيء)).

الحجة الثانية: قياسية، وهي أنها صلاة مفروضة فيجب أن لا يكون الإمام شرطاً في إنعقادها كالصلوات المكتوبة.
المذهب الثالث: أن الإمام مشترط في الجمعة لا تتم إلا به لكن عدالته غير مشترطة فيجوز توليها من جهة الظلمة وسنفرد عليهم كلاماً يخصه على إثر هذا بمعونة الله.
والمختار: ما عول عليه أئمة العترة من اشتراط الإمام في إقامة الجمعة فإنها لا تنعقد من دونه.
وحجتهم: ما ذكرناه.
ونزيد هاهنا وهو ما روي عن الرسول÷ أنه قال: ((إن الله افترض عليكم الجمعة في مقامي هذا في شهري هذا في عامي هذا فمن تركها استخفافاً بحقها وحجوداً لها وله إمام عادل أو جائر فلا جمع الله شمله ولا بارك له في أمره ألا ولا صلاة له ولا حج له ولا صوم له ولا بر له إلا أن يتوب فإن تاب تاب الله عليه)).
الحجة الثانية: هو أن المعلوم من حال الرسول÷ أنه أقامها في أيامه وهكذا حال الخلفاء من بعده، فإن كل واحد منهم أقامها في أيامه من غير توقف في ذلك، وفي هذا دلالة على أنهم معتقدون لوجوب الإمام في إقامتها وأنه شرط.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: روي عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه أنه أقام الجمعة وعثمان محصور وهو الخليفة، وفي هذا دلالة على أن الإمام ليس شرطاً في وجوبها.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فإنما أقامها لأن عنده وعندنا أنه هو الإمام بعد الرسول÷ وأن إمامته ثابتة بالنص فلهذا أقامها لأن الولاية فيها وفي غيرها إليه فلهذا أقامها على هذه النية.

وأما ثانياً: فلأن أمير المؤمنين لما رأى إخلال عثمان بإقامة الجمعة لم يسعه عند الله تعالى أن يفوت فرضها على المسلمين فلهذا أقامها. كما روي أن الوليد بن عقبة بن أبي معيط(1)
لما شرب الخمر وصلى بالناس سكران ولم يحدَّه عثمان فأراد أمير المؤمنين أن يحده فقال ولده الحسن: لا حاجة إلى حدِّه يتولى حارها من تولى قارها، يشير بذلك إلى أن عثمان أحق بحدِّه لأنه هو الخليفة بزعمه. فقال أمير المؤمنين: ما كان ليضيع حدٌ من حدود الله وأنا على الدنيا فحدَّه حد الشارب والحسن يعد الجلدات حتى أتمها.
قالوا: إنها صلاة مفروضة فيجب أن لا يكون الإمام شرطاً في إنعقادها كالصلوات الخمس.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن الأقيسة لا مجرى لها في العبادات لأن معانيها منسدة، ونحن وإن استعملناها فإنما هو على جهة المعارضة لا على جهة الإعتماد.
__________
(1) الوليد بن عقبة بن أبي معيط، أبو وهب القرشي، ابن عمرو بن أمية بن عبد شمس، روى عن النبي÷ وعنه أبو موسى عبد الله الهمداني وعامر الشعبي وحارثة بن مضرب، قال ابن سعد بسنده: أسلم الوليد يوم الفتح وبعثه رسول الله على صدقات بني المصطلق، وولاه عمر صدقات بني تغلب، وولاه عثمان الكوفة [بدلاً عن سعد بن أبي وقاص] ثم عزله، فلما قتل عثمان تحول إلى الرقة فنزلها حتى مات بها سنة 61هـ على خلاف، وكان أخبر النبي÷ عن بني المصطلق أنهم ارتدوا عن الإسلام وأبوا أداء الصدقة، وذلك أنهم خرجوا إليه فهابهم ولم يعرف ما عندهم، فبعث رسول الله خالد بن الوليد وأمره أن يتثبت فيهم فأخبروه أنهم متمسكون بالإسلام، فنزلت: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا...} الآية 6 من الحجرات، راجع (تهذيب التهذيب) 11/125 (وتهذيب الكمال) 31/53.

وأما ثانياً: فلأن الرسول÷ نزلها منزلة الحدود بقوله: ((أربعة إلى الولاة)). وعد من جملتها الجمعة، فدل ذلك على مفارقتها للصلوات المكتوبات في إشتراط الإمام فيها.
قالوا: الآية دالة على أن الإمام غير مشترط في صحة الجمعة لأنه تعالى قال: {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ}[الجمعة:9]. ولم يذكر اشتراط الإمام.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأنا قد أوضحنا أن الآية مجملة وأن بيانها إلى الرسول÷، وقد أوضحها في شروطها وأبان كيفيتها ومن جملة بيانه لها أن تولاها إماماً بنفسه، وقد ظهر ذلك في فعله، وأما قوله فقد بينها بقوله: ((فمن تركها وله إمام عادل أو جائر)). فقد حصل بما ذكرناه بيان هذه الصلاة بالقول والفعل من جهته.
وأما ثانياً: فلأن الخلفاء ومن بعدهم خلفاً عن سلف معتمدون على وجوب اشتراط الإمام في الجمعة، وما ذاك إلا لأنهم فهموا ذلك من جهة الرسول÷ في أقواله وأفعاله فلهذا وجب الإعتماد على ذلك.
الفرع الثاني: إذا تقرر اعتبار كون الإمام شرطاً في صحة صلاة الجمعة، فهل يعتبر كونه عدلاً أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه يجب اعتبار عدالته، وهذا هو رأي أئمة العترة.
والحجة على هذا: هو قوله تعالى: {وَلاَ تَرْكَنُوا إلى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ}[هود:113].
ووجه الدلالة من الآية: هو أن الله تعالى نهى عن الركون إلى الظلمة وأهل الجور والفساد، ومن صلى خلف ظالم أو جائر فقد ركن إليه في صحة صلاته وفي كونه ضامناً للصلاة كما هو جارٍ في حق أهل العدالة من الآئمة.
الحجة الثانية: قوله÷: ((لا يؤمكم ذو جرأة في دينه)). ولا جرأة أعظم من ظلم العباد وملابسة المحظورات وأكل الأموال الحرامية إلى غير ذلك من أنواع الجور والفساد.
المذهب الثاني: جواز الصلاة في يوم الجمعة خلف الظلمة وأهل الفساد والجور، وهذا هو المحكي عن أبي حنيفة.

والحجة على هذا: قوله÷: ((فمن تركها وله إمام عادل أو جائر)). فظاهر الخبر دال على جواز الصلاة خلف الجائر من الظلمة وأهل الفساد والجور كما تجوز خلف العادل.
والمختار: وجوب اشتراط العدالة في إمام الجمعة كما ذكره أئمة العترة.
وحجتهم: ما ذكرناه.
ونزيد هاهنا: وهو أن الإمام الأعظم هو الشرط في وجوبها وليس يكون إماماً للمسلمين إلا إذا كان مختصاً بصفات حاصلاً على شرائط، ومن جملتها: العدالة. لأنه إذا كان عدلاً كان متولياً لمصالح الدين جامعاً لشمل المسلمين واضعاً للحقوق في مواضعها غير مفرط في شيء من الأموال في غير وجهه، ذاباً عن الجوزة، وكل ذلك معتمده العدالة فإذا لم يكن عدلاً بطلت هذه المصالح كلها وبطل الغرض به ولم يكن صالحاً للإمامة بحال.
الحجة الثانية: هو أن الشهادة لا خلاف في وجوب اعتبار العدالة فيها ولا يحكم الحاكم إلا بشهادة عدلين في الحقوق والأموال، فإذا كانت العدالة معتبرة في الدرهم الواحد وفي العشرة ويجب اعتبارها في الحقوق من الوكالة والوصاة فكيف لا تعتبر في أجلّ الإشياء وأخطرها وأعظمها حقاً عند الله تعالى وهي الإمامة وهي تتعلق بمصالح الدين والدنيا وعليها يدور صلاح الخلق.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا: روي عن الرسول÷ أنه قال: ((وله إمام عادل أو جائر)). فلم يفصل بين العادل والجائر في صحة الإمامة في صلاة الجمعة، وفي هذا دلالة على جواز إمامة الظالم ومن كان جائراً خارجاً عن التمسك بالدين.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن الآية والخبر دالان على وجوب اعتبار العدالة وقد تعارضا وإذا تعارضا وجب الترجيح، ولا شك أن الآيات لا يمكن أن تعارضها الأخبار بل يجب الإعتماد على ما تدل عليه الآيات لأنها مقطوع بأصلها والأخبار مظنونة فلهذا كان العمل عليها أرجح من العمل على الأخبار.

234 / 279
ع
En
A+
A-