قال الشافعي: ويستحب أن لا تقام الجمعة إلا بإذن الإمام لأن الجمعة لم تقم في عهد رسول اللّه÷ إلا بإذنه، ولا أقيمت في أيام الخلفاء إلا بإذنهم وولايتهم. وهو محكي عن مالك وأحمد بن حنبل وكثير من الفقهاء، وإنما قالوا بااإستحباب لما كان الإمام غير شرط في صحة الجمعة عنده، وعن أبي حنيفة والأوزاعي، وجوب ذلك. كما مر بيانه.
الفرع الخامس: وإذا كان الإمام محبوساً، فهل يجوز إقامة الجمعة للمسلمين أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: المنع من ذلك، وهذا هو رأي أئمة العترة.
والحجة على هذا: هو أن وجود الإمام من شرط صحة الجمعة كما مر بيانه، فإذا كان محبوساً بطل تصرفه وبطل وجوبها على المسلمين لبطلان الإمام وتصرفه.
المذهب الثاني: جواز ذلك، وهذا هو المحكي عن أبي حنيفة، وحكي عن محمد بن الحسن أنه قال: إذا مات الإمام جاز للمسلمين أن يقيموا من يصلي بهم الجمعة لأن هذا موضع ضرورة.
والحجة على هذا: هو أن الجمعة فرض عين، فإذا حبس الإمام أو مات جاز للمسلمين إقامتها لئلا يفوت عليهم هذا الفرض المتعين.
والمختار: ما قررناه أولاً من اشتراط وجود الإمام في إيجاب الجمعة لما قدمنا من الأدلة فإذا مات أو حبس فقد بطل شرط إقامتها.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: الموت والحبس من جملة الأمور النادرة ومواضع الضرورة، فلهذا قلنا بجواز إقامتها من جهة المسلمين.
قلنا: إن كل ما كان شرطاً في صحة أمر وثبوته وقامت الدلالة [عليه] فإنه لا يجوز حصوله من دونه لأن صحته من دونه تؤذن بكونه شرطاً تقف صحته على وجوده وثبوته.
الفرع السادس: والإمام إذا اجتمع له صلاة جمعة والكسوف والإستسقاء والجنازة فإنه يبدأ بصلاة الجمعة لأمرين:

أما أولاً: فلأنها من فروض الأعيان وما عداها إما واجب على الكفاية كصلاة الجنازة، وإما سنة مؤكدة كصلاة الكسوف والإستسقاء، وإن اجتمع صلاة الجنازة والكسوف والإستسقاء فإنه يبدأ بصلاة الجنازة لقوله÷: ((ثلاث لا ينبغي التأني فيهن: الجنازة إذا حان وقتها، والصلاة إذا حضر وقتها، والأيم إذا حضر كفؤها)) (1).
إلا أن يخشى فوات الكسوف بالإنجلاء فالبداية به، وإن حضر الكسوف والإستسقاء فهما سواء إلا أن يخاف فوات الكسوف بالإنجلاء فهو أحق بالبداية.
ويستحب للإمام أن يأتي الجمعة راجلاً لما روي عن الرسول÷ أنه قال: ((بشر المشائين إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة))(2).
ولأن الثواب بالمشي أكثر أجراً وأعظم ثواباً من الركوب.
ويستحب أن يأتيها حافياً غير منتعل لما روى زيد بن علي عن أمير المؤمنين كرم اللّه وجهه أنه كان يأتي الجمعة حافياً، وهذا كله في الرواح في الجمعة فأما بعد الفراغ منها فيفعل ما شاء من الركوب والإنتعال لأن الفضل إنما يكون في القصد إليها لا في المراح بعد إنقضائها، ولا يجوز الإئتمام في صلاة الجمعة بالصبي لأنه غير مكلف بالصلاة، ويجوز عند الشافعي في أحد قوليه، ويجوز الإئتمام بالأعمى لما روي عن الرسول÷ أنه كان يستخلف ابن أم مكتوم يصلى بالناس في المدينة، ويجوز الإئتمام بالعبد في صلاة الجمعة لأنها صلاة مفروضة فجاز الإئتمام به كصلاة الظهر، وحكي عن مالك أنه لا يجوز أن يكون العبد إماماً لأن إمامة الصلاة فيها علو ورفعة والرق في غاية النزول والركة فلأجل هذا تناقض حكمهما.
والمختار: جواز ذلك لأنه مسلم نقي عاقل مكلف فجازت الصلاة به كالحر.
__________
(1) تقدم.
(2) وروي الحديث بزيادة: ((.... المشائين في الظلمات)) و ((... في الظلم)) و((...في ظلم الليل)) أخرجه بهذه الزيادات ابن خزيمة في صحيحه 1/331، والترمذي 1/435، وأبو داود 1/154، وابن ماجة 1/257.

الفرع السابع: والإمام إذا كان من أهل الظلم والجور والفسق، والخطيب إذا كان متولياً من جهتهم ويخطب لهم ويدعو لهم على المنابر، فإذا كانوا على هذه الصفة تعلق بهم حكمان:
الحكم الأول: أنه لا يجوز حضور جُمَعِهم عند الأكابر من أئمة أهل البيت" ويأثم الحاضرون لها، وقد حكي عنهم روايات في المنع من ذلك والتشديد على من حضر والنكير، ونحن نذكرها ليتحقق الناظر ما خصهم اللّه به من الصلابة في ذات اللّه والتشدد في أمر الدين والبعد عن أهل الجور والظلم.
الرواية الأولى: مأثورة عن زيد بن علي، ومحمد بن عبدالله النفس الزكية(1): أ
ن كل من حضر خطبهم فهو آثم.
الرواية الثانية: عن إبراهيم بن عبدالله(2)
أنه سئل عن الجمعة هل تجوز مع الإمام الجائر؟ فقال: إن علي بن الحسين، وكان سيد أهل البيت كان لا يعتد بها معهم ويُؤَثِّم من حضرها.
الرواية الثالثة: محكية عن جعفر الصادق أنه سئل عن ذلك فقال السائل: أصلي خلفه وأجعلها تطوعاً؟ فقال: لو قبل التطوع قبلت الفريضة.
الرواية الرابعة: عن القاسم بن إبراهيم أنه قال: من صلى معهم فقد أثم.
الرواية الخامسة: عن الناصر أنه قال لشالوس(3)
ـ وكان ممن يحضر جُمَعَ الظلمة وأهل الجور والفسق ـ: إنكم تحضرون الجمعة وهي فرض من فرائض اللّه مع الظلمة فيأتي خطيبهم فيقول: اللهم أصلح عبدك وخليفتك والقائم بأمرك وبالحق في عبادك، وهو في حال دعاءه خِمِّير فاسق فيكذب مثل هذه الكذبات في خطبته التي هي نصف الصلاة فما أحد منكم يشري نفسه من اللّه فيكذبه في قوله وينكر عليه. فهذا كله تصريح بأنه لا يجوز لأحد من المسلمين حضور هذه الجمعة إذا كان الخطيب يخطب للظلمة.
الرواية السادسة: عن المؤيد بالله قال: يكره الحضور معهم فهذه الروايات كلها دالة على تأثيم الحاضرين.

الرواية السابعة: عن أمير المؤمنين كرم اللّه وجهه أنه قال: من سوَّد علينا فقد شرَّك في دمائنا. ومعنى كلامه هذا من كثر جماعة أعدائنا وزاد في سوادهم علينا، فكلامه هذا دال على أنه لا يجوز حضور جُمَعِهم. ويدل على البعد منهم والمجانبة لهم، ومن كان له إلى اللّه أدنى وسيلة ووثاقة في الدين فإنه يعتمد على ما رويناه، ومصداق هذه المقالة ما روي عن الرسول÷ أنه قال: ((من دعا لظالم بالبقاء فقد أعان على هدم الإسلام))(1).
وقوله÷: ((إذا مدح الفاسق أهتز العرش))(2).
وقوله÷: ((من دعا لظالم بالبقاء فقد أحب أن يعصى اللّه في أرضه))(3).
الحكم الثاني: أنهم إذا صلوا وجبت عليهم الإعادة لأن الإمام شرط في إنعقاد الجمعة وصحتها، ولا شك أن إمامتهم باطلة فلهذا بطلت الجمعة ووجب عليهم إعادة الظهر، فأما على قول من قال: بأن المعاصي تكون ناقضة للوضوء. فإنه ينتقض وضوءه بكذبه وتعظيمه للظلمة وأهل الفسق، فلا جرم أوجبنا عليهم إعادة ما صلوا وهم على هذه الحالة، وهل يجب القضاء بعد فوات الوقت؟ فيه تردد والقوي أنه لا يجب عليهم القضاء بعد فوات الوقت لأنها من المسائل الخلافية، كما حكي عن شيوخ المعتزلة والحنفية: أنه لا يجوز التأخر عن الجمعة وإن كان الخطيب يخطب للآئمة والظلمة وأهل الفسق المتغلبين.
الفرع الثامن: والإمام إذا كان واقفاً في بلدة أو محلة متقاربة الأطراف فهل يجوز أن تقام الجمعة في مسجد واحد أو في كل مسجد؟
فالذي عليه أئمة العترة وأكثر الفقهاء: على أنه لا يجوز أن تقام الجمعة فيها إلا في مسجد واحدٍ.
__________
(2) رواه عن أنس بن مالك أبو يعلى في معجمه 1/165 بلفظ: ((إذا مُدح الفاسق غضب الرب واهتز العرش)) وهو في (ميزان الاعتدال) بلفظه في الأصل 3/161، وكذا في (لسان الميزان) 3/2.
(3) ورد على أنه كلام بعض السلف، وقد ذكره ابن حنبل في (الورع) 1/97، وهو في (شعب الإيمان) 7/53.

والحجة على هذا: قوله÷: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)). والمعلوم من حالهم في المدينة وحاله أنه ما صلى فيها إلا في مسجد واحدٍ، وهي بلدة كبيرة ومصر من الأمصار، فإذا كان هذا واقعاً في المدينة مع سعتها ففي المحلة والقرية أحق وأولى.
وحكي عن عطاء وداود من أهل الظاهر: أنه يجوز إقامتها في كل مسجد كسائر الصلوات المفروضة.
وحجتهم: ما ذكرناه.
ونزيد هاهنا: وهو أن من شرط الجمعة الجماعة، واجتماع الناس في القرية والمحلة الصغيرة سهل فلهذا وجب اجتماعهم على صلاة واحدة.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا: إنها صلاة فجازت إقامتها في كل مسجد كالصلاة المكتوبة.
قلنا: إن المعنى في الأصل أن الإجتماع ليس شرطاً في الصلوات المكتوبة فلهذا جازت تأديتها في كل مسجد بخلاف الجمعة فإن من شرطها الجماعة فافترقا، وإن كان مقام الإمام في مصر كبير متباعد الأطراف فهل يجوز أن تقام الجمعة فيه في مسجد واحدٍ أو أكثر من ذلك؟ فيه أقوال خمسة:
القول الأول: جواز ذلك وهذا هو الذي ذكره السيد أبو طالب للمذهب.
والحجة على هذا: هو أن المصر إذا كان متباعد الأطراف مثل بغداد أو البصرة فإن إجتماعهم في مكان واحدٍ تلحقهم به المشقة والحرج في التزاحم والضيق والله تعالى يقول: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج}[الحج:78]. فلهذا جاز فعلها في موضعين وثلاثة على قدر الحال في ذلك.
القول الثاني: المنع من ذلك، وهذا هو المحكي عن الشافعي فإنه قال: ولا يُجَمَّع في مصر وإن عظم وكثرت مساجده إلا في مسجد واحدٍ.
وحجته على هذا: هو أن الرسول÷ والخلفاء بعده ما أقاموا الجمعة إلا في موضع واحدٍ وقد قال÷: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)).
القول الثالث: محكي عن أبي يوسف، وهو أن البلدة إذا كان لها جانبان وفي وسطها نهر عظيم يجري مثل مدينة السلام ـ يعني بغداد، وواسط ـ جاز أن يصلي في كل جانب منها جمعة. وهو محكي عن أبي الطيب من أصحاب الشافعي.

القول الرابع: محكي عن محمد بن الحسن، أن القياس أنها لا تقام إلا في مسجد واحد لكنه يجوز إقامتها في البلد في مسجدين استحساناً، ولا يجوز إقامتها في ثلاثة مساجد.
القول الخامس: الذي يأتي على كلام أبي حنيفة إذ ليس له في المسألة نص فحكي أن مذهبه مثل مذهب الشافعي، وقيل: إن مذهبه مثل قول محمد بن الحسن في الإستحسان.
واعلم أن الإستحسان وآدٍ من أودية القياس لكنه أخص من القياس وأدخل في غلبات الظنون والقياس إقامتها في مسجد واحدٍ لأن ذلك هو الواجب، والذي دلت عليه أدلة الشرع والإستحسان إقامتها في مسجدين لأن الحاجة تدعوا إلى ذلك من غير زيادة عليه فإذن لا حاجة إلى ثالث إذ لا دلالة لا من جهة القياس ولا من جهة الإستحسان.
والمختار في ذلك: تفصيل نشير إليه، وهو أن الأمر في ذلك على ما يراه الإمام الأعظم أو من يقوم مقامه بأمره في الجمعة، فإن كان الإجتماع في مسجد واحدٍ ممكناً فلا حاجة إلى إقامتها في غيره لأن ذلك يؤدي إلى تفرق الكلمة وتشتت الشمل، وإن كان غير ممكن أو كان في الإجتماع مشقة على المسلمين في الإجتماع بالإزدحام والتضايق جاز إقامتها في مساجد لأجل الضرورة الداعية إلى ذلك لأن العذر إذا كان ظاهراً فمداخل الإحن والبغضاء منسدة لا يظنها ظان وإذا لم يكن العذر ظاهراً تطرقت إليهم الإحن وأنواع العداوة.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: لم تقم الجمعة إلا في مسجد واحد في زمن الرسول÷، كما حكي عن الشافعي المنع من ذلك. وعن أبي يوسف: الجواز إذا كان للبلدة جانبان كبغداد أقيمت في مسجدين، والإستحسان إقامتها في مسجدين كما حكي عن محمد. فأما أبو حنيفة: فرأيه في ذلك إما على ما قاله الشافعي، أو على ما قاله محمد.

قلنا: الجواب عن هذه المذاهب بحرف واحد: وهو تقرير الحال على ما تدعو إليه المصلحة في ذلك، ولا وجه للمنع مع دعاء الضرورة إليه، ولأن الأمر إذا إنتهى إلى مثل هذه الحالة فالأولى تحكيمها على ما يكون فيه مصلحة للمسلمين أو للصلاة، وذلك يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والحمدلله.
الفرع التاسع: في حكم الجمعتين إذا اجتمعتا، وإن أقيمت جمعتان في البلدة الصغيرة التي لا يصح إقامتها فيها؟ نظرت فإن كان لإحداهما مزية على الأخرى بأن كان في إحداهما الإمام الأعظم فإن كان مع الأولى فهي الصحيحة لأنها الأولى ومعها الإمام الأعظم، وإن كان الإمام في الثانية فأيهما تكون أحق بالصحة؟ فيه تردد.
والمختار: الثانية هي الصحيحة لأنها جمعة الإمام ولأنا لو حكمنا بصحة الأولى لكان في ذلك إعراض عن الإمام وتهاون بجمعته، فلأجل هذا كان الحكم بصحة الثانية هو الأحق والأولى، وإن لم يكن لإحداهما مزية على الأخرى بأن أقيمتا بإذن الإمام فذلك يكون على خمسة أوجه:
الوجه الأول: أن تسبق إحداهما الأخرى، فالأولى السابقة هي الصحيحة، لأنها أقيمت بشرائطها فمنعت صحة الثانية والثانية باطلة، وهل يعتبر السبق في الأولى بالإحرام بالصلاة أو بالإبتداء بالخطبة؟ والأولى أن الإبتداء بالخطبة يعتبر به السبق لأنهما قائمتان مقام الركعتين.
الوجه الثاني: إذا أحرموا بهما جميعاً في حالة واحدة حكم ببطلانهما جميعاً لأنه لا مزية لإحداهما على الأخرى فتكون مرجحة، ولا وجه للجمع بينهما لأن الفرض إنما هو واحدة، فإذا كان لا ترجيح بينهما وجب الحكم ببطلانهما جميعاً.
الوجه الثالث: إذا لم يعلم هل سبقت إحداهما الأخرى أو كانتا في وقت واحدٍ فإنه يحكم ببطلانهما جميعاً لما ذكرناه في الوجه الثاني إذ لا مزية لإحداهما على الأخرى، ويجب عليهم أن يعيدوا الجمعة إذا كان الوقت واسعاً لأن فرضها لازم لهم فلا بد لهم من أدائه.

الوجه الرابع: إذا علم أن إحداهما سابقى لكنه غير معلوم بعينه، ومثاله: أن يسمع تكبير أحد الإمامين بالإحرام بالصلاة ـ إذا قلنا: الإعتبار بالسبق بالإحرام ـ ثم كبر الثاني ولا يُعلم الذي كبر أولاً.
الوجه الخامس: إذا عُلِم عين السابقة من الصلاتين ثم نسيت، ومثاله: أن يعلم عين المكبر أولاً لكنه نسي فالحكم في هذين الوجهين أعني الرابع والخامس واحد، وهو أن الجمعتين باطلتان، وإذا كان الأمر كما قلنا فالواجب على المسلمين قضاء الجمعة لأنا إذا حكمنا ببطلانهما معاً صار كأنه لم تقم في المصر جمعة فلهذا وجب عليهم إقامتها لأنا نعلم أن إحداهما باطلة والأخرى صحيحة، وإذا لم يعلم عين الصحيحة من الباطلة فالأصل بقاء الفرض في ذممهم فلهذا توجه عليهم الإعادة.
الفرع العاشر: والإمام إذا مر بمصر من الأمصار فصلى فيه الجمعة بأهله، فالذي يأتي على المذهب أن صلاة الإمام والمأمومين صحيحة مجزية، وهو محكي عن أبي حنيفة وأصحابه.
والحجة على هذا: هو أن الصفات المعتبرة في صحة الصلاة لهم جميعاً حاصلة فلأجل هذا قضينا بصحة الصلاة لهم جميعاً، وحكي عن زفر: أنها غير مجزية للإمام والمأمومين جميعاً، وإنما لم تصح صلاة المؤتمين لأنهم مقيمون والإمام مسافر، وقد قال÷: ((لا تختلفوا على إمامكم)). وإنما لم تصح صلاة الإمام لأنها لما بطلت في حقهم بطل العدد الذي هو شرط في صحة الصلاة فلأجل هذا بطل إجزاؤها في حق الإمام والمأمومين معاً.
والمختار: هو الأول لما ذكرناه من كمال الشرائط في حقه وحقهم، وما ذكره زفر فلا وجه له لأمرين:
أما أولاً: فلأنه لا خلاف في صحة الصلاة للمقيم خلف المسافر.
وأما ثانياً: فلأن الفرض في حق الإمام والمأموم متفق وهو فرض الجمعة لأنها ركعتان في حق المقيم والمسافر.

الفرع الحادي عشر: وإن صلى الإمام ثم ذكر أنه كان جنباً بطلت صلاته لبطلان طهارته وبطلت صلاة المؤتمين، ولا يقع هاهنا خلاف في بطلان صلاة المؤتمين كما وقع الخلاف في صلاة الجماعة كما قررناه لأن الإمام هاهنا شرط في صحة صلاة الجمعة بخلاف صلاة الجماعة، ولو صلى في صلاة الجمعة بجماعة ثم بان أنهم محدثون فإن صلاتهم باطلة لبطلان طهارتهم فتلزمهم الإعادة، فأما صلاة الإمام فهل يحكم بصحتها أم لا؟ فمن أصحاب الشافعي من حكم بصحة صلاة الإمام لأنه لم يكلف بالعلم بطهارة من خلفه من المؤتمين فلهذا حكمنا بصحة صلاته.
والمختار: بطلان صلاته لبطلان العدد لأنه شرط في صحة صلاة الجمعة كالإمام، وبالله التوفيق.
القول في العدد: وهو شرط في صحة الجمعة، ولا خلاف أن الجمعة لا تنعقد إلا بعدد لقوله تعالى: {إِذَا نُودِي لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا}[الجمعة:9]. وهذا خطاب للمسلمين بخطاب الجمع.
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول: اختلف العلماء في أقل العدد الذي تنعقد به الجمعة على مذاهب ثمانية:
المذهب الأول: أن أقل ما تنعقد به الجمعة أربعة: الإمام، وثلاثة مأمومين، وهذا هو الذي ارتضاه السيدان الأخوان المؤيد بالله وأبو طالب للمذهب، وهو محكي عن أبي حنيفة.
والحجة على هذا: هو أن قوله تعالى: {فاسعوا} إنما هو خطاب للجمع وأقل الجمع ثلاثة لأن ما دون الثلاثة فليس جمعاً وما فوقها زائد على الجمع، فلهذا قلنا: إن أقله يكون ثلاثة غير الإمام لأن الخطاب للمسلمين، والسعي إنما هو إلى الإمام فلهذا كان مغايراً للساعين إليه.
المذهب الثاني: أن أقل ما تنعقد به: ثلاثة، إمام ومأمومان. وهذا هو الذي اختاره أبو العباس، وحصله لمذهب الهادي، وهو محكي عن أبي يوسف وأبي ثور والأوزاعي والثوري.

والحجة على هذا: هو أن قوله: {فاسعوا} إنما هو خطاب للإمام مع المأمومين ولا شك أنهم ثلاثة فيجب أن يكون الخطاب متوجهاً إليهم، ويمكن أن يقال: إن الخطاب للمأمومين لكن أقل الجمع إثنان عند جماعة من أهل اللغة.
المذهب الثالث: أنها لا تنعقد إلا بأربعين رجلاً ولا تنعقد بدون ذلك، وهذا هو رأي الشافعي، ومحكي عن عمر بن عبدالعزيز وغيره، وهل يكون الإمام من جملة الأربعين أو يكون زائداً؟ فيه وجهان: أجودهما: أنه يكون من جملة الأربعين.
والحجة على هذا: ما روى عبدالرحمن بن كعب بن مالك(1)
قال: كنت قائداً لأبي بعدما كف بصره فكان إذا سمع الجمعة ترحم على أسعد بن زرارة، فقلت له: إنك تترحم عليه في نداء كل جمعة؟ فقال: نعم.. كان أول من جَمَّع بنا في بني بياضه. قلت: كم كنتم؟ قال: أربعين رجلاً. وروي عن جابر بن عبدالله أنه قال: مضت السنَّة أن في كل أربعين فما فوقها جمعة.
المذهب الرابع: أنها تنعقد بأثني عشر رجلاً محكي عن ربيعة، وعن عكرمة: أنها تنعقد بتسعة. وحكي عن الحسن البصري: أنها تنعقد بإمام ومأموم. وهو محكي عن داود وعن الحسن بن صالح: أنها تنعقد بالإمام وحده. وعن مالك: أني لا أجد في ذلك حداً وإنما يعتبر في ذلك عدد يمكنهم المقام في قرية ويتمكنون فيها.
والمختار: ما أرتضاه الأخوان وحصَّلاه للمذهب: من أنها تنعقد بثلاثة مع الإمام.
وحجتهم: ما ذكرناه.
__________
(1) أبو الخطاب عبد الرحمن بن كعب بن مالك الأنصاري السملي، روى عن أبيه وأخيه عبد الله بن كعب وأبي قتادة وجابر وعائشة وغيرهم، وعنه: ابنه كعب وأبو أمامة بن سهل والزهري وغيرهم، ولد على عهد النبي÷ ولم يرو عنه شيئاً، توفي في ولاية سليمان بن عبد الملك بن مروان، وقيل: في ولاية هشام. اهـ (تهذيب التهذيب) 6/233، وقال في (الإصابة): قال ابن سعد: كان ثقة وأكثر حديثاً من أخيه. اهـ. 5/47.

233 / 279
ع
En
A+
A-