وإن ظهر الإمام الأعظم على المنبر وأذن المؤذن حرم البيع لظاهر الآية، فإذا تقرر هذا فإن التحريم إنما يختص من كان من أهل فرض الجمعة فأما إذا تبايع رجلان ليسا من أهل فرض الجمعة كالعبدين والمسافرين والمرأتين لم يحرم عليهما البيع.
وحكي عن مالك أنه يحرم البيع.
وحجتنا على ذلك: هو أن الله تعالى أمر بالسعي إلى الجمعة ونهى عن البيع لأجلها فلما كان السعي غير واجب على هؤلاء ثبت أن النهي عن البيع لا يتوجه عليهم ولا يدخلون فيه.
وإن تبايع اثنان بعد النداء وبعد ظهور الإمام على المنبر، أحدهما من أهل فرض الجمعة والآخر ليس من أهل فرضها فإنهما يأثمان جميعاً لأن من كان من أهل فرض الجمعة فقد تناولته الآية والآخر أعان على المعصية فكان عاصياً بذلك، فلأجل هذا قلنا بأنهما آثمان.
وكل موضع نهي عن البيع فإنه إذا وقع فيه البيع فإنه يكون منعقداً.
وحكي عن أحمد بن حنبل ومالك وداود أنه لا يصح.
والحجة على هذا: هو أن النهي لم يتعلق بالبيع وإنما كان متعلقاً بالصلاة، فلما كان النهي راجعاً إلى الغير لا جرم كان البيع منعقداً، وكمن ذبح لله بسكين مغصوبة فإن الذبيحة تحل لأن النهي راجع إلى غيرها، بخلاف من ذبح بعظم أو ظفر فإنها لا تحل الذبيحة لما كان النهي راجعاً إلى المذبوح نفسه فافترقا.
وقد تم الكلام فيمن تجب عليه الجمعة ومن لا تجب والحمد لله وحده.

---
الفصل الثاني في بيان شروط الجمعة
أعلم أن الجمعة مختصة بشرائط قد دل الشرع على اعتبارها من بين سائر الصلوات وأنها لا تكون جمعة ولا مجزية إلا بوجودها، وهي الإمام، والزمان، والمكان، والعدد، والخطبتان، ونحن نذكر كل واحد من هذه الشروط بكلام يخصه:
القول في الإمام: اعلم أن لا خلاف في وجوب اعتبار إمام المحراب في صلاة الجمعة لأن الإجتماع شرط في صحتها وذلك لا يكون إلا بإمام يجمع شملهم، وإنما الخلاف في الإمام الأعظم هل هو شرط في صحتها وانعقادها أم لا كما سنوضح القول فيه.
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول: الإمام الإعظم قائم بأمر اللّه تعالى وبأمور المسلمين، هل يكون شرطاً في إنعقادها وصحتها أم لا؟ فيه مذاهب ثلاثة:
المذهب الأول: أنه شرط في صحة انعقادها ووجوبها، وهذا هو رأي أئمة العترة القاسمية والناصرية، واختاره الأخوان السيدان المؤيد بالله وأبو طالب، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه.
والحجة على هذا: قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ}[الجمعة:9]. ولا شك أن لفظ الصلاة مجمل يحتاج إلى بيان من معرفة صفتها وشروطها وبيانها موكول إلى الرسول÷ لأن الشرع مأخوذ منه، وقد تقرر أنه÷ لم تقم الجمعة إلا به أو بمن يقوم مقامه والياً من جهته.
الحجة الثانية: ما روي عن الرسول÷ أنه قال: ((أربعة إلى الولاة الجمعة والحدود والفيء والصدقات.))(1).
أراد بالولاة من يلي أمر المسلمين في أمور الدين والدنيا وقسمة الغنائم والفيء والصدقات.
الحجة الثالثة: قياسية، وهو أنها عبادة لا يجوز أن ينفرد بها كل أحد في إقامتها، فيجب أن يكون الإمام شرطاً في إقامتها كإقامة الحدود.
__________
(1) وفي بعض الروايات: ((أربعة إلى الأئمة....)) أورده ابن أبي شيبة في (المصنف) 5/506، بلفظ: ((... الجمعة والحدود والزكاة والفيء)).

المذهب الثاني: أن الإمام ليس شرطاً في صحة الجمعة وانعقادها، وتجوز إقامتها خلف من يكون إماماً في الصلاة المكتوبة، وهذا هو رأي الشافعي.
والحجة على هذا: ما روي أن أمير المؤمنين كرم الله وجهه أقام الجمعة وعثمان محصور في داره وكان الخليفة في ذلك الوقت، وفي هذا دلالة على أن الإمام ليس شرطاً.
الحجة الثانية: قياسية، وهي أنها صلاة مفروضة فيجب أن لا يكون الإمام شرطاً في إنعقادها كالصلوات المكتوبة.
المذهب الثالث: أن الإمام مشترط في الجمعة لا تتم إلا به لكن عدالته غير مشترطة فيجوز توليها من جهة الظلمة وسنفرد عليهم كلاماً يخصه على أثر هذا بمعونة الله.
والمختار: ما عول عليه أئمة العترة من اشتراط الإمام في إقامة الجمعة فإنها لا تنعقد من دونه.
وحجتهم: ما ذكرناه.
ونزيد هاهنا وهو ما روي عن الرسول÷ أنه قال: ((إن اللّه افترض عليكم الجمعة في مقامي هذا في شهري هذا في عامي هذا فمن تركها استخفافاً بحقها وحجوداً لها وله إمام عادل أو جائر فلا جمع اللّه شمله ولا بارك له في أمره ألا ولا صلاة له ولا حج له ولا صوم له ولا بر له إلا أن يتوب فإن تاب تاب اللّه عليه)).
الحجة الثانية: هو أن المعلوم من حال الرسول÷ أنه أقامها في أيامه وهكذا حال الخلفاء من بعده، فإن كل واحد منهم أقامها في أيامه من غير توقف في ذلك، وفي هذا دلالة على أنهم معتقدون لوجوب الإمام في إقامتها وأنه شرط.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: روي عن أمير المؤمنين كرم اللّه وجهه أنه أقام الجمعة وعثمان محصور وهو الخليفة، وفي هذا دلالة على أن الإمام ليس شرطاً في وجوبها.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فإنما أقامها لأن عنده وعندنا أنه هو الإمام بعد الرسول÷ وأن إمامته ثابتة بالنص فلهذا أقامها لأن الولاية فيها وفي غيرها إليه فلهذا أقامها على هذه النية.

وأما ثانياً: فلأن أمير المؤمنين لما رأى إخلال عثمان بإقامة الجمعة لم يسعه عند اللّه تعالى أن يفوت فرضها على المسلمين فلهذا أقامها. كما روي أن الوليد بن عقبة بن أبي معيط(1)
لما شرب الخمر وصلى بالناس سكران ولم يحدَّه عثمان فأراد أمير المؤمنين أن يحده فقال ولده الحسن: لا حاجة إلى حدِّه يتولى حارها من تولى قارها، فإنه يشير بذلك إلى أن عثمان أحق بحدِّه لأنه هو الخليفة بزعمه. فقال أمير المؤمنين: ما كان ليضيع حدٌ من حدود اللّه وأنا على الدنيا فحدَّه حد الشارب والحسن يعد الجلدات حتى أتمها.
قالوا: إنها صلاة مفروضة فيجب أن لا يكون الإمام شرطاً في إنعقادها كالصلوات الخمس.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن الأقيسة لا مجرى لها في العبادات لأن معانيها منسدة ونحن وإن استعملناها فإنما هو على جهة المعارضة لا على جهة الإعتماد.
وأما ثانياً: فلأن الرسول÷ نزلها منزلة الحدود بقوله: ((أربعة إلى الولاة)). وعد من جملتها الجمعة، فدل ذلك على مفارقتها للصلوات المكتوبات في إشتراط الإمام فيها.
__________
(1) الوليد بن عقبة بن أبي معيط، أبو وهب القرشي ابن عمرو بن أمية بن عبد شمس، روى عن النبي÷ وعنه أبو موسى عبد الله الهمداني وعامر الشعبي وحارثة بن مضرب، قال ابن سعد بسنده: أسلم الوليد يوم الفتح وبعثه رسول الله على صدقات بني المصطلق، وولاه عمر صدقات بني تغلب، وولاه عثمان الكوفة [بدلاً عن سعد بن أبي وقاص] ثم عزله، فلما قتل عثمان تحول إلى الرقة فنزلها حتى مات بها سنة 61هـ على خلاف، وكان أخبر النبي÷ عن بني المصطلق أنهم ارتدوا عن الإسلام وأبو أداء الصدقة، وذكلك أنهم خرجوا إليه فهابهم ولم يعرف ما عندهم، فبعث رسول الله خالد بن الوليد وأمره أن يتثبت فيهم فأخبروه أنهم متمسكون بالإسلام، فنزلت: {ياأيها الذين أمنوا إذا جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا...} الآية 6 من الحرجات، راجع (تهذيب التهذيب) 11/125 (وتهذيب الكمال) 31/53.

قالوا: الآية دالة على أن الإمام غير مشترط في صحة الجمعة لأنه تعالى قال: {إِذَا نُودِي لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ}[الجمعة:9]. ولم يذكر اشتراط الإمام.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأنا قد أوضحنا أن الآية مجملة وأن بيانها إلى الرسول÷، وقد أوضحها في شروطها وأبان كيفيتها ومن جملة بيانه لها أن تولاها إماماً بنفسه، وقد ظهر ذلك في فعله وأما قوله فقد بينها بقوله: ((فمن تركها وله إمام عادل أو جائر)). فقد حصل بما ذكرناه بيان هذه الصلاة بالقول والفعل من جهته.
وأما ثانياً: فلأن الخلفاء ومن بعدهم خلفاً عن سلف معتمدون على وجوب اشتراط الإمام في الجمعة وما ذاك إلا لأنهم فهموا ذلك من جهة الرسول÷ في أقواله وأفعاله فلهذا وجب الإعتماد على ذلك.
الفرع الثاني: إذا تقرر اعتبار كون الإمام شرطاً في صحة صلاة الجمعة فهل يعتبر كونه عدلاً أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه يجب اعتبار عدالته، وهذا هو رأي أئمة العترة.
والحجة على هذا: هو قوله تعالى: {وَلاَ تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ}[هود:113].
ووجه الدلالة من الآية: هو أن اللّه تعالى نهى عن الركون إلى الظلمة وأهل الجور والفساد، ومن صلى خلف ظالم أو جائر فقد ركن إليه في صحة صلاته وفي كونه ضامناً للصلاة كما هو جار في حق أهل العدالة من الآئمة.
الحجة الثانية: قوله÷: ((لا يؤمكم ذو جرأة في دينه)). ولا جرأة أعظم من ظلم العباد وملابسة المحظورات وأكل الأموال الحرامية إلى غير ذلك من أنواع الجور والفساد.
المذهب الثاني: جواز الصلاة في يوم الجمعة خلف الظلمة وأهل الفساد والجور، وهذا هو المحكي عن أبي حنيفة.
والحجة على هذا: قوله÷: ((فمن تركها وله إمام عادل أو جائر)). فظاهر الخبر دال على جواز الصلاة خلف الجائر من الظلمة وأهل الفساد والجور كما تجوز خلف العادل.

والمختار: وجوب اشتراط العدالة في إمام الجمعة كما ذكره أئمة العترة.
وحجتهم: ما ذكرناه.
ونزيد هاهنا: وهو أن الإمام الأعظم هو الشرط في وجوبها وليس يكون إماماً للمسلمين إلا إذا كان مختصاً بصفات حاصلاً على شرائط، ومن جملتها: العدالة لأنه إذا كان عدلاً كان متولياً لمصالح الدين جامعاً لشمل المسلمين واضعاً للحقوق في مواضعها غير مفرط في شيء من الأموال في غير وجهه، ذاباً عن الجوزة، وكل ذلك معتمده العدالة فإذا لم يكن عدلاً بطلت هذه المصالح كلها وبطل الغرض به ولم يكن صالحاً للإمامة بحال.
الحجة الثانية: هو أن الشهادة لا خلاف في وجوب اعتبار العدالة فيها ولا يحكم الحاكم إلا بشهادة عدلين في الحقوق والأموال، فإذا كانت العدالة معتبرة في الدرهم الواحد وفي العشرة ويجب اعتبارها في الحقوق من الوكالة والوصاة فكيف لا تعتبر في أجلّ الإشياء وأخطرها وأعظمها حقاً عند اللّه تعالى وهي الإمامة وهي تتعلق بمصالح الدين والدنيا وعليها يدور صلاح الخلق.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا: روي عن الرسول÷ أنه قال: ((وله إمام عادل أو جائر)). فلم يفصل بين العادل والجائر في صحة الإمامة في صلاة الجمعة، وفي هذا دلالة على جواز إمامة الظالم ومن كان جائراً خارجاً عن التمسك بالدين.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن الآية والخبر دالان على وجوب اعتبار العدالة وقد تعارضا وإذا تعارضا وجب الترجيح، ولا شك أن الآيات لا يمكن أن تعارضها الأخبار بل يجب الإعتماد على ما تدل عليه الآيات لأنها مقطوع بأصلها والأخبار مظنونة فلهذا كان العمل عليها أرجح من العمل على الأخبار.
وأما ثانياً: فلأن المراد بقوله: ((عادل أو جائر)) في الباطن؛ لأن الظاهر إذا كان هو العدالة فلا حاجة إلى العلم بالباطن فإن لا يطلع عليه إلا اللّه تعالى ولسنا مكلفين بعلم اللّه تعالى، وإنما نكلف بعلمنا وظننا.

الفرع الثالث: اعلم أنا قد أوضحنا فيما سبق انعقاد الإجماع من جهة أئمة العترة على كون الإمام شرطاً في إنعقاد الجمعة وصحتها واشتراط عدالته وقررنا ذلك بأدلة شافية، والذي بقي علينا من ذلك هو البحث عن كون هذا الإجماع مقطوعاً أو مظنوناً وهل يكون مانعاً من الاجتهاد أم لا؟ وهل يفسق مخالفه أم لا؟ فهذه أحكام ثلاثة لا بد من كشف الغطاء عنها وبها يظهر نور المسألة ويبدو رونقها.
الحكم الأول: في طريق هذا الإجماع هل يكون معلوماً أو مظنوناً.
فاعلم أن طريق الإجماع على وجهين:
أحدهما: أن يكون متواتراً نقله، ومتى كان على هذه الصفة كان موجباً للعلم كما نقوله في مكة وبغداد فإن طريقنا إلى العلم ليس بالمشاهدة فإنا لم نشاهدهما ولكن طريقها إلى العلم بهما إنما هو التواتر، وهكذا الحال في العلم بالرسول÷ وبالقرآن وأصول الشريعة فإنه لا طريق لنا إلى العلم إلا التواتر.
وثانيهما: أن يكون منقولاً بالآحاد ومتى كان على هذه الصفة فهو أمر ظني يعمل به في الأمور الظنية والأحكام العملية ولا يعمل به فيما كان مقطوعاً به، فإذا عرفت هذا، فالإجماع المنقول على اشتراط الإمام في الجمعة واشتراط عدالته ليس منقولاً بطريق التواتر ولا هو مقطوع به وإنما نقله بطريق الآحاد، فلا جرم كان مثمراً للظن معمولاً به في الأمور العملية ومن جملة الأمور العملية اشتراط الإمام واشتراط عدالته في القيام بالجمعة، فأما كون إجماعهم حجة فهو أصل من أصول الأدلة الشرعية وقد قررناه في الكتب الأصوليه ودفعنا عنه الأسئلة الواردة عليه وهذه الأحكام الثلاثة كلها متفرعة عليه.
الحكم الثاني: هل يكون [الإجماع] مانعاً من الاجتهاد أم لا؟ إذا وقع في مسألة من مسائل الشريعة.

فنقول: متى كان منقولاً بالتواتر كان موجباً للعلم لا محالة وكان مانعاً من الاجتهاد كالنص فإنه مانع من الاجتهاد، وإنما منع لكونه مقطوعاً بظاهره فأما إذا كان نصاً وليس مقطوعاً بأصله فإنه لا يكون مانعاً من الاجتهاد كما نقوله في أخبار الآحاد، فإنه وإن كان بعضها نصاً في المسألة فلا يكون هناك مانع من مخالفته، ومتى كان منقولاً بطريق الآحاد فإنه يكون مظنوناً ومتى كان مظنوناً لم يكن مانعاً من الاجتهاد كما نقوله في المسائل المأخوذة من جهة الأخبار فإنها معترك للظنون في مسائل التحليل والتحريم، ويؤيد ما ذكرناه ويوضحه أن هذا الإجماع في اشتراط الإمام في الجمعة لما كان مظنوناً من جهة نقله بطريق الآحاد لم يكن مانعاً من الإجتهاد، فإن المسألة خلافية بيننا وبين الفقهاء، ولو كان الإجماع مقطوعاً بطريقة لم يكن لخلافهم وجه كما لو خالفوا نصاً مقطوعاً به فلما خالفوا من غير نكير دل على أن طريق الإجماع مظنون، فحصل من مجموع ما ذكرناه أن كل ما كان طريقه القطع بنص متواتر أو إجماع متواتر فإنه يكون مانعاً من الاجتهاد على خلافه.
الحكم الثالث: هل يفسق من خالف إجماع العترة أم لا؟ فنقول المخالف لإجماع العترة لا يفسق سواء كان طريقه مظنوناً أو مقطوعاً، أما إذا كان مظنوناً فلا إشكال فإن الفسق لا يكون إلا بطريق معلوم، وأما إذا كان مقطوعاً فلم يرد الوعيد على مخالفته فلهذا لم يقطع بفسق من خالفه، ويخالف إجماع الأمة وإن اشتركا في كونهما قاطعين فيما تواترا فيهما لما ورد الوعيد على مخالفة إجماع الأمة فلا جرم قضينا بفسق من خالف إجماع الأمة دون من خالف إجماع العترة، لكن نقطع بخطأه لا غير لكونه قد خالف قاطعاً، وقد نجز غرضنا من بيان هذه الأحكام التي ذكرناها ونرجع إلى التفريع.

الفرع الرابع: وإذا كان وجود الإمام شرطاً في إنعقاد الجمعة وكان بعض المسلمين في بعض الأقاليم والأمصار قد بلغب دعوته إليه ولا يمكنه الوصول إليه، فهل يجوز له إقامة الجمعة من غير تولية له من جهة الإمام ولا إذن أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: جواز ذلك، وهذا هو الذي نصه الهادي في المنتخب، واختاره السيد أبو طالب رضي اللّه عنه.
والحجة على هذا: ما روي عن الرسول÷ أنه قال: ((ما رآه المسلمون حسناً فهو عند اللّه حسن)). فإذا رأى هذا النائي عن الإمام مع بلوغ دعوته إليه واستكمال الشرائط فيه أن يقيم له الجمعة من غير ولاية إذا كان هناك مانع من الوصول إليه وأخذ الولاية منه، جاز له ذلك لأن اختيار المسلمين له وراضاهم بإقامته للجمعة للإمام قائم مقام ولاية الإمام له. ويؤيد ما ذكرناه: ما روي عن الرسول÷ لما خرج إلى بني عمرو بن عوف يصلح بينهم قدَّم المسلمون أبا بكر يصلي بهم ولم ينكره الرسول÷ وصوبه. وفي غزوة مؤتة لما جهزهم وأمَّر عليهم زيداً(1) وقال: ((إن قتل زيد فجعفر، وإن قتل جعفر فعبدالله بن رواحة)). فلما قتلوا جميعاً اختار المسلمون خالد بن الوليد(2)
__________
(1) زيد بن حارثة بن شراحيل بن عبد العزى، مولى النبي÷ صاحبي جليل من السابقين إلى الإسلام، تبناه رسول الله÷، وقال ابن عمر: ما كنا ندعوه إلاَّ زيد بن محمد حتى نزلت: {ادعوهم لآبائهم} وكان اشتراه حكيم بن حزام من سوق عكاظ بأربعمائة درهم لعمته خديجة رضي الله عنها، فلما تزوجها رسول الله وهبت زيداً له، ونقل ابن سعد في (الإصابة) عن عبد الرزاق بسنده: ما نعلم أن أحداً أسلم قبل زيد بن حارثة، وكان يعرف بأنه حِبُّ رسول الله÷ كان قائد جيش رسول الله في مؤته، واستشهد فيها بعد أن أبلى فيها بلاءً عظيماً سنة 8 من الهجرة. اهـ. 2/895.
(2) أبو سليمان خالد بن الوليد بن المغيرة القرشي المخزومي، أسلم قبل الفتح بعد الحديبية، وكان أميراً على الجيش في أكثر من غزاة أثناء الفتوحات، و هو قائد محنك وفارس معروف، كان مع المشركين يوم أحد واستغل ومن معه نزول الرماة وانشغالهم بتعقب المشركين فالتف على جيش المسلمين وكان سبب هزيمتهم يوم أحد الناتج عن مخالفة الرماة لأمر رسول الله÷، كان في جيش المسلمين يوم مؤتة، وهو الذي تولى قيادة الجيش بعد استشهاد قادته الثلاثة زيد وابن رواحة وجعفر، وقفل بالجيش عائداً إلى المدينة، مات سنة 22 بحمص ودفن بها، انظر: (مشتاهير علماء الأمصار) 1/31، و(تقريب التهذيب) 191، و(الاستيعاب) 2/427.

فأمرَّوه عليهم ولم ينكر الرسول÷ ما فعلوه، وفي هذا دلالة على ما قلناه من الجواز، فإن كان النائي يمكنه الوصول لم يجز له إقامة الجمعة إلا بإذنه وتوليته.
المذهب الثاني: المنع من ذلك، وهذا هو رأي المؤيد بالله وتأول ما قاله الهادي في المنتخب على أن الإمام ولاه سراً.
والحجة على هذا: هو أن إقامة الجمعة عبادة من شرط صحتها الإمام فوجب أن يعتبر في صحة إقامتها إذن الإمام كالحدود فإنه لا يجوز إقامتها من غير تولية الإمام وإذنه، وهكذا أخذ الزكاة وغير ذلك مما يكون أمره إلى الإمام فلا يجوز فعله إلا برضاه وأذنه.
والمختار: ما قاله [الهادي] في المنتخب، وارتضاه السيد أبو طالب من جواز ذلك إذا كان هناك مانع يمنع من الوصول لأخذ الولاية، وهو محكي عن أصحاب أبي حنيفة، وحكي عن الكرخي: أنه لا تجوز الجمعة إلا بإذن الإمام وتوليته إلا أن يكون هناك مانع يمنع من الوصول إليه جاز ذلك. وهذا يؤيد ما قاله أبو طالب وذكره الهادي في المنتخب.
وحجتهم: ما ذكرناه.
ونزيد هاهنا وهو قوله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى}[المائدة:2]. ومعلوم أن ما هذا حاله فهو من المعاونة على البر لأن ظهور جمعة الإمام والدعاء إلى طاعته وإشتهار أمره في تلك الناحية وذلك الأقليم، فيه أعظم المصالح لأن بظهور أمره يقوم الأمر بالمعروف وترتفع المنكرات ويضعف أمر الظلم ويهيئ(1)
جانب الظلمة خوفاً من سطوة الإمام وتوقعاً لنكاله.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا: إقامة الجمعة عبادة من شرط صحتها الإمام فلا بد من اعتبار إذنه وولايته كالحدود وأخذ الأموال وأمور الجهاد.
قلنا: هذا مسلم إذا كان ممكناً لا يتعذر الوصول إلى الإمام ولكن إذا كان الوصول متعذراً لم يجز بطلان هذه المصلحة التي ذكرناها بإظهار شعار الإمام وتقوية أمره وإشتهار ولايته وبما يصلح في ذلك من المصالح الدينية والدنيوية.
__________
(1) هكذا في الأصل غير واضحة، ولعلها: يوهن.

232 / 279
ع
En
A+
A-