قال الكرخي: ولا يجوز إقامة الجمعة إلا في المصر أو خارجاً عنه قريباً من المواضع التي جعلت مصلى لصلاة العيد ونحو ذلك.
والحجة على هذا: ما روي عن الرسول÷ أنه قال: ((الجمعة حق واجب ))(1).
ولم يخص موضعاً من موضع إلا ما قامت عليه دلالة في المنع منه، ولقوله÷: ((إن الله افترض عليكم الجمعة في مقامي هذا في شهري هذا في عامي هذا )). ولم يفصل.
سؤال: أراه÷ خص الدلالة على وجوب الجمعة بقوله: ((إن الله افترض عليكم الجمعة في شهري هذا في عامي هذا في مقامي هذا " فريضة مكتوبة)). ولم يقل مثل هذا في سائر العبادات كالصلوات الخمس والصوم والحج، فما الوجه في ذلك؟
وجوابه: من وجهين:
أما أولاً: فلأن ما هذا حاله من أسرار العبادات التي لا تعقل معانيها، كما كانت الظهر أربعاً والمغرب ثلاثاً والفجر ركعتين، ولأمر ما يسود من يسود.
وأما ثانياً: فلعل هذا إنما كان توكيداً في أمر الجمعة وتنبيهاً على فضلها وعلى الإهتمام بحالها، ولهذا فإنها مختصة بأسرار وتحكمات لا تختص بها سائر الصلوات المكتوبة من الخطبة ولباس الزينة والغسل والطيب وغير ذلك من الأدوات المشروعة في يوم الجمعة.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: روي عن الرسول÷ أنه قال: ((لا جمعة ولا تشريق إلا في مصر جامع)). كما حكي عن الباقر، والمؤيد بالله وأبي حنيفة، وبالغ أبو حنيفة في اشتراط المصر حتى روي عنه أنه قال: لو كان بين المصلي وبين المصر خطوة لم تجب عليه الجمعة.
قال محمد بن الحسن الشيباني: قلت لأبي حنيفة: هل تجب الجمعة على أهل زُبادة؟ ـ وزُبادة: بضم الزاي وفتحها وبالباء بنقطة من أسفلها ودال بنقطة من أسفلها: محلة من محال الكوفة بينها وبين الكوفة نهر. فقال: لا تجب.
قلنا: عن هذا جوابان:
__________
(1) أخرجه أبو داود 1/280، ورواه الحاكم في (المستدرك) 1/425، والبيهقي في (السنن الكبرى) 3/172.
أما أولاً: فلأن المراد بالخبر نفي الفضل والكمال دون الإجزاء، كما قال÷: ((لا صلاة لجار المسجد إلا فيه)).
وأما ثانياً: فلأن هذا معارض بما أوردناه من الأخبار الدالة على جواز إقامة الجمعة في القرى والمحال، وإذا تعارضا وجب الترجيح ولا شك أن اخبارنا التي رويناها أكثر وأشهر، فلهذا وجب العمل عليها.
قالوا: روي عن الرسول÷ أنه قال: ((من سمع النداء فعليه الجمعة)). كما حكي عن الشافعي، فقد وافقنا في جواز الصلاة في غير المقر لكنه اعتبر سماع النداء وبكون العدة أربعين.
قلنا: أما العدد فسيأتي تقرير ما يعتبر منه في صحة صلاة الجمعة.
وأما اشتراط سماع النداء فلا نسلم وجوب اعتباره، فإن الجمعة واجبة عن من في المصر سواء سمعوا أو لم يسمعوا، وأيضاً فقوله÷: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فعليه الجمعة)). ولم يشترط سماع النداء. وقوله÷ : ((من ترك صلاة الجمعة ثلاثة أسابيع من غير عذر طبع الله على قلبه)). ولم يشترط سماع النداء، فقد دلت هذه الأخبار على بطلان اشتراط سماع النداء.
قالوا: روي عن الرسول÷: ((من كان الليل يؤيه إلى أهله فعليه الجمعة )). وهذا محكي عن ابن عمر وأنس بن مالك وأبي هريرة.
قلنا: هذا جيّد في تقدير المسافة التي تجب فيها الجمعة كما سنوضح القول فيه.
قالوا: روي عن أقوام؛ تقدير ذلك بالأميال، فروي عن قوم عشرة أميال وعن قوم ستة وعن قوم أربعة وعن قوم ثلاثة.
قلنا: هذه التقديرات تحكمات لادلالة عليها، وإنما التعويل على ما كان من جهة صاحب الشريعة كما سنوضح المختار فيه بمعونة الله تعالى.
الفرع العاشر: اعلم أن القائلين بأن الجمعة لا تجب إلا في الأمصار فلم يعتبروا أمراً آخر وإنما اعتبروا المصر لا غير، وسواء سمع النداء أو لم يسمعه كما حكيناه عن الباقر والمؤيد بالله وزيد بن علي والحنفية وقد قررنا ما عليهم من الكلام فلا نعيده.
وأما من قال بأن الجمعة واجبة على أهل القرى والمحال والدروب والأودية وهكذا حال البيوت المصنوعة من العيدان كبيوت أهل تهامة، فإنها تجب عليهم الجمعة ولا يشبهون حال أهل الخيام لأنها لا تنتقل كما ينقلها أهل الخيام إذا رحلوا، فاختلفوا في أمارة الوجوب على من يكون خارج المصر على ثلاثة أقوال:
القول الأول: محكي عن القاسم والهادي والناصر: أن الأمارة في الوجوب: سماع النداء. قال الناصر في اعتبار حال النداء: هو أن يقوم المؤذن على سور المصر فيؤذن، ويكون صيتاً، ولا يكون المستمع أصم، والأصوات هادئة والريح راكدة، وهكذا حكي عن الشافعي في سماع النداء.
القول الثاني: محكي عن ابن عمر وأبي هريرة وأنس بن مالك: أن الإعتبار في الوجوب على أهل القرى خارج المصر بإيواء الليل، لما روي عن ابن عمر: ((من كان الليل يؤيه إلى أهله فعليه الجمعة)).
القول الثالث: الذين اعتبروا المسافة بتقدير الأميال كالعشرة والستة والأربعة والثلاثة كما هو محكي عن جماعة من الفقهاء قد ذكرنا تسميتهم، اعتماداً على القرى التي كانت حول المدينة وهي على هذه المسافات فاعتبروها لأنهم كانوا لا يتأخرون عن جمعة الرسول÷ في المدينة، فلأجل هذا قدروا الوجوب بهذه المقادير التي قررناها.
والمختار في تقدير المسافة في الوجوب لمن كان خارج المصر: ما رواه ابن عمر وأبو هريرة وأنس بن مالك من تقديرها ((بمن كان يؤيه الليل إلى أهله فعليه الجمعة))، وإنما كان هذا هو المختار لأمور ثلاثة:
أما أولاً: فلأنه رواه هؤلاء من الصحابة وهم من ثقاة الرواة وعدول الصحابة ولهم اليد البيضاء في صحة الرواية ونقل أحاديث الرسول÷.
وأما ثانياً: فلأنهم رووا هذا الحديث وعملوا به، والصحابي إذا روى الحديث وعمل به فإنه يزداد وثاقة وقوة على غيره من الأحاديث.
وأما ثالثاً: فلما فيه من الإحتياط للعبادة فإنه أبعد المقادير وهو مخالف لما روي: ((من سمع النداء)). ولما روي: من اعتبار عشرة أميال فما دونها، لمَّا كان إيواء الليل زائداً على هذه التقديرات فلهذا كان العمل عليه أحق وأولى لما فيه من الإحتياط والباب باب العبادة.
الفرع الحادي عشر: وإن اتفق عيد وجمعة فهل يجبان جميعاً أو يكتفى بأحدهما دون الآخر؟ فيه مذاهب أربعة:
المذهب الأول: أنهما يجبان جميعاً على الإمام، ولا يسقط فرض الجمعة بصلاة العيد، وهذا هو رأي الإمامين الناصر والهادي، وارتضاه السيدان الأخوان خلا أنه يجوز أن يقام فرض الجمعة ببعض من حضر صلاة العيد ويسقط فرض الجمعة عن الباقين.
والحجة على هذا: ما روى أبو هريرة عن الرسول÷ أنه قال: ((قد اجتمع في يومكم هذا عيدان فمن شاء أجزأه عن الجمعة وإنا مجمِّعون ))(1).
ووجه الدلالة من الخبر: هو أن ظاهره دال على سقوطها عن بعض من حضر العيد ووجوبها على الباقين، وظاهره دال على وجوبها على الإمام.
المذهب الثاني: أن فرض الجمعة لا يسقط بصلاة العيد، وهذا هو المحكي عن الشافعي، وبه قال أكثر الفقهاء.
__________
(1) رواه أبو داود 1/281، وابن ماجة 1/416، والحاكم 1/425.
والحجة على هذا: ما ذكرناه من دلالة الظواهر الشرعية على وجوب الجمعة ولم تفصل في ذلك بين يوم العيد وغيره فيجب القضاء بذلك. فأما أهل السواد ومن هو خارج عن المصر الذين تجب عليهم الجمعة بسماع النداء من المصر إذا حضروا العيد فإنهم يروحون ولا يجب عليهم حضور صلاة الجمعة في يومهم ذلك، وهكذا حال أهل العالية وأهل السوادات فإنهم يصدرون ولا حرج عليهم في ترك الجمعة لما روي عن عثمان أنه قال في خطبة: أيها الناس قد اجتمع عيدان في يومكم هذا فمن أراد من أهل العالية أن يصلي معنا الجمعة فليفعل ومن أحب أن ينصرف فليفعل. ولأنهم إذا قعدوا لانتظار صلاة الجمعة في المصر فاتتهم لذة العيد ورفاهيته، وإن راحوا بعد صلاة العيد إلى منازلهم ثم رجعوا لصلاة الجمعة كانت عليهم مشقة، والجمعة تسقط بالمشقة كما أوضحناه من قبل، بخلاف أهل المصر فإن ذلك لا يوجد في حقهم، وظاهر كلام الشافعي موافق لما قلناه خلا أنه يقول: إنما رخص في ترك الجمعة لأهل العوالي والسوادات بخلاف غيرهم من أهل المصر. وظاهر كلام أصحابنا أن فرض الجمعة ساقط عن بعض أهل المصر إذا حضر الباقون.
المذهب الثالث: محكي عن أبي حنيفة: وهو أنهما لا يسقطان جميعاً، وإن كل من وجب عليه فرض الجمعة في غير العيد وجب عليه في العيد، وأن الإمام والمأموم في ذلك سواء في الحضور.
والحجة على هذا: هو أن الدلالة التي دلت على فعل كل واحد منهما على الإنفراد فهي بعينها دالة على فعلهما مع الإجتماع من غير تفرقة بينهما في ذلك.
المذهب الرابع: محكي عن عطاء، وهو أن العيد يؤدى والجمعة ساقطة لا يجب أداؤها.
والحجة على هذا: ما روي عن عبدالله بن الزبير أنه صلى العيد وترك الجمعة فعابه عليه بعض بني أمية. فقال: هكذا كان يفعل عمر بن الخطاب. فبلغ ابن عباس فعل ابن الزبير وكان غائباً في اليمن فقال: أصاب السنة. وحكي عن عطاء أنه قال: لا صلاة في هذا اليوم إلا العصر.
والمختار: ما قاله الإمامان الهادي والناصر، وارتضاه الأخوان للمذهب، وهو أن العيد والجمعة واجبان، على الإمام حضورهما كسائر الأيام في الجمعة، وأن الرخصة إنما هي في حق المؤتمين فتقام الجمعة ببعض من حضر صلاة العيد.
وحجتهم: ما ذكرناه.
ونزيد هاهنا وهو ما روي أن معاوية سأل زيد بن أرقم فقال: هل شهدت مع رسول اللّه÷ عيدين اجتمعا في يوم؟ فقال: نعم. فقال: كيف صنع؟ فقال: صلى العيد ثم رخص في الجمعة. فقال: ((من شاء أن يصلي فليصل)).
الحجة الثانية: ما روى زيد بن علي عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه أنه اجتمع عيدان في يوم فصلى بالناس في الجبان صلاة العيد ثم قال بعد خطبته: أما بعد فإنا مجمِّعون بعد الزوال فمن أحب أن يحضر فليحضر فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، ومن ترك فلا حرج عليه.
دقيقة: اعلم أن الرخصة إنما وقعت في حق المؤتمين في أنهم لا يجب عليهم حضور الجمعة بعد حضور العيد ولا يجب عليهم سماع خطبة الجمعة للاكتفاء بسماع خطبة العيد، فلا تتكرر عليهم الموعظة خوفاً من الإملال والسآمة فلهذا رخص لهم في الحضور، ويجب عليهم تأديتها ظهراً.
فأما الإمام فلا رخصة له في حضورهما جميعاً لأن واحدة من الصلاتين لم تسقط إجماعاً وإنما رخص في تركها لبعض المؤتمين.
الانتصار: يكون بالجواب عما خالفه.
فنقول: أما الشافعي فقد ذكرنا موافقته لمذهبنا، وذكرنا التفرقة بيننا وبينه فيما قررناه فلا وجه للكلام عليه، وإنما يتوجه الانتصار على غيره.
قالوا: العيد والجمعة لا يسقطان، وإن كل واحد منهما يؤدى. كما حكي عن أبي حنيفة، وحاصل كلامه إنكار الرخصة في حق المؤتمين وأنه لا وجه للرخصة لأحد ممن حضر العيد في إقامة الجمعة، وأن الإمام والمأموم في ذلك سواء.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فإنا لا ننكر وجوب الجمعة وأنها غير ساقطة عن الإمام؛ ولكنا نقول: يسقط وجوبها عن بعض المؤتمين ممن حضر العيد إكتفاء بالعيد ويؤديها ظهراً.
وأما ثانياً: فإنا قد دللنا على حصول الرخصة بما أثر عن الرسول÷ وصرح به في كلامه، وبما قاله أمير المؤمنين في خطبة العيد من العذر لهم في الحضور والترخيص فيه فلا وجه لإنكاره، فأما الجمعة فلا رخصة في تركها لبعض من حضر العيد.
قالوا: الجمعة ساقطة لا يجب أداؤها وأنه لا صلاة بعد العيد إلا العصر كما حكي عن عطاء لما روي عن عمر بن الخطاب وابن عباس وابن الزبير.
قلنا: هذا الآن خلاف معنوي، وعنه جوابان:
أما أولاً: فلأن ما ذكر مذهب لهؤلاء الصحابة واجتهاد فلا يكون حجة علينا، والحجة: ما كان عن الله وعن رسوله÷ فلا يلزم قبول اجتهادهم.
وأما ثانياً: فلأنه محمول على سقوط فرض الجمعة ركعتين وتأديتها ظهراً رخصة لهم في حق الحضور للجمعة مرة ثانية في حق بعض المؤتمين، فأما أن الجمعة ساقطة وبدلها ظهراً فلا وجه له لأنها فرض الوقت عند الزوال في يوم الجمعة إذا تكاملت شروطها فإذا نقص شرط من شروطها وجب الرجوع إلى بدلها وهو الظهر لأنه الأصل كما أوضحناه.
الفرع الثاني عشر: ومن أراد السفر في يوم الجمعة فهل يجوز له ذلك أم لا؟ فيه مذاهب ثلاثة:
المذهب الأول: جواز ذلك على الإطلاق وهذا هو الظاهر من المذهب وهو قول أبي حنيفة وأصحابه.
والحجة على هذا: ما روي عن الرسول÷ أنه جهز جيش مؤتة يوم الجمعة مع جعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة(1)،
فخرج جعفر ماضياً فيما أمره الرسول وتخلف عبد الله بن رواحة فصلى الجمعة فرآه الرسول÷ فقال: ((ما الذي أخرك يا عبد اللّه)) ؟ فقال: الجمعة. فقال له الرسول÷: ((غدوة أو روحة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها))(2).
فانطلق سائراً.
المذهب الثاني: محكي عن الشافعي وله ثلاثة أقوال نفصلها:
القول الأول: أنه لايجوز السفر بعد طلوع الفجر يوم الجمعة وهذا هو المحكي عن ابن عمر وعائشة.
__________
(1) أحد أبرز الصحابة الأجلاّء الذين جاهدوا في الله حق جهاده مع رسول الله÷ وهو: عبد الله بن رواحة بن ثعلبة، خزرجي أنصاري، أحد النقباء في العقبة، شهد بدراً وأحداً والخندق والحديبية وعمرة القضاء والمشاهد كلها إلاَّ الفتح وما بعده؛ لأنه استشهد يوم مؤتة، وكان قائد جيش رسول الله فيها زيد بن حارثة، ثم هو بوصية رسول الله÷ ثم جعفر بن أبي طالب، وهو أحد الشعراء الذين كانوا ينافحون عن دين الله ورسوله، وفيه وفي صاحبيه حسان بن ثابت وكعب بن مالك نزلت: {إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا الله كَثِيراً} الآية 227 من سورة الشعراء،. اهـ (الاستيعاب) 3/898.
(2) أخرجه الترمذي عن ابن عباس بلفظ: بعث رسول الله÷ عبد الله بن رواحة في سرية فوافق ذلك يوم الجمعة، فغدا أصحابه وقال: أتخلف فأصلي مع رسول الله ثم ألحقهم فلما صلى مع رسول الله رآه فقال: ((ما منعك أن تغدوا مع أصحابك)) فقال: أردت أن أصلي معك ثم ألحقهم، فقال: ((لو أنفقت ما في الأرض ما أدركت فضل غدوتهم)) وأخرج الحديث بلفظ: ((غدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها)) البخاري 3/1028، ومسلم 3/1499، وابن حبان 10/461، وعبد الرزاق 5/259، واحمد 1/256، والطبراني في (الكبير) 6/158.
القول الثاني: أن السفر جائز قبل الزوال، ويروى ذلك عن عمر وابن الزبير وأبي عبيدة بن الجراح.
القول الثالث: أنه لايجوز السفر بعد الزوال إلى بلد لا تقام فيه الجمعة. فهذه كلها محكية عن الشافعي.
والحجة على هذه الأقوال: هو أن الصلاة قد وجبت عليه فلا يجوز تفويتها بالسفر.
المذهب الثالث: أنه إن كان السفر للجهاد جاز ذلك وإن كان لغير الجهاد لم يجز، وهذا شيء يحكى عن أحمد بن حنبل.
والحجة علىهذا: ما في حديث عبدالله بن رواحة فإنه لما كان في سفر الجهاد أمره الرسول بالخروج.
والمختار في المسألة: تفصيل نشير إليه، لأني لم أقف على نص لأحد من أئمة العترة فيها، وحاصله أنا نقول: من أراد السفر في يوم الجمعة نظرت في حاله، فإن كان يخاف فوت السفر عليه لذهاب القافلة ولا يمكنه السير وحده لخوف الطريق فإنه يجوز له السفر وترك الجمعة سواء كان قبل الزوال أو بعده لأن عليه مشقة في التأخير للصلاة، والجمعة تسقط للأعذار. وإن كان لا يخاف فوت السفر نظرت، فإن كان يسافر إلى بلدة تقام فيها الجمعة جاز سفره بعد الزوال، وإن كان سفره إلى بلدة لا تقام فيها الجمعة لم يجز السفر بعد الزوال لأن الصلاة قد وجبت عليه فلا يجوز له إسقاطها بالسفر كما لو دخل فيها وتلبس بها.
الانتصار: يكون بالجواب عما خالفه.
قالوا: يجوز السفر على الإطلاق كما حكي عن أبي حنيفة، لحديث عبدالله بن رواحة.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأنه إنما أمره بعد أن صلى فلهذا أمره بالخروج لما قضى الصلاة.
وأما ثانياً: فلو سلمنا أنه لم يصل فإنما أمره بالخروج قبل الزوال.
قالوا: حكي عن الشافعي أنه لا يجوز السفر بعد طلوع الفجر، وحكي عنه جواز السفر قبل الزوال.
قلنا: إنه بعد طلوع الفجر ليس وقتاً للصلاة فلهذا جاز السفر كما لو كان سفره في الليل ولأنه إذا جاز السفر على القول الثاني قبل الزوال جاز بعد طلوع الفجر أيضاً. وأما القول الثالث فهو موافق لما اخترناه للمذهب.
قالوا: إن كان السفر للجهاد جاز كما حكي عن أحمد بن حنبل.
قلنا: يجوز أن يكون الأمر في الجواز وعدمه على التفصيل الذي ذكرناه سواء كان للجهاد أو لغيره.
الفرع الثالث عشر: في حكم البيع وقت النداء.
اعلم أن الاشتغال عن الصلاة في يوم الجمعة بعد سماع النداء منهي عنه لشيء من الأمور المباحة سواء كان بيعاً أو إجارة أو أكلاً أو شرباً، والنص إنما وقع في البيع وقسنا عليه سائر ما يشغل بجامع كونه مانعاً من الصلاة بعد النداء إليها كما قسنا على الغضب في قوله÷: ((لا يقضي القاضي حين يقضي وهو غضبان )). سائر ما يدهش العقل بجامع كونه مانعاً عن استيفاء الاجتهاد، من الجوع والعطش وغيرهما من شواغل القلب، فإذا عرفت هذا فإذا وقع البيع في يوم الجمعة نظرت فيه، فإن كان واقعاً قبل الزوال لم يكره لأنه وقع البيع قبل وقت الصلاة فلم يكره كما لو وقع من الليل وإن وقع البيع بعد الزوال وقبل النداء ولم يظهر الإمام على المنبر كره البيع ولم يحرم.
وقال الضحاك(1)،
وربيعة، وأحمد بن حنبل: يحرم.
وحجتنا على ذلك: قوله تعالى: {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إلى ذِكْرِ الله وَذَرُوا الْبَيْعَ}[الجمعة:9]. فتقرر أن النهي عن البيع يتعلق بحال النداء.
__________
(1) جاء في تراجم العلامة أحمد بن عبد الله الجنداري لرجال (شرح الأزهار)3/18 ما لفظه: الضحاك: أين ما ورد في كتب أئمتنا، هو الضحاك بن مزاحم الحلالي أبو القاسم وأبو محمد الخراساني، حدث عن ابن عباس، وعنه جويبر وأبو إسحاق وآخرون، وثقه المؤيد بالله وابن معين وابن حنبل وأبو زرعة، وقال ابن حجر: صدوق من [الطبقة] الخامسة، مات بعد المائة. رحمه الله. اهـ.