وثانيهما: أنه لا يجوز لهما ذلك؛ لأنها قد تعينت بالدخول، وهذا الفرق لأصحاب الشافعي، وهو جيد لا عثار عليه إلا أن الأولى على المذهب أنه لا يجوز لهما الإنصراف بعد التلبس بالصلاة؛ لأن هؤلاء لو حضروا لأجزتهم الجمعة، فلهذا لم يجز لهم الإنصراف عنها.
الفرع السابع: والمستحب لأهل الأعذار ألا يصلوا الظهر حتى تنقضي جمعة الإمام، وانقضاؤها يكون برفع الإمام رأسه من الركوع في الثانية، وإنما كان ذلك مستحباً لأمرين:
أما أولاً: فلأن الجمعة فرض الجماعة، والظهر فرض الخصوص، فلهذا استحب تقديم فرض الجماعة.
وأما ثانياً: فلأن فيهم من ربما يزول عذره فيكون فرضه الجمعة.
فإن صلى المعذور الظهر ثم زال عذره قبل صلاة الإمام الجمعة، فهل تجب عليه الجمعة أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنها تجب عليه الجمعة؛ لأنه قد زال عذره فتوجه عليه الخطاب بالجمعة كما لو لم يفعل الظهر قبلها، وهذا هو المحكي عن أبي بكر الحداد من أصحاب الشافعي، وهو الذي يأتي على قول من قال من أصحابنا: أن الأصل في يوم الجمعة هو الجمعة، والظهر بدل عنها.
وثانيهما: أنه لا تجب عليه الجمعة؛ لأنه قد سقط فرضه بصلاة الظهر في حال العذر، فلهذا لم تجب عليه الجمعة.
وهذا هو المختار وهو الذي يجيء على رأي أبي طالب؛ لقوله÷: ((لا ظهران في يوم)). والجمعة بمنزلة الظهر، فلهذا لم تجب إعادتها.
وإن صلى الخنثى الظهر في أول الوقت ثم بان أنه رجل قبل صلاة الإمام الجمعة، لزمه أن يصلي الجمعة، والتفرقة بينه وبين سائر المعذورين هو أنّا تبينا أنه كان رجلاً في وقت الصلاة بخلاف غيره من أهل العذر فافترقا.
وهل تكره الجماعة للمعذورين في يوم الجمعة أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنها تكره، وهذا هو الذي ذكره السيد أبو طالب وأبو العباس، وهو محكي عن أبي حنيفة ومالك، لما في ذلك من تهوين أمر الإمام والإعراض عن جمعته، ويوهم أنهم ليسوا من أمره في ورد ولا صدر، ولهذا كره ذلك.
وثانهيما: أن الجماعة مستحبة لأهل العذر، وهذا هو رأي الشافعي؛ لأن الأدلة التي دلت على فضل الجماعة لم تفصل في ذلك، ولهذا كانت مستحبة لأهل العذر.
قال الشافعي: وأحب لهم إخفاء ذلك لئلا يتهموا بالرغبة عن صلاة الإمام.
والمختار في ذلك: تفصيل، وهو أن عذرهم إذا كان ظاهراً يعرفه كل واحد كالعمى والمرض والزمانة وغير ذلك من الأعذار التي لا تخفى على أحد فإنه لا تكره لهم الجماعة لأن عذرهم واضح فالتهمة زائلة عنهم. وإن كان عذرهم خفياً كالخوف على النفس والمال وغير ذلك من الأمور الخفية فإنها تكره لهم الجماعة لما يظهر من التهمة في حق الإمام.
الفرع الثامن: فأما من كان من أهل فرض الجمعة ممن لا عذر له، وصلى الظهر قبل فوات الجمعة، فهل يصح ظهره ويلزمه السعي إلى الجمعة أم لا؟ فيه أربعة أقوال:
القول الأول: محكي عن الشافعي في الجديد، أنه لا يصح ظهره وتلزمه الجمعة، فإن لم يصلها حتى فاتت وجب عليه إعادة الظهر. وبه قال مالك وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وزفر، لأن ظهره وقع على فسادٍ؛ والجمعة ممكنة فوجب عليه أداؤها، فإن فاتت الجمعة وجب الظهر لأنه بدل عنها عند فواتها وفوات شرطها.
القول الثاني: محكي عن أبي حنيفة: [أنه] يصح ظهره قبل فوات الجمعة ويلزمه السعي إلى الجمعة، فإذا سعى إليها بطل الظهر وإن لم يسع إليها أجزأه ظهره الذي صلاه، وإنما صح ظهره لأنه مخاطب به فإذا كان وقت الجمعة باقياً لزمه أداؤها لأنها ممكنه في حقه فإذا سعى إليها بطل ظهره لأنه لا ظهران في يوم، وإن تأخر عن السعي إليها أجزاه ظهره لأنه قد خرج به عن عهدة الأمر.
القول الثالث: محكي عن الشافعي في القديم؛ أنه يصح ظهره ويجب عليه السعي إلى الجمعة. مثل رأي أبي حنيفة، لكنه قال: إذا صلى الجمعة احتسب الله بأيهما شاء، فإذا فاتته الجمعة أجزأه الظهر.
والوجه في ذلك: ما حكيناه عن أبي حنيفة، وإنما قال: يحتسب الله بأيهما شاء. لأنهما فرضان قد وقعا على نعت الصحة والإمكان، فالأمر فيهما إلى الله تعالى في إسقاط الفرض واستحقاق الثواب والأجر.
القول الرابع: محكي عن أبي يوسف ومحمد فإنهما قالا: يصح ظهره ويبطل بالإحرام بالجمعة، وإنما صح الظهر لأنه مخاطب به إذا لم تكن هناك جمعة فإذا أحرم بالجمعة بطل ظهره لأنه لما أحرم بالجمعة انكشف الأمر أنها هي فرض الوقت.
ومنشأ الخلاف والتردد في هذه الأقوال إنما حصل من أن المخاطب به في وقت الجمعة هل هو الظهر أو الجمعة؟ وفيه مذهبان:
المذهب الأول: أن الأصل هو الجمعة، وهذا هو رأي المؤيد بالله وتحصيله لمذهب الهادي، ومحكي عن أبي العباس، وهو قول مالك ومحمد بن الحسن والشافعي في الجديد.
والحجة على هذا: قوله تعالى: {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا }[الجمعة:9].
ووجه الدلالة من الآية: هو أنه أمر بالسعي إليها، وفي هذا دلالة على أنها هي الأصل.
الحجة الثانية: قوله÷: ((إن الله افترض عليكم الجمعة في مقامي هذا في شهري هذا في عامي هذا )). فظاهر هذا الخبر دال على أنها هي الأصل، وأنها فرض الوقت والمخاطب بها.
المذهب الثاني: أن المخاطب به في يوم الجمعة هو الظهر، وهذا هو الظاهر من مذهب الهادي والقاسم، واختيار السيد أبي طالب، وهو قول الناصر ومحكي عن أبي حنيفة وأبي يوسف.
والحجة على هذا: قوله÷: ((إن للصلاة أولاً وآخراً وإن أول وقت الظهر حين تزول الشمس ))(1).
فأثبت الظهر ولم يفصل بين يوم الجمعة وغيره من سائر الأيام.
الحجة الثانية: هو أن هذا الوقت وقت للظهر في سائر الأيام فيجب أن يكون وقتاً لها في يوم الجمعة كسائر أوقات الصلوات، فهذا تقرير أدلة الفريقين كما ترى.
والمختار: ما قاله السيد أبو طالب، وارتضاه الإمامان القاسم والهادي ومن وافقهم على هذه المقالة.
وحجتهم: ما نقلناه عنهم.
__________
(1) تقدم.
ونزيد هاهنا حججاً أربعاً:
الحجة الأولى: ما كان من حديث فرض الصلاة في ليلة الإسراء فإن الصلاة فرضت خمسين، وما زال موسى يردد الرسول÷ حتى نقصت إلى خمس صلوات، ثم قال موسى: إن أمتك يا محمد لا تطيق على هذا. فقال الرسول÷: ((إني قد استحييت من ربي))(1).
فوجه الدلالة من هذا الخبر: هو أن الظهر فرض من أول مرة في يوم الجمعة وفي غيرها من الأيام وهو السابق، وفي هذا دلالة على أن الظهر هو الأصل وأن الجمعة طارئة عليه والظهر سابق.
الحجة الثانية: هو أن الرسول÷ لما قدم المدينة مهاجراً نزل قُبَا على بني عمرو بن عوف، وأقام بها يوم الإثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس وأسس مسجدهم، ثم خرج يوم الجمعة عامداً إلى المدينة فأدركته الجمعة في بني سالم بن عوف في بطن وادٍ لهم فصلى الجمعة، فكانت أول جمعة جمَّعها رسول اللّه÷(2).
ووجه الدلالة من الخبر: هو أن الظهر كان سابقاً على الجمعة لأن الصلاة فرضت في مكة، والجمعة فرضت بعد هجرته إلى المدينة ففي هذا دلالة على أن الظهر في يوم الجمعة هو الأصل، وأن الجمعة حاصلة بعده.
__________
(1) تقدم في الصلاة.
(2) ذكره في (صفوة الصفوة) 1/144، وفي (الثقات) 1/133، وفي (تأريخ الطبري) 2/7.
الحجة الثالثة: هو أن الأنصار اجتمعوا وقالوا: لليهود يوم يجتمعون فيه في كل أسبوع، وللنصارى مثل ذلك، فهلموا نجعل لنا يوماً نجتمع فيه فنذكر الله تعالى ونصلي. فقال قوم: السبت لليهود، ويوم الأحد للنصارى، فاجعلوه يوم العروبة. فاجتمعوا إلى أسعد بن زرارة (1)
فصلى بهم يومئذ ركعتين وذكرهم. فسموه يوم الجمعة لإجتماعهم، فأنزل الله آية الجمعة، فهي أول جمعة جُمِّعت في الإسلام.
ووجه الدلالة: هو أن الله تعالى أنزل سورة الجمعة تقريراً لما فعله الأنصار واستحسنوه، وصوبهم على ذلك رسول اللّه÷ ولم ينكره عليهم.
الحجة الرابعة: أخبار المواقيت عنه÷ أنه قال: ((أمَّني جبريل عند باب البيت ، وصلى بي الظهر حين زالت الشمس، وصلى بي العصر حين صار ظل كل شيء مثله، فلما كان في اليوم الثاني صلى بي الظهر حين صار ظل كل شيء مثله)).
ووجه الحجة من الخبر: هو أنه جعل ميقات الظهر في اليومين محدوداً معلوماً، ولم يذكر الجمعة، وفي هذا دلالة على أن الأصل هو الظهر وأن الجمعة طارئة، وعلى هذا تتفرع المسائل في كون الظهر هو الأصل كما حققناه.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: قوله تعالى: {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا}[الجمعة:9]. فأمر بالسعي إليها، وفي هذا دلالة على أنها هي الأصل.
قلنا: عن هذا جوابان:
__________
(1) أسعد بن زرارة بن عدس النجاري من الخزرج، أحد الشجعان الأشراف في الجاهلية والإسلام، من سكان المدينة، قدم مكة في عصر النبوة ومعه ذكوان من عبد قيس فأسلما وعادا إلى المدينة، فكانا أول من قدمها بالإسلام، وهو أحد النقباء الاثني عشر، كان نقيب بني النجار، مات قبل وقعة بدر ودفن بالبقيع، اهـ (أعلام) 1/300، انظر ترجمته في (الطبقات) لابن سعد. وسعد بن زرارة هو أخوه.
أما أولاً: فلأنا لا ننكر السعي في يوم الجمعة، ولكنا نقول: إن الظهر سابق على السعي إلى [صلاة] يوم الجمعة، وفيه دلالة على أنه هو الأصل لسبقه.
وأما ثانياً: فلأن هذا معارض بما أوردناه من الأخبار الدالة على أصالة الظهر، وإذا تعارضا فلا بد من الترجيح وأخبارنا فهي أظهر وأشهر وأقوى فلهذا وجب الإعتماد عليها.
قالوا: روي عن الرسول÷ أنه قال: ((إن الله افترض عليكم الجمعة في مقامي هذا في يومي هذا )). وفي هذا دلالة على أن الأصل هو الجمعة.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأنا لا ننكر فرض الجمعة في مقامه وفي يومه كما قال، ولكن الظهر سابق عليها وهي بعده.
وأما ثانياً: فلأن فرض الصلوات كان مكِّيَّاً، وفرض الجمعة كان مدنياً، وما كان في مكة فهو سابق لما كان في المدينة وفيه دلالة على أصالة الظهر.
الفرع التاسع: في بيان من تجب عليه الجمعة.
وتجب على المكلف الحر الذكر المقيم الصحيح فمن أتصف بهذه الصفات وجبت الجمعة عليه، ومن فقدت في حقه لم تجب عليه كما مر تقريره.
وتجب الجمعة على من كان في الأمصار والمدن عند أئمة العترة وفقهاء الأمة سواء سمعوا النداء أو لم يسمعوا.
والحجة على هذا: هو أن الرسول÷ خاطب أهل المدينة بوجوبها ولم يفرق بين أن يسمعوا النداء أو لا يسمعوا، ولقوله÷: ((لا جمعة ولا تشريق إلى في مصر جامع ))(1).
ولم يعتبر سماع النداء، ولأن المصر والمدينة كالدار الواحدة بدليل: أن كل من سافر منه فإنه لا يقصر الصلاة حتى يفارق جميعه كما سنقرره في صلاة القصر.
فأما من كان خارج المصر من أهل القرى والمحال والدروب فهل يعتبر في الوجوب عليهم سماع النداء أو قرب المسافة أو الإيواء ليلاً؟ فيه مذاهب خمسة:
__________
(1) رواه البيهقي في (الكبرى) 3/179، وابن أبي شيبة 1/439، وعبد الرزاق 3/167.
المذهب الأول: أن الجمعة لا تكون واجبة إلا في مصر جامع ولا تجب على أهل القرى، وهذا مروي عن زيد بن علي والباقر والمؤيد بالله، ومحكي عن أبي حنيفة وأصحابه، وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: لا تجب الجمعة على أهل القرى ولو كمل العدد فيهم، وإنما تجب على أهل الأمصار. وحدَّ المصر عنده أن يكون هناك سلطان قاهر يقيم الحدود ويستوفي الحقوق أو خليفة من قبله، ويكون فيه سوق قائم وجامع ومنبر ونهر جاري.
فأما المؤيد بالله: فقد أطلق: أن الجمعة لا تجب إلا على أهل المصر. ولم أقف له على شيء في صفة المصر وبما يكون مصراً، وربما يكون رأيه مثل رأي أبي حنيفة.
والحجة على هذا: ما روي عن الرسول÷ أنه قال: ((لا جمعة ولا تشريق إلا في مصر جامع )). فظاهر الخبر دال على سقوطها عن أهل القرى والمحال.
المذهب الثاني: أن الجمعة كما تجب على أهل المصر فهي واجبة على أهل القرى والمحال والمناهل كما تجب على أهل الأمصار، وأردنا بالمناهل: الذين يسكنون على الأنهار والبرك العظيمة، إذا كان هناك مسجد تقام فيه الجمعة، وهذا هو رأي الهادي والناصر، ومحكي عن مالك.
والحجة على هذا: قوله تعالى: {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا}[الجمعة:9].ولم يفصل بين المصر والقرية والمحلة. وقوله÷: ((من سمع النداء فعليه الجمعة ))(1).
وقوله÷: ((من كان الليل يؤيه إلى أهله فعليه الجمعة))(2).
__________
(1) أخرجه أبو داود عن ابن عمرو بن العاص بلفظ: ((الجمعة على من سمع النداء)) وهو في (السنن الصغرى) 1/375، و(الكبرى) 3/175، وفي سنن أبي داود 1/278.
(2) أخرجه الترمذي 2/374 عن أبي هريرة بلفظ: ((الجمعة على من آواه الليل إلى أهله)) وضعفه.
فدلت ظواهر هذه الأخبار على وجوب الجمعة ولم تفصل بين مكان ومكان إلا ما قامت عليه دلالة كأصحاب الخيام وأهل المواشي الذين ليس لهم مستوطن ولا يستقرون وإنما يطلبون الكلا أينما وجدوه، فهؤلاء لا تجب عليهم الجمعة لما ذكرناه.
المذهب الثالث: أن كل من كان خارج المصر فهم على ثلاثة أضرب:
الضرب الأول: الذين تجب عليهم الجمعة بأنفسهم ولا يحتاجون إلى غيرهم وهم أهل القرية إذا كانوا أربعين رجلاً وتكاملت في حقهم الشروط التي ذكرناها، فهؤلاء تلزمهم إقامتها في موضعهم سواء سمعوا النداء أو لم يسمعوه في المصر فإن أقاموها في موضعهم فقد أحسنوا وإن أتوا المصر وصلوا الجمعة فيه أجزأهم وقد أساؤا لأن إقامة الجمعة في موضعين أفضل من إقامتها في موضع واحد، وهذا هو المنصوص للشافعي.
وحكي عن الصيدلاني من أصحاب الشافعي: أنهم لا يكونون مسيئين بذلك لأن من العلماء من قال: لا تنعقد الجمعة وإنما تنعقد في المصر فإذا دخلوا المصر وصلوا فقد خرجوا من الخلاف.
الضرب الثاني: الذين لا تجب عليهم الجمعة بأنفسهم وتجب عليهم بغيرهم فهم الذين ينقصون عن الأربعين ويسكنون في موضع يسمعون النداء فيه من البلد الذي تقام فيه الجمعة.
الضرب الثالث: الذين لا تجب عليهم الجمعة بأنفسهم ولا بغيرهم وهم الذين ينقصون عن عدد الأربعين ويسكنون في الموضع الذي لا يسمعون فيه النداء من المصر الذي تجب فيه الجمعة، وهذا هو رأي الشافعي، ومحكي عن عبدالله بن عمرو بن العاص وابن المسيب وأحمد بن حنبل وأبي ثور.
والحجة على هذا: قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ}[الجمعة:9]. فأوجب السعي إلى الجمعة على المؤمنين ولم يفصل بين أهل المصر وأهل القرى وأهل السواد، وظاهر الآية يقتضي وجوب السعي على من كان خارج المصر سواء كان قريباً أو بعيداً لأن الرسول÷ قيده بمن سمع النداء، فروى عبد الله بن عمرو بن العاص أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((الجمعة على من سمع النداء )) لأن أهل المصر تجب عليهم سواء سمعوا النداء أو لم يسمعوا بالإجماع، وروي [عن] ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: أول جمعة بعد جمعة المدينة جمعت في قرية من قرى البحرين يقال لها: جواثا. وجواثا بالجيم المضمومة وبثاء منقوطة بثلاث من أعلاها.
المذهب الرابع: أن الجمعة تجب على من يمكنه إتيان الجمعة ويأوي إلى منزله بالليل، وهذا هو رأي ابن عمر، ومحكي عن أنس بن مالك وأبي هريرة.
والحجة على هذا: ما روي عن الرسول÷ أنه قال: ((من كان الليل يؤيه إلى أهله فعليه الجمعة )).
المذهب الخامس: الذين قدروا بالمسافة، وفيه أقوال أربعة:
القول الأول: يحكى عن عطاء، وهو أن الجمعة واجبة على من كان من المصر على عشرة أميال.
القول الثاني: محكي عن الزهري، أنها واجبة على من كان من المصر على ستة أميال.
القول الثالث: محكي عن ربيعة، وهو أنها واجبة على من كان من المصر على أربعة أميال.
القول الرابع: أنها واجبة على من كان على ثلاثة أميال، وهذا هو المحكي عن مالك.
والحجة على هذا: هو أن أهل القرى الذين كانوا حول المدينة كانوا يحضرون جمعة الرسول÷ لا يتخلفون عنها وبعضهم يقرب وبعضهم على هذه المسافات المختلفة، فهذا هو السبب في هذا الإختلاف حتى اعتبروا هذه المقادير نظراً إلى ما ذكرناه.
فهذا تقرير المذاهب بأدلتها كما أشرنا إليه.
والمختار: ما عول عليه الهادي والناصر ومن تابعهما من الفقهاء وهو وجوب الجمعة على أهل القرى والمحال والدروب إذا كملت في حقهم الشرائط التي ذكرناها.
وحجتهم: ما ذكرناه.
ونزيد هاهنا وهو قوله÷: ((إن الله افترض عليكم الجمعة في مقامي هذا في شهري هذا في عامي هذا)). وقوله÷: ((من سمع النداء فعليه الجمعة )). وقوله: ((من كان الليل يؤيه فعليه الجمعة )). فهذه الأخبار كلها دالة على وجوب الجمعة ولم تفصل بين القرية والمصر وهي عامة في جميع المواضع إلا ما استثني من أصحاب الخيام وأهل المواشي الذين يتبعون الكلا والماء ولا يستقرون في مكان.
الحجة الثانية: ما روي عن ابن عباس أن أول جمعة جمعت في الإسلام بعد جمعة الرسول÷ جمعة جمعت في جواثا من قرى البحرين، وما روي أن أول من جمع في المدينة أسعد بن زرارة في حرة بني بياضة وهي قرية ليست مصراً.
الحجة الثالثة: قياسية، وهي أن القرى مواضع استيطان فيجب أن تصح فيها الجمعة كالأمصار، أو نقول: مواضع استيطان المسلمين وإقامة جماعتهم فجازت فيها الجمعة كالأمصار ولأنها مواضع لإقامة جماعة الصلوات الخمس فكانت مواضع لإقامة الجمعة.
قال الهادي: ويجب أن يكون في الموضع. يعني المحلة والقرية، مسجد يجمع فيه لأنه لم يروَ أن الرسول÷ أقام الجمعة إلا في المساجد دون البراري والصحاري، وتوارثه الخلف عن السلف فيجب الإعتماد عليه. والظاهر من كلامه هذا أنه جعل المسجد شرطاً في وجوب الجمعة على أهل القرية، فإن لم يكن هناك مسجد لم تجب عليهم إقامتها لعدم المسجد كأهل الخيام، ولم يجعله شرطاً في تأديتها، وعلى هذا إذا كان المسجد ضيقاً جاز إقامتها خارج المسجد في الصحراء والبرية لأنه لا يتسع لجماعة المسلمين كما قال المؤيد بالله، فإنه اعتبر المصر في الوجوب ولا بد في صحة المصر من المسجد لكنه جَوَّزَ إقامتها في الصحراء، وهو قول محكي عن الشافعي وأبي حنيفة.