وعن جابر أيضاً أن رسول اللّه÷ قال على المنبر وهو يخطب: ((أيها الناس توبوا إلى الله قبل أن تموتوا، وبادروا بالأعمال الصالحة قبل أن تشغَلوا، وأكثروا الصدقة ترزقوا وتؤجروا، واعلموا أن الله قد فرض عليكم الجمعة في عامكم هذا في شهركم هذا في ساعتكم هذه فريضة مكتوبة، فمن تركها جاحداً لها واستخفافاً بحقها، فلا جمع الله شمله ولا بارك له في أمره، ألا ولا صلاة له ولا حج له ولا صوم له، ولا بِرَّ له، إلا أن يتوب، فإن تاب تاب الله عليه))(1).
وروي عن الرسول÷ أنه قال: ((الجمعة واجبة على كل مسلم إلا على أربعة: الصبي والعبد والمرأة والمريض)) (2).
وروى كعب القرظي عن رسول الله÷ أنه قال: ((الجمعة واجبة ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فعليه الجمعة يوم الجمعة ، إلا على المرأة، والصبي، والمملوك، والمريض)).
وأما الإجماع: فهو منعقد من الصدر الأول إلى يومنا هذا على وجوبها لا مخالف فيه، وعلى فضلها، ومما يدل على فضلها قوله÷: ((إن لله في كل يوم جمعة ستمائة ألف عتيق كلهم قد استوجب النار))(3).
__________
(1) وروى الحديث أبو سعيد قال: خطبنا رسول÷ فقال: ((... الحديث)) أخرجه الطبراني في الأوسط، وبين اللفظين بعض الاختلاف، ورواه البيهقي 3/171، وابن ماجة 1/343.
(2) رواه البيهقي في سننه 3/183، وابن أبي شيبة 1/446، والطبراني في (الأوسط) 6/23، و(الكبير) 8/321.
(3) ذكره ابن أبي يعلى في مسنده 6/156، وهو في (شعب الإيمان) 3/114.
وفي حديث آخر: ((سيد البقاع مكة وسيد الشهور شهر رمضان وسيد الأيام يوم الجمعة)) (1).
وفي حديث آخر: ((الجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهما من الذنوب ))(2).
وفي حديث آخر: ((من مات يوم الجمعة كتب الله له أجر شهيد)) (3).
وفي حديث آخر: ((من مات يوم الجمعة وقاه الله عذاب القبر))(4).
وفي حديث آخر: ((ألا وإن الجمعة حج المساكين، ألا وإن الجمعة جهاد كل ضعيف)) (5).
وعن الرسول÷، أن جبريل أتاه [و] في يده مرآة بيضاء فقال: ((هذه يوم الجمعة يعرضها عليك ربك لتكون عيداً لك ولأمتك ))(6). وفي حديث آخر: ((إذا كان يوم الجمعة نزل جبريل في كوكب من الملائكة معهم صحف من فضة وأقلام من ذهب يقعدون على أبواب السكك والطرقات يكتبون الأول فالأول)) (7).
التفريع على هذه القاعدة:
__________
(1) وروى أحمد وابن ماجة نحوه عن أبي لبابة البدري أن رسول الله÷ قال: ((سيد الأيام يوم الجمعة، وأعظمها عند الله من يوم الفطر ويوم الأضحى، فيه خمس: خلق الله فيه آدم، وأهبط الله فيه آدم إلى الأرض، وفيه توفى الله تعالى آدم، وفيه ساعة لا يسأل العبد فيها شيئاً إلا آتاه الله تعالى ما لم يسأل حراماً، وفيه تقوم الساعة، ما من ملك مقرب ولا سماء ولا أرض ولا رياح ولا جبال ولا بحر إلاَّ هن يشفقن من يوم الجمعة)).
(2) أخرجه مسلم 1/209، وابن ماجة 1/345، وعبد الرزاق في (المصنف) 3/267.
(3) ذكره في (تحفة الأحوذي) 4/160، وفي (كشف الخفا) 2/370.
(4) رواه عبد الرزاق في مصنفه 3/269، وأحمد في مسنده 2/176.
(5) جاء الحديث في (مسند الشهاب) 1/81، وفي (شرح السيوطي) 3/90، وفي (ميزان الاعتدال) 5/373.
(6) ذكره في (مجمع الزوائد) 10/421، وفي (السنة) لعبد الله بن أحمد بن حنبل 1/250، وفي (الترغيب والترهيب) 4/310.
(7) أخرجه البخاري 1/314، ومسلم 2/587 عن أبي هريرة، وهو في سنن البيهقي 5/229، ومسند أحمد 2/239.
الفرع الأول: الجمعة فرض من فروض الأعيان عند أئمة العترة وفقهاء الأمة.
ونقل بعض أصحاب الشافعي عن الشافعي أنه يقول: بأنها فرض على الكفاية. لأنه قال: ومن وجبت عليه صلاة الجمعة وجبت عليه صلاة العيدين، وقد غلطه سائر أصحاب الشافعي في هذا الوهم، وقالوا: إن مراد الشافعي: أن كل من وجبت عليه الجمعة على جهة الوجوب فهو مخاطب بالعيدين على جهة الاستحباب.
وهذا جيد لأمرين:
أما أولاً: فلأن المنصوص له في سائر كتبه: وجوبها على الأعيان.
وأما ثانياً: فلأنه لا يخالف ما وقع عليه الإجماع قبله وبعده على كونها فرض عين، فبطل ما ذكره هذا المتوهم من أصحابه.
ونعني بكونها فرضاً من فروض الأعيان: هو أنه لا يختص بها شخص دون شخص عند تكامل شروطها، وأن الحرج والإثم لازمان لكل من أخل بها بخلاف فرض الكفاية فإنه مخالف لما ذكرناه.
فإذا ثبت هذا فإن الجمعة لا تجب إلا على من وجدت فيه شروط سبعة: الإسلام، والبلوغ، والعقل، والذكورة، والحرية، والصحة، والاستيطان .
ونعني بالإسلام: أن لا يكون كافراً.
ونعني بالبلوغ: أن لا يكون صبياً صغيراً.
ونريد بالعقل: ألا يكون مجنوناً ولا معتوهاً.
ونعني بالذكورة: ألا يكون امرأة، ولا خنثى لبسة.
ونعني بالحرية: ألا يكون عبداً مملوكاً.
ونعني بالصحة: أن لا يكون مريضاً ولا مقعداً ولا أعمى.
ونريد بالاستيطان : أن لا يكون مسافراً.
فصارت هذه الشروط باعتبار العبادات، الجمعة وغيرها، على أربعة أضرب:
الضرب الأول: يعم الجمعة وغيرها من العبادات البدنية كالصلوات الخمس والصوم والحج، وهي أمور ثلاثة: الإسلام والبلوغ والعقل. فهذه الشروط الثلاثة لا بد من اعتبارها في جميع العبادات كلها فلا بد من اشتراط الإسلام، لأن من هو كافر فلا يخاطب بهذه العبادات، وهكذا البلوغ فإن الطفل الصغير لا يخاطب بها ولا يمكن حصولها من جهته، وهكذا حال العقل فإن المجانين لا تعقل في حقهم العبادات.
الضرب الثاني: يشترط في الجمعة وحدها وذلك أمور أربعة: الذكورة، والحرية، والصحة، والاستيطان ، واشترطنا الذكورة من جهة أن النساء لا جمعة لهن، واشترطنا الحرية لأن العبيد لا جمعة لهم، واشترطنا الصحة فإن المريض والمقعد والأعمى لا تجب عليهم لأجل ضعف الحال، واشترطنا الاستيطان فإن المسافر لا تتوجه عليه الجمعة.
الضرب الثالث: ما يشترط في الوجوب دون الإجزاء وذلك أمور خمسة: البلوغ والحرية والذكورة والصحة والاستيطان ، فهؤلاء(1)
لا تجب عليهم الجمعة لكنهم إذا حضروها أجزتهم لأنهم من أهلها ولكن الشرع خفف الأمر في حقهم فأسقط وجوبها عنهم.
الضرب الرابع: يشترط في الوجوب والإجزاء وذلك شرطان وهما: الإسلام، والعقل، فالكافر لا تجب عليه الجمعة. وهل يكونون مخاطبين بالشرائع أم لا؟ فيه خلاف قد استقصيناه في كتاب الصلاة، وذكرنا المختار، والانتصار له، فأغنى عن الإعادة. ولا تجب الجمعة على صبي ولا مجنون لفقد العقل الذي هو ملاك التكليف.
الفرع الثاني: ولا تجب الجمعة على المرأة لما روى جابر: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فعليه الجمعة ، إلا على امرأة أو مريض أو مسافر أو عبد)). ولقوله÷: ((ليس على النساء جمعة، ولا جماعة )). وروى أبو عمرو الشيباني(2)،
__________
(1) واضح أنه يقصد: عكس أهل هذه الصفات وهم: الصبية والعبيد والنساء والمرضى والمسافرون.
(2) سعد بن إياد الكوفي من بني شيبان بن ثعلبة، سمع بالنبي÷ وهو يرعى لأهله، روى عن علي وابن مسعود وأبي مسعود الأنصاري، وحذيفة بن اليمان، وعنه: أبو إسحاق الهمداني، وسلمة بن كهيل، ومنصور والأعمش وغيرهم.
…جاء في (الجرح والتعديل) عن يحيى بن معين أنه سئل عن أبي عمرو الشيباني فقال: كوفي ثقة. اهـ 2/417، وفي (مشاهير علماء الأمصار) 1/100: أنه حج في الجاهلية حجتين، وكان في أيام النبي صبياً يعقل وليست له صحبة، مات سنة 101 عن 140 سنة.
قال: رأيت ابن مسعود يخرج النساء من الجامع يوم الجمعة، ويقول أخرجن إلى بيوتكن هو خير لكن.
ولا بأس بحضور العجائز اللاتي لا رغبة للرجال فيهن، لما روي عن الرسول÷ أنه قال: ((إلا عجوزاً بمنقليها)) (1).
راد بنعليها.
قال الشافعي في الأم: وأحب للعجائز إذا أذن لهن أزواجهن حضور الجمعة؛ لأنها لا تشتهى. وقد قال÷: ((لا تمنعوا إماء الله مساجد اللّه )). [وهو] محمول على ما ذكرناه.
ولا تجب الجمعة على الخنثى؛ لأنه يحتمل أن يكون ذكراً فتجب عليه، ويحتمل أن يكون امرأة فلا تجب عليه، وإذا احتمل الأمران لم تجب الجمعة بالشك.
وهل تجب الجمعة على المسافر أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنها غير واجبة عليه، وهذا هو رأي زيد بن علي والباقر والناصر والمؤيد بالله، ومحكي عن أبي حنيفة وأصحابه والشافعي وأصحابه ومالك.
والحجة على هذا: ما رويناه من حديث ابن عباس(2)
فإنه صريح في إسقاطها عن المسافر، ولأنه مشغول بالسفر وقضاء مآربه فلا يكلف الجمعة لما في ذلك من المشقة عليه.
المذهب الثاني: أنه إذا سمع النداء وجبت عليه الجمعة، وهذا هو رأي الهادي والقاسم وأبي طالب وأبي العباس، ومحكي عن الزهري والنخعي.
والحجة على هذا: قوله تعالى: {إِذَا نُودِي لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا}[الجمعة:9]. وهذا قد سمع النداء فلهذا توجه عليه الحضور.
__________
(1) أورده ابن بهران في (تخريج البحر) 1/306 عن (المهذب) و(الشفاء).
قال: وفي (التلخيص) ما لفظه: قوله: أنه صلى الله عليه وآله وسلم نهى النساء عن الخروج إلى المساجد في جماعة إلاَّ عجوزاً في منقلها، والمنقل: الخف، لا أصل له [يقصد: الحديث]. ثم قال: لكن أخرج المسعودي عن ابن مسعود قال: والله الذي لا إله إلاَّ هو ما صلت امرأة صلاة خيراً لها من صلاة تصليها في بيتها إلا المسجدين، إلا عجوزاً في منقلها، وكذا ذكره أبو عبيد في غريبه، والجوهري في (الصحاح). انتهى. اهـ.
(2) صوابه: جابر.
والمختار: ما عول عليه الأئمة وأكثر الفقهاء [من كونها غير واجبة عليه].
وحجتهم: ما ذكرناه.
ونزيد هاهنا، وهو أن الرخصة حاصلة في حق المسافر بإسقاط نصف الفروض عنه من أجل مشقة السفر فلا يكلف بالجمعة لما فيها من مزيد المشقة.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا: الآية دالة على وجوبها عليه لأنه قد سمع النداء.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن الآية عامة، وما ذكرناه من حديث جابر فهو خاص فيجب بناء العام على الخاص وتنزيله عليه.
وأما ثانياً: فإنه يخرج المسافر لخبر جابر، ويبقى ما عدى المسافر داخلاً تحت العموم فيكون عملاً عليهما جميعاً، وأنتم عولتم(1)
على ظاهر الآية واطرحتم حديث جابر، فلهذا كان ما ذكرناه أرجح لما فيه من العمل على الآية والخبر.
ويستحب إذا كان في بلدة وقت الجمعة أن يحضرها لأنه متمكن من ذلك من غير مشقة عليه في الحضور، وإن حضر الجمعة فهل يتعين عليه الوجوب بالحضور أم لا؟ فيه تردد.
والمختار: أنه لايتعين عليه لأن الرخصة في حقه قائمة بالسفر.
وإن نوى الأقامة عشرة أيام وجبت عليه الجمعة لأنه قد صار مقيماً غير مستوطن فلا جرم توجه عليه الوجوب.
الفرع الثالث: وهل تجب الجمعة على العبد والمكاتب أم لا؟ فيه مذاهب ثلاثة:
المذهب الأول: أنها لا تجب عليهما جمعة، وهذا هو رأي أئمة العترة وأكثر الفقهاء الفريقين(2)
ومالك.
والحجة على هذا: ما في حديث جابر ((إلا على إمراة أو عبد مملوك )): وما هذا حاله فهو نص في إخراج العبد.
المذهب الثاني: أنها واجبة على المكاتب وعلى العبد الذي يؤدي الضريبة وهذا هو رأي الحسن البصري وقتادة.
والحجة على هذا: هو أن المكاتب قد صار مالكاً لنفسه بالكتابة مشغولاً بالتكسب فأشبه الحر، وهكذا حال العبد الذي عليه الضريبة لسيده يؤديها له فإنه قد صار مشغولاً بتحصيلها فيشبه الحر في ذلك.
__________
(1) في الأصل: وأنهم عولوا.
(2) الحنفية والشافعية.
المذهب الثالث: وجوبها على العبد مطلقاً سواء كان مكاتباً أو غير مكاتب أو كانت عليه ضريبة أو لم تكن، وهذا هو المحكي عن داود من أصحاب الظاهر.
والحجة على هذا: هو أن ظاهر العموم بقوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} متناول للأحرار والعبيد فيجب أن يكون مندرجاً تحت العموم، ولأنه مكلف عاقل فأشبه الحر.
والمختار: ما عليه الأئمة والأكثر من الفقهاء من سقوطها عن العبد والمكاتب ومن كانت عليه ضريبة.
والحجة على هذا: ماذكرناه.
ونزيد هاهنا: وهو أن العبد صار مشغولاً بخدمة السيد فلا يضار السيد بإهمال خدمته. والمكاتب بقوله÷: ((المكاتب عبد مابقي عليه درهم ))(1).
فهو مندرج تحت العبد. والعبد الذي عليه ضريبة فهو مملوك ولو كانت عليه ضريبة يؤديها، ولأنه مشغول بتحصيل الضريبة فهو في الحقيقة مشغول بخدمة السيد.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: المكاتب ومن كانت عليه ضريبة قد أشبها الحر في التكسب لأنفسهما فلهذا توجه الوجوب عليهما.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن ملك الرقبة حاصل في حقهما، والتكسب فإنما هو أمر عارض.
وأما ثانياً: فلأن التكسب إنما هو في حق السيد وليس لأنفسهما فلهذا كانا في حكم العبد الذي يخدم سيده فلا يدخل عليه ضرر بالحضور للجمعة.
قالوا: العبد مكلف عاقل فأشبه الحر كما حكي عن داود.
قلنا: التكليف والعقل وإن حصلا في حقه فهو عبد لا محالة تجري فيه أحكام المعاوضات من البيع والصدقة والهبة، فلما كان الرق مستولياً عليه كان داخلاً في الخصوص الذي خرج به عن الوجوب بقوله÷: ((إلا على عبد مملوك )).
__________
(1) قد يظهر الحديث في غير بابه، ولكن الغرض من إيراده هنا كما هو واضح، تعريف المملوك الذي تسقط عنه الجمعة ويشمل المكاتب ما بقي عليه درهم لسيده، وقد أورد الحديث ابن حزم في (المحلي) 9/231، وهو في (المغني) 8/224.
ويستحب له: إذا أذن له سيده بحضور الجمعة أن يحضرها لأن المنع إنما كان لحق السيد فإذا أذن أسقط حقه.
والمدَبَّر لا يجب عليه الحضور لأن الرق باق في حقه ولهذا فإنه يجوز بيعه على حال.
وأما من عتق بعضه فهو في حكم الحر عندنا لأجل السراية، فلهذا وجب عليه الحضور، وأما على رأي الشافعي في جواز عتق البعض، فإذا كان بينه وبين سيده مهاباة فإن كان يوم الجمعة في خدمة السيد لم يجب عليه الحضور، وإن كان يوم الجمعة في خدمة نفسه وجب عليه الحضور. وسنوضح الكلام في السراية في العتق بمعونة الله.
الفرع الرابع: ولا تجب الجمعة على المريض لقوله تعالى: {وَلاَ على الْمَرِيضِ حَرَجٌ }[النور:61]. ولما رويناه من حديث جابر: ((إلا على مريض )). ولأنه مما يشق عليه المشي إلى الجمعة فلهذا سقط عنه.
وهل يجب على الأعمى الحضور أم لا؟ فينظر في حاله فإن كان لا يجد قائداً لم يجب عليه حضورها لقوله تعالى: {لَيْسَ على الأَعْمَى حَرَجٌ}[النور:61]. ولأنه غير مستطيع فلا يكلف الحضور.
وحكى الشاسي عن القاضي حسين(1)
من أصحاب الشافعي: أنه يجب عليه الحضور إذا كان يمكنه بالعصا المشي إليها. وأراد: أنه إذا كان يعتاد المشي من غير قائد وجب عليه. وهذا لا وجه له فإن الرخصة حاصلة في حقه بالعمى، فلا وجه لتكليفه ما لا يقدر عليه.
فإن وجد قائداً فهل يجب عليه الحضور أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه لا يجب عليه الحضور وإن وجد قائداً. وهذا هو رأي أبو حنيفة.
__________
(1) الإمام المحقق القاضي حسين المروروذي من كبار فقهاء الشافعية، له (التعليقة) المشهورة في الفقه، وصفه الجويني إمام الحرم بحبر المذهب أي المذهب الشافعي، توفي ليلة 23 من المحرم سنة 462هـ. اهـ (طبقات الشافعية) ص 164 لابن هداية الله.
والحجة على هذا: هو أن الشرع قد عذره بقوله: {لَيْسَ على الأَعْمَى حَرَجٌ}[النور:61]. ولأن في حضوره مشقة وحرجاً، وقد قال تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}[الحج:78].
المذهب الثاني: أنه إذا وجد قائداً فإنه يجب عليه الحضور، وهذا هو رأي الشافعي، ومحكي عن أبي يوسف ومحمد.
والحجة على هذا: هو أنه إذا وجد قائداً فإنه يصير كالبصير.
والمختار للمذهب: ما قاله أبو حنيفة: فإن الأعمى قد عذره الله تعالى في كثير من التكاليف، وهذا من جملتها فلهذا سقط عنه الوجوب سواء وجد قائداً أو لم يجد، لأن وجود القائد لا يوجب الحضور لأنه دخول تحت مِنَّة الغير في أداء عبادة كما لا يجب عليه قبول هبة المال ليزكيه.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: إذا وجد قائداً فهو بمنزلة البصير فلهذا توجه عليه الحضور.
قلنا: إنه مع وجود القائد فالوجوب ساقط عنه لما فيه من الدخول تحت مِنَّة الغير في أداء عبادة.
الفرع الخامس: فإن حضر هؤلاء الذين سقط عنهم فرض الجمعة كالعبد والمرأة والمريض والمسافر والصبي، وحضوره على وجه التمرين والتعويد إذ لا واجب عليه لأجل صغره، فهل تجزيهم الجمعة أم لا؟. فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه يسقط عنهم فرض الجمعة، وهذا هو رأي أئمة العترة، ومحكي عن أبي حنيفة، والشافعي.
والحجة على هذا: هو أنهم قد أتوا بالجمعة على وجهها وهم مكلفون بها فيجب أن يكون فرضها ساقطاً عنهم كالذين ليس لهم عذر.
المذهب الثاني: أنهم لا يسقط عنهم فرض الظهر ولا تجزيهم الجمعة، وهذا شيء يحكى عن زفر حكاه عنه الشيخ أبو عبدالله البصري من المعتزلة.
والحجة على هذا: هو أن الشرع لما أسقط عنهم فرض الجمعة بقوله÷: ((إلا على المرأة والعبد والصبي والمريض )). وحضورهم الجامع لا يرد ما سقط عنهم بالشرع.
والمختار: ما قاله الأئمة ومن تابعهم من الفقهاء.
وحجتهم: ما ذكرناه.
ونزيد هاهنا، وهو أنه إنما سقط عنهم فرض الجمعة على جهة الرخصة والتسهيل في حقهم فإذا عدلوا عن الرخصة والتزموا فعلها سقط عنهم فرضها كما لو صام المسافر، والمريض إذا تكلف القيام في الصلاة أجزأهم ذلك.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: قد سقط عنهم فرضها بنص الخبر، فحضورهم المسجد لا يوجب الفرض عليهم.
قلنا: إن الشرع إنما أسقط الفرض على جهة الرخصة والرفق بحالهم، ويؤيد هذا: أنهم من أهل الجمعة لكن الشرع خفف عليهم الحال في إسقاطها.
الفرع السادس: الأعذار التي ذكرناها في صلاة الجماعة أنها أعذار في ترك الجماعة فهي في ترك الجمعة عذر في سقوطها فلا تجب الجمعة على خائف على نفسه أو ماله أو عرضه، فخوفه على نفسه بالقتل والجرح والضرب، وخوفه على ماله بالأخذ والخراب والنقص، وخوفه على عرضه بالأذية والسب، فهذه الأمور كلها تكون عذراً في إسقاط وجوبها لقوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ " }[الحج:78].
والمطر أيضاً عذر في إسقاطها لقوله÷: ((إذا ابتلت النعال فالصلاة في الرِّحَال ))(1).
ولا تجب الجمعة على من له مريض يخاف ضياعه أو يرجو توبته عند الموت، أو يثبته في وصيته كما ذكرناه في الجماعة.
ولا تجب الجمعة على من له قريب مات فيريد دفنه وتجهيزه؛ لأنه معذور في ذلك.
فإن حضر المريض الجامع أو الأعمى أو من في طريقه مطر أو كان خائفاً، وجبت عليهم الجمعة؛ لأن المشقة قد زالت بالحضور فلا وجه لإبطال ما وجب عليهم من فرض الصلاة.
وإن أحرم المسافر أو المريض للجمعة وأرادا الانصراف عنها لم يكن لهما ذلك؛ لأنها قد تعينت عليهما بالدخول، عندنا وهو رأي الشافعي.
وإن أحرم العبد والمرأة ثم أرادا الإنصراف عنها إلى الظهر، فهل يجوز لهما ذلك أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: جواز ذلك؛ لأنهما ليسا من أهل الجمعة ولا من أهل فرضها.
__________
(1) تقدم.