السابعة: في سورة (الحج) أيضاً عند قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ " }. إلى قوله: {إِنَّ الله يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ}(1) [الحج:18].
الثامنة: في سورة تبارك(الفرقان)عند قوله تعالى:{وَزَادَهُمْ نُفُوراً }[الفرقان:60].
التاسعة: في سورة (النمل) عند قوله تعالى: {رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ }[النمل:26].
العاشرة: في سورة (الجزر) عند قوله تعالى: {إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّداً}. إلى قوله تعالى: {وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ}[السجدة:15].
الحادية عشرة: في سورة حم (السجدة) عند قوله تعالى: {فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لاَ يَسْأَمُونَ }[فصلت:38].
الثانية عشرة: في سورة (النجم) في آخرها عند قوله تعالى: {فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا }[النجم:62].
الثالثة عشرة:في سورة (الانشقاق) عند قوله: {وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لاَ يَسْجُدُونَ }[الانشقاق:21].
الرابعة عشرة: في سورة (القلم) عند قوله: {وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ}[العلق:19].
والحجة على استحباب السجود عند التلاوة: قوله تعالى: {فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ، وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لاَ يَسْجُدُونَ}[الإنشقاق:20،21].
ووجه الدلالة من الآية: هو أن الله حثهم على الإيمان بالله وبرسوله، وبالسجود عند قراءة القرآن وجمعهما جميعاً، وفي هذا نهاية الحث على السجود عند التلاوة، وما روي أنه كان يسجد إذا تلي ما فيه سجدة من القرآن من الآي التي ذكرناها فدل ذلك على استحباب السجود في هذه الآيات.
__________
(1) وهي الأولى في الحج.

المذهب الثاني: أن عزائم السجود إحدى عشرة آية، وهذا هو المحكي عن ابن عباس، وأُبَيّ بن كعب، وزيد بن ثابت من الصحابة رضي الله عنهم، ومن الفقهاء سعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، ومجاهد، ومحكي عن مالك.
والحجة على هذا: ما روى ابن عباس رضي الله عنه أن الرسول لم يسجد في شيء من المفصل(1)
منذ تحول إلى المدينة، والذي في المفصل ثلاث سجدات فتبقى إحدى عشرة التي ذكرناها.
المذهب الثالث: أن السجدات خمس عشرة سجدة، وهذا هو المحكي عن عمرو بن العاص قال: اقرأني رسول الله خمس عشرة سجدة في القرآن تلك أربع عشرة سجدة التي أوضحناها وسجدة في سورة (ص) في قوله: {وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ " }[ص:24]. فهذه مذاهب العلماء في سجدات القرآن كما ترى.
الفرع الثالث: في ذكر الخلاف في هذه السجدات. ويقع الخلاف فيها في مواضع:
الخلاف الأول: ذهب أبو حنيفة: إلى أن سجدة (ص) من عزائم السجود وعزائم السجود عنده أربع عشرة فأثبت سجدة (ص) وأسقط الثانية من سورة الحج. وذهب الشافعي: إلى أن سجدة (ص) لا تعد من عزائم السجود وإنما هي سجدة شكر لما روى ابن عباس رضي الله عنه أن الرسول قال: ((سجدها داود توبة ونحن نسجدها شكراً )) (2).
__________
(1) قال السيوطي: والمفصل ما ولي المثاني من قصار السور، سمي بذلك لكثرة الفصول التي بين السورة بالبسملة، وأورد الخلاف حول أوله ومنها (ق) و(الحجرات) و(الصافات) و غيرها. إلى 14 قولاً، اهـ 1/63.
(2) رُوي الحديث في سنن البيهقي2/318 والدارقطني1/407، والنسائي2/159، وفي (جواهر الأخبار)1/344 عن ابن عباس أن النبي سجد في (ص) وقال: ((سجدها داود توبة ونحن نسجدها شكراً)) هذه رواية النسائي، وفي رواية البخاري وأبي داود والترمذي عن عكرمة عن ابن عباس قال: ليست (ص) من عزائم السجود، وقد رأيت النبي يسجد فيها.

الخلاف الثاني: ذهب الشافعي إلى أن سورة الحج فيها سجدتان لما روى عقبة بن عامر قال: قلت يا رسول الله في الحج سجدتان؟ قال: ((نعم من لم يسجدهما فلا يقرأهما)). وروي عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه، وابن عمر وابن عباس: أنهم يسجدون في سورة الحج سجدتين. وعن عمر: أنه سجد في الحج سجدتين. وقال: فضلت على غيرها بسجدتين. وعن أبي حنيفة أن الواجب في سورة الحج السجدة الأولى عند قوله: {إِنَّ الله يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ }[الحج:18]. دون الثانية وهي قوله: {ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا}[الحج:77].
الخلاف الثالث: ليس في شيء من مواضع السجود خلاف إلا في سجدة حم (السجدة) فإن الشافعي يذهب إلى أن محل السجود فيها عند قوله تعالى: {وَهُمْ لاَ يَسْأَمُونَ}[فصلت:38]. وحكي عن أبي حنيفة، وأحمد بن حنبل وإحدى الروايتين عن الثوري: أن موضع السجود منها عند قوله تعالى: {إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ}[فصلت:37].
الخلاف الرابع: سجدة سورة (ص) إذا تقرر كونها سجدة شكر بما روى أبو سعيد الخدري قال: خطبنا رسول الله على المنبر فقرأ على المنبر الآية التي فيها سجدة (ص) فلما بلغ السجود تشزَّن الناس للسجود. فقال: ((إنما هي توبة نبي ولكن قد استعددتم للسجود ))(1).
فنزل وسجد وسجد الناس. فبين بكلامه أنها توبة وليست من عزائم سجدات القرآن. والتشزن بالتاء بنقطتين من أعلاها وشين بثلاث من أعلاها وزاي ونون والتشزن يطلق على معنيين:
أحدهما: الاستعداد والتهيؤ. وقد فسره الرسول بقوله: ((قد استعددتم للسجود)). وروي عن عثمان أنه سئل أن يجلس محضر المذاكرة فقال: حتى أتشزن. أي استعد للاحتجاج.
__________
(1) ورد الحديث في صحيح ابن خزيمة2/354،و ابن حبان6/470، وسنن أبي داود2/59، وفي المستدرك على الصحيحين1/421.

وثانيهما: أن يطلق ويراد به الانزعاج والفشل. كما حكي عن الحجاج أنه قال: نِعْمَ الحالة الإمرة لولا قعقعة البرد والتشزن عند الخطب. فلو سجدها ساجد في غير الصلاة على وجه الشكر جاز ذلك، وإن سجدها في الصلاة، فإن كان جاهلاً أو ناسياً لم تبطل صلاته، وإن كان عالماً بأنها ليست من عزائم السجود فهل تبطل صلاته أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: بطلان الصلاة لأنها سجدة شكر فإذا فعلها في الصلاة عالماً أبطلها كما لو بلغه شيء يشزيه في الصلاة فسجد فإنه يبطلها.
وثانيهما: أنها لا تبطل لأنها سجدة متعلقة بالتلاوة فلم تبطل الصلاة كسائر السجدات في القرآن.
والأول هو المختار لأن سجدات العزائم محصورة وهذه ليست معدودة منها فلهذا بطلت الصلاة.
الفرع الرابع: ويشترط في سجود التلاوة ما يشترط في الصلاة: من الطهارة، وستر العورة، واستقبال القبلة، لأنها صلاة في الحقيقة فلهذا اشترط ما ذكرناه كما يشترط في الصلاة.
قال المؤيد بالله: الساجد للتلاوة(1)
يجب أن يكون على طهارة، ويكون ما سجد عليه وفيه طاهراً كالمصلي.
__________
(1) في الأصل: الساجد للطهارة، وتم وضع (التلاوة) بدلاً عنها كونها المقصودة كما يؤكد السياق والموضوع، والله أعلم.

وقال أيضاً: ومن كان محدثاً فليس له أن يسجد للتلاوة ولا لغيرها ولا لوقوع زلزلة وهو المعمول عليه عند أئمة العترة وفقهاء الأمة. فإن قرأ آية فيها سجدة أو سمعها وهو محدث. فقال النخعي: يتيمم ويسجد. وعن بعض أصحاب الشافعي: أنه يتوضأ ويسجد. وهذا هو المختار لأنه قادر على الطهارة بالماء فلا يجوز له التيمم. وعن عثمان، وابن المسيب: أن الحائض إذا سمعت آية فيها سجدة فإنها تُومئ برأسها للسجود وتقول: اللهم لك سجدت. وهذا جيد لأنه لا معنى للطهارة في حقها فلهذا استحب لها ذلك. فإن لم تسجد في مكان السجود لم تسجد بعد ذلك لأنها متعلقة بسبب فإذا فات سقطت كالكسوف إذا انجلى قبل الصلاة فلا وجه للصلاة بعد إنجلائه، وإن أخر السجود وهو في مجلسه نظرت فإن لم يطل الفصل سجد، وإن أطال الفصل لم يسجد.
والتفرقة بين الإطالة وعدم الإطالة هو أن الإشتغال بفعل يعد إعراضاً عن السجود، وإن سجد للتلاوة في مجلس ثم أعاد تلك السجدة في ذلك المجلس فهل يعيد السجود أم لا؟ فحكي عن الشافعي أنه يعيد السجود لأن كل ما اقتضى السجود في مجلسين اقتضاه في مجلس واحد كالآيتين.
وقال أبو حنيفة: لا يسجد لأن السجود قد وقع بوقوع سببه ولم تدل دلالة على التكرير فلهذا بطل، والوجهان جائزان خلا أن ما ذكره الشافعي أحق، لأن تكرير الآية بمنزلة آيتين مختلفتين في توجه السجود، وإن سجد قبل أن ينتهي إلى موضع السجدة لم يصح سجوده كما لو سجد قبل التلاوة، وإن سجد بعد الزيادة على موضع السجود جاز ذلك.
الفرع الخامس: قال السيد أبو طالب: وإذا أراد أن يسجد للتلاوة في غير الصلاة فإنه يستقبل القبلة ثم يكبر لافتتاح السجود. وهل يرفع يديه أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه لا يرفع يديه، وهذا هو المحكي عن القاسم لأن رفع اليدين ليس مسنوناً عند القاسمية في الصلاة المفروضة، فلا يسن خارج الصلاة بحال.

وثانيهما: أن المستحب رفع اليدين لافتتاح السجود ثم يكبر تكبيرة ثانية للسجود لا يرفع بهما يديه ثم يكبر إذا رفع رأسه من السجود، وعن بعض أصحاب الشافعي أنه يكبر تكبيرة واحدة لا غير والأول أصح لأن التكبير مسنون في كل رفع وخفض، والمستحب أن يقول في سجوده من الأذكار أموراً ثلاثة:
الذكر الأول: أن يقول في سجوده: ((سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره بحوله وقوته تبارك الله أحسن الخالقين))(1).
لما روته عائشة عن الرسول أنه كان يقول ذلك في سجود التلاوة.
الذكر الثاني:ما روى ابن عباس رضي الله عنه أن الرسول كان يقول في سجوده للتلاوة: ((اللهم اكتب لي بها عندك أجراً " واجعلها لي عندك ذخراً وضع بها عني وزراً وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داود ))(2).
الذكر الثالث: أن يقول ما يقوله في سجوده للصلاة، وهذا هو الذي اختاره السيد أبو طالب، فهذه الأذكار كلها مستحبة لكن الأول والثاني أدخل في الاستحباب لأنها خاصة في التلاوة ومأثورة عن الرسول . وهل تفتقر إلى التشهد والسلام أم لا؟ فيه مذاهب ثلاثة:
المذهب الأول: أنه لا يفتقر إليهما، وهذا هو رأي أئمة العترة.
والحجة على هذا: هو أن المعتمد ما أثر عن الرسول في هذه العبادات لم يؤثر عنه أنه تشهد في سجدة التلاوة ولا سلم، وهو محكي عن بعض أصحاب الشافعي.
المذهب الثاني: يتشهد ويسلم، وهو المحكي عن بعض أصحاب الشافعي.
وحجتهم على هذا: هو أنه سجود افتقر إلى الإحرام، فلهذا كان مفتقراً إلى التشهد والسلام.
المذهب الثالث: أنه يفتقر إلى السلام دون التشهد، وهذا هو قول بعض أصحاب الشافعي.
وحجتهم على هذا: هو أنه سجود يحتاج إلى الإحرام فلا يخرج عنه إلا بالتسليم كسجود الصلاة.
فإن كان القارئ سائراً في السفر فهل يكفيه الإيماء، أو يحتاج إلى وضع جبهته على الأرض؟ فيه وجهان:
__________
(1) أخرجه الترمذي وأبو داود والنسائي.
(2) أخرجه الترمذي2/472.

أحدهما: أنه يستحب وضع جبهته على الأرض لأن المستحب هو السجود ولا يعقل السجود الشرعي إلا بما ذكرناه فلهذا توجه عليه.
وثانيهما: أنه يكفيه الإيماء لأن السفر عذر فأشبه المرض.
وهل يكفى الركوع على السجود أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: أن السجود هو المتعين فلا يقوم الركوع مقامه، وهذا هو الذي يأتي على المذهب، وهو محكي عن الشافعي لأن المعتمد فيه هو فعل الرسول ولم يكن يركع عوض السجود.
وثانيهما: أنه بالخيار إن شاء سجد وإن شاء ركع، وهذا شيء يحكى عن أبي حنيفة.
وحجته على هذا: هو أن القصد بالسجود إنما هو الخضوع والخشوع وامتثال الأمر وهذا كما يحصل بالسجود فهو حاصل بالركوع.
الفرع السادس: وإن كان سجود التلاوة في أثناء الصلاة نظرت فإن كان في صلاة النفل جاز ذلك ولم يبطلها السجود، وهذا هو رأي القاسم، والهادي والمؤيد بالله ومحكي عن الناصر، وهو قول أبي حنيفة والشافعي وأصحابه.
والحجة على هذا: هو أن مبنى النوافل على التخفيف من جهة الشارع، ولهذا فإنه يجوز أداؤها من قعود مع القدرة على القيام ومسلكها واسع فلهذا جاز فيها ما لا يجوز في الفرائض، وإن كان سجود التلاوة في الصلاة المفروضة فهل يجوز أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أن ذلك غير جائز، وإن وقع فيها أفسدها، وهذا هو رأي أئمة العترة الهادي والقاسم والناصر والمؤيد بالله.
والحجة على هذا: ما روى نافع عن ابن عمر، قال: كان رسول الله يقرأ علينا السورة من القرآن فإذا كان فيها سجدة فيسجد ونسجد معه في غير الصلاة وهذا تصريح بأنه لم يكن يسجد إذا قرأ فيها السجدة إذ لولا ذلك لكان لا معنى لقوله في غير الصلاة.
الحجة الثانية: قوله لمن علمه الصلاة: ((افتتح وكبر واقرأ إن كان معك قرآن " ))(1).
ولم يقل واسجد ما فيه سجدة فلو كانت السجدة من مفروضاتها أو مسنوناتها لأمره بها لأن القصد بالخبر بيان مفروضها ومسنونها.
__________
(1) أخرجه النسائي وأبو داود من حديث رفاعة بن رافع، وقد تقدم.

الحجة الثالثة: هو أنه زاد في الصلاة ذكراً زيادة ليست منها لو نقص مثلها في موضعها لبطلت فوجب أن تفسدها دليله إذا زاد ركعة.
المذهب الثاني: أن زيادة سجدة التلاوة لا تبطل الصلاة فريضة كانت الصلاة أو نافلة فيجب عليه أن يسجدها على رأي أبي حنيفة، ويستحب له أن يسجدها على رأي الشافعي.
والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أنه قرأ في صلاة الصبح حم (السجدة) فسجد لها وفي هذا دلالة على جواز سجود التلاوة.
الحجة الثانية: هو أن النوافل كالفرائض في الصحة والفساد فما أفسد إحداهما أفسد الأخرى، وما جاز في إحداهما جاز في الأخرى، ولا شك أن النوافل يجوز فيها سجود التلاوة فهكذا في الفرائض من غير فرق بينهما.
الحجة الثالثة: هو أن هذه السجدة من الصلاة، فجازت زيادتها كزيادة القراءة، فهذه الأدلة كلها دالة على جواز سجود التلاوة في الفرائض.
والمختار: جواز تأدية سجود التلاوة في الفريضة كما قاله الفقهاء.
وحجتهم: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا وهو أن سجود التلاوة كبقية في القراءة لأنها سبب في السجود فإذا جاز زيادة القراءة في الصلاة المكتوبة جاز زيادة السجود.
ومن وجه آخر: وهو أن الآيات الدالة على سجود التلاوة كقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا}[الحج:77]. وقوله تعالى: {فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا }[النجم:62]. وقوله تعالى: {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً}[الرعد:15]. وغيرها من الآيات الدالة على كون سجود التلاوة مشروعاً لم يفصل بين أن يكون في الصلاة أو في غير الصلاة ولا فرق بين أن يكون في الصلاة المكتوبة أو في صلاة النافلة، وفي هذا دلالة على جوازها في الفروض.

ومن وجه ثالث: وهو أن التلاوة سبب في السجود والسبب جار مجرى العلة فلا يجوز تأخر أمر حكم السبب عن سببه كما لا يجوز تأخر حكم العلة عن العلة، وإذا كان الأمر كما قلناه فحيث وجدت القراءة التي هي سبب في السجود لم يجز تأخر السجود، ونظير هذا أن السرقة سبب في القطع والزنا سبب في الرجم، وهكذا سائر الأسباب فإنها مؤثرة في وجود مسبباتها فيجب أن تكون التلاوة مؤثرة في حصول السجود ولا تختص محلاً دون محل ولا مكاناً دون مكان وفي هذا حصول غرضنا.
ومن وجه رابع: وهو أن التلاوة ذكر فجاز السجود عقيبها كالقراءة في الصلاة.
ومن وجه خامس: وهو أن هذه السجدة زيادة مشروعة في الصلاة لأجل وجود سببها فلم تكن مفسدة للصلاة كزيادة الركوع في صلاة الخسوف.
فهذه الأوجه كلها دالة على أن سجود التلاوة غير مفسد للصلاة.
الانتصار: يكون بالجواب عما خالفه.
قالوا: روى ابن عمر عن الرسول أنه يقرأ السورة التي فيها سجدة فيسجدها ويسجد معه في غير الصلاة، وفي هذا دلالة على أنها غير مشروعة في الصلاة المفروضة وأنها مفسدة.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن التلاوة وقعت في غير الصلاة وهي تابعة لسببها ولهذا قال في غير الصلاة فمن أين أنها لو وقعت في الصلاة لم يسجدها فلا بد من دلالة على هذا.
وأما ثانياً: فلأن هذا الإستدلال يبطل جوازها في صلاة النافلة وأنتم قد جوزتموه فيها، فإذا جاز في النافلة لدلالة خاصة جاز في الفريضة لدلالة خاصة.
ومن وجه ثالث: وهو أنه إنما قال: في غير الصلاة ليدل على أنه في الصلاة أدخل في الجواز لأن السجود بالصلاة أخص وبها أمس فما ذكرتموه إذن أدل على ما ذهبنا إليه.
قالوا: الرسول قال لمن علمه الصلاة: ((افتتح الصلاة وكبر واقرأ إذا كان معك قرآن )). ولم يقل واسجد إذا كان فيها سجدة فلو كانت السجدة مشروعة لذكرها لأنه في محل التعليم.
قلنا: عن هذا جوابان:

أما أولاً: فلأن ما ذكرتموه إنما يدل على أن السجدة للتلاوة غير واجبة، ونحن نقول: بذلك، وليس فيه دلالة على أنها غير مشروعة في الصلاة وهو المقصود.
وأما ثانياً: فلأنه إنما لم يذكره لمن علمه الصلاة لأن غرضه ذكر الفروض دون النوافل، فلهذا لم يذكره.
قالوا: إن هذه السجدة زيادة في الصلاة على جهة الذكر والعمد لسبب فيها فيجب أن تكون مفسدة لها كما لو زاد ركعة.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأنه لا مجرى للأقيسة في العبادات فإنها أمور غيبية مستندها كلام صاحب الشريعة وما ورد عنه، فأما الأقيسة فلا وقع لها في تقريرها وإثباتها.
وأما ثانياً: فلأن ما ذكرتموه من القياس معارض بمثله، فإنا نقول: زيادة غير مفسدة للنافلة فلا تكون مفسدة للفريضة كالقراءة فقد وضح لك بما ذكرناه أن السجود للتلاوة غير مفسد للصلاة المفروضة بما ذكرناه.
الفرع السابع: إذا قرأ صبي آية فيها سجدة ولم يسجد فهل يتوجه على المستمع السجود أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه يستحب له السجود، وهذا هو قول أبي حنيفة.
والحجة على هذا: هو أن المستحب السجود لهما جميعاً لحصول سبب السجود وهو التلاوة، فإذا حصل في القارئ عارض عن السجود إما إعراضه عن السجود وإما لأنه غير صالح للسجود كالصبي والكافر لم يسقط الاستحباب عن المستمع.
المذهب الثاني: أنه لا يسجد، وهذا هو رأي الشافعي.
والحجة على هذا: ما روى زيد بن أسلم أن غلاماً قرأ عند رسول الله السجدة فانتظر الغلام الرسول لعله يسجد فلم يسجد فقال: يا رسول الله أليس فيها سجدة؟. فقال: ((بلى ولكنك إمامنا فلو سجدت سجدنا " )).

227 / 279
ع
En
A+
A-