والحجة على هذا: أن الشرع إنما ورد بجبران بعض الصلاة بسجود السهو ولهذا قال : ((لكل سهو سجدتان)). ولم يرد الشرع بجبران السهو نفسه.
ووجه: يأتي وهو أنه لم يؤثر عنه أنه أمر بالسجود لأجل السهو، وفي هذا دلالة على أنه غير مشروع، ولأنا لو التزمنا سجود السهو في السهو للزم ذلك إلى غير غاية، وما يلزم عليه الفساد فهو فاسد ولأنه سهو عرض بعد ارتفاع التحريم بالصلاة فوجب أن لا يكون له حكم كما لو عرض بعد الفراغ عن سجود السهو، ويحكى عن الكسائي، ومحمد بن الحسن الشيباني: أنهما حضرا في مجلس. فقال الكسائي: العلوم كلها جنس يستدل ببعضها على بعض، ويستمد بعضها من بعض. فقال محمد: ليس بجنس واحد، ولا يستمد بعضها من بعض، ولا يستدل ببعضها على بعض. فقال الكسائي: بلى. فقال محمد: ما تقول في رجل سها في سجود سهوه هل يلزمه السجود أم لا؟ فقال الكسائي: لا سجود عليه. فقال محمد بن الحسن: ولم؟ قال الكسائي: لأن العرب لا تصغر المصغر، فهكذا لا سهو في السهو، وكلام الكسائي في أن العلوم متلازمة أغوص في التحقيق، وكلام محمد بن الحسن أسهل وأخلص ولقد كان الأخلق بعلماء الدين ألا يحضروا مجالس الظلمة ولا يأنس أهل الفضل بهم إمتثالاً لما ورد به الشرع من البعد عنهم وطردهم وإيحاشهم.
الحكم الثالث: ومن نسي سجدتي السهو فإنه يسجدهما إذا ذكرهما لقوله : ((من نام عن صلاة أو نسيها فوقتها حين يذكرها " )).فإن كان قريباً من مصلاه عاد إليه استحباباً لأن الرسول لما أخبر بأنه صلى الظهر خمساً بعد خروجه من المسجد عادة إلى المسجد فسجدهما، وإن كان قد بَعُد سجد حيث يمكنه لأن لزومهما متحقق فلا يبطل بالبعد، وإن ذكرهما بعد طول المدة وجب عليه سجودهما، وإن أحدث سجدهما بعدما يتوضأ لما ذكرنا من توجه اللزوم، ومن سها في صلاته ثم اعترض له الشك هل يسجد لسهوه أم لا؟ وجب عليه سجودهما لأن وجوبهما قد تحقق فلا يبطل بالشك.

الحكم الرابع: في سهو الإمام والمأموم، وذلك يقع على أوجه ثلاثة:
الوجه الأول: إذا سها الإمام دون المأموم نظرت فإن سجد الإمام لسهوه وجب على المأموم السجود عند أئمة العترة، ومحكي عن فقهاء الأمة ولا يعرف فيه الخلاف سواء كان خلفه في حال سهوه أو دخل معه بعد سهوه لقوله : ((لا تختلفوا على إمامكم)).لأنه إذا لم يسجد معه فقد خالفه. ولقوله : ((إنما جعل الإمام ليؤتم به)). وهذا يقتضي متابعته. وروي عن الرسول أنه قال: ((إذا سها الإمام فعليه وعلى من خلفه السهو " )). ولأن صلاة المأموم معقودة بصلاة الإمام، وما يجري من النقص في صلاة الإمام فهو جار في صلاة المأموم فلهذا وجب عليه السجود مع إمامه، فإن لم يسجد مع الإمام فهل تبطل أم لا؟ فيه تردد.
والمختار: بطلان صلاته لأجل مخالفة الإمام ولأجل مخالفة الإجماع، فإن كان الإمام قد سبق المأموم بركعة فإن الإمام يسجد لسهوه حين يسلم من صلاته، وأما المأموم ففيما يفعله ثلاثة أقوال:
فالقول الأول: أن الماموم لا يسجد لسهوه حتى يقضي ما فاته فإذا قضى ما فاته سجد سجدتي السهو لسهو إمامه، وهذا هو رأي الهادي، ومحكي عن ابن سيرين، والظاهر من كلامه في المنتخب: أنه لا ينتظر فراغ الإمام من سجدتي السهو بل يقوم فيقضي ما فاته من الصلاة.
وحجته على هذا: هو أن زيادة سجدة في الصلاة تبطلها، فلهذا قلنا: إنه لا يسجد حتى يفرغ من صلاته. وإنما قلنا: أنه لا ينتظر فراغ الإمام من سجوده لأن إتمامه لصلاته يكون على الفور فلا حاجة به إلى انتظاره.
القول الثاني: أنه ينتظر سجود الإمام للسهو ويسجد معه فإذا سلم الإمام من سجدتي السهو قام المؤتم فيقضي ما فاته فإن لم يسجد مع الإمام حتى قام للقضاء فإنه يسجد في آخر صلاته، وهو رأي أبي حنيفة.
وحجته على هذا: هو أن المأموم لزمه السجود لأجل سهو الإمام فلهذا وجب عليه إنتظاره.

القول الثالث: أنه يسجد مع الإمام قبل قضائه لما فاته ولا ينتظر سجود الإمام، وهذا هو رأي الشافعي.
وحجته على هذا: هو أن انتظاره يوجب المخالفة للإمام فلهذا وجب عليه السجود معه ثم يؤدي ما فاته بعد ذلك فإن لم يسجد الإمام لسهوه فهل يسجد المأموم أم لا؟ فيه قولان:
القول الأول: أنه يجب على المأموم أن يسجد، وهذا هو قول القاسمية، ومحكي عن مالك، والشافعي، ومروي عن الليث، والأوزاعي.
والحجة على هذا: هو أن صلاة المأموم قد نقصت بنقصان صلاة الإمام، فإذا لم يجبر الإمام صلاته وجب على المأموم جبران صلاته.
القول الثاني: أنه لا يجب على المأموم سجود، وهذا هو رأي الناصر، ومحكي عن زيد بن علي، وأبي حنيفة، والنخعي، والمزني، وأبي حفص من أصحاب الشافعي.
والحجة على هذا: قوله : ((لا تختلفوا على إمامكم)). ومهما سجد دون الإمام فقد خالفه، وقوله : ((إنما جعل الإمام ليؤتم به)).
والمختار: أنه لا يجب على المأموم سجود مع ترك الإمام لسجود السهو لأن الإمام لو ترك القعدة الأولى فالمأموم لا يقعدها، وإن كانت القعدة مسنونة فهكذا إذا ترك سجوداً لم يجب على المأموم سجوده.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: إن صلاة المأموم قد نقصت بنقصان صلاة الإمام فإذا لم يجبر الإمام صلاته وجب علي المأموم جبران صلاته.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن الإمام قد تحمل سهو المأموم لقوله : ((الإمام ضامن)). ولا يعقل الضمان إلا مع تحمله للسهو سواء قام به الإمام أو أسقطه، فلهذا لم يتوجه على المأموم.
وأما ثانياً: فلأن ما ذكروه معارض بما أوردناه من الأخبار، والأقيسة لا تعارض الأخبار.
الوجه الثاني: إذا سها المؤتم ولم يسه الإمام فهل يسجد المأموم لنفسه أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: المنع من ذلك وأنه لا سجود على المأموم، وهذا هو رأي زيد بن علي، والناصر، والمؤيد بالله، ومحكي عن أبي حنيفة وأصحابه، والشافعي وأصحابه.

والحجة على هذا: ما روى ابن عمر عن الرسول أنه ليس على من خلف الإمام سهو وهذا نص فيما ذهبنا إليه.
المذهب الثاني: أنه يتوجه عليه السهو، وهذا هو رأي الهادي، ومحكي عن مكحول من الفقهاء.
والحجة على هذا: هو أن المؤتم قد لزمه السجود لسهوه فلا يسقط عنه إلاَّ بتأديته له.
والمختار: ما قاله أئمة العترة، زيد بن علي، والناصر، والمؤيد بالله، وغيرهم من فقهاء الأمة.
وحجتهم: ما حكيناه، ونزيد هاهنا وهو ما روي عن الرسول أنه قال: ((ليس على من سها خلف الإمام سهو " )). ومعنى هذا هو أنه ليس لسهوه حكم إذا لم يسه الإمام.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: المؤتم قد لزمه السجود لسهوه فلا يسقط عنه إلا بتأديته.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلا يتكرر لزومه للمأموم لكن الشرع قد أسقطه عنه بتحمل الإمام له.
وأما ثانياً: فلأن ما ذكروه قياس والأقيسة لا وقع لها مع ورود الأخبار على خلافها وقد دللنا على أن الأخبار واردة بسقوط السهو عن المأموم وتحمل الإمام له.
الوجه الثالث: إذا سها الإمام والمأموم جميعاً فهل يتوجه على المأموم سجود واحد أو سجودان، فنقول أما سجوده لسهو الإمام فهو الواجب عليه ولا خلاف فيه كما مر بيانه، وأما سجوده لسهوه فهل يجب أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه واجب، وهذا هو رأي الهادي.
والحجة على هذا: هو أن سهوه منفصل عن سهو إمامه فلأجل هذا وجب عليه سجود السهو لأجل سهوه.
المذهب الثاني: أنه لا يتوجه عليه سجوده لأجل سهوه، وهذا هو رأي زيد بن علي، والناصر، والمؤيد بالله.
والحجة على هذا: ما رويناه من الخبر الدال على بطلان سهو المأموم خلف الإمام، وأن الإمام يتحمل سهوه، وقد قررنا المختار، وذكرنا وجه الانتصار فأغنى عن الإعادة.
نعم.. إذا قلنا بأنه يجب على المؤتم سجودان على رأي الهادي، وأراد المؤتم فعلهما، فأيهما يكون أحق بالتقديم؟ فيه إحتمالان نذكرهما:

الاحتمال الأول: أنه يسقط الترتيب بينهما لأنهما واجبان معاً كما نقوله في قضاء الفوائت، وعلى هذا يبدأ بأيهما شاء.
الاحتمال الثاني: وهو المختار أن يقدم ما وجب عليه لسهو إمامه لأن ذلك أسبق في الوجوب، فلهذا كان أحق بالتقديم، وهذا كله فيمن سبقه الإمام بركعة أو أكثر.
الحكم الخامس: والإمام إذا أحدث في حال الصلاة وقد سهى فاستخلف غيره ثم سهى المقدم في صلاته فإنه يكفيه سجدتان لسهوه وسهو إمامه الأول، أما إجزاؤهما على نفسه فهو ظاهر لقوله : ((لكل سهو سجدتان)). وأما إجزاؤهما عن الإمام الأول فلأنه لما كان خليفة عنه لقيامه مقامه في إتمام الصلاة كان متحملاً لسهوه فلأجل هذا كانت السجدتان مجزيتين عن نفسه وعن الإمام الأول، ولا يتكرر السجود بتكرر السهو بل يكفي لجميع السهو سجدتان كما ورد عن الرسول : ((لكل سهو سجدتان " )). وحكي عن ابن أبي ليلى: أن السجود يتكرر بتكرر أنواع السهو. وهذا لا وجه له لأن لفظ الخبر ليس معناه تعميم السجود على أنواع السهو بالتكرير في السجود، وإنما الغرض أنه خبر في معنى الأمر كأنه قال: اسجدوا لسهو الصلاة فيها كما يقال: لكل ذنب توبة. فإن التوبة كافية عن جميع الذنوب كما أن السهو يكفي فيه وإن تكرر سجدتان. وقد تم سجود السهو.
النوع الثاني: في سجود التلاوة.
وهو مشروع في حق القارئ والمستمع، وهو الذي يطلب السماع ويقصده لما روى ابن عمر رضي الله عنه قال: كان رسول الله ، يقرأ علينا القرآن، فإذا مر بسجدة كبر وسجدنا معه. ولا خلاف في كونه مشروعاً بين أئمة العترة، وفقهاء الأمة. وهل يكون مشروعاً في حق السامع وهو الذي يسمع من غير قصد للإستماع أم لا؟ فيه مذاهب ثلاثة:
المذهب الأول: أنه مشروع في حق السامع أيضاً كما هو مشروع في حق القارئ والمستمع وهذا هو رأي أئمة العترة، ومحكي عن أبي حنيفة.

والحجة على هذا: قوله [تعالى]: {فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ، وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لاَ يَسْجُدُونَ}[الانشقاق: 20،21]. ومحكي عن بعض أصحاب الشافعي من أهل خراسان.
المذهب الثاني: ذكره في البويطي أنه قال: لا أؤكده على السامع الذي لم يقصد الاستماع فإن سجده فحسن.
والحجة على هذا: هو أن السبب في السجود إنما تحقق في حق القارئ لأجل القراءة والمستمع لأجل قصد الاستماع، فأما السامع فلم يحصل في حقه السبب في السجود.
المذهب الثالث: أنه لا يشرع السجود إلا في حق القارئ دون السامع والمستمع، وهذا هو المحكي عن مالك.
والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أنه قال: ((في سورة الحج سجدتان " فمن لا يسجدهما لا يقرأهما))(1).
فعلق السجود بالقراءة فدل ذلك على أن السبب في شرع السجود إنما هو القراءة لا غير.
والمختار: ما عول عليه علماء العترة ومن تابعهم، من كونه مشروعاً في حق القارئ والمستمع والسامع.
وحجتهم: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا، وهو أن الأدلة التي دلت على كون السجود مشروعاً لم تفصل بين القارئ والمستمع والسامع.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا: إنما شرع في حق القارئ والمستمع دون السامع، كما حكي عن الشافعي، وإنما يكون في حق القارئ دون السامع والمستمع كما حكي عن مالك.
__________
(1) القصد: فلا يقرأ الآيتين، والله أعلم، وهما الآيتان (18 و 77)، ويظهر من الخلاف الوارد ضمن هذا المبحث حول وجوب سجود التلاوة أن النهي في هذا الحديث هو للإرشاد إلى فضل السجود، وعند قراءة الآيتين وليس لتحريم قراءتهما إذا لم يسجد قارئهما، والله أعلم.
…أخرجه أبو داود و الترمذي عن عقبة بن عامر قال: قلت: يا رسول الله، أفي [سورة] الحج سجدتان؟ قال : ((نعم ومن لم يسجدهما فلا يقرأهما)) وهو في سنن البيهقي2/317، والدارقطني1/408.

قلنا: لا نسلم ما ذكروه بل نقول: إن الأدلة التي ذكرناها لم تفصل بين هؤلاء الثلاثة، وفي هذا دلالة على كونه مشروعاً في حقهم.
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول: إذا تقرر كونه مشروعاً بما أوردتموه من الأدلة فهل يكون واجباً أم لا؟ فيه مذاهب ثلاثة:
المذهب الأول: أن سجود التلاوة سنة مؤكدة، وليست واجبة، وهذا هو رأي أئمة العترة القاسم والهادي والناصر والمؤيد بالله، ومحكي عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه وعمر بن الخطاب وابن عباس من الصحابة رضي الله عنهم، ومن الفقهاء مالك والأوزاعي.
والحجة على هذا: ما روى زيد بن ثابت أنه قال: عرضت {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى " }[النجم:1] على رسول الله فلم يسجد منا أحد، ولو كان واجباً لفعله وفعلناه.
المذهب الثاني: أن سجود التلاوة واجب. وهذا هو رأي أبي حنيفة، فإنه قال: إنه واجب على القارئ والمستمع.
والحجة على هذا: هو أن بعض السجدات بلفظ الأمر كقوله تعالى في سورة النجم: {فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا}[النجم:62]. وقوله تعالى في سورة العلق: {كَلاَ تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ }[العلق:19]. وظاهر الأمر للوجوب، وربما ورد على جهة التوبيخ على تركه، لقوله تعالى: {فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ، وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لاَ يَسْجُدُونَ}[الاشنقاق:20،21]. والتوبيخ إنما يكون على ترك الواجب وما عداها مقيس عليها إذ لا فصل هناك.
المذهب الثالث: محكي عن زيد بن علي وهو أن عزائم السجود أربع: {ألم تنزيل} السجدة، و{حم}السجدة(1)،
وسورة {القلم}(2).
__________
(1) المقصود حم: فصلت وآيتا السجود في السورتين، في الأولى 15 وفي الثانية 38.
(2) المقصود بحسب اسم السورة أنها سوة العلق، أول سورة نزلت من القرآن الكريم، وموضع السجود في آخرها، وكلما وردت هنا باسم القلم فيما يخص سجود التلاوة فهي العلق.

واختلفت الرواية عنه في الرابعة فمرة قال: هي سورة والنجم. ومرة قال: هي سورة انشقت(1).
والحجة على هذا: هو أنا لا نعني بكونه عزيمة إلا وجوبه، وإنما قيل للواجب عزيمة لأنه معزوم على فعله ولا داعي إلى تركه، وإنما كانت هذه الأمور عزائم لأن بعضها أوامر كما مر في سورة النجم والقلم، وبعضها ورد عليه الذم والذم لا يرد على على ما كان واجباً متى يستحق الذم على تركه.
قال زيد بن علي: حدثني أبي عن أبيه عن علي" أنه قال: عزائم السجود في القرآن حم السجدة، والجرز(2)،
وسورة النجم، وسورة القلم. وسائر ما في القرآن إن شئت فاسجد، وإن شئت فلا تسجد، ومثل هذا لا يصدر عن توقيف من جهة الرسول لأنه لا مساغ للإجتهاد فيه بحال لكونه من باب العبادات التي مستندها ما كان توقيفاً من جهة الرسول .
والمختار: ما عول عليه علماء العترة، من كون سجود التلاوة سنة مؤكدة.
__________
(1) هي سورة الانشقاق في الآية 21.
(2) وهي سورة السجدة.

وحجتهم: ما ذكرناه؛ وهو رأي الشافعي، ونزيد هاهنا وهو ما روي عن ابن عمر رضي الله عنه أنه قرأ على المنبر سورة فيها سجدة فنزل وسجد وسجد الناس معه فلما كان في الجمعة الثانية قرأها فتهيأ الناس للسجود فقال: أيها الناس على رسلكم إن الله لم يكتبها علينا إلا أن نشاء وهذا مجمع من الصحابة، ولم ينكر عليه أحد فجرى مجرى الإجماع، وروى عن الرسول زيد بن ثابت قال: قرأت على الرسول سورة (النجم) فلم يسجد فيها فلو كان السجود واجباً لسجد ولأمر به، وروى ابن عمر عن الرسول أنه قرأ سورة و(النجم) فسجد وسجد المسلمون معه والمشركون حتى تراكم الناس في السجود فلما سجد في حال دون حال دل ذلك على أن السجود غير واجب، وروى أبو هريرة عن الرسول أنه قرأ سورة و(النجم) فسجد وسجد الناس معه إلا رجلين أرادا الشهرة فلو كان واجباً لأنكر ذلك عليهما ولم يقرهما عليه، وروى زيد بن أسلم أن غلاماً قرأ عند الرسول حم (السجدة) فانتظر الغلام الرسول ليسجد فلم يسجد فقال يا رسول الله أليس فيها سجدة؟ قال: ((بلىولكنك إمامنا فلو سجدت لسجدنا " )) (1).
فلو كان السجود واجباً لسجد ولأمر به.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: بعض الأخبار دال على الأمر بالسجود عقيب التلاوة، وهو بظاهره دال على الوجوب وربما ورد بعض الأخبار بالتوبيخ، وهو دال علىالوجوب كما حكي عن أبي حنيفة.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلا نسلم أن الأمر بظاهره للوجوب، وإنما يدل على الطلب والوجوب مأخوذ من دلالة أخرى، والطلب لا دلالة فيه على الوجوب، وهكذا حال التوبيخ فلا نسلم أنه توبيخ وإنما هو حث على الاستحباب فلا دلالة فيه على الوجوب بحال.
__________
(1) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه3/346، وأبو داود في (المراسيل) عن زيد بن أسلم وهو في مصنف ابن أبي شيبة1/379، و(فتح الباري)1/408.

وأما ثانياً: فلأن هذا معارض بما رويناه من الأخبار الدالة على كونه سنة ومستحباً، وإذا تعارضا فلا بد من الترجيح، وأخبارنا راجحة لظهورها وكثرتها واشتهارها.
قالوا: عزائم السجود أربع كما حكي عن زيد بن علي.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلا نسلم أن المراد بالعزائم الواجبات وإنما كلامه محمول على تأكد الإستحباب وكثرة الأجر والثواب في فعلها لا أن المراد الوجوب.
وأما ثانياً: فلأن ما ذكروه معارض بما أوردناه من الأخبار فإنها دالة على الاستحباب فلأجل هذا قضينا برجحانها على غيرها لقوتها وظهورها.
الفرع الثاني: في بيان أعداد السجدات في القرآن. وفيها مذاهب ثلاثة:
المذهب الأول: أن أعدادها أربع عشرة سجدة، وهذا هو الظاهر من المذهب، ومحكي عن أبي حنيفة ومالك وابن أبي ليلى وقول الشافعي في الجديد.
الأولى: في سورة (الأعراف) عند قوله في آخرها: {وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ }[الأعراف:206].
الثانية: في سورة (الرعد) عند قوله: {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلاَلُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ}[الرعد:15].
الثالثة: في سورة (النحل) عند قوله: {يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ }[النحل:50].
الرابعة: في سورة (بني إسرائيل)(1) عند قوله تعالى: {وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً }[الإسراء:109].
الخامسة: في سورة (مريم) عند قوله تعالى: {إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَانِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيّاً}[مريم:58].
السادسة: في سورة (الحج) عند قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}(2)[الحج:77].
__________
(1) وهي الإسراء.
(2) وهي الأخيرة في الحج.

226 / 279
ع
En
A+
A-