الفرع السادس: قال المؤيد بالله: ولو شك المؤتم خلف الإمام لم يكن له أن يتحرى بل يتبع الإمام ولا يلتفت إلى عارض شكه فإنما وجب ذلك لأمرين:
أما أولاً: فلقوله : ((الإمام ضامن)) ولا معنى لضمانه إلا بحمله لما عرض من النقصان في الصلاة.
وأما ثانياً: فلقوله : ((إنكم تصلون بهم فما صح فلكم ولهم " وما فسد فعليكم دونهم)). وفي هذا دلالة على ما قلناه.
ومن وجه آخر: وهو قوله : ((لا تختلفوا على إمامكم)). ولم يفصل. فظاهر الخبر دال على أنه لا معنى لإنفراد المصلي بالتحري لأن ذلك يكون مخالفة للإمام.
وقال أيضاً: في رجل كثير السهو في صلاته صلى بجهده فلما بلغ آخر الجلسة أيقن أن صلاته صحيحة ثم بعد إتمام التشهد لم يذكر غير ما هو فيه أنه إذا ذكر عند التشهد تمام صلاته لم تلزمه الإعادة.
واعلم أن هذا إنما يكون في حق من غلبه السهو وكثرة الوسوسة في الصلاة، فإذا حصل له اليقين في آخر الصلاة أن صلاته صحيحة وذهل عن ذكر أول صلاته ولم يذكر إلا ما هو فيه اجزأه ذلك لأن الأصل في الإجزاء وسقوط الإعادة في الوقت والقضاء بعد فواته هو تحققه أن صلاته صحيحة وهذا حاصل ونسيانه وذهوله لما سبق من أعمال الصلاة لا يطرق خللاً بعد تحققه لصحة الصلاة ولا يلزمه سجود السهو مع التحقق كما مر في نظائره.
وقال أيضاً: ويكره لمن شك في صلاته الخروج منها لإعادتها إذا أمكنه التحري فيها وإنما كره ذلك لما فيه من إبطال العمل، وقد قال تعالى: {وَلاَ تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ}[محمد:33]. وهذا إنما هو في حق من يمكنه التحري في الصلاة.
الفرع السابع: اعلم أن العبادات التي تُعِبِّدنا بأدائها والتكاليف التي أمرنا بفعلها منقسمة بالإضافة إلى طرقها إلى ثلاثة أقسام:

القسم الأول منها: ما كان ثابتاً بطريق معلوم وهذا نحو أصل الصلاة والزكاة والحج والصوم فإن هذه العبادات أصولها ثابتة بطرق معلومة ضرورة من الدين وإنكارها يكون كفراً ورِدَّة، والشك فيها يكون شكاً في النبوة، وأما تفاصيلها فثبوتها يكون بطرق مظنونة وهو أخبار الآحاد وعليها التعويل في تقريرها والأقيسة حيث يكون لها مدخل فيها فإذا وقع الشك فيها جاز الأخذ فيها بغالب الظن والأمارات.
القسم الثاني: ما يكون أصله ثابتاً بطريق مظنون وهذا نحو أصل النية في الصلاة والقراءة وتعيين فاتحة الكتاب وغير ذلك مما وقع فيه الخلاف في مسائل الصلاة، فما هذا حاله يجوز أداؤها بغالب الظن وإذا دخل الشك جاز تحكيم الظن في أدائه، وأما تفاصيلها فثابتة أيضاً بطرق مظنونة وهذا نحو كيفية النية ومقدار القراءة وغير ذلك من تفاصيل مسائل الصلاة وما يتوجه فيها من مسائل الخلاف فإذا دخل الشك فيها جاز أداؤها بغالب الظن لأن أصلها إذا كان ثابتاً بطريق مظنون فتأدية التفاصيل بالطرق المظنونة أولى وأحق.
القسم الثالث: ما يكون أصله ثابت بطريق معلوم فلا يجوز دخول الشك فيه ولا يجوز دخول النظر في تقرير أصله وهذا نحو الوضوء فإن أصله معلوم بالضرورة من الدين لا يقع فيه خلاف، وأما تفاصيله فهل يجوز تأديتها بغلبة الظن إذا وقع الشك فيها أم لا؟ فيه قولان:
فالقول الأول: أنه لا يجوز الأخذ فيها بغالب الظن إذا وقع الشك في تطهير عضو من أعضاء الوضوء التي طريق العلم بوجوبه النص والإجماع، فإذا وقع الشك فيها وجبت الإعادة فيه وفيما بعده حتى يتحقق فعله يقيناً سواء كان قبل دخوله في الصلاة أو بعد دخوله فيها وسواء كان الوقت باقياً أو قائتاً، وهذا هو رأي الهادي.

القول الثاني: أنه إذا وقع الشك في تطهير عضو من هذه الأعضاء التي طريق وجوبها النص والإجماع فإنه يجوز أداؤه بغالب الظن والأمارات الصحيحة، وهذا هو رأي المؤيد بالله وقد قدمنا الكلام فيها وذكرنا المختار والانتصار له فأغنى عن الإعادة.
قاعدة: اعلم أن الجمع بين الأحاديث طريقة مرضية باتفاق الأصوليين من أئمة العترة وجماهير المعتزلة والأشعرية المعولين على العمل على أخبار الآحاد والمصرحين بقبولها في أحكام الشريعة من العبادات وأنواع المعاملات فإذا كان الجمع بينهما ممكناً فلا مزيد على حسن هذه الطريقة لأنه يكون قبولاً بجميعها، وإن تناقضت ولم يمكن الجمع بينها فلا بد من إعمال النظر في ترجيح بعضها على بعض بالإضافة إلى سنده ومتنه، وغير ذلك من طرق الترجيح التي أودعناها الكتب الأصولية. فإذا عرفت هذا فاعلم أن الأحاديث والأخبار الواردة في شأن الشك في الصلاة واردة على مراتب ثلاث:
المرتبة الأولى: في الأخبار الدالة على استئناف الصلاة إذا وقع الشك في الصلاة وهي محمولة على وجهين:
أحدهما: فيمن كان حاله السلامة والشك أول ما ورد عليه، فمن هذه حاله يجب عليه استئناف الصلاة ليكون مؤدياً للفرض على حقيقة ويقين من حاله.
وثانيهما: أن يكون وارداً في حق من استوى عنده الأمران أنه صلى ثلاثاً ولم يترجح له أحدهما على الآخر فمن هذه حاله يجب عليه استئناف الصلاة ليخرج عن عهدة الأمر بالصلاة بما ذكره من الإستئناف.
المرتبة الثانية: أن تكون الأحاديث واردة على وجوب التحري والنظر في الأمارات الموجبة لانقداح الظن وهي محمولة على من يمكنه التحري والنظر في الأمارات الدالة على ترجيح أحد الأمرين على الآخر وهو أكثر ما ورد من الأحاديث وذلك لأن الغالب من حال الشك القوة على الترجيح فلهذا وردت الأخبار الكثيرة على استعمالها والمواضبة عليها.

المرتبة الثالثة: في الأحاديث الدالة على العمل علىالأقل وهي محمولة على من لا يمكنه التحري وتغليب الظن على أحد الاحتمالين، فمن هذه حاله فإنه يبني على الأقل فالأحاديث الواردة في الشك في الصلاة لا تخرج عما ذكرناه من هذه المراتب الثلاث وقد حملنا كل واحدة منها على ما يقتضيه حكمه من غير حاجة إلى قبول بعضها ورد البعض أو النظر في الترجيح لأنا إذا حملناها على ما ذكرناه من هذه المعاني الجامعة لها فلا حاجة بنا إلى تناقضها وترجيح بعضها على بعض لأن في حملها على ما ذكرناه من الأمور الجامعة غنية عن حملها على المناقضة والترجيح، فهذا ما أردنا ذكره في ذكر الشك الوارد على المصلي في الصلاة وأحكامه.

---
الفصل الرابع في بيان أنواع السجدات
اعلم أن أنواع السجدات خمسة: سجدة فريضة، وسجدة نافلة، وسجدة سهو، وسجدة تلاوة، وسجدة شكر، وسجدة خشوع واعتراف بالذنب.
فأما سجدة الفريضة والنافلة، فقد ذكرنا حكمها من قبل، والذي نذكره هاهنا سجدة السهو، وسجدة التلاوة، وسجدة شكر وخضوع واعتراف بالذنب، فهذه أنواع ثلاثة نذكر ما يتوجه في كل واحدةٍ منها بمعونة الله تعالى.
النوع الأول: في بيان أحكام سجود السهو.
اعلم أن الذي نذكره هاهنا إنما هو ما يتعلق بأحكام السجود نفسه، فأما ما يتعلق بأحكام الصلاة التي وقع السهو فيها فقد ذكرناه.
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول: في بيان حكمه ومحله.
أما حكمه: فقد ذكرناه في أول الباب فأغنى عن الإعادة.
وأما محله: فهل يكون قبل التسليم أو بعده؟ فيه مذاهب أربعة:
المذهب الأول: أن محله بعد التسليم، وهذا هو رأي زيد بن علي، والقاسم، والهادي، والمؤيد بالله، ومحكي عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه، وسعد بن أبي وقاص، وابن مسعود، وعمار من الصحابة رضي الله عنهم. ومروي عن الحسن البصري من التابعين، والثوري، وإبراهيم النخعي، وابن أبي ليلى، وهو رأي أبي حنيفة من الفقهاء.
والحجة على هذا: ما روى ثوبان عن الرسول أنه قال: ((لكل سهو سجدتان بعدما تسلم)) (1).
فهذا نص فيما ذهبنا إليه.
المذهب الثاني: أنه يكون محله قبل التسليم، وهذا هو المشهور عن الشافعي في عامة كتبه، وهو مروي عن أبي هريرة، وأبي سعيد الخدري، والزهري، وربيعة، والليث، والأوزاعي سواء كان للزيادة أو للنقصان.
والحجة على هذا: ما روى أبو سعيد الخدري عن الرسول أنه سجد للسهو قبل التسليم.
__________
(1) تقدم آنفاً، وهو في سنن أبي داود1/272، وابن ماجة1/385، ومصنف عبد الرزاق2/322، ومسند أحمد5/280.

والحجة الثانية: ما روى عبدالله بن بُحينة،(وبحينة هذا من الصحابة وهو بالباء بنقطة من أسفلها، وحاء مهملة وبالتصغير ساكنة، ونون، والباء مضمومة)، أنه قال: صلى بنا رسول الله إحدى العشائين فقام من اثنتين فقام الناس معه فلما جلس انتظر الناس تسليمه فسجد قبل أن يسلم، وروى ذلك عمر، وابن عباس عن الرسو (1).
المذهب الثالث: أنه إن كان السهو للزيادة فبعد التسليم، وإن كان للنقصان كان محله قبل التسليم، وهذا هو رأي الناصر، وجعفر الصادق، ومحكي عن مالك، وإسحاق بن راهويه، وأبي ثور، والمزني من أصحاب الشافعي.
والحجة على هذا: هو أن الأخبار المروية عن الرسول بعضها دال على سجود قبل التسليم، وبعضها دال على سجود بعد التسليم فجمعنا بين هذه الأخبار وقلنا: ما دل على السجود قبل التسليم فهو للنقصان، وما دل على السجود بعد التسليم فهو للزيادة فيكون جمعاً بينها وهذه طريقة مرضية لما فيها من قبول الأخبار كلها من غير رد لشيء منها.
المذهب الرابع: حكى الطبري من أصحاب الشافعي أن الشافعي ذكر في القديم: أن المصلي مخير بين أن يسجد قبل التسلم أو بعده.
والحجة على هذا: أن الأخبار واردة على كلا الأمرين فلأجل هذا قضينا بالتخيير جمعاً بين الأخبار في الدلالة والقبول، فهذه المذاهب كما ترى في محل السهو.
والمختار: ما ذهب إليه الإمام زيد بن علي، والقاسمية، وحكاه الكرخي عن ابن عمر، وأبي سعيد الخدري، وطاووس، والسائب وغيرهم ممن رويناه عنه.
وحجتهم: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا وهو ما روى عبدالله بن مسعود عن الرسول أنه قال: ((إذا صلى أحدكم فلم يدر أصلى ثلاثاً أو أربعاً فلينظر أحرى ذلك إلى الصواب فليتمه ثم يسلم ثم يسجد سجدتي السهو)). وروي عنه قال: ((إذا شك أحدكم في صلاته فليتحر " ثم يتم ثم يسجد سجدتي السهو)).
__________
(1) جاء في صحاح البخاري1/285، ومسلم1/399، وابن حبان5/265، وفي سنن الترمذي2/235 وأبي داود1/271.

وروي عنه أنه كان إذا سها سجد سجدتين بعدما يسلم. وعن المغيرة بن شعبة، وعمران بن الحصين، وأبي هريرة، وسعد بن أبي وقاص، أن الرسول سجد بعد التسليم.
وروى عبدالله بن مالك(1) أنه رأى رسول الله قام في الركعتين ونسي أن يقعد فمضى في صلاته ثم سجد سجدتين بعد الفراغ من صلاته(2). فهذه الأخبار كلها دالة على ما اخترناه من فعل السجدتين بعد التسليم.
ومن وجه آخر: وهو أن سجود السهو ليس هو من مقتضى تكبيرة الافتتاح ولا من مقتضى ما أوجبته التحريمة فوجب أن يكون محله بعد التسليم دليله تكبير التشريق.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا: روى أبو سعيد الخدري أن الرسول سجدهما قبل التسليم، كما حكي عن الشافعي.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن المراد أنه سجدهما قبل التسليم المشروع في حقهما دون التسليم المشروع للصلاة المفروضة.
وأما ثانياً: فلأن هذا معارض بالأخبار التي رويناها، وإذا عارضها فلا بد من الترجيح، وما رويناه من الأخبار فهو أرجح لكثرتها واشتهارها وتصريحها بما دلت عليه فلهذا كانت أحق بالقبول.
قالوا: روى معاوية، أنه سجدهما قبل التسليم.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن خبر معاوية غير مقبول ولا يعمل عليه لفسقه وسقوط عدالته وحربه لأمير المؤمنين كرم الله وجهه وخروجه عليه.
وأما ثانياً: فلأنه معارض بما رويناه عن جلة الصحابة وأكابرهم، وخبر معاوية لا يعارضها بحال.
__________
(1) يوجد في المصادر المتاحة أكثر من شخص باسم عبد الله بن مالك، ومنهم من الصحابة: عبد الله بن مالك بن بُحينة، ولعله الأقرب وقد سبقت ترجمته باسم عبد الله بن بُحينة، والله أعلم. راجع (التأريخ الكبير)5/10 و(تهذيب التهذيب)5/332 وما بعدها.
(2) أخرجه البيهقي في (الكبرى)1/208، والطبراني في (الأوسط)2/142.

قالوا: إن كان السهو للزيادة فهو مفعول بعد التسليم في الصلاة، وإن كان للنقصان فمحله قبل التسليم من الصلاة، كما هو محكي عن الناصر ومن تابعه جمعاً بين الأخبار لأن بعضها دال على فعله قبل التسليم، وبعضها دال على فعله بعد التسليم فجمعنا بينهما بما ذكرناه، وهي طريقة مرضية في الأخبار.
قلنا: إن صاحب الشريعة صلوات الله عليه لم يقل سلموا في السهو قبل تسليم الصلاة في النقصان، وبعد التسليم في الزيادة. وإنما ورد بعض الأخبار بالتسليم قبل الخروج من الصلاة، وفي بعضها بعد الخروج من الصلاة، لكنا رجحنا أن أخبار التسليم بعد الفراغ من الصلاة لكثرتها واشتهارها.
قالوا: هو مخير في تسليم السهو بين أن يجعله قبل التسليم من الصلاة أو بعد التسليم منها كما حكى الطبري عن الشافعي.
قلنا: وهذا من الطراز الأول فإن الرسول لم يؤثر عنه التخيير قولاً صريحاً وإنما ورد بعض الأخبار مرة بالتسليم قبل الخروج من الصلاة، ومرة بعد الخروج عنها. فحصل الترجيح للأخبار الدالة على التسليم بعد الخروج من الصلاة فقضينا به، فإذا تقرر أن محل السهو بعد التسليم من الصلاة المكتوبة فلو سجدهما قبل الفراغ من الصلاة فهل تبطل صلاته أم لا؟.
فعلى رأي القاسمية أن صلاته تبطل لأنه خالف المشروع بزيادة السجود على جهة العمد، وأما على رأي الناصر فلا تبطل صلاته إذا كان سجوده لسهو النقصان، وهكذا على رأي الشافعي: لا تبطل صلاته لأن محله قبل التسليم على قول. ومخير بين أن يكون قبله أو بعده على قول [آخر].
الفرع الثاني: في بيان مفروضه ومسنونه.
والمفروض منه: أمور خمسة: النية، وتكبيرة الافتتاح، والسجود، والقعود بين السجدتين، وهو الاعتدال، والتسليم.

ويدل على وجوب النية: قوله : ((الأعمال بالنيات " )). وقوله: ((لا قول ولا عمل إلا بنية " )). ويدل على وجوب التكبير: قوله تعالى: {وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ " }[المدثر:3]. ولم يفصل. ويدل على وجوب سائر الأفعال، ما روى أبو هريرة عن الرسول أنه سهى في صلاته فتشهد ثم سلم ثم كبر فسجد ثم كبر ورفع رأسه من السجود ثم تشهد وسلم. وقد قال : ((صلوا كما رأيتموني أصلي)). وظاهر الأمر للوجوب إلا ما قامت الدلالة على خلافه(1).
وأما المسنون منه: فأمور ثلاثة: التشهد لأن في حديث أبي هريرة: أنه تشهد. وفي حديث علقمة: أنه تشهد في سجود السهو، وفي سائر الأحاديث الواردة في السهو: أنه لم يتشهد. وقوله : ((لكل سهو سجدتان)). ولم يذكر التشهد، وفي هذا دلالة على كون التشهد مسنوناً لأنه لو كان مفروضاً في السهو لم يتركه كما لم يترك التكبيرة والسجدتين وتسبيح السجود مسنون فيه وتكبير النقل مسنون فيه أيضاً لأنه إذا كان مسنوناً في الصلوات المكتوبة فهو في سجود السهو أحق وأولى.
قال زيد بن علي في سجدتي السهو: يتشهد المصلي مثل ما يتشهد في الركعتين ثم يسلم(2).
وعلى الجملة فما قلناه في أن المشروع في سجدتي السهو مثل المشروع في سجدتي الفريضة، هو محكي عن أبي حنيفة وأصحابه.
والحجة عليه: ما قلناه.
الفرع الثالث: في بيان أحكام السهو. ويشتمل على أحكام خمسة:
الحكم الأول: وإن اجتمع على المصلي في صلاته سهوان أو أكثر فهل يكفيه للجميع سجدتان أم لا؟ فيه مذهبان:
__________
(1) المقصود هو القاعدة الفقهية أن ظاهر الأمر أي أمر كان للوجوب والنهي أي نهي للتحريم إلا ما خرج بدلالة خاصة، وليس المقصود كما قد توحي به العبارة، بأن ظاهر الأمر للوجوب في الحديث الشريف: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)). والله أعلم.
(2) يقصد كما في التشهد الأوسط. والله أعلم.

المذهب الأول: أنه يكفيه سجدتان. وهذا هو رأي أئمة العترة القاسمية، والناصرية، ومحكي عن الفريقين الشافعية، والحنيفة، وهو قول كافة العلماء.
والحجة على هذا:ما روي عن الرسول أنه سلم في الظهر على اثنتين، وكلم ذا اليدين ساهياً، وخرج من المسجد فلما تحقق ذلك سجد سجدتين ولم يزد عليهما شيئاً.
المذهب الثاني: أن السهو إذا كان من جنسين لم يتداخلا، وإن كان من جنس واحد تداخلا.
والحجة على هذا: هو أن السهو إنما شرع من أجل الجبران للنقص فإذا كان النقص من جنس واحد كفى فيه سجدتان، وإن كان النقص من جنسين تكرر السجود. فالأول كأن يترك تسبيح ركوعين، والثاني كأن يترك القنوت وسجدة واحدة، وهذا كمن يسرق مرات كثيرة فإنه لا يجب عليه إلا حد واحد، ولو سرق وزنا وجب عليه حَدَّانٍ.
والمختار: ما عليه أكثر العلماء من الأئمة والفقهاء.
وحجتهم: ما ذكرناه، ونزيد هاهنا وهو أن السهو إنما شرع في آخر الصلاة ليجبر به كل سهو وقع فيها.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قوله: السهو إنما شرع لجبران النقص فإن كان من جنس واحد تداخلا، وإن كان من جنسين لم يتداخلا كالحدود.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأنا قد دللنا على أن الخبر قد دل على أن السهو غير متكرر والأخبار لا تعارض بالإقيسة.
وأما ثانياً: فلأن الحدود من باب العقوبات فلأجل هذا تكررت لما اختلفت أنواعها لما كانت الجنايات مختلفة بخلاف السهو فإنه شيء واحد شرع من أجل النقصانات في الصلاة ومخالفة المشروع سواء كان من زيادة أو نقصان فافترقا.
الحكم الثاني: ومن سها في سجدتي السهو فلا سهو عليه للسهو ومعنا هذا أن كل من شك فلم يدر هل سجد سجدة واحدة أو سجدتين فإنه سواء بنى على الأقل أو رجع إلى التحري فإنه لا يجب عليه سجود السهو، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، والشافعي وأصحابه.

225 / 279
ع
En
A+
A-