المذهب الخامس: محكي عن الناصر، والإمامية، وهو أنه إذا شك في الركعتين الأوليين من الفرائض فلم يدر صلى واحدة أو اثنتين فعليه الإعادة، وإن شك في الركعتين الأخيرتين فكلامه محتمل أنه يتحرى ويبني على ما يغلب على ظنه ويحتمل أن يبني على الأقل.
والحجة على هذا: هو أنه إذا شك في الأوليين فهما أول الصلاة لم يسبقهما شيء فيصير كما لو شك في أنه صلى أو لم يصل، فكما أن هاهنا يستأنف فهكذا في الشك في الأوليين،فأما إذا كان شكه في الأخيرتين فقد صار في آخر الصلاة على شرف إتمامها فليس له إلا التحري إن كان من أهله، وإن لم يكن من أهل التحري فإنه يبني على الأقل وهو المستيقن.
والمختار: ما قاله السيد أبو طالب وقرره للمذهب: من أنه إذا كان الشك أول ما عرض له فإنه يستأنف الصلاة.
وحجته: ما ذكرناه، وهو مروي عن العبادله من الصحابة رضي الله عنهم ابن عمر وابن عباس وابن عمرو ونزيد هاهنا وهو ما روي عن الرسول أنه قال: ((إذا شك أحدكم في صلاته " فلم يدر أصلى ثلاثاً أو أربعاً فليستأنف)). وهذا نص فيما ذهبنا إليه، وهو مروي عن الشعبي، وشريح، وعطاء، والأوزاعي من فقهاء التابعين، وإذا استأنف الصلاة فهل يستأنف تكبير الافتتاح أم لا؟ فيه قولان:
فالقول الأول: أنه يستأنف تكبيرة الافتتاح. وهذا هو الذي نصره السيد أبو طالب، وعليه الأكثر من أصحاب أبي حنيفة.
وحجتهم على هذا: هو أن التحريمة لا تراد لنفسها، وإنما تراد لما بعدها من الصلاة فإذا بطل ما بعدها من الصلاة بعروض الشك فصار كأنه لم يفعل تلك التحريمة.
والقول الثاني: محكي عن أصحاب أبي حنيفة: وهو أنه لا يلزمه من استئناف تكبيرة الافتتاح.
والحجة على هذا: هو أن الشك إنما عرض في الصلاة دون تكبيرة الافتتاح فلهذا لم يلزم استئنافها، وهذا هو الأقوى والمرتضى للمذهب لأمرين:
أما أولاً: فلأنه على يقين من تكبيرة الافتتاح وعلى شك من الصلاة فلا يلزم من فساد الصلاة فساد التكبيرة.
وأما ثانياً: فلأن التكبيرة من جملة الصلاة ولم يعرض لها ما يفسدها كما لو شك في القعدة الأخيرة وكما لو شك في التسليم فإنه يأتي به ولا يعترض الشك فيه الشك فيما تقدمه، فهكذا هاهنا إذا عرض الشك في عدد الركعات وأوجبنا عليه الاستئناف لأجل الخبر فلا تفسد التكبيرة بحال بل يبني عليها صلاته ولا يفتقر إلى إعادتها.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: يبني على الأقل كما حكيناه عمن قال من الصحابة والفقهاء من التابعين، ومحكي عن الشافعي.
قلنا: إن ظاهر الخبر دال على إزالة الشك من جميع الوجوه، وإذا بنينا على الأقل من الصلاة لم يأمن أن يكون قد زاد في صلاته ركعة فيكون الشك باقياً من هذا الوجه، وإذا استأنف الصلاة فقد أدَّاها على اليقين من كل الوجوه فلهذا كان أحق.
قالوا: أخذنا بالأقل كما حكي عن أمير المؤمنين وغيره من الصحابة، ومن فقهاء التابعين لحديث أبي سعيد الخدري.
قلنا: عما ذكروه جوابان:
أما أولاً: فلما ذكرناه من أنه إذا أخذ بالأقل لا يأمن زيادة ركعة فيكون الشك باقياً، وإذا عاد زال هذا الاحتمال.
وأما ثانياً: فلأنه معارض بما ذكرناه من الحديث فإنه مصرح بالاستئناف، وخبر أبي سعيد الخدري ليس فيه تصريح بالمطلوب لأجل دخول الشرط فيه، والشرط محل للشك فلأجل هذا كان خبرنا أرجح فيجب العمل عليه.
قالوا: يذهب على وهمه. كما حكي عن الحسن البصري ومن تابعه من الفقهاء.
قلنا: إن المعنى أنه يذهب على وهمه أنه يبني على المستيقن كما حكي عن القاسم أنه قال في الشك: دواؤه المضي عليه. يريد أنه يبني على ما يستيقن من نفسه وليس الغرض أنه يبني على الأقل [كما]حكيناه عن الشافعي، وإنما أراد أنه مال إلى ما يتحقق من حاله فيبني الصلاة عليه وهذا لا وجه له فإنه لا يتحقق من حاله شيء مع الشك اللهم إلا أن يريد أنه يرجع إلى الأقل كما قاله الشافعي وقد ذكرنا ما يتوجه عليه من الإحتمال فأغنى عن الإعادة.
قالوا: حكي عن الناصر أنه قال: إذا كان الشك في الركعتين الأوليين فعليه الإعادة، وإن كان الشك في الآخرتين بنى على الأقل أو تحرى وعمل على تحريه.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن الأدلة الشرعية من الأخبار النبوية لم تفصل بين أن يكون الشك عارضاً في الأوليين أو الآخرتين فلا وجه لهذا التفصيل.
وأما ثانياً: فلأن ما ذكروه مطابق لما قلناه من أنه إذا كان الشك أول ما عرض له وكان مبتدأ فإنه يعيد الصلاة ويستأنفها وما ذكره في الركعتين الآخرتين من احتمال البناء على الأقل والتحري فسنقرر الكلام فيه، وإنما الغرض هاهنا هو الاستئناف في حق من عرض له الشك من أول أمره، وهكذا ما حكي عن أبي حنيفة من الأحوال الثلاثة فإنه موافق لنا في الحالة الأولى إذا كان المصلي مبتدأ بالشك فإنه يستأنف الصلاة فلا وجه للرد عليه.
المسألة الثانية: في المصلي إذا كان الغالب من حاله الشك وكان يمكنه التحري والبناء على غالب الظن فمن هذه حاله هل يعمل على ما يؤدي به التحري أو يبني على الأقل؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه يبني على ما أداه إليه التحري وتغليب الظن، وهذا هو الذي نصره السيد أبو طالب وقرره للمذهب، وهو محكي عن ابن عمر وأبي هريرة وجابر بن زيد وإبراهيم النخعي.
والحجة على هذا: ما روى علقمة بن عبدالله أن الرسول قال: ((إذا صلى أحدكم فلم يدر أصلى ثلاثاً أو أربعاً " فلينظر أحرى ذلك إلى الصواب وليتمه ثم يسلم ويسجد سجدتي السهو)).
المذهب الثاني: أنه يبني على الأقل، وهذا هو المحكي عن عطاء، وعبد الرحمن بن عوف.
والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أنه قال: ((إذا صلى أحدكم فلم يدر أصلى ثلاثاً أو أربعاً " فليبن على اليقين وليدع الشك)). وظاهر هذا الخبر دال على أنه لا يعول على التحري ولكن يبني على الأقل، وهذا هو مرادنا.
والمختار: ما قاله السيد أبو طالب ونصره.
وحجته: ما ذكرناه، ونزيد هاهنا وهو ما روي عن الرسول أنه قال: ((إذا كنت في الصلاة فشككت في ثلاث أو أربع " وأكثر ظنك على أنها أربع تشهدت وسلمت وسجدت سجدتي السهو)) (1).
وروي عنه أنه قال: ((إذا شك أحدكم في صلاته " فليتحر ثم ليتم ثم ليسجد سجدتي السهو)). فهذه الأخبار كلها دالة على أن التحري هو الواجب على المصلي عند الشك إذا كان ممكناً له.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: روي عن الرسول أنه قال: ((إذا صلى أحدكم وشك هل صلى ثلاثاً أو أربعاً " فليبن على اليقين وليدع الشك)).
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن هذا الخبر محمول على من تعذر عليه التحري ولا يمكنه تغليب الظن فلأجل هذا كان له الرجوع إلى العمل على الأقل أو إلى الاستئناف كما ذكرناه من قبل.
وأما ثانياً: فلأن هذا معارض بما رويناه من الأخبار الدالة على تغليب الظن والعمل عليه، وأخبارنا أحق بالعمل عند التعارض لظهورها وكثرتها فلهذا كانت أحق بالعمل.
ومن وجه ثالث: وهو أن التحري يجب العمل عليه واستعماله في العبادات متى تعذر العلم فيها بدليل صور نذكرها:
الصورة الأولى: الصوم إذا التبس على الأسير في دار الحرب في شهر رمضان فإنه يعمل على التحري، وإعمال الظن في مطابقة صومه لرمضان.
الصورة الثانية: التحري في الأثواب إذا كان بعضها طاهراً وبعضها نجساً فإنه يتحرى ويعمل على غالب ظنه فما أدَّاه ظنه إليه عمل عليه.
الصورة الثالثة: الأواني إذا كان فيها ماء طاهر وبعضها نجس فإنه إذا أراد التوضيء فإنه يعمل أمارة الطهارة والنجاسة والتغليب على ظنه ويتوضى ولا يتيمم لأن التحري هو منتهى تكليفه.
الصورة الرابعة: القبلة. فإنه إذا اشتبه عليه الأمر في الصلاة إلى القبلة والتبست عليه الأمارات الموصلة إلى الكعبة فإنه يتحرى ويعمل على ما يؤدي إليه اجتهاده من أي الجهات صلى إليها.
__________
(1) أخرجه البيهقي في (الكبرى)2/336، والدار قطني1/378، وأبو داود 1/270.
الصورة الخامسة: وقت الصلاة إذا التبس عليه الأمر لدوام الغيم وأراد الصلاة فإنه يعمل رأيه في حصول الأمارات التي ينقدح بها الظن في دخول وقت الصلاة فيعمل عليه.
الصورة السادسة: تقويم قيم المستهلكات وأروش الجنايات ونفقة الزوجات فإنها مبنية كلها على التحري، وطلب الأمارات في هذه الأمور كلها، وإذا كان الأمر كما قلنا في تحكيم غلبات الظنون على التحري والنظر في الأمارات فهكذا يكون التعويل عليه عند عروض الشك في الصلاة وكان ممن يمكنه التحري.
المسألة الثالثة: في حكم المصلي إذا كان ممن يمكنه التحري وتغليب الظن لكن استوى في حقه الأمران جميعاً فلم يترجح له أحدهما دون الآخر فمن هذه حاله فإنه يجب عليه استئناف الصلاة، وهذا هو الذي نصره السيد أبو طالب واختاره للمذهب.
والحجة على هذا: هو أن حكم التحري قد بطل في حقه لاستواء الأمرين، وإذا كان الأمر هكذا وجب عليه الاستئناف وليكون مؤدياً للصلاة بيقين ويخرج عن عهدة الأمر بما ذكرناه وينزل منزلة من كان مبتدأ بالشك في أول مرة فإذا أوجبنا عليه استئناف الصلاة حتى يكون مؤدياً للصلاة بيقين فهكذا من استوى في حقه الأمران فإنه يلزمه الاستئناف من غير فرق بينهما والجامع بينهما أن كل واحد منهما لا معنى للتحري في حقه فلهذا وجب عليه الاستئناف لأن هذا تعارض في حقه الأمران بحيث لا ترجيح والمبتدأ الأغلب من حاله أنه لم يأت بشيء من الصلاة فلهذا وجب عليهما جميعاً الإعادة، لما ذكرناه ويدل على ما قلناه ما روي عن الرسول أنه قال: ((إذا صلى أحدكم فلم يدر أصلى ثلاثاً أو أربعاً فليستأنف الصلاة)) فهذا كما يدل على استئناف في حق الشاك لم يغلب على ظنه شيء فهو دال على أن المصلي إذا كان يمكنه التحري واستوى عنده الأمران من غير ترجيح فإنه يلزمه الاستئناف.
المسألة الرابعة: في حكم من كان مبتلى بكثرة الشك ولم يمكنه التحري وتغليب الظن لاستحكام الشك عليه فإنه يبني على الأقل.
والحجة على هذا ما روى عبدالرحمن بن عوف عن الرسول أنه قال: سمعت رسول الله يقول: ((إذا شك أحدكم في صلاته فشك في الواحدة والثنتين " فليجعلهما واحدة، وإذا شك في الثلاث والأربع فليجعلها ثلاثاً حتى يكون الوهم في الزيادة)). فهذا الخبر دال على الرجوع إلى الأقل فيجب حمله على من ذكرناه وقد استعملنا الأخبار كلها من غير رد لشيء منها، وحملنا كل واحد منها على ما يقتضيه الدليل فمن أمكنه التحري عمل عليه ومن لم يمكنه التحري فإنه يبني على الأقل لكثرة شكه واستيلائه عليه وهذه طريقة مرضية أعني الجمع بين الأخبار وتنزيل كل واحد منها على ما يقتضيه الدليل الشرعي من غير رد لشيء منها كما ذكرناه.
المسألة الخامسة: في حكمه إذا بنى على الأقل ثم أيقن أنه صلى خمساً فهل يعيد الصلاة أم لا؟ فيه قولان:
القول الأول: أنه يلزمه إعادة الصلاة إذا تحقق زيادة الخامسة، وهذا هو الذي ذكره السيدان أبو طالب وأبو العباس وارتضياه.
القول الثاني: أنه لا تلزمه الإعادة، وهذا هو الذي أشار إليه المؤيد بالله وقد ذكرنا وجه القولين فيما مضى وذكرنا المختار وأوضحنا الانتصار له فأغنى عن التكرير.
قال المؤيد بالله: ومن اعترض له الشك فلم يتحر حتى فرغ من صلاته ثم غلب على ظنه أن صلاته صحيحة لم تكن عليه الإعادة وذلك لأن المقصود هو الخروج عن عهدة الأمر بأداء الصلاة فإذا غلب على ظنه صحتها فقد حصل الغرض المطلوب بصحتها وغلبة ظنه كافية في ذلك فإن خرج من صلاته وكان عنده أنه أتمها ثم عرض له الشك بعد ذلك لم يكن للشك العارض حكم لأنه قد حصل له من جهة نفسه إتمامها وهو الأصل المعمول عليه فلا وجه لعروض الشك فإن كان الشك قبل الخروج منها تحرى وبنى عليها سواء كان ذلك في الأوليين أو الأخريين لأن الشك يقوى تأثيره إذا كان قبل الخروج منها فيعمل على ما يقوى له من التحري أو الرجوع إلى الأقل أو إلى الاستئناف على ما قد قررناه من قبل، وإن سها في صلاته فلم يدر أصلى ثلاثاً أو أربعاً فبنى على تحريه ثم حصل له اليقين أنه قد أدَّاها صحيحة وزال الشك لم تكن عليه الإعادة لكونها مؤداة على الصحة ولم تلزمه سجدتا السهو لأن مع اليقين لا وجه للجبران بسجود السهو لأنه إنما يلزمه إذا شك ثم أدَّاها بغلبة الظن فأما مع اليقين فلا.
الفرع الثالث: في حكم الشك إذا وقع في ركن من أركان الصلاة.
قال المؤيد بالله: ومن شك في تكبيرة الافتتاح أو القراءة أو الركوع أو السجود فإنه يتحرى ويعمل على غالب ظنه.
واعلم أن كل من ترك ركناً من أركان الصلاة نحو القيام والركوع والسجود وغير ذلك من الأركان العشرة المفروضة التي أسلفنا ذكرها فليس يخلو حاله إما أن يمكنه التحري وتغليب الظن أو لا، فإن كان يمكنه التحري وتغليب الظن عمل على ما أدَّا إليه التحري سواء كان مبتلى بكثرة الشك أو كان الشك أول عارض في حقه وإن كان لا يمكنه التحري وتغليب الظن فإنه يبني على الأقل فيما كان يتكرر كالسجود فإنه إذا شك أنه سجد سجدتين أو سجدة واحدة فإنه يبني على الأقل، وإن كان فيما لا يتكرر نحو أن يشك في أنه ركع أو سجد فإنه يبني على إعادته وهكذا لو شك في القراءة وتكبيرة الافتتاح.
فحصل من هذا أن حكم الركن مخالف لحكم الركعة فإنه إذا شك في ركن من أركانها فإنه يلزمه أن يأتي به ولا يلزمه الاستئناف وليس كحال حكم الركعة فإنه إذا شك فيها وكان الغالب من حاله السلامة فإنه يلزمه الاستئناف والتفرقة بينهما من وجهين:
الفرق الأول: ذكره السيد أبو طالب وتقرير ما قاله هو: أن الركعة لا تكون إلا مقصودة وسائر الأركان قد تكون مقصودة وقد تكون غير مقصودة وما يكون من الأركان زيادة مقصودة في محلها يفسدها وسائر ما لا تكون مقصودة لا يفسدها، وإذا كان الأمر كذلك فالشك في زيادة لا تكون إلا مقصودة من الفرائض يجب أن يكون أبلغ في فساد الصلاة من الشك فيما يكون مقصوداً وقد لا يكون مقصوداً وذلك يقتضي الفصل الذي ذكرناه، هذه ألفاظه.
الفرق الثاني: هو أن الركعة مشتملة على أركان متعددة كالقيام والركوع والسجود والقراءة والقعدة بين السجدتين فالركن بعض أجزاء الركعة وجزء الشيء لا يكون مساوياً لكله فلأجل هذا كان حكم الركعة مخالفاً لركنها فإذا شك في الركعة وكان مبتدأً أعاد الصلاة بخلاف الركن فإنه يبني على الأقل فافترقا.
الفرع الرابع: قال المؤيد بالله: ومن شك في ركوعه أو سجوده وعلم من عادة نفسه سجدة التحري في الصلاة والتحفظ لأركانها جاز له الأخذ بما عهد من حاله بعدما ثبت له ذلك ولم يقابله ما ينافيه.
واعلم أن العلم باستمرار الأمور العادية ضروري لا مرية فيه، وهذا نحو العلم بما تجري به العادة من هذه الأشياء المعتادة، نحو طلوع الشمس والقمر وغروبهما وسائر الكواكب ونحو توالد الحيوانات كل جنس من جنسه، ونحو النباتات كل جنس من جنسه، فهذه الأمور كلها طريقها العادة فإذا كانت العادة موصلة إلى العلم فيما هو معلوم فإيصالها إلى غلبات الظنون فيما هو مظنون أحق وأولى، فإذا عرفت هذا فالعادة ليست من التحري ولا من النظر في الأمارات في ورد ولا صدر ولكنها أصل في تغليب الظن بصحة ما تعلقت به وإنما يعول عليها في صحة الصلاة بشرطين:
الشرط الأول: أن يكون المصلي قد أتى بشرائط صحة الصلاة في الأقوال والأفعال من غير إخلال بشيء منها.
الشرط الثاني: أن لا يعارضها ما يناقضها من وجوه الفساد، وإذا كان الأمر كما قلناه جاز التعويل عليها في صحة الصلاة على ما جرت عليه عادة المصلي في التحفظ والإحتراز.
قال المؤيد بالله: ومن شك في صلاته فأدَّاها على التحري وغلبات الظنون وجب عليه سجود السهو إلا أن يتيقن أنه أتى بها صحيحة وكلامه هذا يشير به إلى أن للمصلي حالتين عند الشك في الصلاة:
الحالة الأولى: أن يتحقق بعد الشك أنه أدَّاها على الصحة والخروج عن عهدة الأمر وعند هذا لا يلزمه سجود السهو لأن العلم لا يجوز خلافه ولا وجه لتطرق النقصان إليها فتجبر بالسهو(1).
الحالة الثانية: أن يؤديها على التحري وتغليب الظن وعلى هذا تكون مجزية له ويخرج بها عن عهدة الأمر بالظن وهو غاية تكليفه لكنه يجب عليه سجود السهو للجبران من جهة أن الظن يجوز خلافه فلهذا جبره بالسجود.
__________
(1) يقصد لا يلزم جبرانها بسجود السهو. و الله أعلم.
قال المؤيد بالله: ومن اعترض له الشك في صلاته فلم يتحر حتى فرغ منها ثم غلب على ظنه أنها صحيحة فلا إعادة عليه. وهذا جيد فإن الشك إذا عرض فلا بد من دفعه إما بالتحقق بالأداء على الصحة وإما بغلبة الظن فكل واحد من هذين كاف في الخروج عن الشك ودفعه فإذا غلب على ظنه بعد الفراغ منها صحتها فقد حصل الإجزاء وبطلت الإعادة لأن الإعادة إنما تكون بما فسد وكان الوقت باقياً لكن يجب عليه سجود السهو.
الفرع الخامس: ومن شك في ركعة فتحرى في أخرى وبنى عليها فهل تصح صلاته أم لا؟ فيه قولان:
القول الأول: أن صلاته صحيحة، وإن تأخر تحريه من ركعة إلى أخرى أو تأخر تحريه إلى آخر الصلاة، وهذا هو رأي المؤيد بالله.
وحجته على هذا: هو أنه إذا شك في ركعة فإن المقصود بالتحري هو تغليب الظن بالأمارات الصحيحة على كون الصلاة صحيحة وكونها مجزية وهي في انتظامها تنزل منزلة الفعل الواحد ولهذا كانت الموالاة معتبرة فيها فلا فرق بين أن يتحرى في الركعة المشكوك فيها أو في الثانية أو في آخر الصلاة في حصول الإجزاء والخروج عن عهدة الأمر.
القول الثاني: أن التحري إنما يكون على الفور، وهذا هو الذي ذكره السيد أبو العباس.
وحجته على هذا: هو أن المصلي إذا دخل في الصلاة وشك في ركعة من ركعاتها فلا سبيل إلى البناء عليها إلا بعد أدائها على الصحة والثبات فإذا خرج منها من غير تحر كان بناؤه عليها في الركعة الثانية أو بعد فراغه من الصلاة إخلالاً بشرط الصحة فلهذا كانت فاسدة.
والمختار: ما قاله المؤيد بالله لأمرين:
أما أولاً: فلأن المقصود هو تأدية الصلاة على نعت الصحة بالتحقق أو غلبة الظن وهذا حاصل سواء كان عقيب الشك أو بعده إذا كانت الصلاة مشتملة عليه.
وأما ثانياً: فلم تدل دلالة على وجوب الفور في التحري فيعمل عليها وإنما المقصود حصوله قبل فراغه من الصلاة.